برلين: مداهمات ضد مكاتب رجال شرطة متهمين بالتستر في قضية العامري

رئيس الأمن الألماني يؤكد أهمية التعاون مع الولايات المتحدة

شرطي مسلح خلال مداهمات في برلين (د.ب.أ)
شرطي مسلح خلال مداهمات في برلين (د.ب.أ)
TT

برلين: مداهمات ضد مكاتب رجال شرطة متهمين بالتستر في قضية العامري

شرطي مسلح خلال مداهمات في برلين (د.ب.أ)
شرطي مسلح خلال مداهمات في برلين (د.ب.أ)

حذر هانز - جورج ماسن، رئيس دائرة حماية الدستور الألمانية (مديرية الأمن العامة)، من مخاطر إرهابية جديدة تهدد ألمانيا. ووصف ماسن، في ندوة دولية حول الإرهاب عقدت يوم أمس ببرلين، الإرهابيين الجدد بالذين «ترعرعوا في الوطن» مقتبساً التعبير الإنجليزي «هومغرون». وأضاف ماسن أن الوضع تغير جذريا الآن، وما عاد الأمر يدور حول متشددين معروفين منذ سنوات، أو كوماندوز إرهابي يأتي من الخارج لممارسة عمليات إرهابية، وإنما حول إرهابيين ترعرعوا في ألمانيا، وحول أطفال زادوا تشدداً بفعل صلاتهم على الإنترنت. وقال ماسن، في الندوة المشتركة للأمن والاستخبارات وحضرها ممثلو الأجهزة الأمنية الدولية، إن سيناريوهات العمليات الإرهابية تغيرت أيضاً، وما عاد الأمر يدور حول إرهابيين يصممون قنابلهم بأنفسهم ويخططون للنجاة بحياتهم بعد تفجيرها، وإنما حول إرهابيين يأتون من سوريا وقد تدربوا على الكلاشنيكوف، ومستعدين للانتحار.
من جهته يرى رئيس الأمن الألماني أن أدوات تنفيذ العمليات الإرهابية تغيرت أيضاً، وصار الإرهابيون يستخدمون السكين والشاحنة والبلطة لقتل الناس. وطالب ماسن بغلق الثغرات في التحقيقات، وقال إن القيود الإلكترونية أيضاً بحاجة إلى «أقدام نعرفها» كي تؤدي دورها. وحذر ماسن من جديد من استهداف ألمانيا من قبل إرهابيي «داعش»، وأكد على ضرورة عدم الاستهانة بالخطر القادم من منظمة القاعدة، لأن التنظيم يريد استعادة سمعته المفقودة عن طريق عمليات إرهابية استعراضية كبيرة.
وأشار إلى أن المخابرات توفر المعلومات للدولة عند حصولها على هذه المعلومات، ولهذا لا بد من تعاون الأجهزة الأمنية الدولية من أجل توفير المعلومات. وكان ماسن، قبل انعقاد الندوة، أكد على أهمية التعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة. وقال ماسن في البرنامج الإخباري الصباحي للقناة الأولى في التلفزيون الألماني «إيه آر دي»: «نحتاج إلى الأميركيين لأن لديهم معلومات جيدة وموثوق بها, لكن الأميركيين يحتاجوننا أيضاً. إنهم يحتاجون إلى معلومات الاستخبارات الألمانية والأوروبية».
يذكر أن رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الديمقراطي الاشتراكي، الشريك في الائتلاف الحاكم في ألمانيا، وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب مطلع هذا الأسبوع بأنه يمثل خطورة أمنية، مشككاً في جدوى التعاون الاستخباراتي لألمانيا مع الولايات المتحدة. إلى ذلك, قال رئيس الكتلة توماس أوبرمان في تصريحات لصحف مجموعة فونكه الألمانية الإعلامية: «ترمب رئيس يتعين معه افتراض أنه سينقل معلومات حساسة لجهات روسية... لا يمكن مواصلة الوضع على ما هو عليه الآن».
وعلى صعيد التعاون الاستخباري مع الولايات المتحدة ضم رئيس مؤتمر ميونيخ الدولي للأمن صوته إلى دعوات اعتماد النفس من قبل الأوروبيين في القضايا الأمنية. وطالب رئيس مؤتمر ميونيخ الدولي للأمن، فولفجانج إشينجر، الأوروبيين ببذل جهود أكبر من أجل أمنهم.
وقال إشينجر يوم أمس، في تصريحات لإذاعة بافاريا الألمانية: «عبث الولايات المتحدة ببناء القيم والأهداف الغربية أمر جديد, هذا يعني أنه يتعين علينا نحن الأوروبيين فعل المزيد من أجل أمننا». وطالب إشينجر على وجه الخصوص بإحكام عمليات اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبي وإصلاح حق النقض (الفيتو)، وقال: «لماذا لا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يتخذ قراراته في القضايا التي تخص السياسة الخارجية بالأغلبية؟ بدون ذلك لن يكون لدينا قدرة على التصرف في قضايا صعبة وحرجة». ويرى إشينجر أن ظهور الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وقمة مجموعة السبعة في صقلية يمثل فرصة للأوروبيين، وقال: «ما فعله دونالد ترمب الآن من الممكن أن يعني جرس إيقاظ للأوروبيين... السياسة الترمبية تقدم فرصة بناء تاريخية يتعين انتهازها الآن». على صعيد الإرهاب أيضاً، نفذ المحققون الألمان حملة مداهمات وتفتيش لبيوت ومكاتب رجال شرطة تتهمهم النيابة العامة بالتستر على ملفات مهمة في قضية الإرهابي التونسي أنيس العامري. وقال مارتن شتلتنر، المتحدث باسم النيابة العامة ببرلين، إن المحققين صادروا أجهزة كومبيوتر وهواتف جوالة وأنظمة حفظ معلومات إلكترونية لأغراض التحقيق. وأكد أن الحملة شملت رجال شرطة آخرين تعتبرهم النيابة العامة شهوداً في قضية العامري. وقاد العامري (24 سنة) شاحنة في سوق لأعياد الميلاد في العاصمة الألمانية وقتل 12 شخصاً وأصاب أكثر من 50 في عمليته. وأقام أندرياس غايزل، وزير داخلية برلين، دعوى جزائية ضد عدد من ضباط الشرطة بتهمة إخفاء ملفات والتلاعب بالمعلومات وتزوير الوثائق في قضية العامري.
وقال غايزل إن عملية العامري يوم 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي كان من المكن تجنبها لو أن الشرطة حبسته آنذاك بتهمة الاتجار بالمخدرات، لكن رجال شرطة برلين أخفوا التقرير حول نشاطه في مجال المخدرات. ولذلك فقد شكل برلمان ولاية برلين لجنة تحقيق خاصة في موضوع التلاعب بالملفات، وينتظر أن تعرض اللجنة نتائج التحقيق النهائية أمام البرلمان في فترة أقصاها الثالث من يوليو (تموز) القادم. إلى ذلك، كشف فرانك تزمرمان، خبير الشؤون الداخلية في برلمان برلين، أن حكومة العاصمة قررت تشكيل مركز مشترك من الأمن والإطفاء والنجدة لمواجهة مخاطر استهداف مصادر المياه ومحطات إنتاج الطاقة ومراكز الاتصالات. وأكد تزمرمان تشكيل مركز تنسيق بين القوى الأمنية على مستوى الاتحاد والولايات لمواجهة مخاطر استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والذرية من قبل الإرهابيين.
أشار إلى تخصيص الملايين لتأسيس هذه المراكز وتجهيزها وتسليحها وتدريبها.
جدير بالذكر أن شرطة برلين أنهت حالة طوارئ في شارع وإخلاء منازل في برلين بسبب سيارة مشبوهة صباح أمس الاثنين. وأغلقت الشرطة الألمانية أحد الشوارع في حي شونبيرغ البرليني بسبب سيارة مشبوهة عليها أسلاك مريبة وقربها حاوية وقود.
وذكرت الشرطة عبر موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» أن خبراء من مكتب الشرطة الجنائية المحلي بولاية برلين توجهوا إلى موقع السيارة. واستخدم خبراء المتفجرات روبوتاً خاصاً لفحص الأسلاك والتأكد من عدم وجود خطر. وأعلنت الشرطة رفع حالة الطوارئ في منتصف ظهر نفس اليوم.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».