الإعلام الإسرائيلي... قوة التأثير وأنماط الاستقطاب

بدأ قبل الصهيونية والدولة وظل محل اهتمام محلي وعربي... إعلام ديمقراطي داخلياً وموجه ومجند خارجياً

صحافيان فلسطينيان يتصفحان  صحف إسرائيلية («الشرق الأوسط»)
صحافيان فلسطينيان يتصفحان صحف إسرائيلية («الشرق الأوسط»)
TT

الإعلام الإسرائيلي... قوة التأثير وأنماط الاستقطاب

صحافيان فلسطينيان يتصفحان  صحف إسرائيلية («الشرق الأوسط»)
صحافيان فلسطينيان يتصفحان صحف إسرائيلية («الشرق الأوسط»)

إذا كان ثيودور هرتزل هو المؤسس الحقيقي للصهيونية الحديثة، وهو صحافي نمساوي يهودي، فهذا يفسر التأثير غير المفهوم بالنسبة للكثيرين، للإعلام الإسرائيلي اليوم، وهو إعلام لا يبدو أنه يؤثر في بيئته فقط ولكن يعد مصدرا ملهما للمعلومات، بالنسبة لكثير من الفلسطينيين وحتى العرب الذين يتلقفون ما يكتب ويقول، بكثير من المبالغة أحيانا.
وهرتزل هو منظم المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا عام 1897. ورأس المنظمة الصهيونية العالمية التي انبثقت عنه، وأطلق فكرته «الخلاقة» بالنسبة لليهود، فيما يخص إقامة دولة لهم في أي مكان في العالم، في فلسطين مثلا، ومن ثم تفرغ تماما للكتابة حول هذا الأمر، وهو الوقت الذي أصدر فيه كتابه «دولة اليهود... محاولة لحل عصري للمسألة اليهودية».
لقد كان الصحافي اليهودي هو الذي بدأ بفكرة دولة يهودية في فلسطين ومن ثم راح يروج لها عبر وسائل الإعلام، ويجلب موافقات دولية من أجل هجرة اليهود الموعودة إلى هنا. كانت ثقته كبيرة بأهمية ودور الإعلام منذ الألف وحتى الياء.
ويلخص ما كتبه هرتزل في افتتاحية العدد الأول من أسبوعية الحركة الصهيونية «دي وولت»، في الثالث من يونيو (حزيران) عام 1897 بأنه يجب على هذه الصحيفة أن تكون وتتحول إلى درع حامية للشعب اليهودي، وتكون سلاحاً ضد أعدائه» الطريقة التي كان يفكر فيها هرتزل وما زالت طريقة تفكير كل الصحافيين الإسرائيليين تقريباً.

الإعلام قبل الدولة

انتبه مؤسسو إسرائيل لدور الإعلام منذ هرتزل لكنهم تعاملوا معه قبل تأسيس إسرائيل كإحدى أهم أدوات بناء الدولة. وليس سرا أنه قبل عام 1948 أنشأت الحركة الصهيونية إذاعة موجهة للشعب اليهودي وأخذت تطبع 14 صحيفة بينها 4 ناطقة بالعربية، ومن بين هذه الصحف اثنتان على الأقل تعد اليوم مرجعاً للأخبار التي تخص إسرائيل في العالم، وهما صحيفتا هآرتس ويديعوت أحرونوت.
وقد صدرت صحيفة هآرتس عام 1919، فيما صدرت صحيفة يديعوت أحرونوت عام 1939، وصحيفة معاريف عام 1948، ومع ذلك لا يمكن حصر الصحف التي صدرت وتوقف منذ بداية القرن الماضي وحتى الآن.
ومثل هرتزل ظل ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل مؤمناً بشدة بأن للإعلام دوراً ووظيفة، فأعلن بعد توليه منصبه تأسيس «هيئة رؤساء تحرير الصحف»، وهي الهيئة التي تشير كثير من الدراسات إلى أنها كانت تتبع بشكل أو بآخر جهاز الموساد الإسرائيلي، الذي تحكم بشكل كبير في المعلومات التي يجب أن تنشر أولا.
هذه الرقابة العسكرية وإن تراجعت بشكل كبير أمام التقدم الكبير لوسائل الإعلام في إسرائيل ما زالت قائمة بعد 60 عاما، ومقصها يراقب كل معلومة أمنية حساسة. أما في الحروب فإن هذه الرقابة هي التي توجه وتحشد. وعلى الرغم من أن الإعلام الإسرائيلي كما هو معروف للكثيرين إعلام حربي أو إعلام جيش، لكنه أيضا محط اهتمام ومؤثر.

الإعلام الإسرائيلي مستفيد
من تراجع الإعلام العربي

ربما يكون تأثير الإعلام الإسرائيلي قديما إلى حد ما لكنه في العقدين الأخيرين أصبح مثل «كي الوعي». ليس سرا أن كثيرا من وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية تفرد مساحات واسعة لما تتضمنه وسائل الإعلام العبرية، التي تبدو مصدقة أكثر من غيرها، إذا ما تعلق الأمر بشأن إسرائيلي أو حتى فلسطيني.
ومن باب الإنصاف القول إن الصحف الإسرائيلية تنجح في كثير من الأحيان في كشف ما يدور في كواليس السياسة في رام الله، فيما لا ينجح الفلسطينيون في ذلك. ومع كل صباح يذهب كثير من الفلسطينيين إلى الصحف الإسرائيلية ليعرفوا ما يدور عندهم.
ويرى المختص في الشؤون العبرية أكرم عطا الله، أن الإعلام الإسرائيلي أصبح له كل هذا الحضور والمساحة في الصحف الفلسطينية، والعربية كذلك بسبب تراجع الإعلام المحلي والعربي.
وقال عطا الله لـ«الشرق الأوسط»، إن «الإعلام الإسرائيلي لا يعد قويا بالنسبة للإعلام الغربي، ولكنه أمام تراجع مستوى الإعلام العربي يعتبر مصدرا قويا خصوصا أنه نتاج مجتمع مختلف ومتقدم ما جعل له مساحات واسعة في وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية المتراجعة مقارنة مع الإعلام العبري».
ويعتقد عطا الله أن الديمقراطية التي يمارسها الإعلام الإسرائيلي داخليا وعمله على كشف أوجه فساد كثيرة، ومواجهته في كثير من الوقت للسياسيين، جعله محط إعجاب لدى كثيرين. لكنه يضيف أن «هذا ليس عمله على صعيد السياسات الخارجية فهو مجند ضد الفلسطينيين والعرب ويعمل ضمن سياسات واضحة».
ويتابع عطا الله أنه «للوهلة الأولى يعتقد كثيرون أن الإعلام في إسرائيل هو إعلام حرب وليس إعلام دولة ضمن سياسات محددة. صحيح أن الصحف الإسرائيلية لديها قدر من المساحة يمكن أن تتحرك فيها خارج السياسة العامة للدولة الإسرائيلية، وصحيح أن الإعلام الإسرائيلي يوجه كثيرا انتقادات دائمة لجهات حكومية رسمية، لأن إسرائيل تسمح بالمنافسة بين وسائل الإعلام المختلفة فيها ما جعلها مصدرا للخبر بالنسبة لكثير وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية، لكن يجب أن ندرك أن الإعلام الإسرائيلي جزء من الدولة الأم اليهودية».
ويمكن ملاحظة ما يقوله عطا الله أثناء الحروب أكثر. وعادة ما يتجند الإعلام الإسرائيلي أثناء الحروب لدعم جيشه في الوقت الذي لا يرحم فيه صناع السياسة إذا كان هناك أي إخفاق. ويحاول الإعلام الإسرائيلي تحويل كل معركة إلى رابحة، من خلال التأثير المباشر في المتلقيين، إذ يطلق روايته ومصطلحاته ببراعة كبيرة لطالما رددها المتلقون.

المصطلحات الموجهة والاستقطاب

ويستخدم الإعلام الإسرائيلي، مصطلحات محددة، مثل رئيس السلطة الفلسطينية، بدل الرئيس الفلسطيني، وجيش الدفاع بدل الجيش الإسرائيلي، ومناطق الحكم الذاتي بل الضفة الغربية ويهودا والسامرة مقابل الضفة وأورشليم القدس على القدس، وحائط المبكى بدل حائط البراق، وجبل الهيكل في إشارة إلى الأقصى، وإضافة إلى قنابل موقوتة ومطاردين ومخربين في وصف المقاتلين ومواطنين في وصف المستوطنين، كما يستخدمون تعبيرات جدار أمني في تبرير جدار الضم والتوسع، وأحياء وبلدات لتبرير المستوطنات، والإدارة المدنية، بدلا من سلطات الاحتلال، والإحباط بدلا من القتل، والإغلاق بدلا من منع حرية الحركة، وهذا كله من ضمن مئات المصطلحات المختارة بعناية.
ويتضح الاهتمام الكبير بالتأثير على المتلقي الفلسطيني والعربي من عدد القنوات العربية التي تديرها إسرائيل على الرغم من معرفتها بقيام العشرات من الصحافيين والمترجمين بمتابعة كل ما يصدر في الصحف وما يقوله التلفزيون وترجمته للعربية.
ويوجد في إسرائيل إذاعة باللغة العربية، والفضائية الإسرائيلية الرسمية التي تخصص ساعات بالعربية، وقناة فضائية ثانية أنشئت قبل أعوام وهي «آي 24»، إلى جانب موقع المصدر المتخصص في طرح قضايا إسرائيلية لا يتناولها الإعلام الآخر، وموقع «عرب تايمز أوف إسرائيل» الذي يبث تقارير معمقة كما أنها متحيزة للرواية الإسرائيلية بشكل كبير.
ناهيك عن هذا كله، راح المتحدثون الرسميون والعسكريون كذلك في استقطاب عدد أكبر من المتابعين من خلال إتقان اللغة العربية واستغلال ذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وعمليا لا يوجد ناطق فلسطيني مثلا أو عربي يستطيع مجاراة الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي الذي ينشط على مدار الساعة في تقديم معلومات وفيديوهات ووجهات نظر بالعربية، ومثله الناطق باسم رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ورئيس الإدارة المدنية الإسرائيلية بولي مردخاي المعروف باسم «المنسق». إنهم لا يكتفون بالإعلام التقليدي.

«المنسق» نموذجاً للإعلام المجتمعي

مثل حاكم فعلي للشعب الفلسطيني افتتح مسؤول الإدارة المدنية الإسرائيلية، أو ما يعرف في إسرائيل بمنسق أعمال الحكومة، الميجر جنرال يؤاف مردخاي قبل نحو عام صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي للتواصل مباشرة مع الشعب الفلسطيني ملقياً عليهم محاضرات أمنية، وباثا بيانات مختلفة، ومناديا إياهم بزيارة مباشرة لمكاتب الإدارة المدنية من أجل الحصول على تصاريح جديدة، وإلغاء المنع الأمني، والتنقل بين الضفة وغزة وإلى إسرائيل، في تجاوز واضح ومباشر لدور السلطة الفلسطينية.
ومراجعة قصيرة لصفحة «المنسق» تظهر إلى أي حد تتدخل الإدارة المدنية في حياة الفلسطينيين الذين يفترض أن السلطة تحكمهم.
وفي إحدى التغريدات يكتب مردخاي الذي يصفه البعض بأنه الحاكم الفعلي للفلسطينيين حول الاستعدادات لرمضان، واعتماد إجراءات استثنائية من أجل المسلمين وزيارتهم للأقصى وأقربائهم في إسرائيل، كما يعلن اتفاقات متعلقة بتطوير خدمات البريد الفلسطيني وتنظيم قطاع الكهرباء، والمياه ناهيك عن إغلاق وفتح طرق رئيسية وفرعية في الضفة الغربية، وفتح معابر وإغلاق أخرى وإدخال تسهيلات على حركة البضائع والأفراد وإعطاء تصاريح وسحب أخرى وتحديد شروط التنقل إلى إسرائيل أو غزة ومن غزة كذلك، إضافة إلى شروط تجديد البطاقات الممغنطة لتسهيل آلية العبور باعتماد البصمة.
ويعتقد كثير من المراقبين أن إسرائيل تجهز لمرحلة ما بعد السلطة الفلسطينية، عبر اختبار التعامل مباشرة مع الفلسطينيين، ودعا كتاب إسرائيليون إلى ذلك، وحذر منه فلسطينيون وعزز من ذلك اعتراف المسؤولين الفلسطينيين وبينهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن إسرائيل تحول السلطة إلى سلطة بلا سلطة وأن هذا الوضع لا يمكن له أن يستمر.
ولا يستغرب القيادي واصل أبو يوسف، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، هذا التدخل الإسرائيلي في كل التفاصيل اليومية للفلسطينيين واصفا الاحتلال بلاعب رئيسي، لكنه يرى أن ذلك سيفشل. ويتابع قائلا: «لقد جربوا ذلك أيام روابط القرى وحاولوا مرارا خلق عناوين على غرار أنطوان لحد، لكن 50 عاما من محاولة تطويع الشعب الفلسطيني فشلت وستفشل هذه المرة حتى وإن حاولوا إغراء الناس بالجزرة وتهديدهم بالعصا» في إشارة إلى خطة وزير الجيش الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان الذي عرض الشهر الماضي خطته المثيرة للجدل «العصا والجزرة» التي تقوم على التعامل المباشر على الفلسطينيين متجاوزاً السلطة الفلسطينية. ومحاولات التأثير هذه على الفلسطينيين لا تتوقف عند ذلك. بل أنشأ الجيش الإسرائيلي العام الماضي، وحدة تابعة لقسم «الإعلام الجديد» في الجيش، تعمل على كتابة ونشر مضامين باللغة العربية تستهدف الفلسطينيين.
وقال مردخاي نفسه إن ملايين الشواقل استثمرت في هذه الوحدة.
ويؤكد المتابع للشأن الإسرائيلي مصطفى إبراهيم، أن النافذة الإعلامية المختلفة التي تقدمها إسرائيل جعلت منها مصدرا للأخبار.
ويرى إبراهيم في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الاهتمام بما يقدمه الإعلام الإسرائيلي يشير إلى مدى تراجع الإعلام الفلسطيني والعربي في تقديم محتوى جيد للقارئ يشمل معلومات جديدة وذات مصداقية حول كثير من القضايا.
وبالإضافة إلى قدرتهم على الاختراق في الشأن الفلسطيني لأسباب لا يسع المكان لسردها، وتقديمهم رواية مختلفة عبر نوافذ جذابة، لكن أيضا يبدو الأمر وكأنه متعلق بقوة وسطوة «الاحتلال».



الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».