الجيش المصري يعلن تدمير معسكرات الإرهابيين في ليبيا... و«داعش» يتبنى هجوم المنيا

وزير الخارجية المصري: توافر أدلة تؤكد تلقي العناصر الإرهابية تدريبات في ليبيا

تشييع ضحايا هجوم المنيا في كاتدرائية بني مزار بالمحافظة أمس (أ.ف.ب)
تشييع ضحايا هجوم المنيا في كاتدرائية بني مزار بالمحافظة أمس (أ.ف.ب)
TT

الجيش المصري يعلن تدمير معسكرات الإرهابيين في ليبيا... و«داعش» يتبنى هجوم المنيا

تشييع ضحايا هجوم المنيا في كاتدرائية بني مزار بالمحافظة أمس (أ.ف.ب)
تشييع ضحايا هجوم المنيا في كاتدرائية بني مزار بالمحافظة أمس (أ.ف.ب)

أعلنت القوات المسلحة المصرية، أمس، نجاحها في تدمير الأهداف المخططة لها بليبيا، وتدمير معسكرات الإرهابيين منفذي حادث المنيا الإرهابي الذي أسفر عن مقتل 29 شخصا وإصابة العشرات. بينما أعلن تنظيم داعش الإرهابي مسؤوليته عن هجوم المنيا، قائلا في بيان له عبر تطبيق «تليغرام»: «قامت مفرزة أمنية من جنود الخلافة – على حد زعم البيان - بنصب كمين محكم لعشرات النصارى غربي مدينة المنيا... وأحرقوا إحدى سيارات المسيحيين».
وجاء تبني «داعش» للعملية بعد ساعات من الخطاب الذي وجهه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للمصريين، وقال فيه إنه «تم ضرب المعسكرات التي خرجت منها العناصر الإرهابية التي ارتكبت عملية المنيا».
وقتل أول من أمس 29 وأصيب 24 آخرون في هجوم إرهابي على حافلة تقل مسيحيين في رحلة دينية إلى دير الأنبا صموئيل غرب مدينة العدوة بمحافظة المنيا بصعيد مصر على الطريق الصحراوي الغربي، وبدا من الاستهداف أنها «عملية منظمة تم تدبيرها من قبل العناصر الإرهابية التي تتحصن في صحراء وجبال صعيد مصر – بحسب مراقبين».
وأعلن تنظيم داعش الإرهابي مسؤوليته عن تفجير كنيستي الإسكندرية وطنطا في أبريل (نيسان) الماضي، وسبق أن تبنى تفجير الكنيسة البطرسية الملحقة بكاتدرائية الأقباط الأرثوذكس في القاهرة ديسمبر (كانون الأول)، وهو التفجير الذي أعقبه نشر فيديو هدد فيه باستهداف المسيحيين.
وكان السيسي قد أكد في اتصال هاتفي بالبابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، أن «الحادث لن يمر من دون معاقبة المسؤولين عنه، ولن تهدأ أجهزة الدولة قبل أن ينالوا جزاءهم الذي يستحقونه على هذه الجريمة الخسيسة».
وأشار الرئيس المصري إلى أن «تلك الأعمال الدنيئة ما هي إلا محاولة من أولئك الذين يسعون للنيل من وحدة الشعب المصري وتهديد أمنه واستقراره».
من جانبه، أعرب البابا تواضروس الثاني عن ثقته في قيام الدولة المصرية بملاحقة مرتكبي هذا الحادث لينالوا عقابهم، مشيرا إلى تماسك ووحدة الشعب المصري أمام ما يواجهه من تحديات وصعاب، وقدرته على الصمود أمام الشدائد بتلاحم نسيجه الوطني.
وشنت القوات المسلحة المصرية هجوما جويا على معاقل لتنظيم «داعش والقاعدة» في مدينة درنة الليبية الليلة قبل الماضية، بعد ثبوت تلقي عناصر إرهابية تدريبات داخل تلك المدينة لتنفيذ عمليات داخل مصر، ومن بينها هجوم المنيا.
وأعلن المتحدث العسكري العقيد تامر الرفاعي، أمس، أن القوات الجوية نجحت في تدمير الأهداف المخططة لها بليبيا، وقالت القوات المسلحة المصرية في بيان لها بثه التلفزيون الرسمي ونشر على صفحة المتحدث العسكري بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: إنه انطلاقا من دور القوات المسلحة الرئيسي في تأمين وحماية الدولة المصرية والحفاظ على الأمن القومي المصري، وبتكليفات من الرئيس السيسي القائد الأعلى للقوات المسلحة، نفذت القوات الجوية عدد من الضربات المركزة نهارا وليلا استهدفت عددا من العناصر الإرهابية داخل الأراضي الليبية بعد التنسيق والتدقيق الكامل لكافة المعلومات شاركت فيها تشكيلات من المقاتلات متعددة المهام.
مضيفة: أسفرت الضربة عن تدمير كامل للأهداف المخططة التي شملت مناطق تمركز وتدريب العناصر الإرهابية التي شاركت في التخطيط والتنفيذ للحادث الإرهابي الغادر، الذي استهدف عددا من المواطنين بمحافظة المنيا.. في حين تواصل القوات المسلحة مهامها للرد بكل قوة لحماية السيادة المصرية وردع أي محاولة للمساس بعزة وكرامة شعبها العظيم.
وأعلن الجيش، أنه نفذ ضربة جوية مركزة ضد تجمعات من العناصر الإرهابية بالأراضي الليبية بعد التأكد من اشتراكهم في التخطيط والتنفيذ للحادث الإرهابي الغادر، وما زالت العملية مستمرة حتى الآن.
وحاولت الحكومة المصرية التخفيف من آلام أهالي الضحايا والمصابين أمس، ووقف مجلس الوزراء في اجتماعه الموسع أمس بحضور شريف إسماعيل رئيس مجلس الوزراء، مع المحافظين، دقيقة حدادا على أرواح الضحايا، مشددا على أن هذه الأعمال الإرهابية لن تزيد المصريين إلا تماسكا وإصرارا على هزيمة الإرهاب الأسود وكل من يدعمه ودحر عناصره الآثمة.
من جهته، قال المستشار أحمد أبو زيد، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية: إن وزير الخارجية سامح شكري أطلع نظيره الأميركي ريكس تيلرسون في اتصال تليفوني أمس، على الضربات الجوية التي وجهتها القوات الجوية المصرية لمعاقل الإرهاب في شرق ليبيا، وقال له إنها في إطار الدفاع الشرعي عن النفس، مؤكدا توافر كافة المعلومات والأدلة على تدريب العناصر الإرهابية المتورطة في حادث المنيا الإرهابي في تلك المعسكرات، إضافة إلى تورطها في حوادث إرهابية أخرى وقعت في مصر مؤخرا، معربا على تطلع مصر للتعاون مع الولايات المتحدة في مواجهة ظاهرة الإرهاب.
وأضاف أبو زيد في بيان صحافي، أن وزير الخارجية الأميركي أعرب خلال الاتصال عن خالص تعازيه وتضامنه مع مصر حكومة وشعبا وأسر الضحايا في مواجهة الإرهاب، وتأييد الولايات المتحدة للجهود المصرية في مكافحة الإرهاب، فضلا عن استعدادها للتعاون مع مصر في مجال مكافحة الإرهاب معلوماتيا ومخابراتيا وعسكريا.
من جانبها، قررت الدكتورة غادة وإلى وزيرة التضامن الاجتماعي صرف 100 ألف جنيه لأسرة كل قتيل، وصرف 40 ألف جنيه لكل مصاب يقضي أكثر من 72 ساعة في المستشفى، وكذلك صرف معاش استثنائي قيمته 1500 جنيه شهريا. كما قررت وزارة الأوقاف تخصيص خطبة موحدة الجمعة المقبلة للحديث عن «التسامح الديني وضرورة تفويت الفرص على أعداء الدين والوطن» بجميع المساجد في مصر.
بينما أعلن الدكتور أسامة العبد، رئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب (البرلمان)، عن تنظيم مؤتمرا لمحاربة الإرهاب، وسيتم الاستماع لكل الأفكار والآراء القادرة على القضاء على الإرهاب.
وطالبت اللجنة في بيان لها أمس جموع الشعب المصري بالتكاتف في مواجهة قوى الشر والإرهاب الغاشم، مشددة على أن هؤلاء القتلة «بعيدون عن الإسلام، وعن كل مبادئ الرسائل السماوية».
في غضون ذلك، كشف سلاح الجو الليبي التابع للقيادة العامة للقوات المسلحة الليبية، عن أن الغارات المصرية شاركت بها طائرات من طراز «رافال»، موضحا في بيان له أمس أن القوات المصرية بدأت هجومها الذي استهدف معاقل لمسلحين بـ6 غارات جوية مركزة.
وقال بيان سلاح الجو الليبي: إن مقاتلاته نفذت عملية مشتركة مع القوات الجوية المصرية في درنة، وإن العملية المشتركة استخدم فيها الجانب المصري مقاتلات حديثة من طراز رافال المصرية لاستهداف مواقع تحتاج إلى ذخائر خاصة تم تحديدها مسبقاً، وهدفين تم تحديدهما أثناء تنفيذ العملية.
وأضاف البيان، أن هذه العملية تأتي في إطار سلسلة عمليات تمهيدا لدخول القوات البرية للجيش الليبي لمدينة درنة وتحريرها من عبث الإرهابيين، مؤكدا أن العملية كانت ناجحة، وأن خسائر إرهابيي تنظيم القاعدة المستهدفين من القصف كانت كبيرة في العتاد والأرواح.
وقال العميد السيد عبد المحسن، الخبير الأمني والاستراتيجي في مصر، لـ«الشرق الأوسط»: إن «قصف معسكرات الجماعات الإرهابية من قبل الجيش المصري في ليبيا تم بلا خسائر في المدنيين والأهداف كانت محددة». مضيفا: أن «هدف الجيش المصري من عملية ليبيا ضرب استراتيجية (داعش) التي عمدت في الآونة إلى استهدفت الأقباط منذ حادث الكنيسة البطرسية نهاية العام الماضي».
من جهتها، بدأت نيابات أمن الدولة العليا والمنيا وبني سويف الكلية تحقيقات موسعة في حادث المنيا أمس، وكشفت التحقيقات عن العثور على كميات كبيرة من فوارغ الطلقات الناتجة من إطلاق النيران على الضحايا، أمرت النيابة بالتحفظ عليها وإرسالها إلى مصلحة الأدلة الجنائية لفحصها من الناحية الفنية، كما تبين من المعاينة وجود سيارة متفحمة على مسافة 200 متر من الحافلة التي استهدفها الإرهابيون، وتبين أنها تحمل كميات من الأسلحة النارية الآلية.
وقال المصابون في أقوالهم أمام محققي النيابة أمس: إن سيارتين قامتا باعتراض الحافلة التي كانت تقل المجني عليهم، وأن السيارتين كانتا تقل 6 أشخاص ملثمين، صعد منهما اثنان إلى داخل الحافلة، ثم قاما بأخذ متعلقات المجني عليهم تحت تهديد السلاح، أعقبها قيام الإرهابيين بإطلاق النيران على المجني عليهم داخل الحافلة.
وأضافت التحقيقات، أن الجناة الهاربين استخدموا سيارات دفع رباعي، وطلب المتهمون من بعض الضحايا الخروج من الحافلة واستولوا على متعلقاتهم الشخصية وفتحوا عليهم النيران، كما قتل الجناة عمالا كانوا يستقلون سيارة نقل تصادف مرورها أثناء الحادث.. وتابعت التحقيقات، أن الجناة طلبوا من المجني عليهم نطق الشهادة قبل قتلهم واستولوا على المشغولات الذهبية والأموال الخاصة بهم، وأن المسلحين أطلقوا الأعيرة النارية على المجني عليهم بمناطق الرأس والصدر.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.