تعويل فرنسي على قمة ماكرون ـ بوتين لتوضيح خطط روسيا في سوريا

الرئيسان الأميركي والفرنسي توافقا على ضرورة مشاركة «جميع الأطراف في التسوية»

الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك يراقبون فعاليات القوة الجوية الإيطالية بمناسبة اجتماع رؤساء مجموعة السبع أمس (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك يراقبون فعاليات القوة الجوية الإيطالية بمناسبة اجتماع رؤساء مجموعة السبع أمس (أ.ب)
TT

تعويل فرنسي على قمة ماكرون ـ بوتين لتوضيح خطط روسيا في سوريا

الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك يراقبون فعاليات القوة الجوية الإيطالية بمناسبة اجتماع رؤساء مجموعة السبع أمس (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك يراقبون فعاليات القوة الجوية الإيطالية بمناسبة اجتماع رؤساء مجموعة السبع أمس (أ.ب)

بعد لقائه، الاثنين المقبل، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في قصر فرساي التاريخي، بمناسبة معرض حول نشأة العلاقات الدبلوماسية الفرنسية - الروسية قبل 300 عام، يفترض أن تكون قد تكونت لدى الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون رؤية واضحة بشأن موقف واشنطن وموسكو من الحرب في سوريا، والطريقة الآيلة لوضع حد للنزاع.
كان ماكرون قد التقى الرئيس دونالد ترمب، في بروكسيل، أول من أمس، على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، مصحوباً بوزيري الخارجية والدفاع جان إيف لودريان وسيلفي غولارد، ومستشاره الدبلوماسي الخاص فيليب أتيان. وستتكرر الصورة مع بوتين بعد غد. وقبل ذلك، يكون ماكرون قد انضم إلى نادي قادة دول مجموعة السبع الذين اجتمعوا أمس في منتجع تاوريما (صقلية). وبذلك، يكون الرئيس الشاب، البالغ من العمر 39 عاماً، قد خطا بنجاح خطواته الأولى، والتقى قادة دول الاتحاد الأوروبي و«الناتو» ومجموعة السبع كافة، إضافة إلى الرئيس الروسي.
والواضح حتى الآن أن سياسة باريس إزاء الملف السوري لم يطرأ عليها أي تغيير جوهري. والسبب الأول في ذلك أن فريق الرئيس ماكرون من الوزراء المعنيين والمستشارين لم يتوفر له الوقت الكافي من أجل مراجعة شاملة، وإعادة النظر بالسياسة التي التزمت بها فرنسا منذ انطلاقة الانتفاضة السورية قبل 6 أعوام. لكن ما يعيه هذا الفريق هو أن باريس أضحت «مهمشة»، رغم المبادرات التي اتخذتها، إن في مجلس الأمن الدولي أو في الاجتماعات الكثيرة التي نظمتها. ويعي ماكرون أن باريس لم تعد فاعلة في الملف السوري. وسبق له أن كرر أن بلاده «لا يمكن أن تبقى خارج اللعبة»، بمعنى أن تكون عديمة التأثير على مجريات الأحداث، أكانت عسكرية أو دبلوماسية سياسية. وقال دبلوماسيون، تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» هذا الأسبوع، إن باريس «حرمت نفسها» من أوراق كان يمكن أن تستخدمها بسبب موقفها المتصلب الداعم للمعارضة السورية، والمعادي للنظام، وهو الخط الذي سارت عليه منذ عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي (2007 - 2012)، ثم في عهد الرئيس السابق فرنسوا هولاند (2012 - 2017).
ويستشف من هذه التسريبات أن باريس «عازمة» على القيام بشيء ما. ونقلت مصادر دبلوماسية أوروبية عن اجتماع ماكرون - ترمب أن الرئيسين توافقا على «ضرورة أن تشارك جميع الأطراف السورية في التسوية السياسية»، لكن هذا الكلام لا يحمل جديداً إلا إذا كان يحمل تغيراً بالنسبة لمستقبل بشار الأسد، ودوره في المرحلة الانتقالية. وسبق لباريس أن قبلت ضمناً بقاءه «لفترة زمنية معينة» في هذه المرحلة، ذلك أن المعارضة والنظام يشاركان في مسلسل اجتماعات جنيف، كما في اجتماعات آستانة التي ترعاها روسيا وإيران وتركيا. وسارعت هذا الأسبوع وزارة الخارجية إلى نفي تسريب عن عزم الحكومة الجديدة على إعادة فتح السفارة الفرنسية في دمشق.
من جهة أخرى، تدل تصريحات وزيرة الدفاع الجديدة سيلفي غولارد، أمس، على أن باريس مستمرة على سياستها العسكرية السابقة في سوريا، فقد قالت في مقابلة مع إذاعة «أوروبا رقم 1» إن فرنسا «لن ترسل قوات للمشاركة في المعارك في سوريا» من أجل استعادة مدينة الرقة من تنظيم داعش، لكنها بالمقابل أكدت ما كان معروفاً من أن لباريس قوات كوماندوز شمال سوريا.
وميزت غولارد بين إرسال قوات رسمية مكثفة وإرسال بعض وحدات الكوماندوز للقيام بعمليات محدودة. وتفيد أوساط عسكرية في باريس أن هذه الوحدات موجودة لملاحقة المتطرفين الفرنسيين الموجودين في الشمال السوري. وتعتقد باريس أن التخطيط للهجمات الانتحارية التي ضربت الأراضي الفرنسية، وكذلك بلجيكا وألمانيا، إنما تم في الرقة، حيث يوجد عدة مئات من المتطرفين الفرنسيين.
وفي أي حال، لا يمكن المقارنة بين ما أرسلته واشنطن من قوات خاصة وما أرسلته باريس التي تؤكد أنها تقوم بدورها كاملاً في محاربة «داعش»، عن طريق الدعم الذي تقدمه للقوات الحكومية العراقية والبيشمركة و«وحدات حماية الشعب» الكردية الساعية لتطويق الرقة بدعم طيران التحالف الدولي. وتشدد باريس خصوصاً على الدور الذي تقوم به قواتها الجوية، حيث تؤكد أنها ثاني أكبر مساهم في العمليات الجوية فوق العراق وسوريا.
وما يعرف من «تصور» ماكرون لوضع حد للحرب في سوريا، وللدور الفرنسي، يتضمن: الأول، التأكيد على أولوية القضاء على «داعش»، ليس فقط في الموصل والرقة، بل استمرار ملاحقتها حتى لا تتجذر في أماكن أخرى. والثاني، الحاجة لوضع خريطة للحل السياسي. وإذا كانت الأولوية الأولى أمراً مجمعاً عليه، فإن صورة الحل السياسي ما زالت حتى الآن غامضة بانتظار أن تبلور واشنطن تصورها وخطتها في سوريا، وهو ما لم يحصل حتى اليوم، وما زال مصدر «شكوى» من باريس ومن أطراف أخرى. وسبق لماكرون أن اعتبر أن «أي عمل عسكري لن يكون له معنى ما لم يندرج في إطار تحرك دبلوماسي أو خطة سياسية». والثالث، ماكرون يريد ألا يتكرر في سوريا ما حصل في العراق وليبيا، أي انهيار بنى الدولة السورية العسكرية والأمنية والإدارية، ما يفتح الباب لتشرذم سوريا وتفككها، وربما قيام تنظيمات إرهابية جديدة.
وبالنظر لكل هذه العوامل، يبدو اللقاء المنتظر بين ماكرون وبوتين بالغ الأهمية. وبغض النظر عن أن الرئيس الروسي راهن على فوز منافسة ماكرون، زعيمة الجبهة الوطنية ومرشحة اليمين المتطرف، في الانتخابات الرئاسية، فإن مجيئه إلى باريس بحجة افتتاح معرض، واستقباله في قصر فرساي، يعدان خطوة لإعادة إطلاق الحوار بين موسكو وباريس.
جدير بالذكر أن بوتين ألغى الخريف الماضي زيارة إلى العاصمة الفرنسية لتدشين الكاتدرائية الروسية بسبب التوتر في علاقات بلاده مع فرنسا، على خلفية قصف الطيران الروسي لأحياء حلب الشرقية التي كانت تحت سيطرة المعارضة، ومواقف روسيا المجهضة لأي تحرك في مجلس الأمن الدولي. لكن هل سيخرج شيء من هذه اللقاءات؟
لا تبدو مثل هذه التوقعات مؤكدة، إذ إن كفة القوى غير متوازنة بين طرف يمسك بالأوراق العسكرية والدبلوماسية في سوريا وطرف آخر ساع لاستعادة موقع له على خريطة النزاع السوري. ويرى أكثر من خبير في باريس أنه إذا أراد بوتين أن يقدم «هدية» في سوريا، فإنه سيقدمها بالدرجة الأولى لنظيره الأميركي، وليس للرئيس الفرنسي، رغم عودة «الحرارة» بين باريس وموسكو.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.