مسيحيو مصر في مرمى الإرهاب من جديد

مقتل 28 وإصابة 24 بهجوم على حافلة كانت في طريقها لزيارة أحد الأديرة * السيسي: تم ضرب المعسكرات التي خرجت منها العناصر التي نفذت العملية الإرهابية

شرطي مصري قرب موقع الاعتداء الإرهابي الذي استهدف أقباطاً  أثناء قيامهم برحلة دينية بصعيد مصر (رويترز) وفي الإطار صورة للحافلة المستهدفة (أ.ف.ب)
شرطي مصري قرب موقع الاعتداء الإرهابي الذي استهدف أقباطاً أثناء قيامهم برحلة دينية بصعيد مصر (رويترز) وفي الإطار صورة للحافلة المستهدفة (أ.ف.ب)
TT

مسيحيو مصر في مرمى الإرهاب من جديد

شرطي مصري قرب موقع الاعتداء الإرهابي الذي استهدف أقباطاً  أثناء قيامهم برحلة دينية بصعيد مصر (رويترز) وفي الإطار صورة للحافلة المستهدفة (أ.ف.ب)
شرطي مصري قرب موقع الاعتداء الإرهابي الذي استهدف أقباطاً أثناء قيامهم برحلة دينية بصعيد مصر (رويترز) وفي الإطار صورة للحافلة المستهدفة (أ.ف.ب)

مُني المصريون أمس بحادث مروع، استهدف أقباطاً أثناء قيامهم برحلة دينية بصعيد مصر, ادى الى مقتل نحو 28 شخصا، غالبيتهم من الأطفال، وأصاب عشرات آخرين.
وقال مصدر مسؤول في مركز الإعلام الأمني بوزارة الداخلية إن مجهولين يستقلون ثلاث سيارات دفع رباعي قاموا بإطلاق النيران بشكل عشوائي تجاه حافلة تقل عددا من المواطنين والأطفال الأقباط في طريق صحراوي.
ودعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى معاقبة الدول «التي تدعم الإرهاب وتمده بالسلاح والتمويل والتدريب». وأضاف السيسي في كلمه وجهها إلى الشعب المصري عبر التلفزيون الرسمي أنه «لا مجاملة ولا مصالحة» مع هذه الدول. وقال إنه تم ضرب المعسكرات التي خرجت منها العناصر الإرهابية التي ارتكبت عملية المنيا الإرهابية أمس، في أول رد فعل من جانبه على العملية الإرهابية.
ولم يحدد السيسي تلك المعسكرات لكن وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية قالت إن الجيش دمر المركز الرئيسي لمجلس شورى مجاهدي درنة في ليبيا بعد عملية المنيا الإرهابية أمس.
وشدد الرئيس المصري على أن بلاده لن تتردد في ضرب معسكرات الإرهابيين في الداخل والخارج، حيث تواجه حربا ضروسا ضد الإرهاب. وأكد السيسي بعدما عقد اجتماعا مع القيادات الأمنية والعسكرية أن بلاده تخوض حربا ضد الإرهاب بالنيابة عن كافة دول العالم. وأضاف السيسي أنه بعد سقوط النظام الليبي، كانت مصر تدرك أنها بصدد مواجهة شر كبير، وكانت القوات توجد على الحدود لتأمين البلاد. وكشف أنه خلال العامين الماضيين فقط، عبر نحو ألف سيارة رباعية الدفع الحدود نحو مصر، وجرى خلال الثلاثة أشهر الماضية تدمير نحو 300 عربة.
ووجه السيسي خطابه إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، معربا عن ثقته فيه وفي قدرته على مواجهة الإرهاب في كافة منابعه بالعالم. وحث السيسي المصريين على توخي الوعي والانتباه والحفاظ على التماسك. وقال: «نحن متألمون ومجروحون، وهذا ثمن ندفعه من أجل حرية حقيقية لبلدنا بدلا أن تقع في أيدي التطرف والإرهاب وتصبح مصر قاعدة للراديكالية في العالم».
وشهدت البلاد أمس استنفاراً أمنياً. فيما وجه السيسي باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لرعاية المصابين. وذكرت وزارة الصحة المصرية في أحدث بياناتها مقتل 28 مسيحياً على الأقل وإصابة 24 آخرين في هجوم إرهابي على حافلة تقل مسيحيين في رحلة دينية إلى دير الأنبا صموئيل غرب مدينة العدوة بمحافظة المنيا على الطريق الصحراوي الغربي، وقال خالد مجاهد المتحدث باسم وزارة الصحة، إن «وزير الصحة الدكتور أحمد عماد الدين أمر بنقل جميع المصابين لمعهد ناصر بالقاهرة من مستشفيات مغاغة والعدوة وبنى مزار المنيا... ووَجَّه بتحريك أطقم الرعاية المركزة بمعهد ناصر لسرعة إسعاف المصابين».
وقال مصدر مسؤول بمركز الإعلام الأمني بوزارة الداخلية إنه «تم فرض كردون أمني بمنطقة الحادث بعدما قام مجهولون يستقلون ثلاث سيارات دفع رباعي بإطلاق النيران بشكل عشوائي تجاه حافلة تقل عدداً من المواطنين الأقباط، أثناء سيرها بالطريق الصحراوي الغربي، بدائرة مركز شرطة العدوة».
ووجه اللواء مجدي عبد الغفار وزير الداخلية بتشكيل فريق بحث على أعلى مستوى من الأمن العام والأمن الوطني ومديرية أمن المنيا، لكشف غموض الواقعة وسرعة ضبط المتهمين.
ومن جهتها، ألغت دار الإفتاء المصرية احتفالها السنوي باستطلاع هلال رمضان حداداً على أرواح الضحايا.
وقال شهود عيان إن «10 ملثمين أطلقوا النار على الأقباط، بعدما أوقفوا الحافلة وحصلوا على متعلقاتهم الشخصية، ثم أطلقوا الرصاص عشوائياً عليهم وفروا هاربين». وقال بيتر إلهامي المنسق الإعلامي لمطرانية مغاغة بالمنيا، إن «المسلحين استولوا على أموالهم قبل قتلهم». مضيفاً أن «المسلحين كانوا ملثمين ويستقلون سيارات دفع رباعي وفتحوا النار على الحافلة، وسيارة نقل كانت تقل عمالاً كانوا في طريقهم لزيارة الأنبا صموئيل».
وما زالت أصداء حادثي استهداف كنيستي في طنطا والإسكندرية أبريل (نيسان) الماضي ومقتل وإصابة العشرات خلال احتفال المسيحيين في مصر بأحد السعف (الشعانين)، تلقى بظلالها على المشهد العام في البلاد، وتسعى السلطات الأمنية لضبط الجناة، التي أكدت أنهم من محافظة قنا (القريبة من المنيا).
ويأتي الحادث قبل ساعات من استقبال المسلمين لشهر رمضان، ولوحت مصادر كنسية بأن «الإرهاب يرتبط دائما بالمناسبات»، لافتة إلى أن «تفجير الكنيسة البطرسية بالقاهرة وقع يوم المولد النبوي»، وتفجير كنيستي طنطا والإسكندرية قبل يوم من أعياد الأقباط، وحادث أمس قبل يوم من شهر رمضان، مضيفة أن «هذه الأحداث كلها تقوم بها جماعات متطرفة، تحاول ضرب العلاقة بين المسيحيين والمسلمين في مصر».
وأعلن تنظيم «داعش» الإرهابي مسؤوليته عن تفجير كنيسة الإسكندرية، مذكراً وقتها بمزاعم سابقة أطلقها التنظيم في عام 2015، عندما أعلن عن تأسيس فرع له في الصعيد على غرار ما يعرف بـ«ولاية سيناء»، لكن مصادر مصرية قالت إنها «تحكم قبضتها على مدن الصعيد».
إلا أن مصدراً أمنياً قال إن «صحراء وجبال صعيد مصر تعد مركزاً للإعداد للعمليات الإرهابية»، لافتاً إلى أن «طبيعة جبال الصعيد وامتدادها على رقعة مترامية الأطراف، تسمح بحرية التحرك للعناصر المتطرفة دون رقابة تذكر، ما يجعل السيطرة عليها أمراً بالغ الصعوبة».
وقال مراقبون إنه نظراً لطبيعة الصعيد الجغرافية فقد سمحت رقعتها بتحرك جماعات لتجارة السلاح دون رقابة في أماكن مختلفة، حيث لم يعد مقتصراً على الأسلحة الصغيرة أو محلية الصنع فقط، بل امتدَّ ليشمل أسلحة ثقيلة ومتطورة لم تكن متاحة وربما غير معروفة من قبل. وقال شهود عيان أمس إن «العناصر الملثمة كان تمسك بأسلحة متطورة».
ووفقاً لتقديرات غير رسمية تتراوح نسبة المسيحيين بمصر من 10 إلى 15 في المائة من عدد السكان البالغ عددهم أكثر من 90 مليون نسمة.
وفور الحادث أمر النائب العام المستشار نبيل أحمد صادق، بفتح تحقيق موسع لسرعة التوصل إلى الجناة، إذ انتقل أعضاء النيابة إلى الموقع لإجراء التحقيقات الفورية، للتوصل إلى كيفية ارتكاب الحادث، ومناظرة جثامين القتلى وندب الطب الشرعي لتوقيع الكشف عليها.
وسبق أن تبنى تنظيم داعش الإرهابي تفجير الكنيسة البطرسية الملحقة بكاتدرائية الأقباط الأرثوذكس في القاهرة ديسمبر (كانون الأول) أوقع 28 قتيلاً. أعقبه نشر فيديو هدد فيه باستهداف المسيحيين المصريين.
ونفذ التنظيم المتشدد الذي يتركز نشاطه في شمال سيناء تهديداته باستهداف أقباط في مدينة العريش، مما دفع عشرات الأسر المسيحية للنزوح من المدينة، بعد مقتل 7 أقباط على يد عناصر التنظيم في فبراير (شباط) الماضي، وأخيراً امتدت العمليات الإرهابية للتنظيم إلى القاهرة وعدد من المحافظات الأخرى، استهدف بعضها الكنائس... ويخوض الجيش المصري، بمعاونة الشرطة، حرباً شرسة ضد تنظيم داعش الإرهابي والجماعات الموالية له في شمال سيناء منذ سنوات، قتل فيها المئات من الجانبين.
يأتي حادث أمس بعد يومين من تحذير السفارة الأميركية بالقاهرة رعاياها الموجودين في مصر، من تهديد «محتمل» لـ«حركة سواعد مصر»، المعروفة بـ«حسم» الإرهابية. وذلك بعد نشر الحركة مقطع فيديو عبر حسابها بموقع «تويتر»، قالت فيه إنه لهجوم على حاجز أمني بحي مدينة نصر، أسفر عن مقتل 3 شرطيين، بينهم ضابطان، وإصابة 5 آخرين، مطلع مايو (أيار) الحالي.
وقالت السفارة في رسالة نشرتها عبر موقعها الإلكتروني، إنها تحذر الأميركيين الموجودين بمصر، من «تهديد محتمل هذا المساء لحركة (حسم)، تلك المنظمة الإرهابية المعروفة». وأضافت أنه «لا يتوافر لدينا مزيد من المعلومات عن ذلك التهديد المحتمل، غير أننا على تواصل مع السلطات المصرية».
من جهته، أدان شريف إسماعيل رئيس مجلس الوزراء الحادث الإرهابي، مشيراً إلى أن هؤلاء الإرهابيين لن ينجحوا في شق النسيج الوطني. وأكد رئيس الوزراء على جبن وخسة تلك الأعمال الإرهابية التي تستهدف النيل من أمن واستقرار الوطن، مؤكداً عزم الدولة حكومة وشعباً على التصدي بكل قوة لتلك الأفكار والأعمال الإرهابية والقضاء عليها، جنباً إلى جنب مع الاستمرار في عمليات البناء والتنمية.
وقال السفير أشرف سلطان المتحدث باسم مجلس الوزراء، إن «الحادث لم ينل من أمن مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن رئيس الوزراء وجه بسرعة ضبط الجناة، وتشديد الإجراءات الأمنية بشكل عام.
وأعلن مجلس الوزراء أمس أن «الرئيس السيسي وجَّه جميع أجهزة الدولة والمسؤولين المعنيين بسرعة التعامل مع هذا الحادث الغاشم، والتأكد من توفير جميع أوجه الرعاية ﻷسر الضحايا والمصابين، وكذا تقديم جميع الإجراءات والتسهيلات اللازمة على الوجه الأكمل».
في غضون ذلك، أصدرت الكنيسة المصرية بياناً صحافياً، أمس، قالت فيه: «تلقينا بكل الألم والحزن أنباء ذلك الاعتداء الآثم الذي تعرض له مصريون أقباط»، مضيفة: «إذ نواسي كل هذه الأسر المجروحة ونتألم مع كل الوطن لهذا العنف والشر الذي يستهدف قلب مصر ووحدتنا الوطنية التي هي أثمن ما نملكه، ونحفظه ونحميه... وإذ نقدر سرعة استجابة المسؤولين، والتعامل مع الحادث، فإننا نأمل اتخاذ الإجراءات اللازمة نحو تفادي خطر هذه الحوادث التي تشوه صورة مصر، وتتسبب في الآم العديد من المصريين».
كما أكد مجلس النواب (البرلمان) أن الحادث الإجرامي الخطير الذي تعرضت له الحافلة يهدف إلى النيل من قوة ومتانة النسيج الوطني ووحدتنا الوطنية، مضيفاً في بيان له، أمس، أن «الحادث لن يثنى مصر بقيادتها وشعبها وقواتها المسلحة ورجالها عن تطهير أرض مصر من هؤلاء المهلكين للنسل والحرث، واقتلاع جذورهم ليظل أذان المآذن يُرفع وأجراس الكنائس تُقرع».
من جهته قال الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر إن «حادث المنيا لا يرضى عنه مسلم ولا مسيحي ويستهدف ضرب الاستقرار في مصر». داعيا خلال كلمته في احتفال حركة الإصلاح الديني في أوروبا التي أقامتها الكنيسة البروتستانتية بمناسبة مرور 500 عام على تأسيسها أمس، بالوقوف دقيقة حدادا على أرواح ضحايا حادث المنيا الإرهابي، مطالبا المصريين «أن يتحدوا جميعا في مواجهة هذا الإرهاب الغاشم».
وشارك شيخ الأزهر أمس في يوم الكنيسة الألماني في العاصمة برلين بحضور البروفسور كريستينا أوس دير آو رئيس يوم الكنيسة الألماني البروتستانتية، وتوماس دي ميزيير وزير الداخلية الألماني، ودعا رجال الدين في الغرب أن يسهموا في تصحيح الصورة المغلوطة في أذهان الغربيين عن الإسلام والمسلمين، مؤكدا أنه «آن الأوان لأن تتجاوب أجراس الكنائس في الغرب ونداء المآذن في الشرق لتقول لا لهذا العبث باسم الأديان، ولا للعبث بالفقراء والنساء والأطفال، هؤلاء الذين يدفعون من دمائهم وأجسامهم وأشلائهم فاتورة حرب ليس لهم فيها ناقة ولا جمل، بعد أن تراخى القادرون على وقف هذه الحروب، التي أكلت الأخضر واليابس في عالمنا العربي».
وتأتي مشاركة الأزهر في احتفال يوم الكنيسة الألماني خطوة على طريق الحوار بين الأديان من أجل السلام والتعارف وثقافة التسامح... بعد أن أتم الأزهر جولات حوارية مكثفة مع المؤسسات الدينية الكبرى في الغرب لتأكيد التسامح بين الأديان.
وقال الطيب إن «الأديان السماوية هي أولا وأخيرا ليست إلا رسالة سلام إلى البشر؛ بل أزعم أنها رسالة سلام إلى الحيوان والنبات والطبيعة بأسرها، وعلينا أن نعلم أن الإسلام لا يبيح للمسلمين أن يشهروا السلاح، إلا في حالة واحدة هي دفع العدوان عن النفس والأرض والوطن، ولم يحدث قط أن قاتل المسلمون غيرهم لإجبارهم على الدخول في دين الإسلام؛ بل إن الإسلام لا ينظر لغير المسلمين من المسيحيين واليهود إلا من منظور المودة والأخوة الإنسانية».
مضيفا أن «أصول مصادرنا الدينية التي نعتمد عليها في الفتوى والتشريع قديما وحديثا تصف المسيحيين بخصال أربع، وخصلة خامسة جميلة، هذه الخصال هي أنكم أكثر الناس حلما حين تسود الفتن، وأسرع الناس عافية مما تصابون به من نوازل وأزمات، وأنكم أكثر الناس استعادة للعزم والحزم، وأنكم خير الناس لليتامى والمساكين والضعفاء... والخامسة الحسنة الجميلة هي أنكم تنصفون المظلوم وتحولون بين المستضعفين وبين المتسلطين عليهم ظلما وعدوانا».
وتابع شيخ الأزهر: «أظنكم تتفقون معي في أن التاريخ لم يسجل اندلاع حرب في الشرق بين المسلمين والمسيحيين، وسبب ذلك سبب شرعي خالص، هو أن شريعة الإسلام تفرض على ولاة أمور المسلمين حماية غير المسلمين وضمان أمنهم وسلامتهم، فلا يُعقل أن يكلف جيش المسلمين بحماية المواطنين المسيحيين ثم يسمح له بأن يعلن الحرب عليهم أو يشارك في حرب تُعلن عليهم».



«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended