تنافس بين «الجهاد» و«حماس» في جذب الأنصار بالأراضي الفلسطينية

حركة الجهاد ما زالت تحتفظ بمكاتبها في دمشق وتتلقى 50 مليون دولار من إيران

تنافس بين «الجهاد» و«حماس» في جذب الأنصار بالأراضي الفلسطينية
TT

تنافس بين «الجهاد» و«حماس» في جذب الأنصار بالأراضي الفلسطينية

تنافس بين «الجهاد» و«حماس» في جذب الأنصار بالأراضي الفلسطينية

بعد ساعات من مقتل محمد عاصي على يد القوات الخاصة الإسرائيلية في تبادل لإطلاق النار الشهر الماضي في الضفة الغربية المحتلة سعت كل من حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى الانفراد بإرثه.
فسرعان ما أعلنت كل من الجماعتين انتماء القتيل إليها وتفاخرت بإعلان المسؤولية عن تفجير حافلة في تل أبيب عام 2012 ساعد عاصي في تنفيذه وأدى إلى إصابة عدد من الإسرائيليين.
وقال تقرير لـ«رويترز»، إن «هذا يعكس هذا تنافسا أوسع بكثير على اجتذاب المؤيدين في الأراضي الفلسطينية بين الحركتين اللتين يعتبرهما الغرب منظمتين إرهابيتين».
وتدير «حماس» قطاع غزة ولها جناحان سياسي وعسكري قويان. أما حركة الجهاد الإسلامي فلا تسعى للحكم لكنها تزيد قوتها في هدوء وباتت الجماعة التي تعتمد عليها إيران وسوريا.
وهذا يجعل من الجهاد الإسلامي خطرا متناميا على إسرائيل وتهديدا محتملا لـ«حماس» على الساحة الفلسطينية رغم أن اقتصار تركيزها على محاربة إسرائيل يجعلها لا تنافس «حماس» على السيطرة على القطاع.
وقال الشيخ نافذ عزام عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي والذي يعيش في مدينة رفح في جنوب غزة على الحدود مع مصر نحن نسعى لزيادة الحشد والأنصار سواء في غزة أو الضفة والقدس.
وأشار عزام وهو يتحدث بنبرة هادئة ومتأنية إلى «حماس» باعتبارها شقيقة في الصراع المستمر منذ عقود مع إسرائيل لكنه يقول، إن «حكم غزة جعل الحركة تفقد بعض تركيزها». وأضاف «أهم الإنجازات التي حققتها (حماس) حققتها وهي في المقاومة».
وخلال قتال استمر ثمانية أيام مع إسرائيل في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي فاجأت حركة الجهاد الإسلامي الكثير من الفلسطينيين بكونها أول جماعة مسلحة تطلق صاروخا إيراني الصنع لمسافة نحو 70 كيلومترا باتجاه تل أبيب المركز المالي لإسرائيل. واتخذت «حماس» نفس الخطوة في وقت لاحق من المواجهة.
وقال أبو أحمد المتحدث باسم سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي «300 صاروخ أطلقها مقاتلو الجهاد في حرب نوفمبر وتضمنت تغيرا نوعيا بأن تم قصف تل الربيع أو تل أبيب. أن تقصف تل أبيب ومحيطها بصاروخ فهذا يساوي إطلاق مثلا مائة صاروخ على بئر السبع أو أسدود» في إشارة إلى المدينتين الإسرائيليتين القريبتين من غزة واللتين انهالت عليهما الصواريخ.
ولم يسبب الصاروخ الذي استهدف تل أبيب أي أضرار لكنه هز المدينة الهادئة التي كانت تعتقد أنها آمنة من الهجمات من قطاع غزة الذي يقطنه نحو 8.‏1 مليون فلسطيني.
وقال الكولونيل يوني فيجل الضابط المتقاعد بالجيش الإسرائيلي وكبير الباحثين في معهد السياسات الدولية لمكافحة الإرهاب في هرتزليا إن «حركة الجهاد الإسلامي خطيرة نظرا لأنه لا يمكن السيطرة عليها إلى حد ما».
وأضاف أن «حركة الجهاد الإسلامي ليست ملزمة بإطعام جميع الفلسطينيين في غزة ومن ثم تتمتع بمرونة واستقلال أكبر بكثير من (حماس)».
وقدر مسؤول كبير في الجيش الإسرائيلي طلب عدم ذكر اسمه عدد مقاتلي الجهاد الإسلامي بما يتراوح بين ألفين وثلاثة آلاف فرد. أما الجناح العسكري لحركة حماس فيضم نحو 10 آلاف رجل إلى جانب 10 آلاف آخرين في مختلف وحدات الشرطة.
وكانت الجهاد الإسلامي قالت من قبل إنها تضم ثمانية آلاف مقاتل.
وقال المسؤول الإسرائيلي، إن «حركة الجهاد الإسلامي أكثر تعصبا من (حماس) ولكن أعضاءها لا يريدون أن يصبحوا زعماء وطنيين. لذلك لن تتفوق على (حماس) في المستقبل القريب. ربما في المستقبل البعيد».
وما من شك في أن حركة الجهاد الإسلامي تجاوزت الاضطرابات التي اجتاحت العالم العربي بصورة أفضل من «حماس».
فقد أربكت الحرب الأهلية الدائرة في سوريا حركة «حماس» التي نأت بنفسها عن حلفائها القدامى في دمشق وطهران. وبدلا من ذلك ألقت الحركة الإسلامية نفسها في كنف الرئيس المصري الجديد محمد مرسي ثقة منها في أنه سيساعدها على تعزيز سلطتها.
غير أن عزل مرسي في يوليو (تموز) وتشكيل حكومة يدعمها الجيش في مصر بدد آمال الحركة.
وبينما تركت «حماس» مكاتبها في دمشق احتجاجا على الهجوم المتواصل الذي يشنه الرئيس بشار الأسد على مقاتلي المعارضة بقيت حركة الجهاد الإسلامي في المدينة.
ورغم أن الجهاد الإسلامي حركة سنية مثل حماس فإنها ظلت قريبة من إيران وما زالت تتلقى تمويلا إيرانيا قدرته إسرائيل بما يتجاوز 50 مليون دولار سنويا رغم الانقسامات القديمة بين السنة والشيعة التي تمزق نسيج الشرق الأوسط.
وقال الشيخ عزام نحن ننأى بأنفسنا عن أي أزمة تحصل في أي بلد عربي.
وأضاف «نحن نتفرغ لفلسطين وننسج علاقتنا مع الجميع على هذا الأساس وعلى قاعدة العمل من أجل فلسطين».
هذا الهدف الموحد صار سمة مميزة للحركة وجعلها تجتذب المتطلعين إلى تكريس حياتهم والتضحية بأرواحهم في مواجهة إسرائيل.
وقال مسؤول إسرائيلي، إن «نحو 30 مقاتلا من الجهاد الإسلامي لقوا حتفهم في القتال في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 لكن قادتها نجوا منها سالمين. وفي عام 1995 قتل فتحي الشقاقي أحد مؤسسي الجهاد الإسلامي في مالطا في إطلاق نار ألقت الحركة مسؤوليته على إسرائيل».
واتضحت قوة الدافع الذي يحرك الجهاد الإسلامي في الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي بدأت في عام 2000 عندما أعلنت الحركة مسؤوليتها عن أكثر من 40 هجوما انتحاريا أدى إلى مقتل عشرات الإسرائيليين معظمهم من المدنيين.
وقال فيجل الحاكم الإسرائيلي السابق لمدينة جنين في الضفة الغربية وهي معقل لحركة الجهاد الإسلامي «حافظت حركة الجهاد الإسلامي دائما على مستوى عال من النجاح في الهجمات الانتحارية بفضل التنظيم والسرية والالتزام».
وفي حين أن جنين لا تزال معقلا قويا للحركة فقد تراجع عدد أفرادها في الضفة الغربية بشدة خلال السنوات الـ10 الماضية نتيجة للحملات المتكررة التي يشنها الجيش الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية المدعومة من الغرب.
وانتزعت «حماس» السيطرة على قطاع غزة من السلطة الفلسطينية في قتال في عام 2007. ومنذ ذلك الحين عاشت حماس في تناغم مشوب بالحذر مع الجهاد الإسلامي في القطاع الساحلي.
وقال زياد النخالة نائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي ردا على أسئلة عبر البريد الإلكتروني من منزله في دمشق «أعتقد أن العلاقة مع حركة حماس هي في أفضل حالاتها الآن في كل المستويات».
وقال فوزي برهوم المتحدث باسم حماس إن «الجماعتين تنسقان العمل فيما بينهما طيلة العامين الماضيين». غير أن هذا التناغم لا يمكن اعتباره مسلما به.
فرغم أن الجهاد الإسلامي وقعت على اتفاق التهدئة في نوفمبر يعتقد مسؤولون إسرائيليون أنها قد تعاود الهجوم بمجرد أن تعيد ملء ترسانتها من الصواريخ.
وتختلف الآراء حول ما إذا كانت «حماس» ترغب هي الأخرى في إعادة فتح الجبهة مع إسرائيل وقد تكون هذه المسألة مصدر خلاف في المستقبل.
وتشترك «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في عدم الثقة في الجماعات الأصغر في غزة التي يرتبط بعضها بـ«القاعدة» ويتبنى نهجا أشد ضد إسرائيل والسلطات المصرية الجديدة. وما زال الوئام قائما بين «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في الوقت الحالي.
ورغم أن كلتا الحركتين أعلنتا الشهر الماضي انتماء عاصي الذي قتلته القوات الخاصة الإسرائيلية إليها إلا أنهما اتفقتا في النهاية على المشاركة في تأبينه أثناء جنازته التي رفرف فيها علم «حماس» الأخضر إلى جانب علم «الجهاد الإسلامي» الأسود.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.