فرماجو لـ «الشرق الأوسط» : ورثت وضعاً صعباً للغاية والتحديات أكثر من الإمكانات

الرئيس الصومالي قال إنه لم يتلق راتباً منذ تسلمه الرئاسة... ونوّه بدعم السعودية في إعادة بناء الجيش والتنمية

فرماجو خلال الحوار مع («الشرق الأوسط»)
فرماجو خلال الحوار مع («الشرق الأوسط»)
TT

فرماجو لـ «الشرق الأوسط» : ورثت وضعاً صعباً للغاية والتحديات أكثر من الإمكانات

فرماجو خلال الحوار مع («الشرق الأوسط»)
فرماجو خلال الحوار مع («الشرق الأوسط»)

قال الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو إنه ورث «وضعاً صعباً للغاية» في كثير من النواحي الأمنية والسياسية والاقتصادية، وقال إن «التحديات أمامنا كثيرة بالمقارنة مع الإمكانات المتاحة». ورأى أن «تغيير الوضع الأمني» سيمهد الطريق لتوفير «حياة كريمة للشعب الصومالي من خلال تنشيط الاقتصاد وخلق فرص العمل وإعادة المناخ الطبيعي».
وأشار فرماجو، في حوار شامل خص به «الشرق الأوسط» بعد مرور مائة يوم على تسلمه الرئاسة، إلى أن إعادة بناء الجيش «جزء أساسي» من برنامج حكومته التي تسعى إلى رفع حظر توريد السلاح المفروض على الصومال، بعدما أدى إلى جعل تسليح الجيش مماثلاً لتسليح ميليشيا حركة «الشباب». ونوّه بدعم السعودية، التي كانت المحطة الخارجية الأولى له بعد انتخابه، في «مجالات مهمة من بينها إعادة بناء الجيش، ومكافحة الإرهاب، ومشاريع البنى التحتية، وكذلك دعم الميزانية الحكومية، إلى جانب الدعم العاجل الخاص بحالة الجفاف التي تمر بها البلاد حالياً».
ورأى الرئيس الصومالي أن بلاده بلغت «النضج... في نقل السلطة بشكل سلمي»، مشيراً إلى علاقاته الجيدة بسابقيه حسن شيخ محمود وشريف شيخ أحمد، والصورة التي جمعت ثلاثتهم يوم انتخابه. وتحدث عن نشأته في حي عشوائي قرب الجزء التاريخي لمقديشو وتعليمه وهجرته إلى الولايات المتحدة، إضافة إلى حياته العائلية وهواياته القديمة التي قال إنه لم يعد يجد لها وقتاً في الرئاسة. وأشار إلى أنه لم يحصل على راتب عن عمله إلى اليوم، ولا يعرف حجم راتب الرئيس. كما دعا الدول العربية التي تشهد أزمات إلى حلها بالحوار قبل «خراب كل شيء». وأضاف: «خذوا التجربة من الصوماليين ولا تقتفوا أثرنا، فهذا طريق مهلك». وفيما يلي نص الحوار:
* مضت مائة يوم على انتخابك لرئاسة الصومال. ما شكل الوضع الذي ورثته عن الحكومة السابقة؟
- في الحقيقة ورثت وضعاً صعباً للغاية في كثير من النواحي؛ فمن الناحية الأمنية ورثت وضعاً صعباً، رغم جهود الحكومة السابقة في محاربة الإرهاب. المسلحون من حركة «الشباب» لا يزالون يشكلون تهديداً حقيقياً للاستقرار في بلدي. وفي الوقت نفسه، ورثت وضعاً مادياً لا تتمكن فيه الحكومة من دفع رواتب الجيش بشكل منتظم. هذا الجيش يحتاج هو الآخر إلى تنظيم وإعادة هيكلة وتسليح. ومن ناحية الخدمات الاجتماعية، لا تزال إمكانات الحكومة محدودة، خصوصاً في الخدمات الصحية والتعليمية. لا أقول إننا نبدأ من الصفر، لكن التحديات أمامنا كثيرة بالمقارنة مع الإمكانات المتاحة.
* ناديت بالتغيير في حملتك الانتخابية، فما الأمور التي قمتم بتغييرها خلال الأيام المائة الأولى من رئاستك؟
- التغيير كان شعاراً أساسياً في حملات جميع المرشحين الذين خاضوا سباق الرئاسة. وكنا جميعاً متفقين على أهمية تغيير الوضع. لكن إلى جانب شعار التغيير، كان لدي ولدى فريقي شعار آخر غير معقد، وهو «سلام وحياة»، فالشعب الصومالي في حاجة إلى السلام، وأن يحيا حياة كريمة كغيره من الشعوب، وهما أمران متلازمان. وعندما نتمكن من تغيير الوضع الأمني ونتغلب على التهديد الذي تمثله «الشباب» و«القاعدة»، فإن بمقدورنا أن نصنع حياة كريمة للشعب الصومالي من خلال تنشيط الاقتصاد وخلق فرص العمل وإعادة المناخ الطبيعي. وعلى العموم أنا وفريقي الحكومي كنا في مرحلة التخطيط في الفترة الماضية ووضع الأولويات، والمرحلة التالية هي مرحلة التنفيذ، علما بأن عمر مجلس الوزراء لم يبلغ الشهرين بعد.
* توجهت إلى السعودية في أول زيارة خارجية بعد انتخابك، فما دلالات تلك الخطوة؟
- هذه الزيارة دلالة واضحة على عمق العلاقات بين الصومال والمملكة منذ تاريخ بعيد. السعودية منذ المؤسس المغفور له الملك عبد العزيز، كانت تقف إلى جانب الصومال في كل الأوقات وتدعمه بشكل مستمر في المجالات كافة. التقيت بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز الذي عبر لي عن اهتمامه الدائم بالصومال واستعداده لمواصلة الدعم السعودي لبلدي. وخلال وجودي في المملكة استفدت من الفرصة لزيارة الديار المقدسة، ودعوت الله وأنا أؤدي مناسك العمرة أن يمكنني من خدمة بلدي وأن يرفع الغمة عن شعبي، وأن أكون على قدر المسؤولية. سعدت بأن بدأت فترتي الرئاسية بزيارة الكعبة المشرفة والمسجد النبوي الشريف، لأتزود بشحنة روحية، آمل أن تعينني على تحمل عبء المسؤولية.
* حدثنا عن أشكال الدعم الذي لقيتموه من السعودية؟
- الملك سلمان كان كريماً معنا كصوماليين، وهذا ما تعودنا عليه من المملكة. وإذا كان لي أن أذكر بعض التفاصيل، فالسعودية قدمت الدعم في مجالات مهمة؛ من بينها إعادة بناء الجيش، ومكافحة الإرهاب، ومشاريع البنى التحتية، وكذلك دعم الميزانية الحكومية، إلى جانب الدعم العاجل الخاص بحالة الجفاف التي تمر بها البلاد حالياً. وهذا يضاف إلى الدعم الموجود أصلاً في مجالات عدة. ونحن من جانبنا عبرنا للملك عن وقوف الصومال إلى جانب المملكة فيما يخص تنسيق المواقف في القضايا الإقليمية والعالمية، وكانت لدينا رؤية مشتركة في هذه القضايا أيضاً، وشعرت وأنا أتحدث إلى الملك سلمان بأنه الأخ الكبير الذي يحرص على مساعدة الجميع. وأود أن أشدد هنا على أن أمن المملكة مرتبط بأمن الصومال، ولا نقبل بالإساءة إليها، لما تمثله من مكانة روحية لنا ولجميع المسلمين في أنحاء العالم.
* تحدثت عن إعادة بناء الجيش الصومالي في أكثر من مناسبة، فما خططكم في هذا الأمر، ومتى تتوقعون الاستغناء عن الاعتماد على قوات حفظ السلام الأفريقية في الصومال؟
- إعادة بناء الجيش جزء أساسي من برنامجنا الحكومي، ويستغرق منا أكثر الوقت. وخلال الفترة الماضية انشغلنا بمشروع مراجعة قوائم مختلف تشكيلات القوات المسلحة وإحصاء تجهيزاتها وتقدير احتياجاتها، تمهيداً لإعادة هيكلة هذه القوات وتنظيمها تنظيماً دقيقاً ومهنياً. فالجيش الصومالي، رغم المشكلات التي كان يعانيها من جوانب عدة، استطاع أن يحقق مكاسب ضد المسلحين من حركة «الشباب»، ونسعى إلى تطوير قدراته. وحتى الآن تم تغيير القيادات العليا والوسطى للجيش وتعيين قيادات عسكرية جديدة، نعتقد أنها قادرة على تولي المسؤولية في هذا الوقت بالذات. ونريد بناء جيش نظامي محترف بإمكانه حماية الحدود، والدفاع عن السيادة إلى جانب تحقيق الاستقرار.
أما فيما يتعلق بقوات الاتحاد الأفريقي العاملة في الصومال، فإن الخطة الحالية هي أن يتم طرد مقاتلي حركة «الشباب» خلال عامين من الآن من المناطق التي لا تزال توجد فيها. وبناء على المشاورات الجارية، فإنه ابتداء من أكتوبر (تشرين الأول) 2018، سيبدأ تقليص عدد قوات الاتحاد الأفريقي بشكل تدريجي، ليحل محلها الجيش الصومالي، وهذا مسعانا لأن نتولى المسؤولية بأنفسنا.
* هناك حظر مفروض على توريد السلاح إلى الصومال منذ بداية التسعينات؛ إلى أين وصلت مساعي الحكومة الصومالية لرفع هذا الحظر لبناء الجيش وتسليحه كما ذكرت قبل قليل؟
- هذه العقوبات لا تزال موجودة، وللأسف نتج عن ذلك أن أصبح تسليح الجيش الصومالي لا يختلف كثيراً عن التسليح الموجود لدى ميليشيات حركة «الشباب»، وهذا أدى إلى تأخر هزيمتهم واستمرارهم في تهديد الاستقرار. وكي نقلب هذه المعادلة، يجب أن يكون لدى الجيش الصومالي تفوق نوعي على مقاتلي «الشباب»، وهذا يستدعي رفع العقوبات على توريد السلاح. فعملية إعادة هيكلة الجيش وتنظيمه التي نقوم بها حالياً لن تكون مفيدة، ما لم يواكبها رفع للعقوبات وما لم يتم تزويده بالتجهيزات اللازمة للجيوش النظامية. نحن ملتزمون بالمطالبة بتحقيق هذا الأمر، لأننا نعرف أيضاً أن المساعدة التي تقدمها قوات الاتحاد الأفريقي لن تكون دائمة.
* موضوع النظام الفيدرالي لا يزال يثير النقاش بين الصوماليين، وهناك من يقول إن لديك تحفظات على هذا النظام، وإنك تؤمن بدولة مركزية قوية تحكم من مقديشو، فما الذي تقوله في ذلك؟
- النظام الفيدرالي أصبح مثبتاً في الدستور المعمول به حالياً، وأنا أقسمت اليمين القانونية على اتباع هذا الدستور والحفاظ عليه، وقيادة البلاد على أساسه، ولذلك لا علاقة لرأي شخصي بالموضوع، فالدستور الذي قبلناه يكون فوق الجميع. هذا أولاً. الأمر الثاني هو ما شكل النظام الفيدرالي الذي نريده، أو ذلك المناسب لطبيعة الشعب الصومالي ودولته؟ هذا الأمر متروك للبرلمان لمواصلة النقاش في شأنه والاستقرار على شكل محدد.
* ظهرتَ بالزي العسكري مرتين منذ انتخابك رئيساً للبلاد، ودعوت إلى حسم المعركة مع «الشباب»، فهل هذا يعني أنك تراهن على الخيار العسكري وحده في التعامل مع الحركة؟
- ارتدائي الزي العسكري كان خطوة لتذكير الشعب بأننا في حرب مفتوحة ضد الإرهاب المتمثل في حركة «الشباب»، لكنني لا أؤمن باعتماد الخيار العسكري وحده في إلحاق الهزيمة بها. وقد دعوت بعيد انتخابي إلى الحوار مع الحركة ومنح العفو العام لمن يعودون عن استخدام العنف في غضون شهرين. ويجب أن نعترف بأن هؤلاء ليسوا على شكل واحد، فهناك المغرر بهم ومن لديهم بعض المظلوميات أياً كان شكلها، وبالتالي، فليست لدينا مشكلة في التحاور معهم، ونحن مستعدون للجلوس مع أعضاء حركة «الشباب» الصوماليين الذين يؤمنون بأنهم مواطنون مثلنا ويتخلون عن العنف. لكن الأجانب وأولئك المتطرفين جداً الموالين لـ«القاعدة» والمتعطشين للقتل، فنحن نعرف أنهم لن يقبلوا بالحوار مع الدولة أو مع غيرها، ولا ينفع معهم إلا الخيار العسكري.
* هناك دول كثيرة تدعم الحكومة الصومالية، ولها في الوقت نفسه مصالح متناقضة في المنطقة أو خارجها، فهل لديك خشية من تأثير ذلك بشكل سلبي على الوضع في الصومال أو على علاقتكم بهذه الدول؟
- صحيح أن للصومال أصدقاء كثيرين من دول العالم، وتساعدنا هذه الدول على أشياء كثيرة؛ من بينها مكافحة الإرهاب ودعم الاستقرار والتنمية والاستثمار في بلادنا. وقد يكون هناك تناقض أو تضارب في مصالح هذه الدول، لكن ما يهمنا هو مصالحنا، فعلاقاتنا مع دول العالم مبنية على مصالحنا القومية، والمصالح المتبادلة مع هذه الدولة أو تلك، ولسنا بدعة في ذلك. وأؤكد أننا لا نريد أن نكون طرفاً في محاور معينة للإضرار بمصالح محاور أو دول أخرى. وبصراحة يكفينا ما نحن فيه، والصومال منذ الاستقلال كان مشهوراً بالحياد الإيجابي بشكل عام.
* قمت بزيارة الإمارات في ثاني محطة عربية في جولتك الخارجية، فما الذي تم خلال هذه الزيارة؟
- دولة الإمارات من أكبر الداعمين للصومال حالياً. كانت زيارتي إلى أبوظبي زيارة ناجحة بكل المقاييس، وبحثنا أموراً عدة تخص العلاقات بين بلدينا؛ أهمها الأمن، وبحثنا أيضاً تطوير معسكر تدريب المجندين في الجيش الصومالي الذي دشنته الإمارات في مقديشو، وكذلك «مستشفى الشيخ زايد» الذي يقدم خدمات طبية مجانية لسكان العاصمة. وتعهدت الإمارات أيضاً بدعمنا في برنامج إعادة بناء الجيش والمساهمة في دفع رواتبه ودعم الميزانية الحكومية أيضاً، وننتظر أن يدخل ذلك في حيز التنفيذ قريباً.
* ما أفضل السبل لدعم بلدكم من قبل الدول العربية أو المؤسسات العربية؟
- الصومال يحتاج إلى دعم في كل النواحي، فنحن دولة تتلمس طريقها الآن، بعد سنوات طويلة من الأزمات المتلاحقة، فمع أهمية الدعم المتجه إلى المؤسسات الحكومية لتكون قادرة على أداء مهمتها، أرى أيضاً أن أحد أهم أشكال الدعم المقدم للصومال هو الاستثمار في موارده الاقتصادية الهائلة التي تضم الثروات الطبيعية والزراعة والبني التحتية والثروات البحرية والنقل، لدعم استقراره. ومن شأن ذلك أن يخلق فرص عمل للشباب الذين يشكلون أكثر من 70 في المائة من السكان. ونحن بدورنا مستعدون لتقديم التسهيلات اللازمة لهذه الاستثمارات العربية، سواء من الدول مباشرة أم من القطاع الخاص.
* كيف هي علاقتكم بدول الجوار الجغرافي للصومال (إثيوبيا وكينيا وجيبوتي) خصوصاً أن لها تواجداً عسكرياً في الصومال؟
- علاقتنا بدول الجوار جيدة، ولدينا تهديد مشترك يتمثل في الإرهاب، كما أن قضية التنمية ومكافحة الفقر تشغلنا جميعاً. قمت بزيارة لكينيا واجتمعت مع الرئيس أوهورو كينياتا ووقعنا اتفاقيات في مجالات عدة، بعضها تم تنفيذه وبعضها في سبيله إلى التطبيق. كما زرت إثيوبيا والتقيت برئيس الوزراء هايلي ماريم ديسالين، وأعلن دعم حكومته للصومال في مؤتمر لندن منتصف الشهر الحالي. أما جيبوتي، فكانت معنا على طول الخط، والرئيس إسماعيل عمر غيله هو أول من بادر لحل الأزمة الصومالية، ولا يزال. وأعتقد أننا جميعاً نحتاج إلى التكاتف ومواجهة الخطر المشترك الذي يهددنا.
* هناك انتقادات موجهة إلى الصومال بأن حكوماته توقع على اتفاقيات ثنائية وإقليمية بالجملة، ثم ترفض الحكومة التالية الالتزام بهذه الاتفاقيات، ويتم البدء من الصفر. وهذا الأمر أصاب الدول والشركات الدولية بالصدمة، وبالتالي العزوف عن الدخول في أي شراكة مع الصومال. فما تعليقك على ذلك؟
- أولاً، أنا لم أتلق شكوى من هذا النوع حتى الآن، سواء من دول أو شركات، لكن أقول إن الاتفاقات التي أبرمتها الحكومات السابقة نافذة ونحن نحترمها ونلتزم بها. من الطبيعي أن تتم مراجعة أو إعادة تقييم اتفاقية محددة أو تعديلها جراء مستجدات لم تكن موجودة في وقتها، وذلك يتم مع الطرف المعني بذلك، وبالتالي، نحن، بصفتنا حكومة، ملتزمون بكل ما التزمت به الحكومات السابقة.
* حدثنا عن نشأتك وعن بدايات حياتك؟
- اسمي محمد عبد الله فرماجو، ولدت في مقديشو قبل 55 عاماً، في حي إسكوراران (وهو حي عشوائي قرب الجزء التاريخي لمقديشو تمت إزالته في السبعينات وأقيمت مكانه حالياً «حديقة السلام»)، هاجر والدي إلى العاصمة أثناء الاحتلال الإيطالي للصومال. ودرست في الصومال وفي الولايات المتحدة متخصصاً في الدراسات الأميركية، وتخرجت في جامعة بافالو بولاية نيويورك. شغلت منصب رئيس الوزراء منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2010 حتى يونيو (حزيران) 2011. وانتخبت رئيساً للصومال في 8 فبراير (شباط) من هذا العام.
* كيف تعرفت على زوجتك وكيف تزوجتما فيما بعد؟
- تعرفت على زوجتي زينب معلم في مقديشو، بحكم الجيرة، حيث كان منزل أسرتها قريبا من منزل أسرتي في الحي. التقينا في الولايات المتحدة مرة أخرى عندما كنت موظفاً في السفارة الصومالية في واشنطن، وهي هاجرت إلى هناك أيضاً. تزوجنا في عام 1992 ولدينا 4 أطفال هما ولدان وابنتان.
* من أين جاء لقب فرماجو؟
- لقب والدي بفرماجو، ومعناها «الجبن» باللغة الإيطالية، ولهذا اللقب قصة ظريفة، وهي أن سلطات الأمن الإيطالية التي كانت تحكم البلد في الخمسينات اعتقلت والدي ومجموعة من الشبان الناشطين بسبب مناهضتهم الاستعمار ومطالبتهم بالاستقلال. وفي أثناء الاعتقال كانت الأجبان من بين الوجبات التي تقدمها سلطات السجن للمعتقلين، وكانت شبه جديدة على الصوماليين، فرفض زملاؤه، وكان عددهم 11 شاباً، تناولها، لكن والدي كان يأكلها قبل الاعتقال وكان محباً لها، فتناولها، فكان زملاؤه يجمعون له حصتهم من الجبن كل يوم ويتناولها هو، فلقبوه بفرماجو، ومن ذلك اليوم تحمل الأسرة هذا اللقب.
* كيف تقسم وقتك بين أسرتك وعملك رئيسا؟ وهل لديك هوايات تمارسها؟
- عملي في المكتب هو الذي يستغرق معظم وقتي حالياً، وأولادي لا يزالون في الولايات المتحدة. جاءتنا إحدى بناتي زائرة هذه الأيام، وتعيش معنا بشكل مؤقت، وبصراحة، فإن عمل الرئيس في الصومال لا يترك مجالاً لأي شيء آخر، سواء الحياة الأسرية أو غيرها. قد أجد بعض الوقت عندما تهدأ الأمور، لكنني في الوقت الحالي ليس لدي هذا الترف. كانت لدي هواية القراءة، وفي الرياضة كنت قبل الرئاسة أشجع فريق ريال مدريد لكرة القدم، وأتابع مبارياته، لكن ذلك انتهي الآن.
* كان راتبك 84 ألف دولار سنوياً أثناء عملك في الولايات المتحدة، فما حجم راتبك الآن بعد أن أصبحت رئيساً؟
- ليس لدي راتب منذ انتخابي وحتى الآن. ستقرر الدولة لي راتباً رئاسيا فيما بعد، لكنني لا أعرف مقداره، لأن ميزانية الرئاسة لم تتم المصادقة عليها بعد. الرئيس الصومالي لا علاقة له بتحديد حجم راتبه ولا يحق له السحب من خزينة الدولة أو البنك المركزي، ولذلك أنتظر إقرار الميزانية.
* منتقدو الفريق الرئاسي يقولون إنكم تعيشون حتى الآن في مرحلة الحملة الانتخابية بحيث لم تستوعبوا وجوهاً جديدة في مؤسسة الرئاسة، فما ردك على ذلك؟
- (ضاحكاً)، ربما يكون لهم بعض الحق في ذلك، لكن ذلك لا يرجع إلى محاباة فريقي، فنحن جديدون في المكتب، ولعل المنتقدين لم يلتفتوا إلى مجلس الوزراء والقيادات الأخرى التي تم تعيينها في الدولة، فهؤلاء معظمهم جاء من خارج فريقي، واخترناهم على أساس الكفاءة.
* كيف هي علاقتك بأسلافك من الرؤساء؟
- لدي علاقة جيدة مع الرئيس السابق حسن شيخ محمود، وقد زرته أخيراً أثناء زيارتي الأخيرة لتركيا، حيث يقيم، وكذلك علاقتي مع الرئيس الأسبق الشيخ شريف شيخ أحمد؛ إذ نتبادل الحديث هاتفياً بين الحين والآخر، وأستمع إليهم أيضاً وأنا أحترمهم جداً. ثلاثتنا كنا متنافسين في الانتخابات الأخيرة من دون حساسيات، ولا أنسى الصورة التي التقطت لثلاثتنا يوم الانتخاب بعد فوزي بالمنصب، والرئيسان السابقان يقفان إلى جانبي. هذه اللحظة كانت علامة على النضج الذي وصل إليه الصوماليون في نقل السلطة بشكل سلمي.
* هل تسمع صوت الانفجارات التي تقع في العاصمة، وما شعورك لحظة سماع هذه الانفجارات؟
- أسمع أحيانا أصوات هذه الانفجارات، وأشعر بحزن كبير على المواطنين الذين يقعون ضحية لهذه الأعمال الإرهابية، وإلى جانب مسؤوليتي بحكم منصبي، فأنا أيضاً أب ولدي أطفال وأعرف وقع مثل هذه الأخبار على الآباء والأمهات الذين أرسلوا أولادهم إلى العمل أو الدراسة ثم يعودون إليهم أشلاء ممزقة، وأحزن لأولئك الأطفال الذين ينتظرون عودة آبائهم أو أمهاتهم من العمل ثم يجدون أنفسهم أيتاماً بفعل العمليات الإجرامية هذه. وأشعر بالأسف أيضاً لهؤلاء الشبان الذين تم التغرير بهم ويبحثون عن الجنة عن طريق تفجير أنفسهم بين أهليهم، بينما قادتهم مستريحون في غرفهم الآمنة أو في الأحراش ويأكلون من نعيم الدنيا وهم يرسلون أولاد الناس إلى نعيم أخروي وهمي.
* هل لديك رسالة للدول العربية التي تمر بأزمات تشابه ما مر به بلدك؟
- رسالتي لهذه الدول قادة وشعوباً هي أن يعالجوا أزمات بلادهم بالحوار والتفاهم، وأنا على يقين من أنه لن يكون هناك منتصر أو مهزوم حتى إذا استمر التقاتل العربي مائة سنة، وأذكرهم بأن التاريخ يقول لنا إن كل حرب أو نزاع ينتهي في الآخر بحوار. فإذا كانت النهاية كذلك، فلماذا لا نبدأ الآن بدل أن نتقاتل لسنوات وسنوات ثم نتحاور بعد خراب كل شيء كما فعلنا نحن الصوماليون للأسف؟
أقول لهم خذوا التجربة من الصوماليين، ولا تقتفوا أثرنا، فهذا طريق مهلك. وأضيف أن «الأخ الأكبر» العربي الذي يشمل برعايته الإخوة الصغار مهم في هذه المرحلة، كما كان مهماً في السابق. والصوماليون انتظروا تدخل هذا الأخ الأكبر ولا يزالون. وأزعم أن الدول العربية التي تجتاحها الحروب حالياً تحتاج إلى تدخل هذا الأخ العربي.



الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
TT

الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)

اتسعت التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في اليمن مع تكثيف الجماعة استهداف التجمعات السكنية في ريف محافظة لحج ومحيط مدينة تعز، وفق مصادر حكومية، في وقت تزداد فيه أعداد الأسر الفارة من مناطق المواجهات، وتواجه فيه المنظمات الإغاثية احتياجات متنامية في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أوسع الأزمات الإنسانية.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين كثفوا، بعد تعثر محاولاتهم تحقيق تقدم ميداني، استهداف القرى في مديرية المضاربة التابعة لمحافظة لحج بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بصورة شبه يومية، ما أجبر مئات الأسر على الفرار والانضمام إلى موجات نزوح آتية من الساحل الغربي وأطراف لحج.

وأضافت أن هذه الهجمات تستهدف، حسب تقديرها، الضغط على رجال القبائل ودفعهم إلى التوقف عن مساندة القوات الحكومية.

وفي محيط مدينة تعز، أفادت المصادر بأن الحوثيين استهدفوا قرى في جبل صبر بالطائرات المسيّرة وقذائف الهاون، في محاولة للحد من مقاومة وحدات القوات الحكومية والمتطوعين من السكان، الذين تصدوا خلال الأيام الماضية لهجمات متكررة سعت الجماعة من خلالها إلى اختراق الجبهة.

طفلة مصابة جراء قصف الحوثيين ترقد في مستشفى بمدينة تعز (رويترز)

وتأتي هذه التطورات بينما تواجه تعز، وفق المصادر، حصاراً مستمراً منذ 20 يوماً، في وقت يفاقم فيه القتال صعوبة وصول المدنيين إلى الخدمات والاحتياجات الأساسية، ويزيد الأعباء على السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية.

تحذيرات إنسانية

على وقع التداعيات الإنسانية للهجمات الحوثية، حذّر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن التصعيد الراهن فاقم أزمة إنسانية ممتدة، مشيراً إلى أن 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 5.2 مليون كانوا نازحين داخلياً قبل موجة التصعيد الأخيرة.

وأوضح الاتحاد، في تقرير حديث، أن القتال وانعدام الأمن أعاقا الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والأسواق والإمدادات الأساسية، بينما تصل الأسر النازحة إلى مناطق الاستقبال بممتلكات محدودة، وتحتاج إلى المأوى والأدوات المنزلية والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

فارون من التصعيد الحوثي يعيشون في مواقع تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وأشار إلى أن المجتمعات المضيفة تواجه بدورها ضغوطاً كبيرة على الخدمات والموارد، في حين يؤدي تكرر النزوح إلى تدهور سبل العيش وارتفاع مخاطر الحماية، ويزيد احتمالات اضطرار مزيد من الأسر إلى مغادرة مناطقها.

وشدد الاتحاد على ضرورة استمرار وصول المساعدات الإنسانية وتوفير استجابة مرنة تتناسب مع تغير الاحتياجات الميدانية، خصوصاً في المناطق التي تعيق فيها الظروف الأمنية حركة السكان والإمدادات.

ووفق التقرير، تواجه الأسر النازحة عوائق متداخلة في الحصول على المأوى والغذاء والمياه النظيفة والصرف الصحي والتعليم والرعاية الصحية. كما يؤدي انعدام الأمن وإغلاق الطرق إلى تعطيل الأسواق وخطوط الإمداد وعمليات إيصال المساعدات، بينما يحد فقدان مصادر الدخل واستنزاف الأصول وارتفاع الأسعار من قدرة الأسر على شراء احتياجاتها الأساسية.

ولفت الاتحاد إلى أن المجتمعات المعزولة تواجه قيوداً أشد، إذ يصبح الحفاظ على الإمدادات التجارية واستمرار الخدمات الأساسية أكثر صعوبة، في وقت يفاقم فيه انعدام الأمن الغذائي هشاشة الأسر التي تعاني أصلاً من نقص الغذاء.

مع استمرار التصعيد الحوثي يتواصل تدفق النازحين إلى مناطق سيطرة الحكومة (إعلام محلي)

وفي مؤشر على حجم الأزمة، ذكر التقرير أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد على مستوى البلاد، محذراً من أن استمرار الحصار وانقطاع المساعدات قد يزيدان تدهور الأوضاع، خصوصاً بين الأطفال الصغار والنساء الحوامل والمرضعات.

وأضاف أن النزوح المتكرر يستنزف قدرة الأسر على التكيف مع الأزمات. وأظهر تقييم سريع أُجري في ثلاثة مواقع للنزوح أن نحو 45 في المائة من الأسر التي شملها التقييم سبق أن تعرضت للنزوح.

وأكد التقرير أن هذه النسبة تعكس أوضاع الأسر التي شملها التقييم في المواقع الثلاثة، ولا ينبغي تعميمها على جميع النازحين في اليمن.

مخاطر إضافية

في سياق المخاوف الإنسانية، حذر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن خسارة الممتلكات وعدم استقرار سبل العيش يقوضان قدرة الأسر على مواجهة الأزمات، ويزيدان مخاطر لجوئها إلى وسائل تكيف ضارة، من بينها عمالة الأطفال.

وأشار إلى أن المعاناة تتجاوز نقص الغذاء والمأوى، لتشمل صعوبات إضافية تواجه الأسر التي تعيلها نساء، والأطفال المنفصلين عن ذويهم، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمرضى الذين يحتاجون إلى علاج منتظم.

الحوثيون يستهدفون القرى السكنية للضغط على القوات الحكومية (إعلام محلي)

كما تواجه النساء والفتيات مخاطر حماية إضافية في المناطق التي تفتقر إلى المأوى الملائم ومرافق الصرف الصحي، بينما قد يعجز الأشخاص ذوو القدرة المحدودة على الحركة أو الموارد عن مغادرة المناطق المعزولة أو الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وتعكس هذه التحذيرات اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والقدرة على تلبيتها، مع استمرار المواجهات وتكرر النزوح وتعطل الطرق والإمدادات، وهي عوامل تزيد هشاشة الأسر، وتضع المجتمعات المستقبلة للنازحين أمام أعباء إضافية.


1400 قتيل خلال شهرين... ذمار تدفع فاتورة الاستنزاف الحوثي

جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)
جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)
TT

1400 قتيل خلال شهرين... ذمار تدفع فاتورة الاستنزاف الحوثي

جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)
جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)

خسرت الجماعة الحوثية أكثر من 1400 مقاتل من محافظة ذمار، الواقعة على بعد نحو 100 كيلومتر جنوب صنعاء، خلال شهرين، في حصيلة محلية تكشف عن حجم الاستنزاف البشري المتصاعد في صفوفها، بالتزامن مع تكثيف أنشطتها التعبوية وإقامة معارض لصور قتلاها في مدينة ذمار و12 مديرية تابعة لها، ضمن مسعى لتحويل خسائرها المتلاحقة إلى أدوات للتحشيد والتجنيد وتعويض النقص في مقاتليها.

وقالت مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، إن قتلى الجماعة سقطوا في جبهات متفرقة، أبرزها تعز والضالع والجوف والساحل الغربي ومأرب، مشيرةً إلى أن معارض الصور ومواكب التشييع التي تشهدها المحافظة تكشف عن جانب من حجم الخسائر التي تتكبدها الميليشيات، في وقت تواصل فيه الدفع بمزيد من أبناء المحافظة إلى خطوط المواجهة لتعويض قتلاها.

الحوثيون يقيمون معارض صور قتلاهم لتمجيد ثقافة الموت (فيسبوك)

وخلال الأيام الماضية، كثفت الجماعة إقامة معارض صور لقتلاها في مدينة ذمار وبقية مديريات المحافظة، ضمن فعاليات أسبوعها السنوي المخصص للقتلى، مستغلةً المناسبة لتكريس خطابها التعبوي وتطبيع المجتمع مع الموت في الجبهات، بدلاً من الإقرار بالتكلفة الإنسانية الباهظة لمعاركها وما تخلّفه من مآسٍ في أوساط الأسر اليمنية.

معارض مفتوحة

في مدينة ذمار، حوَّلت الجماعة الحوثية عدداً من الأحياء والشوارع الرئيسية والمدارس والمساجد والمقرات الحكومية إلى معارض مفتوحة لصور مئات من قتلاها، بينهم أطفال وصغار سن، سقطوا في جبهات القتال المختلفة، وفقاً للمصادر المحلية.

وامتدت الفعاليات إلى مديريات وصاب العالي، وعنس، وضوران آنس، ووصاب السافل، ومغرب عنس، وجبل الشرق، وجهران، وميفعة عنس، والحداء، والمنار، وعتمة، حيث نصبت الجماعة المعارض والخيام لعرض صور القتلى، في مشهد يعكس اتساع نطاق خسائرها ومحاولاتها توظيفها في خدمة أجندتها العسكرية والتعبوية.

معرض أقامه الحوثيون لصور قتلاهم من مدينة ذمار (إعلام حوثي)

ولم تقتصر المعارض على قتلى الجبهات، بل شملت، حسب المصادر، فئات مرتبطة بالتعبئة العامة والحشد والأقسام الأمنية، إلى جانب موظفين في المكاتب الحكومية، بمن فيهم العاملون في القطاع التربوي والطلبة الذين دفعت بهم الجماعة إلى جبهات القتال.

وفي مؤشر على محدودية التجاوب الشعبي مع فعاليات الجماعة، كشفت المصادر عن ممارسة الجماعة الحوثية ضغوطاً على السكان في مناطق متفرقة من ذمار لإجبارهم على تنظيم زيارات جماعية إلى معارض القتلى، غير أن هذه المساعي لم تحقق الإقبال الذي كانت تتطلع إليه الجماعة، إذ وصفت المصادر الحضور بأنه «باهت»، رغم محاولات فرض المشاركة.

مواكب تشييع

بالتوازي مع المعارض، واصلت الجماعة الحوثية تنظيم مواكب تشييع قتلاها، وإغراق الشوارع والحارات والأزقة في المدينة ومديريات المحافظة بصورهم وشعاراتها الطائفية، ضمن حملة دعائية تسعى من خلالها إلى إظهار التعبئة بوصفها حالة شعبية، رغم ما يصاحبها من ضغوط على السكان الذين يواجهون ظروفاً معيشية قاسية.

ويؤكد ناشطون من ذمار أن تكثيف إقامة معارض القتلى يعكس حجم النزيف البشري في صفوف الجماعة، موضحين أنها تستغل فعالياتها السنوية لتجديد خطابها التعبوي واستهداف صغار السن والموظفين الخاضعين لسلطتها، بدلاً من التعامل مع الخسائر بوصفها مأساة إنسانية تطول الأسر والمجتمع.

الحوثيون يجبرون السكان على الاحتشاد لزيارة مقابر القتلى في ذمار (إكس)

وحذر الناشطون من أن تحويل صور القتلى إلى أدوات للتحشيد يفتح الباب أمام مزيد من الاستنزاف، عبر دفع شباب جدد إلى الجبهات لتعويض النقص في صفوف الميليشيات، بما يفاقم معاناة الأسر ويُبقي المحافظة رهينة دوامة متواصلة من الخسائر البشرية.

وفي وقت يواجه فيه الملايين في مناطق سيطرة الحوثيين أوضاعاً معيشية وإنسانية متدهورة، قدرت مصادر يمنية مطلعة أن الجماعة أنفقت مليارات الريالات اليمنية (الدولار 535 ريالاً) على طباعة صور قتلاها، وتجهيز المعارض، وتنظيم الفعاليات المصاحبة لها في مناطق سيطرتها، في وقت تكافح فيه أسر كثيرة لتأمين احتياجاتها الأساسية وسط الفقر وتراجع القدرة الشرائية.

وتكشف هذه النفقات عن اختلال أولويات الجماعة، التي تخصص موارد كبيرة لأنشطتها الدعائية والتعبوية، بينما تتفاقم الأعباء المعيشية على السكان وتتراجع قدرتهم على توفير متطلبات الحياة اليومية.


تعز تتصدّى لهجمات حوثية عنيفة في جبهتها الجنوبية

القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)
القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)
TT

تعز تتصدّى لهجمات حوثية عنيفة في جبهتها الجنوبية

القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)
القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)

دخلت عملية «فجر اليمن»، التي أطلقتها الحكومة اليمنية يومها الرابع والعشرين، الأربعاء، مع تصاعد القتال في الجبهات الجنوبية لمدينة تعز؛ حيث كثّفت الجماعة الحوثية هجماتها على قرى ومديريات صبر، في محاولة للوصول إلى جبل صبر الاستراتيجي المطل على المدينة، بالتزامن مع استمرار المعارك في جبهاتها الغربية، وتوسع العمليات العسكرية إلى محور باب المندب، وسط ضربات جوية استهدفت مواقع للجماعة في مناطق متفرقة.

وتتركز المواجهات في جبهات الشقب وكحلان والأقروض؛ حيث تسعى القوات الحوثية، وفق تقديرات ميدانية، إلى السيطرة على مواقع تتيح لها إغلاق الطرق الجبلية البديلة التي يستخدمها السكان والقوات الحكومية للتنقل بين مديريات الريف الجنوبي، بما يُعزز عزل المدينة، ويُقيد حركة الإمدادات والإسناد العسكري.

وتكتسب هذه الجبهات أهمية إضافية لكونها تربط مديريات صبر والموادِم والمسراخ بالريف الجنوبي لتعز، ويؤدي اختراقها، حسب التقديرات الميدانية، إلى عزل القوات المدافعة عن بعضها وقطع خطوط الإسناد عنها، في وقت تحاول فيه الجماعة تعويض خسائرها وتراجعها في الجبهات الغربية، خصوصاً تلة الميدان ومحيط طريق الضباب.

مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)

وتحدّثت أنباء ميدانية عن معارك عنيفة في جنوب جبل صبر، تركزت في جبهتي كحلان والشقب، وسط ترجيحات بأن الجماعة شنت هجوماً سعت من خلاله إلى انتزاع مواقع من القوات الحكومية والمقاومة الشعبية المدافعة عن المنطقة.

وأفادت مصادر عسكرية بأن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية تمكنت من التصدي لهجوم حوثي استهدف قريتي كحلان وحمة في مديرية المسراخ جنوب تعز، فيما تواصلت المواجهات في المحاور الغربية للمدينة بالتزامن مع ضربات جوية استهدفت مواقع الجماعة وتعزيزاتها.

مركبات مصطفة من قوات «درع الوطن» على جانب طريق عقب عملية عسكرية في منطقة باب المندب (رويترز)

وفي محور باب المندب، أعلنت قوات «درع الوطن» و«ألوية العمالقة الجنوبية» تنفيذ عملية عسكرية سيطرت خلالها على مرتفعات ومواقع استراتيجية، وأوقعت خسائر بشرية ومادية في صفوف الحوثيين. وتواصل القوات، بدعم جوي من التحالف، عملياتها ضد جيوب الجماعة المتبقية في المنطقة، والمتحصنة في التلال والمناطق المزروعة بالألغام.

وامتدت الضربات الجوية، وفق المعطيات الميدانية، إلى المخا وحرف سفيان شمال محافظة عمران، في إطار اتساع نطاق العمليات التي تستهدف مواقع الجماعة وتحركاتها.

مئات العمليات العسكرية

في سياق العمليات العسكرية، أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد ماجد النزيلي، تنفيذ 1382 عملية استهداف خلال يوم الثلاثاء، قال إنها طالت مراكز القيادة الميدانية والتحصينات ومصادر النيران والتجمعات العسكرية والاحتياطيات ووسائل الحركة والإمداد التابعة للحوثيين.

وأوضح النزيلي أن وحدات محور تعز والمقاومة الشعبية نفذت، بإسناد من الطيران الحربي، إغارات وهجمات منسقة أسهمت، وفق البيان، في إحباط محاولات الجماعة استعادة المواقع التي فقدتها، وتحقيق تقدم ميداني، وتعزيز السيطرة النارية على عدد من المواقع والمرتفعات.

جندي يمني في تعز يستعد لتلقيم مدفع بقذيفة خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ف.ب)

وأضاف أن القوات الحكومية أحبطت محاولات تسلل حوثية في جبهات باب المندب وذوباب والمضاربة، واستهدفت تعزيزات وآليات للجماعة، بالتزامن مع استمرار العمليات في المحاور الشمالية والشمالية الغربية والجبهة الشرقية شرق صنعاء، باستخدام المدرعات والمدفعية والطيران المسيّر.

وذكر البيان أن العمليات أسفرت عن تحييد نحو 440 من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير أو إعطاب 146 آلية وعربة ووسيلة نقل عسكرية وقطعة سلاح ثقيل ومعدة قتالية، مؤكداً استمرار الضغط على مواقع الحوثيين وتحركاتهم بين الجبهات.

وفي تطور موازٍ، اتهم النزيلي الحوثيين بتشويه جثامين عدد من الجنود الذين تسلمتهم القوات المسلحة اليمنية عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وقال إن الجهاز الطبي في المستشفى العسكري بتعز وثق صب مواد كيميائية حارقة على الجثامين وتكسير أطرافها وطمس معالم الوجوه.

وعدّ النزيلي هذه الأفعال انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، مطالباً الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بفتح تحقيق مستقل لتحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم. واستشهد بحوادث سابقة قال إن الجماعة ارتكبتها بحق أسرى وجنود، بينها قضية العميد حسين العصيمي عام 2020، وحوادث تسليم جثامين جنود احتجزتهم الجماعة في الجوف عام 2023.

دعوة لتحرك أوروبي

سياسياً، دعا رئيس «مجلس القيادة الرئاسي» اليمني رشاد العليمي، الاتحاد الأوروبي إلى تبني قرار البرلمان الأوروبي الداعي إلى إدراج الحوثيين، بأجنحتهم السياسية والعسكرية وقياداتهم وأجهزتهم الأمنية، على قائمة المنظمات الإرهابية.

وقال العليمي، خلال اتصال هاتفي مع رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، إن الحكومة اليمنية تعوّل على تحويل الموقف السياسي الأوروبي إلى إجراءات قانونية واقتصادية ودبلوماسية للضغط على الجماعة ووقف هجماتها.

وحسب الإعلام الرسمي، حذّر العليمي من أن استمرار الهجمات داخل اليمن وعبر الحدود، واستهداف الملاحة الدولية، يرفع تكلفة التأخير في اتخاذ إجراءات أوروبية، مشيراً إلى ما وصفه بانتهاكات الجماعة بحق المدنيين والمطارات والمنشآت الحيوية، وحصار المدن واحتجاز العاملين الأمميين والإنسانيين.

كما تناول الاتصال الأوضاع الإنسانية في تعز، إذ اتهم العليمي الحوثيين بعرقلة وصول المياه والمشتقات النفطية والاحتياجات الأساسية، وممارسة القتل والتنكيل والاعتقال والتهجير القسري، مؤكداً استمرار عملية «فجر اليمن» حتى إنهاء التهديد الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة.

ونقلت المصادر الرسمية اليمنية عن كوستا تأكيد دعم الاتحاد الأوروبي لـ«مجلس القيادة الرئاسي» والحكومة اليمنية، ومساندة الشعب اليمني، مشيراً إلى متابعة التطورات الميدانية والاحتياجات الإنسانية الملحّة في تعز ومناطق أخرى، والعمل على تعزيز الاستجابة الإنسانية بالتنسيق مع الحكومة والشركاء المعنيين.