فرماجو لـ «الشرق الأوسط» : ورثت وضعاً صعباً للغاية والتحديات أكثر من الإمكانات

الرئيس الصومالي قال إنه لم يتلق راتباً منذ تسلمه الرئاسة... ونوّه بدعم السعودية في إعادة بناء الجيش والتنمية

فرماجو خلال الحوار مع («الشرق الأوسط»)
فرماجو خلال الحوار مع («الشرق الأوسط»)
TT

فرماجو لـ «الشرق الأوسط» : ورثت وضعاً صعباً للغاية والتحديات أكثر من الإمكانات

فرماجو خلال الحوار مع («الشرق الأوسط»)
فرماجو خلال الحوار مع («الشرق الأوسط»)

قال الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو إنه ورث «وضعاً صعباً للغاية» في كثير من النواحي الأمنية والسياسية والاقتصادية، وقال إن «التحديات أمامنا كثيرة بالمقارنة مع الإمكانات المتاحة». ورأى أن «تغيير الوضع الأمني» سيمهد الطريق لتوفير «حياة كريمة للشعب الصومالي من خلال تنشيط الاقتصاد وخلق فرص العمل وإعادة المناخ الطبيعي».
وأشار فرماجو، في حوار شامل خص به «الشرق الأوسط» بعد مرور مائة يوم على تسلمه الرئاسة، إلى أن إعادة بناء الجيش «جزء أساسي» من برنامج حكومته التي تسعى إلى رفع حظر توريد السلاح المفروض على الصومال، بعدما أدى إلى جعل تسليح الجيش مماثلاً لتسليح ميليشيا حركة «الشباب». ونوّه بدعم السعودية، التي كانت المحطة الخارجية الأولى له بعد انتخابه، في «مجالات مهمة من بينها إعادة بناء الجيش، ومكافحة الإرهاب، ومشاريع البنى التحتية، وكذلك دعم الميزانية الحكومية، إلى جانب الدعم العاجل الخاص بحالة الجفاف التي تمر بها البلاد حالياً».
ورأى الرئيس الصومالي أن بلاده بلغت «النضج... في نقل السلطة بشكل سلمي»، مشيراً إلى علاقاته الجيدة بسابقيه حسن شيخ محمود وشريف شيخ أحمد، والصورة التي جمعت ثلاثتهم يوم انتخابه. وتحدث عن نشأته في حي عشوائي قرب الجزء التاريخي لمقديشو وتعليمه وهجرته إلى الولايات المتحدة، إضافة إلى حياته العائلية وهواياته القديمة التي قال إنه لم يعد يجد لها وقتاً في الرئاسة. وأشار إلى أنه لم يحصل على راتب عن عمله إلى اليوم، ولا يعرف حجم راتب الرئيس. كما دعا الدول العربية التي تشهد أزمات إلى حلها بالحوار قبل «خراب كل شيء». وأضاف: «خذوا التجربة من الصوماليين ولا تقتفوا أثرنا، فهذا طريق مهلك». وفيما يلي نص الحوار:
* مضت مائة يوم على انتخابك لرئاسة الصومال. ما شكل الوضع الذي ورثته عن الحكومة السابقة؟
- في الحقيقة ورثت وضعاً صعباً للغاية في كثير من النواحي؛ فمن الناحية الأمنية ورثت وضعاً صعباً، رغم جهود الحكومة السابقة في محاربة الإرهاب. المسلحون من حركة «الشباب» لا يزالون يشكلون تهديداً حقيقياً للاستقرار في بلدي. وفي الوقت نفسه، ورثت وضعاً مادياً لا تتمكن فيه الحكومة من دفع رواتب الجيش بشكل منتظم. هذا الجيش يحتاج هو الآخر إلى تنظيم وإعادة هيكلة وتسليح. ومن ناحية الخدمات الاجتماعية، لا تزال إمكانات الحكومة محدودة، خصوصاً في الخدمات الصحية والتعليمية. لا أقول إننا نبدأ من الصفر، لكن التحديات أمامنا كثيرة بالمقارنة مع الإمكانات المتاحة.
* ناديت بالتغيير في حملتك الانتخابية، فما الأمور التي قمتم بتغييرها خلال الأيام المائة الأولى من رئاستك؟
- التغيير كان شعاراً أساسياً في حملات جميع المرشحين الذين خاضوا سباق الرئاسة. وكنا جميعاً متفقين على أهمية تغيير الوضع. لكن إلى جانب شعار التغيير، كان لدي ولدى فريقي شعار آخر غير معقد، وهو «سلام وحياة»، فالشعب الصومالي في حاجة إلى السلام، وأن يحيا حياة كريمة كغيره من الشعوب، وهما أمران متلازمان. وعندما نتمكن من تغيير الوضع الأمني ونتغلب على التهديد الذي تمثله «الشباب» و«القاعدة»، فإن بمقدورنا أن نصنع حياة كريمة للشعب الصومالي من خلال تنشيط الاقتصاد وخلق فرص العمل وإعادة المناخ الطبيعي. وعلى العموم أنا وفريقي الحكومي كنا في مرحلة التخطيط في الفترة الماضية ووضع الأولويات، والمرحلة التالية هي مرحلة التنفيذ، علما بأن عمر مجلس الوزراء لم يبلغ الشهرين بعد.
* توجهت إلى السعودية في أول زيارة خارجية بعد انتخابك، فما دلالات تلك الخطوة؟
- هذه الزيارة دلالة واضحة على عمق العلاقات بين الصومال والمملكة منذ تاريخ بعيد. السعودية منذ المؤسس المغفور له الملك عبد العزيز، كانت تقف إلى جانب الصومال في كل الأوقات وتدعمه بشكل مستمر في المجالات كافة. التقيت بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز الذي عبر لي عن اهتمامه الدائم بالصومال واستعداده لمواصلة الدعم السعودي لبلدي. وخلال وجودي في المملكة استفدت من الفرصة لزيارة الديار المقدسة، ودعوت الله وأنا أؤدي مناسك العمرة أن يمكنني من خدمة بلدي وأن يرفع الغمة عن شعبي، وأن أكون على قدر المسؤولية. سعدت بأن بدأت فترتي الرئاسية بزيارة الكعبة المشرفة والمسجد النبوي الشريف، لأتزود بشحنة روحية، آمل أن تعينني على تحمل عبء المسؤولية.
* حدثنا عن أشكال الدعم الذي لقيتموه من السعودية؟
- الملك سلمان كان كريماً معنا كصوماليين، وهذا ما تعودنا عليه من المملكة. وإذا كان لي أن أذكر بعض التفاصيل، فالسعودية قدمت الدعم في مجالات مهمة؛ من بينها إعادة بناء الجيش، ومكافحة الإرهاب، ومشاريع البنى التحتية، وكذلك دعم الميزانية الحكومية، إلى جانب الدعم العاجل الخاص بحالة الجفاف التي تمر بها البلاد حالياً. وهذا يضاف إلى الدعم الموجود أصلاً في مجالات عدة. ونحن من جانبنا عبرنا للملك عن وقوف الصومال إلى جانب المملكة فيما يخص تنسيق المواقف في القضايا الإقليمية والعالمية، وكانت لدينا رؤية مشتركة في هذه القضايا أيضاً، وشعرت وأنا أتحدث إلى الملك سلمان بأنه الأخ الكبير الذي يحرص على مساعدة الجميع. وأود أن أشدد هنا على أن أمن المملكة مرتبط بأمن الصومال، ولا نقبل بالإساءة إليها، لما تمثله من مكانة روحية لنا ولجميع المسلمين في أنحاء العالم.
* تحدثت عن إعادة بناء الجيش الصومالي في أكثر من مناسبة، فما خططكم في هذا الأمر، ومتى تتوقعون الاستغناء عن الاعتماد على قوات حفظ السلام الأفريقية في الصومال؟
- إعادة بناء الجيش جزء أساسي من برنامجنا الحكومي، ويستغرق منا أكثر الوقت. وخلال الفترة الماضية انشغلنا بمشروع مراجعة قوائم مختلف تشكيلات القوات المسلحة وإحصاء تجهيزاتها وتقدير احتياجاتها، تمهيداً لإعادة هيكلة هذه القوات وتنظيمها تنظيماً دقيقاً ومهنياً. فالجيش الصومالي، رغم المشكلات التي كان يعانيها من جوانب عدة، استطاع أن يحقق مكاسب ضد المسلحين من حركة «الشباب»، ونسعى إلى تطوير قدراته. وحتى الآن تم تغيير القيادات العليا والوسطى للجيش وتعيين قيادات عسكرية جديدة، نعتقد أنها قادرة على تولي المسؤولية في هذا الوقت بالذات. ونريد بناء جيش نظامي محترف بإمكانه حماية الحدود، والدفاع عن السيادة إلى جانب تحقيق الاستقرار.
أما فيما يتعلق بقوات الاتحاد الأفريقي العاملة في الصومال، فإن الخطة الحالية هي أن يتم طرد مقاتلي حركة «الشباب» خلال عامين من الآن من المناطق التي لا تزال توجد فيها. وبناء على المشاورات الجارية، فإنه ابتداء من أكتوبر (تشرين الأول) 2018، سيبدأ تقليص عدد قوات الاتحاد الأفريقي بشكل تدريجي، ليحل محلها الجيش الصومالي، وهذا مسعانا لأن نتولى المسؤولية بأنفسنا.
* هناك حظر مفروض على توريد السلاح إلى الصومال منذ بداية التسعينات؛ إلى أين وصلت مساعي الحكومة الصومالية لرفع هذا الحظر لبناء الجيش وتسليحه كما ذكرت قبل قليل؟
- هذه العقوبات لا تزال موجودة، وللأسف نتج عن ذلك أن أصبح تسليح الجيش الصومالي لا يختلف كثيراً عن التسليح الموجود لدى ميليشيات حركة «الشباب»، وهذا أدى إلى تأخر هزيمتهم واستمرارهم في تهديد الاستقرار. وكي نقلب هذه المعادلة، يجب أن يكون لدى الجيش الصومالي تفوق نوعي على مقاتلي «الشباب»، وهذا يستدعي رفع العقوبات على توريد السلاح. فعملية إعادة هيكلة الجيش وتنظيمه التي نقوم بها حالياً لن تكون مفيدة، ما لم يواكبها رفع للعقوبات وما لم يتم تزويده بالتجهيزات اللازمة للجيوش النظامية. نحن ملتزمون بالمطالبة بتحقيق هذا الأمر، لأننا نعرف أيضاً أن المساعدة التي تقدمها قوات الاتحاد الأفريقي لن تكون دائمة.
* موضوع النظام الفيدرالي لا يزال يثير النقاش بين الصوماليين، وهناك من يقول إن لديك تحفظات على هذا النظام، وإنك تؤمن بدولة مركزية قوية تحكم من مقديشو، فما الذي تقوله في ذلك؟
- النظام الفيدرالي أصبح مثبتاً في الدستور المعمول به حالياً، وأنا أقسمت اليمين القانونية على اتباع هذا الدستور والحفاظ عليه، وقيادة البلاد على أساسه، ولذلك لا علاقة لرأي شخصي بالموضوع، فالدستور الذي قبلناه يكون فوق الجميع. هذا أولاً. الأمر الثاني هو ما شكل النظام الفيدرالي الذي نريده، أو ذلك المناسب لطبيعة الشعب الصومالي ودولته؟ هذا الأمر متروك للبرلمان لمواصلة النقاش في شأنه والاستقرار على شكل محدد.
* ظهرتَ بالزي العسكري مرتين منذ انتخابك رئيساً للبلاد، ودعوت إلى حسم المعركة مع «الشباب»، فهل هذا يعني أنك تراهن على الخيار العسكري وحده في التعامل مع الحركة؟
- ارتدائي الزي العسكري كان خطوة لتذكير الشعب بأننا في حرب مفتوحة ضد الإرهاب المتمثل في حركة «الشباب»، لكنني لا أؤمن باعتماد الخيار العسكري وحده في إلحاق الهزيمة بها. وقد دعوت بعيد انتخابي إلى الحوار مع الحركة ومنح العفو العام لمن يعودون عن استخدام العنف في غضون شهرين. ويجب أن نعترف بأن هؤلاء ليسوا على شكل واحد، فهناك المغرر بهم ومن لديهم بعض المظلوميات أياً كان شكلها، وبالتالي، فليست لدينا مشكلة في التحاور معهم، ونحن مستعدون للجلوس مع أعضاء حركة «الشباب» الصوماليين الذين يؤمنون بأنهم مواطنون مثلنا ويتخلون عن العنف. لكن الأجانب وأولئك المتطرفين جداً الموالين لـ«القاعدة» والمتعطشين للقتل، فنحن نعرف أنهم لن يقبلوا بالحوار مع الدولة أو مع غيرها، ولا ينفع معهم إلا الخيار العسكري.
* هناك دول كثيرة تدعم الحكومة الصومالية، ولها في الوقت نفسه مصالح متناقضة في المنطقة أو خارجها، فهل لديك خشية من تأثير ذلك بشكل سلبي على الوضع في الصومال أو على علاقتكم بهذه الدول؟
- صحيح أن للصومال أصدقاء كثيرين من دول العالم، وتساعدنا هذه الدول على أشياء كثيرة؛ من بينها مكافحة الإرهاب ودعم الاستقرار والتنمية والاستثمار في بلادنا. وقد يكون هناك تناقض أو تضارب في مصالح هذه الدول، لكن ما يهمنا هو مصالحنا، فعلاقاتنا مع دول العالم مبنية على مصالحنا القومية، والمصالح المتبادلة مع هذه الدولة أو تلك، ولسنا بدعة في ذلك. وأؤكد أننا لا نريد أن نكون طرفاً في محاور معينة للإضرار بمصالح محاور أو دول أخرى. وبصراحة يكفينا ما نحن فيه، والصومال منذ الاستقلال كان مشهوراً بالحياد الإيجابي بشكل عام.
* قمت بزيارة الإمارات في ثاني محطة عربية في جولتك الخارجية، فما الذي تم خلال هذه الزيارة؟
- دولة الإمارات من أكبر الداعمين للصومال حالياً. كانت زيارتي إلى أبوظبي زيارة ناجحة بكل المقاييس، وبحثنا أموراً عدة تخص العلاقات بين بلدينا؛ أهمها الأمن، وبحثنا أيضاً تطوير معسكر تدريب المجندين في الجيش الصومالي الذي دشنته الإمارات في مقديشو، وكذلك «مستشفى الشيخ زايد» الذي يقدم خدمات طبية مجانية لسكان العاصمة. وتعهدت الإمارات أيضاً بدعمنا في برنامج إعادة بناء الجيش والمساهمة في دفع رواتبه ودعم الميزانية الحكومية أيضاً، وننتظر أن يدخل ذلك في حيز التنفيذ قريباً.
* ما أفضل السبل لدعم بلدكم من قبل الدول العربية أو المؤسسات العربية؟
- الصومال يحتاج إلى دعم في كل النواحي، فنحن دولة تتلمس طريقها الآن، بعد سنوات طويلة من الأزمات المتلاحقة، فمع أهمية الدعم المتجه إلى المؤسسات الحكومية لتكون قادرة على أداء مهمتها، أرى أيضاً أن أحد أهم أشكال الدعم المقدم للصومال هو الاستثمار في موارده الاقتصادية الهائلة التي تضم الثروات الطبيعية والزراعة والبني التحتية والثروات البحرية والنقل، لدعم استقراره. ومن شأن ذلك أن يخلق فرص عمل للشباب الذين يشكلون أكثر من 70 في المائة من السكان. ونحن بدورنا مستعدون لتقديم التسهيلات اللازمة لهذه الاستثمارات العربية، سواء من الدول مباشرة أم من القطاع الخاص.
* كيف هي علاقتكم بدول الجوار الجغرافي للصومال (إثيوبيا وكينيا وجيبوتي) خصوصاً أن لها تواجداً عسكرياً في الصومال؟
- علاقتنا بدول الجوار جيدة، ولدينا تهديد مشترك يتمثل في الإرهاب، كما أن قضية التنمية ومكافحة الفقر تشغلنا جميعاً. قمت بزيارة لكينيا واجتمعت مع الرئيس أوهورو كينياتا ووقعنا اتفاقيات في مجالات عدة، بعضها تم تنفيذه وبعضها في سبيله إلى التطبيق. كما زرت إثيوبيا والتقيت برئيس الوزراء هايلي ماريم ديسالين، وأعلن دعم حكومته للصومال في مؤتمر لندن منتصف الشهر الحالي. أما جيبوتي، فكانت معنا على طول الخط، والرئيس إسماعيل عمر غيله هو أول من بادر لحل الأزمة الصومالية، ولا يزال. وأعتقد أننا جميعاً نحتاج إلى التكاتف ومواجهة الخطر المشترك الذي يهددنا.
* هناك انتقادات موجهة إلى الصومال بأن حكوماته توقع على اتفاقيات ثنائية وإقليمية بالجملة، ثم ترفض الحكومة التالية الالتزام بهذه الاتفاقيات، ويتم البدء من الصفر. وهذا الأمر أصاب الدول والشركات الدولية بالصدمة، وبالتالي العزوف عن الدخول في أي شراكة مع الصومال. فما تعليقك على ذلك؟
- أولاً، أنا لم أتلق شكوى من هذا النوع حتى الآن، سواء من دول أو شركات، لكن أقول إن الاتفاقات التي أبرمتها الحكومات السابقة نافذة ونحن نحترمها ونلتزم بها. من الطبيعي أن تتم مراجعة أو إعادة تقييم اتفاقية محددة أو تعديلها جراء مستجدات لم تكن موجودة في وقتها، وذلك يتم مع الطرف المعني بذلك، وبالتالي، نحن، بصفتنا حكومة، ملتزمون بكل ما التزمت به الحكومات السابقة.
* حدثنا عن نشأتك وعن بدايات حياتك؟
- اسمي محمد عبد الله فرماجو، ولدت في مقديشو قبل 55 عاماً، في حي إسكوراران (وهو حي عشوائي قرب الجزء التاريخي لمقديشو تمت إزالته في السبعينات وأقيمت مكانه حالياً «حديقة السلام»)، هاجر والدي إلى العاصمة أثناء الاحتلال الإيطالي للصومال. ودرست في الصومال وفي الولايات المتحدة متخصصاً في الدراسات الأميركية، وتخرجت في جامعة بافالو بولاية نيويورك. شغلت منصب رئيس الوزراء منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2010 حتى يونيو (حزيران) 2011. وانتخبت رئيساً للصومال في 8 فبراير (شباط) من هذا العام.
* كيف تعرفت على زوجتك وكيف تزوجتما فيما بعد؟
- تعرفت على زوجتي زينب معلم في مقديشو، بحكم الجيرة، حيث كان منزل أسرتها قريبا من منزل أسرتي في الحي. التقينا في الولايات المتحدة مرة أخرى عندما كنت موظفاً في السفارة الصومالية في واشنطن، وهي هاجرت إلى هناك أيضاً. تزوجنا في عام 1992 ولدينا 4 أطفال هما ولدان وابنتان.
* من أين جاء لقب فرماجو؟
- لقب والدي بفرماجو، ومعناها «الجبن» باللغة الإيطالية، ولهذا اللقب قصة ظريفة، وهي أن سلطات الأمن الإيطالية التي كانت تحكم البلد في الخمسينات اعتقلت والدي ومجموعة من الشبان الناشطين بسبب مناهضتهم الاستعمار ومطالبتهم بالاستقلال. وفي أثناء الاعتقال كانت الأجبان من بين الوجبات التي تقدمها سلطات السجن للمعتقلين، وكانت شبه جديدة على الصوماليين، فرفض زملاؤه، وكان عددهم 11 شاباً، تناولها، لكن والدي كان يأكلها قبل الاعتقال وكان محباً لها، فتناولها، فكان زملاؤه يجمعون له حصتهم من الجبن كل يوم ويتناولها هو، فلقبوه بفرماجو، ومن ذلك اليوم تحمل الأسرة هذا اللقب.
* كيف تقسم وقتك بين أسرتك وعملك رئيسا؟ وهل لديك هوايات تمارسها؟
- عملي في المكتب هو الذي يستغرق معظم وقتي حالياً، وأولادي لا يزالون في الولايات المتحدة. جاءتنا إحدى بناتي زائرة هذه الأيام، وتعيش معنا بشكل مؤقت، وبصراحة، فإن عمل الرئيس في الصومال لا يترك مجالاً لأي شيء آخر، سواء الحياة الأسرية أو غيرها. قد أجد بعض الوقت عندما تهدأ الأمور، لكنني في الوقت الحالي ليس لدي هذا الترف. كانت لدي هواية القراءة، وفي الرياضة كنت قبل الرئاسة أشجع فريق ريال مدريد لكرة القدم، وأتابع مبارياته، لكن ذلك انتهي الآن.
* كان راتبك 84 ألف دولار سنوياً أثناء عملك في الولايات المتحدة، فما حجم راتبك الآن بعد أن أصبحت رئيساً؟
- ليس لدي راتب منذ انتخابي وحتى الآن. ستقرر الدولة لي راتباً رئاسيا فيما بعد، لكنني لا أعرف مقداره، لأن ميزانية الرئاسة لم تتم المصادقة عليها بعد. الرئيس الصومالي لا علاقة له بتحديد حجم راتبه ولا يحق له السحب من خزينة الدولة أو البنك المركزي، ولذلك أنتظر إقرار الميزانية.
* منتقدو الفريق الرئاسي يقولون إنكم تعيشون حتى الآن في مرحلة الحملة الانتخابية بحيث لم تستوعبوا وجوهاً جديدة في مؤسسة الرئاسة، فما ردك على ذلك؟
- (ضاحكاً)، ربما يكون لهم بعض الحق في ذلك، لكن ذلك لا يرجع إلى محاباة فريقي، فنحن جديدون في المكتب، ولعل المنتقدين لم يلتفتوا إلى مجلس الوزراء والقيادات الأخرى التي تم تعيينها في الدولة، فهؤلاء معظمهم جاء من خارج فريقي، واخترناهم على أساس الكفاءة.
* كيف هي علاقتك بأسلافك من الرؤساء؟
- لدي علاقة جيدة مع الرئيس السابق حسن شيخ محمود، وقد زرته أخيراً أثناء زيارتي الأخيرة لتركيا، حيث يقيم، وكذلك علاقتي مع الرئيس الأسبق الشيخ شريف شيخ أحمد؛ إذ نتبادل الحديث هاتفياً بين الحين والآخر، وأستمع إليهم أيضاً وأنا أحترمهم جداً. ثلاثتنا كنا متنافسين في الانتخابات الأخيرة من دون حساسيات، ولا أنسى الصورة التي التقطت لثلاثتنا يوم الانتخاب بعد فوزي بالمنصب، والرئيسان السابقان يقفان إلى جانبي. هذه اللحظة كانت علامة على النضج الذي وصل إليه الصوماليون في نقل السلطة بشكل سلمي.
* هل تسمع صوت الانفجارات التي تقع في العاصمة، وما شعورك لحظة سماع هذه الانفجارات؟
- أسمع أحيانا أصوات هذه الانفجارات، وأشعر بحزن كبير على المواطنين الذين يقعون ضحية لهذه الأعمال الإرهابية، وإلى جانب مسؤوليتي بحكم منصبي، فأنا أيضاً أب ولدي أطفال وأعرف وقع مثل هذه الأخبار على الآباء والأمهات الذين أرسلوا أولادهم إلى العمل أو الدراسة ثم يعودون إليهم أشلاء ممزقة، وأحزن لأولئك الأطفال الذين ينتظرون عودة آبائهم أو أمهاتهم من العمل ثم يجدون أنفسهم أيتاماً بفعل العمليات الإجرامية هذه. وأشعر بالأسف أيضاً لهؤلاء الشبان الذين تم التغرير بهم ويبحثون عن الجنة عن طريق تفجير أنفسهم بين أهليهم، بينما قادتهم مستريحون في غرفهم الآمنة أو في الأحراش ويأكلون من نعيم الدنيا وهم يرسلون أولاد الناس إلى نعيم أخروي وهمي.
* هل لديك رسالة للدول العربية التي تمر بأزمات تشابه ما مر به بلدك؟
- رسالتي لهذه الدول قادة وشعوباً هي أن يعالجوا أزمات بلادهم بالحوار والتفاهم، وأنا على يقين من أنه لن يكون هناك منتصر أو مهزوم حتى إذا استمر التقاتل العربي مائة سنة، وأذكرهم بأن التاريخ يقول لنا إن كل حرب أو نزاع ينتهي في الآخر بحوار. فإذا كانت النهاية كذلك، فلماذا لا نبدأ الآن بدل أن نتقاتل لسنوات وسنوات ثم نتحاور بعد خراب كل شيء كما فعلنا نحن الصوماليون للأسف؟
أقول لهم خذوا التجربة من الصوماليين، ولا تقتفوا أثرنا، فهذا طريق مهلك. وأضيف أن «الأخ الأكبر» العربي الذي يشمل برعايته الإخوة الصغار مهم في هذه المرحلة، كما كان مهماً في السابق. والصوماليون انتظروا تدخل هذا الأخ الأكبر ولا يزالون. وأزعم أن الدول العربية التي تجتاحها الحروب حالياً تحتاج إلى تدخل هذا الأخ العربي.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.