عصر النهضة واستيقاظ أوروبا

مأساة العرب أن عصورهم الوسطى جاءت بعد نهضتهم وتنويرهم

آلان تولون
آلان تولون
TT

عصر النهضة واستيقاظ أوروبا

آلان تولون
آلان تولون

يقدم لنا البروفسور آلان تالون في هذا الكتاب صورة بانورامية عن عصر النهضة الأوروبية. والباحث المذكور هو أستاذ في جامعة السوربون ومؤرخ حداثي للتاريخ الديني والتيارات الفكرية الأوروبية إبان القرن السادس عشر على وجه الخصوص. وهو قرن استيقاظ أوروبا كما هو معلوم وخروجها من ظلاميات العصور الوسطى وأصوليتها المسيحية، كما أنه قرن الإصلاح الديني للمسيحية. وفيه يقدم لنا صورة دقيقة عن ذلك العصر المجيد الذي مشى بالبشرية الأوروبية خطوات واسعة نحو الحداثة والنور والتحرر من اللاهوت والكهنوت.
ونفهم منه أن مفهوم عصر النهضة في معناه الأولي يعني تلك الحركة الثقافية التي ظهرت في إيطاليا بداية القرن الرابع عشر قبل أن تنتشر في كل أنحاء أوروبا في نهايات هذا القرن بالذات. ويرى البعض أن عصر النهضة يتوسط بين العصور الوسطى المسيحية - والعصور الحديثة العلمانية والفلسفية. وبالتالي، فهو يقف بين بين. ولكن ينبغي الاعتراف بأن مفكري عصر النهضة كانوا حاقدين على العصور الوسطى الكهنوتية؛ لأنها قضت على الفلسفة الإغريقية بحجة أنها وثنية إلحادية. والواقع أن هؤلاء المفكرين كانوا يشعرون بأنهم يولدون من جديد بعد أن خرجوا من ظلاميات الكهنة المسيحيين واكتشفوا آداب الإغريق والرومان وفلسفتهم. كما اكتشفوا آداب العرب وفلاسفتهم الكبار من أمثال ابن سينا والفارابي وابن رشد وابن طفيل وابن باجة الخ... وبالتالي؛ فللعرب فضل كبير على نهضة أوروبا. وكل هذه الآداب الفلسفية كانت القرون الوسطى المسيحية قد طمستها كلياً تقريباً بحجة أنها خارجة على الاعتقاد الديني.
وربما كان بترارك أول مفكر وكاتب نهضوي أوروبي (1304 ـ 1374). ومعلوم أنه كان منفتحاً على آداب الإغريق والرومان كل الانفتاح. ولكنه في الوقت ذاته كان مشدوداً إلى المسيحية، عقيدة آبائه وأجداده. وبالتالي؛ فقلبه كان مع الدين وعقله مع الفلسفة إذا جاز التعبير. وعندئذ ظهر مصطلح الدراسات الإنسانية معارضة لها بالدراسات اللاهوتية والدينية. وكان المقصود بها الدراسات المتركزة على كبار أدباء وشعراء وفلاسفة العصور القديمة السابقة على المسيحية: كهوميروس، وأفلاطون، وأرسطو، وفرجيل، وشيشرون، وعشرات غيرهم.
وبقدر ما كانت العصور الوسطى المسيحية تهملهم وتكفرهم لأنهم وثنيون راح مفكرو عصر النهضة يهتمون بهم ويجعلون من عملية اكتشافهم ودراستهم أكبر رسالة لهم في الحياة. ولذلك؛ شعر فلاسفة عصر النهضة بأنهم يعيشون مرحلة جديدة من التاريخ. شعروا وكأنهم قد استيقظوا على التاريخ بعد سبات طويل.
وقد عبر عن ذلك أحسن تعبير أحد كبار مفكري عصر النهضة الإيطالية مارسيل فيشان عندما قال: أشعر بأني أعيش عصراً ذهبياً أعاد الفنون الليبرالية إلى النور: أي علم الفصاحة والنحو، وفن الرسم والنحت، وفن العمارة، والموسيقى... ومعلوم أن مارسيل فيشان كان من كبار فلاسفة عصر النهضة (1433 ـ 1499) ومن أكبر المعجبين بأفلاطون. وقد أسس المدرسة الأفلاطونية في مدينة فلورنسا إبان عصر النهضة.
أما الكاتب الشهير رابليه (1494ـ 1553) فكان من كبار مفكري عصر النهضة الفرنسية. وقد تحدث عن تلك القطيعة الكائنة بين ظلمات العصور الوسطى والعصر الجديد المليء بالأنوار: أي عصر النهضة. ثم سادت هذه الصورة البشعة عن العصور الوسطى وكرست في الكتب المدرسية منذ القرن التاسع عشر وحتى أمد قريب في كل أنحاء أوروبا، بل وحتى في العالم العربي أيضا.
ولكن بعض المؤرخين احتجوا مؤخراً على هذه النظرة التبسيطية للأمور، وقالوا بما معناه: لا يمكن الزعم بأن العصور الوسطى كانت ظلامية كلها. فالواقع أنه وجد آنذاك بعض المفكرين الكبار المستنيرين بضوء العقل. وأكبر دليل على ذلك فلاسفة العرب من أمثال الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن طفيل، وابن رشد، وابن باجة، وابن عربي، والمعري، وأبو بكر الرازي، إلخ... وكلهم عاشوا في فترة العصور الوسطى بحسب التقسيم الأوروبي لتاريخ الفكر. ولذلك قال ريجيس دوبريه مؤخرا: مأساة العرب أن عصورهم الوسطى جاءت بعد نهضتهم وتنويرهم على عكس أوروبا. فعادة تكون العصور الوسطى أولا، ثم تجيء النهضة والتنوير، ولكن عند العرب حصل العكس. ولهذا السبب فهم بأمس الحاجة اليوم إلى نهضة ثانية وتنوير جديد. نقصد بذلك أن النهضة الأولى حصلت في القرن التاسع عشر، وأما التنوير الأول فقد حصل في العصر الذهبي العباسي - الأندلسي أساسا.
ومعلوم أن التقسيم الأوروبي لتاريخ الفكر يتحدث عن ثلاثة عصور أساسية: العصور القديمة اليونانية - الرومانية (الممتدة من القرن الخامس قبل الميلاد إلى القرن الخامس بعد الميلاد). ثم العصور الوسطى من عام 500 ميلادية إلى عام 1500 تقريباً. ثم العصور الحديثة من عام 1500 وحتى اليوم.
وبما أن كل فلاسفة العرب المذكورين عاشوا قبل عام 1500، بل وحتى قبل عام 1200، فإن هذا يعني أنهم كلهم مرميون في غياهب العصور الوسطى. فهل يمكن القول بأنهم كانوا ظلاميين متخلفين أو متعصبين كما توحي به هذه الصورة التبسيطية؟ بالطبع لا. لقد كانوا نورا على نور. فهم لم يهملوا دراسة الفلسفة اليونانية، على العكس، ولم يهملوا العلم والعقل، على العكس تماماً. ولهذا السبب فإن تحقيب التاريخ الأوروبي للفكر لا ينطبق على تحقيب التاريخ العربي.
ولكن عودة مفكري عصر النهضة الأوروبية إلى الماضي البعيد، وإلى فلاسفة اليونان والرومان وأدبائهم لا تعني مجرد العودة إلى الماضي ونسيان الحاضر والمستقبل. فالواقع أنها كانت عودة خلاقة لتغيير الحاضر أو لتجديد الحياة الحاضرة بكل جوانبها. وهنا تكمن ابتكارية عصر النهضة وحداثته. فقد كان يمثل عودة إلى الوراء من أجل القفز إلى الأمام. والواقع أن التحولات الفكرية التي حصلت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر في أوروبا مرتبطة بثلاثة أشياء: أولها الإصلاح الديني الذي حصل في النصف الأول من القرن السادس عشر على يد مارتن لوثر. وثانيها الحركة الإنسانية النهضوية التي تمثلت بالعودة إلى الآداب القديمة، آداب اليونان والرومان والعرب وترجمتها والاستفادة منها. وثالثها الاكتشافات العلمية الكبرى التي حصلت في ذلك العصر على يد كوبرنيكوس وسواه. ويمكن القول بأن أولى العلامات والبشارات على ظهور عهد جديد للفكر والسلوك انبثقت في إيطاليا منذ نهاية القرن الرابع عشر وبداية القرن الخامس عشر. ولكن ماذا نفعل بدانتي (1265 - 1321) الذي ولد قبل ذلك؟ كل هذه التواريخ تقريبية. ويمكن أن نضيف إلى ما سبق الاكتشافات الجغرافية وتحسن الأوضاع الاقتصادية. وقد انعكس كل ذلك على الفكر. فنقد الفلسفة المسيحية السكولائية الاجترارية كان عاماً شاملاً. وهي عبارة عن تدجين لفكر أرسطو من قبل الكهنة المسيحيين. لقد جعلوا من فلسفة أرسطو مجرد خادم لعقيدتهم الدينية. وهذه هي وظيفة الفلسفة في القرون الوسطى: مجرد خادم مطيع وذليل للاهوت الديني. ولكن كان لها فضل عقلنة الدين إلى حد ما. وكان من أكبر نقادها الفيلسوف النهضوي الإيطالي لورنزو فالا (1407 ـ 1457). ومعلوم أن أرسطو كان يسيطر على الفكر الأوروبي منذ أن تبنته الكنيسة المسيحية وقدمت تركيبة توفيقية تصالح بين فلسفته وبين العقيدة المسيحية. وقد بلور هذه التركيبة بكل نجاح القديس توما الإكويني الذي استفاد من ابن رشد ونقده في الوقت ذاته. ومعلوم أن ابن رشد صالح الإسلام مع فلسفة أرسطو من خلال كتابه الشهير: فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال. وفعل الشيء ذاته في الجهة اليهودية الفيلسوف اليهودي العربي ابن ميمون من خلال كتابه الشهير أيضا: دلالة الحائرين. وقد دبجه بالعربية مباشرة.
ولذلك؛ راح بعض فلاسفة عصر النهضة يهتمون بأفلاطون أكثر من أرسطو من أجل تحجيم هذا الأخير. ومعلوم أن تاريخ الفلسفة كله ليس بشكل من الأشكال إلا صراعا بين أفلاطون المثالي - وأرسطو الواقعي. ولهذا السبب أنشأ الأمراء الإيطاليون الأكاديمية الأفلاطونية للمفكرين النبلاء. وسلموا مقاليدها لمارسيل فيشان المذكور سابقا. وكان أول مترجم لأعمال أفلاطون. وكانت الفلسفة الإيطالية مليئة آنذاك بالشخصيات الإبداعية. وفي خضم هذا الإبداع والابتكار ظهر غاليلو (1564 ـ 1642) الذي واصل اكتشافات كوبرنيكوس وشكّل الأسس الراسخة للعلم الحديث: أي علم الفيزياء والفلك والرياضيات. ولولا ثورته العلمية لما كانت كل هذه الحداثة التي نشهدها اليوم. ولهذا السبب نقول إن عصر النهضة شكل خطوة كبيرة إلى الأمام.
ومن أهم فلاسفة عصر النهضة الذين ساهموا في تشكيل الحداثة نذكر نيقولا ميكافيلي (1469 - 1527) الذي اشتهر بكتاب: الأمير. وهو الذي أسس علم السياسة بالمعنى الحديث للكلمة. نقصد بذلك أنه أسس الواقعية السياسية التي خلع اسمه عليها فأصبحت تدعى بالميكافيلية. ولكن الكلمة اتخذت معنى سلبيا في الاستخدام الشائع لأنك عندما تقول عن شخص بأنه ميكافيلي فكأنك تقول بأنه وصولي، انتهازي، ذرائعي، إلخ. ولكن هذا ليس صحيحاً في الواقع، أو قل ليس صحيحا بشكل كامل لأن نظرية ميكافيلي عن السياسة أوسع من ذلك وأكثر تعقيداً. ومن كبار فلاسفة عصر النهضة الذين مهدوا للحداثة يمكن أن نذكر جيوردانو برينو (1548 ـ 1600) الذي انتهى نهاية مأساوية. فقد حرقته محاكم التفتيش لأنه شكك بصحة بعض العقائد المسيحية، ولأنه تبنى النظرة العلمية والفلسفية عن العالم والكون. وكان أكبر فيلسوف إيطالي في عصره. كان هذا المفكر يقول إن معرفة الكون هي هدف الحياة الفلسفية. وكان يقول أيضا إن هذه المعرفة غير ممكنة إلا عن طريق العقل والتجربة العملية المحسوسة. لهذا السبب اعتبره هيغل أحد مؤسسي الفلسفة الحديثة. ولا ينبغي أن ننسى «ايراسم» أمير عصر النهضة وكتابه الشهير: ثناء على الجنون. وفيه ينتقد رجال الدين وكيفية تلاعبهم بالدين؛ بغية تحقيق مآربهم الخاصة التي لا علاقة لها بسمو الدين ومبادئه المثالية العالية. ونجد صورته على غلاف الكتاب. ولكن تحرر الأوروبيين من العقلية الكهنوتية كان صعبا. وذلك لأن التعليم القروسطي السكولائي كان مهيمنا على العقول. نحن نقول عقلية عصر الانحطاط التي لم نخرج منها حتى اللحظة بدليل هيمنة التعليم الديني التقليدي، التكراري الاجتراري، على العرب والمسلمين ككل.



3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».