موجة نزوح داخلي في الحديدة مع اقتراب رمضان

معاناة المحافظة تتفاقم تحت سيطرة الحوثيين وصالح

يمني يبيع الورد في أحد شوارع الحديدة («الشرق الأوسط»)
يمني يبيع الورد في أحد شوارع الحديدة («الشرق الأوسط»)
TT

موجة نزوح داخلي في الحديدة مع اقتراب رمضان

يمني يبيع الورد في أحد شوارع الحديدة («الشرق الأوسط»)
يمني يبيع الورد في أحد شوارع الحديدة («الشرق الأوسط»)

«تهامة يحيط بها الموت من جميع الجهات، بسبب تفاقم الوضع المعيشي والمشكلات البيئية والصحية، حيث تتعرض إلى تفشي الأمراض الفتاكة التي تخطف أرواح المرضى، بسبب عدم توفر الخدمات الطبية اللازمة في المستشفيات الحكومية، وبسبب امتناع المستشفيات الخاصة عن استقبال كثير من الحالات بما فيها الحالات المصابة بالكوليرا، ومع توقف الخط الساخن الذي يقوم بتزويد المستشفيات الحكومية بالتيار الكهربائي، زاد ذلك من معاناة المواطن»، هذا ما تحدث به لـ«الشرق الأوسط» الموظف الحكومي، محمد يحيى عمر، وهو أحد أبناء مدينة الحديدة.
تفاقمت معاناة أهالي الحديدة الساحلية التي يسميها أهلها عروس البحر الأحمر اليمنية، حيث ثاني أكبر ميناء في اليمن بعد ميناء عدن، بسبب غياب الكهرباء منذ أكثر من عامين وتفشي الأمراض والأوبئة بسبب تراكم القمامة في الطرقات والأحياء السكنية، علاوة على عدم تسلم موظفي القطاع العام رواتبهم منذ ما يقرب من 8 أشهر.
ولا تقتصر معاناة أهالي الحديدة على ذلك فقط، بل إن هناك معاناة كثيرة منها النقص الحاد في مياه الشرب والبطالة وطفح المجاري في الشوارع.
ومع اقتراب شهر رمضان المبارك مع فصل الصيف الحار، شهدت مدينة الحديدة الساحلية موجة نزوح داخلي، ولكن ليس نزوحاً جراء الحرب وإنما نزوح هرباً من الحر الشديد في ظل انعدام الكهرباء، وهرب الآلاف من سكان المدينة والريف إلى المناطق الباردة بما فيها صنعاء وإب ومناخة ومدينة حجة.
وبعدما كانت مدينة اقتصادية وواحدة من أهم المحافظات اليمنية خصوصاً في مجال الثروة السمكية كونها تطل على البحر الأحمر، أصبحت مدينة الحديدة منذ سيطرة ميليشيات الحوثي وصالح الانقلابية عليها في أكتوبر (تشرين الأول) 2014، مدينة يعيش غالبية سكانها في ظل جوع وتدهور في النظام الصحي وشبح المجاعة الذي يهددهم.
إن الحديدة التي يقطنها أكثر من مليوني نسمة، تُعد ثاني كبرى المدن اليمنية من حيث عدد السكان بعد مدينة تعز، ولقبت بـ«عروس البحر الأحمر» بسبب المعالم السياحية الجميلة التي توجد فيها وتميزها بالشريط الساحلي، إضافة إلى وجود عدد من الموانئ الاستراتيجية؛ أهمها ميناء الحديدة الذي يتميز بموقعه الاستراتيجي وقربه من خطوط الملاحة العالمية، إضافة إلى كونه محمياً حماية طبيعية من الأمواج والتيارات المائية وغير معرض للرياح الموسمية، وكذا ميناء الصليف الذي يقع على منجم من «الملح» به ما يقرب من 20 مليون طن، بحسب التقديرات البيولوجية، حيث كان يجري تصدير الملح من هذا المنجم، بالإضافة إلى صلاحيته في استقبال بضائع «ترانزيت».
كما تتميز بكثرة الأماكن السياحية بينها قلعة «الكورنيش» التاريخية، الواقعة على الشريط الساحلي لمدينة الحديدة، ومدينة الخوخة السياحية التي تطل على مناظر رائعة من البحر الأحمر، وحجرة الزِني في مديرية حيس، ومحمية برع الجبلية المشهورة.
وجعلت الميليشيات الانقلابية من هذه المدينة مرتعاً عسكرياً لها لتنشر نقاطها العسكرية في جميع شوارعها وأحيائها، خصوصاً بعد سيطرتها على المرافق الحكومية والمعسكرات بما فيها المطار والميناء الذي أصبح ميناء لتهريب الأسلحة، بل إنها تشارك التجار والصيادين والمزارعين إيراداتهم، وبعدما كانت تصل إلى «الخُمس» أصبحت الآن أكثر من ذلك، وتحت تسميات أخرى بما فيها المجهود الحربي، وإن حصل المزارعون أو الصيادون على المشتقات النفطية من أجل استمرار أعمالهم فيحصلون عليها بأسعار أكثر من سعرها الأصلي بنحو مائة في المائة من السوق السوداء الخاصة بالميليشيات الانقلابية، وذلك بحسب ما أكده عدد من التجار والمزارعين لـ«الشرق الأوسط».
ومنذ انقلاب الحوثي وصالح على شرعية الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي وبدء الحرب، تم اختيار ميناء الحديدة مركزاً لاستقبال المساعدات الإغاثية، غير أن الميليشيات الانقلابية كانت تقوم بنهب تلك المساعدات وترسلها لجبهاتها القتالية، غير تلك التي كانت تقوم ببيعها لدعم ما تسميه «المجهود الحربي».
ويواصل محمد يحيى عمر، حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن «محافظة الحديدة ككل وليست المدينة فقط، تشهد كارثة حقيقية جراء استمرار وجود الميليشيات الانقلابية فيها ونهب خيراتها، وهذا ينذر فعلاً بكارثة إنسانية حقيقية ووشيكة امتدت إلى كثير من مديرياتها، مع تفشي الأمراض وانعدام الكهرباء وانعدام مصادر الدخل لكثير من أرباب الأسر، الذين كانا يعتمد غالبية منهم على الزراعة والصيد، ولكن كثيراً منهم فقد أعماله بسبب انقلاب الحوثي وصالح».
وأضاف: «بسبب انعدام الكهرباء، يعاني كثير من أبناء تهامة من المشكلات الجلدية خصوصاً في فصل الصيف الذي ترتفع فيه درجات الحرارة وتصل إلى 52 درجة، والأطفال هم أكثر عرضة للأمراض الجلدية، ومع تفاقم الكوارث البيئية وارتفاع درجات الحرارة وقدوم شهر رمضان، شهدت مدينة الحديدة نزوحاً جماعياً إلى المناطق الجبلية، وليس نزوحاً بسبب الحرب أو الدمار؛ نزوحاً يشكل بصيصاً من الأمل وهروباً من بيئة لا تصلح للعيش».
وأشار إلى أن «المواطن في تهامة أصبح بين خيارين، أحلاهما مر؛ المكوث مع أفراد أسرتك لاستقبال الموت جراء انعدام الخدمات، أو النزوح إلى خارج تهامة، والأغلبية منهم يختار مواجهة الموت كونهم يعيشون حياة من الفقر المفقر، وبعضهم يفضل النزوح خيراً له من مشاهدة أحد أبنائه أو أسرته يموت أمامه بسبب عدم امتلاك قيمة علاج له، بينما أصبحت شوارع المدينة قارعة للنوم لأفراد الأسرة باحثين عن نسمة عليل أو شيء من الهواء»، مناشداً الحكومة الشرعية والتحالف والمجتمع الدولي والأمم المتحدة «تقديم المعونات الإنسانية وإنهاء معاناة أبناء تهامة وما يعانونه من تصرفات الميليشيات الانقلابية التي تمارس ضدهم من تجويع وملاحقات وانتهاكات».
وبينما تضاعفت معاناة أهالي الحديدة أكثر من أي محافظة أخرى في ظل تفشي الأمراض منها الكوليرا الفتاك، خصوصاً مع اشتداد درجة الحرارة في فصل الصيف، يرى الكثير أن هناك صمتاً مخزياً من قبل المنظمات الدولية لما تعانيه هذه المحافظة وحتى فيما يخص نهب المساعدات الإغاثية.
ومن جانبه، يقول رئيس المركز العربي لحقوق الإنسان ومناهضة الإرهاب (آشا)، خالد محي الدين الشيباني، لـ«الشرق الأوسط»، إن «محافظة الحديدة لها ميزة عجيبة وغريبة، إن مأساتها أكثر ألماً من أي محافظة أخرى، فطبيعة أبنائها أكثر الناس سلماً وأكثرهم فقراً وأكثرهم صمتاً، لذا فمعاناتهم أكثر قسوة وأكثر ألماً من أي محافظة أخرى، كما أن المعاناة ليست حكراً على أبناء محافظة الحديدة. لقد أصبح اليمن يواجه كارثة مرعبة في الصحة وكارثة في مجاعة مقبلة وكارثة في تفكك النسيج الاجتماعي، وهذا ما ستكون له عواقب وخيمة مستقبلاً ولن يتم ردم هذه الفجوة بهذه السهولة على الإطلاق».
وأردف أن «معاناة محافظة الحديدة أكثر مأساة لأسباب كثيرة؛ هو أن أبناء تلك المحافظة ملتزمون الصمت في كل شيء، فلا تظهر معاناتهم إلى المنظمات والمجتمع الدولي إلا بعد أن يموتوا أو يصابوا بأمراض أو تكتظ المستشفيات بالموتى، فهنا الكارثة، فالحديدة بطبيعتها وطبيعة أبنائها الكارثة فيها تتضاعف أكثر من أي محافظة أخرى، فالكوليرا وأمراض أخرى ستفتك بأصحابها، خصوصاً في الصيف الذي سيحول محافظة الحديدة إلى جحيم، ومع ذلك لا يوجد أي تفاعل من قبل المنظمات الدولية سوى نهب المساعدات والتغني بالكارثة فقط».
وشدد الشيباني على تأكيده وصف جماعة الحوثي بأنها «جماعة لا أخلاق لها وجماعة إرهابية شيطانية لا تعير الإنسانية أهمية، فهي ميليشيات تقتات على القتل، وجميعنا نلاحظ أن هناك من يموت بالرصاص ومنهم من يموت بالمرض وكل هذه المأساة هي بطبيعة الحال نتاج لما تقوم به الجماعة منذ يومها الأول لاقتحام صنعاء وبقية المحافظات».
وكان السفير اليمني في واشنطن، الدكتور أحمد عوض بن مبارك، قد أكد، في كلمة له خلال ندوة بعنوان «وجهات نظر حول الأزمة اليمنية»، التي نظمها المجلس الوطني للعلاقات العربية - الأميركية ومركز الخليج للأبحاث مطلع الشهر الحالي، أن «تحرير ميناء الحديدة ينبع من المسؤولية الدستورية والأخلاقية الملقاة على عاتق الشرعية»، وأن «الهدف الرئيسي من العملية هو التخفيف من معاناة المواطنين والحد من عبث الانقلابيين بالميناء واستغلالهم السيئ لموارده وابتزازهم المتكرر للتجار والمواطنين».



مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
TT

مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)

أعلنت الحكومة المصرية، استعدادها لتقنين أوضاع المدارس السودانية على أراضيها، بعد أزمة إغلاقها منذ عدة أشهر، وسط شكاوى متكررة من الجالية السودانية بالقاهرة.

وأكد وزير التربية والتعليم المصري محمد عبد اللطيف، «استعداد بلاده لتقديم الدعم الكامل للسودان في عدد من المجالات التعليمية؛ من بينها تطوير المناهج، ونظم التقييم والامتحانات والتعليم الفني»، وشدد خلال استقباله نظيره السوداني التهامي الزين، الثلاثاء، على «حرص القاهرة على تعزيز أطر التعاون المشترك وتبادل الخبرات بما يخدم مصلحة الطلاب السودانيين».

وناقش وزيرا التعليم المصري والسوداني، «سبل تعزيز التعاون المشترك في تطوير المنظومة التعليمية وتبادل الخبرات، بما يسهم في الارتقاء بجودة التعليم»، حسب إفادة لوزارة التعليم المصرية.

وخلال اللقاء، أكد وزير التعليم المصري «استعداد بلاده لتقنين أوضاع المدارس السودانية في مصر، بما يعزز التعاون المشترك وتبادل الخبرات».

وفي يونيو (حزيران) من عام 2024، أغلقت السلطات المصرية المدارس السودانية العاملة في مصر، لحين توفر الاشتراطات القانونية لممارسة النشاط التعليمي، وشملت إجراءات الإغلاق مدرسة «الصداقة» التي دشنتها السفارة السودانية بالقاهرة في عام 2016، ومدارس خاصة، قبل أن تعلن السفارة السودانية، استئناف الدراسة في مدرسة «الصداقة» مرة أخرى، بداية من ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وطالبت السلطات المصرية وقتها، من أصحاب المدارس السودانية العاملة بمصر، الالتزام بثمانية شروط لتقنين أوضاع المدارس المغلقة، وتضمنت وفق إفادة للملحقية الثقافية بالسفارة السودانية، «موافقة من وزارتي التعليم والخارجية السودانية، وموافقة من الخارجية المصرية، وتوفير مقر للمدرسة في جميع الجوانب التعليمية مصحوباً برسم تخطيطي لهيكل المدرسة، وإرفاق البيانات الخاصة لمالك المدرسة، مع طلب من مالك المدرسة للمستشارية الثقافية بالسفارة السودانية، وملف كامل عن المراحل التعليمية وعدد الطلاب المنتظر تسجيلهم بالمدرسة».

وبسبب الحرب السودانية، فرّ نحو مليون و200 ألف سوداني، إلى مصر، حسب إحصائيات رسمية، إلى جانب آلاف آخرين من الذين يعيشون فيها منذ سنوات.

محادثات بين وزير التعليم المصري ونظيره السوداني بالقاهرة الثلاثاء (وزارة التعليم المصرية)

ويعد تقنين أوضاع المدارس السودانية، خطوة إيجابية سيستفيد منها كثير من الأسر المقيمة بمصر، وفق رئيس لجنة العلاقات الخارجية بـ«جمعية الصداقة السودانية - المصرية»، محمد جبارة، الذي قال إن «المحادثات بين وزيري التعليم المصري والسوداني، تعكس موافقة على استئناف الدراسة في بعض المدارس السودانية التي قننت أوضاعها، وفق مواصفات التعليم بمصر».

وفي وقت سابق، أعلنت السفارة السودانية، عن قيام «لجنة من وزارة التعليم المصرية بزيارة بعض المدارس السودانية المغلقة، لمراجعة البيئة المدرسية، والتأكد من توافر اشتراطات ممارسة النشاط التعليمي»، وشددت في إفادة لها لأصحاب المدارس على «الالتزام بتقديم كل المستندات الخاصة بممارسة النشاط التعليمي، وفق الضوابط المصرية».

ويرى جبارة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «عودة الدراسة بالمدارس السودانية ستعالج كثيراً من إشكاليات كانت تواجهها الأسر السودانية بمصر»، وقال إن «هناك عدداً من المدارس السودانية التي كانت عاملة في مصر، بدأت في العودة للسودان مرة أخرى، مع تزايد رحلات العودة الطوعية»، عاداً ذلك «سيعزز من فرص التعاون بين القاهرة والخرطوم في المجال التعليمي».

وخلال اللقاء، دعا وزير التعليم السوداني، إلى «تعزيز التعاون مع الجانب المصري في جهود إعمار وتطوير المؤسسات التعليمية في السودان»، وأكد أهمية «الاستفادة من التجربة المصرية الناجحة في التعليم، خاصة نموذج الشراكة مع الجانب الياباني»، حسب «التعليم المصرية».

ويأتي التعاون التعليمي بين مصر والسودان، بوصفه من أبرز ثمار الزيارات واللجان المشتركة بين البلدين، وفق مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، الذي قال إن «ملف التعليم والمدارس السودانية، كان أحد الملفات التي جرت مناقشتها في زيارة رئيس وزراء السودان، كامل إدريس للقاهرة، نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي».

ويرى المغربي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «استئناف الدراسة في المدارس السودانية لا يتعارض مع برامج العودة الطوعية التي تهتم بها الحكومة السودانية»، مشيراً إلى أن «هناك كثيراً من الأسر السودانية، ارتبطت بجدول دراسي لأبنائها داخل مصر، ومن ثمّ فإن استئناف الدراسة بالمدارس، سيعالج كثيراً من إشكاليات أعضاء الجالية».

واتفق وزيرا التعليم المصري والسوداني، على «تشكيل لجنة مشتركة من الوزارتين، تتولى مناقشة مختلف مجالات التعاون»، إلى جانب «وضع آليات تنفيذها بشكل عملي، ومتابعة وتقييم ما يتم إنجازه، بما يضمن سرعة البدء في التنفيذ وتحقيق النتائج المستهدفة»، حسب بيان وزارة التعليم المصرية.


تحركات مصرية لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران

لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
TT

تحركات مصرية لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران

لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)

واصلت مصر تحركاتها المكثفة لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران، تزامناً مع حديث أميركي عن تلقي إيران نقاطاً للبحث عبر وسطاء. وأكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «القاهرة تسعى لتقريب وجهات النظر، والوصول إلى اتفاق عادل مستدام يراعي مصالح أطرافه، ويحفظ أمن الخليج».

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية، الاثنين، مع نظرائه في السعودية وسلطنة عمان والإمارات وتركيا وباكستان وفرنسا وقبرص، إضافة إلى ستيف ويتكوف المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط.

وصرح السفير تميم خلاف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، في بيان صحافي، بأن «هذه الاتصالات المكثفة تأتي في إطار حرص مصر على مواصلة التنسيق والتشاور مع الأشقاء العرب، ومع الشركاء الإقليميين والدوليين إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وبحث سبل احتواء التصعيد العسكري الجاري»، مؤكداً أن من شأن هذا التصعيد واتساع نطاقه ورقعته «أن يجر الإقليم بأكمله إلى فوضى شاملة غير محسوبة العواقب تضر بالسلم والأمن الإقليميين والدوليين».

وأضاف خلاف أن «الاتصالات تناولت المفاوضات المحتملة بين الجانبين الإيراني والأميركي في ضوء مبادرة الرئيس دونالد ترمب الأخيرة، والجهود المبذولة من جانب عدد من الأطراف الإقليمية في المنطقة من بينها مصر، لدفع المسار الدبلوماسي والتفاوضي بوصفه السبيل الوحيد لتفادي الفوضى الشاملة في المنطقة». وقال إن «لغة الحوار هي الضمان الحقيقي لتجنيب المنطقة مخاطر اتساع رقعة الصراع، وصون مقدرات شعوبها».

وشدد وزير الخارجية المصري خلال اتصالاته مجدداً على «الإدانة الكاملة للاعتداءات الإيرانية التي تستهدف دول الخليج، وعدم تبريرها بأي ذرائع واهية، وضرورة وقفها بشكل فوري»، وأكد «أهمية تضافر جميع الجهود لخفض التصعيد، ودعم مصر الكامل وانخراطها الإيجابي مع جميع المبادرات والمساعي الهادفة لتحقيق التهدئة وإنهاء الحرب».

وفي سياق متصل، نقلت شبكة «سي بي إس» الأميركية عن مسؤول رفيع في «الخارجية الإيرانية» قولَهُ، إنّ بلاده تلقّت نقاطاً للتفاوض، من الولايات المتحدة عبرَ وسطاء، مشيراً إلى أنّ «هذه النقاط قيد الدراسة».

ووفق ما نشره موقع «أكسيوس» الأميركي، الاثنين، فإن «مصر وتركيا وباكستان نقلت رسائل متبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث أجرى مسؤولون من الدول الثلاث اتصالات منفصلة مع مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي».

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ضوء تصاعد خطورة الوضع الراهن على كل دول المنطقة والعالم وما تعرضت له سلاسل الإمداد العالمية تحركت عدة دول، ومن بينها مصر وباكستان وتركيا، من أجل وقف التصعيد وتجنيب المنطقة ويلات المزيد من التصادم والفعل ورد الفعل بضرب البنية التحتية».

وقال إن «مصر تستغل درجة المصداقية التي تتمتع بها لدى طهران وواشنطن في التحرك، ونقل رسائل مهمة تركز على الدعم الدبلوماسي والسياسي والمادي لدول الخليج باعتبار أمن الخليج جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، والتأكيد على ضرورة وقف التصعيد».

وأضاف حجازي أن مصر والوسطاء «نقلوا رسائل مهمة لمد جسور التفاهم بين طرفي النزاع، وخفض التصعيد، والتأكيد على أنه ما كان يجب الانخراط في هذه المواجهة التي أدت تفاقم الوضع، وقد تخلف إذا استمرّت، الكثير من الضغائن»، مشيراً إلى أن «مصر تسعى لتقديم مقترحات تراعي مصالح الجميع، وتسمح لكل طرف بالخروج من المعركة، وتجنب المزيد من الخسائر». وقال: «القاهرة تسعى لاتفاق عادل مستدام يراعي مصالح أطرافه، وينهي التصعيد الحالي، ويحمي أمن الخليج».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الباكستاني محمد إسحاق دار في باكستان (الخارجية المصرية)

وأجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جولة خليجية ضمت السعودية وقطر والإمارات والبحرين أعقبت جولة خليجية مماثلة لوزير الخارجية بدر عبد العاطي، تم خلالها التأكيد على أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي».

وكان الرئيس المصري قد أكد خلال اتصال هاتفي خلال الشهر الحالي مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، بحسب إفادة رسمية للرئاسة المصرية.

بدوره، أكد عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير رخا أحمد حسن، أن «مصر تلعب دوراً رئيسياً في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب كل من تركيا وباكستان»، مشيراً إلى أن «القاهرة تريد أولاً احتواء التصعيد وصولاً لوقف إطلاق النار».

وأضاف حسن لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك كثيراً من الشكوك لدى الطرفين، ومصر والوسطاء يحاولون بما لديهم من مصداقية لدى واشنطن وطهران، التوفيق بين وجهات النظر من أجل الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب الحالية»، مشيراً في هذا الصدد، إلى اتصال السيسي وبزشكيان الذي أعربت فيه مصر عن استعدادها للوساطة.

ولم يستبعد حسن ألا تختلف «البنود المقترحة عن تلك التي سبق طرحها في المفاوضات التي جرت قبل الحرب بين الطرفين»، لكنه شكك في «جدية الطرح الأميركي الأخير في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية».

وقال: «الأيام ستكشف إلى أي مدي ستنجح الضغوط الدولية والوضع الاقتصادي العالمي المتأزم في إقناع ترمب وحليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف الحرب».

وتواصلت الغارات الأميركية والإسرائيلية على إيران والهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل، الثلاثاء، رغم إعلان الرئيس ترمب، الاثنين، عبر منصته «تروث سوشيال» أنه سينتظر 5 أيام أخرى قبل تنفيذ الضربات التي هدّد بشنّها على محطات كهرباء وبنى تحتية أخرى في إيران إن لم تفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، مشيراً إلى مفاوضات «جيدة جداً» مع مسؤول إيراني رفيع لم يسمه.

وأوضح ترمب، في تصريحات صحافية، أن الجانبين توصلا إلى نحو 15 نقطة اتفاق. وقال: «أعتقد أن هناك فرصة كبيرة جداً للتوصل إلى اتفاق».


اجتماع وزاري عربي مرتقب يناقش تداعيات الهجمات الإيرانية والتصعيد الإقليمي

اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
TT

اجتماع وزاري عربي مرتقب يناقش تداعيات الهجمات الإيرانية والتصعيد الإقليمي

اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)

تترأس البحرين، يوم الأحد المقبل، اجتماع الدورة العادية الـ165 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية. وقال مصدر دبلوماسي عربي لـ«الشرق الأوسط» إن «الاجتماع سيعقد عن بعد عبر الاتصال المرئي، وسيركز على بند واحد هو الاعتداءات الإيرانية على الأراضي العربية».

وأوضح المصدر، الذي رفض الكشف عن هويته، أن «الاجتماع سيبحث اتخاذ موقف عربي واحد إزاء الاعتداءات الإيرانية على الأراضي العربية على غرار الاجتماع الطارئ الذي عقده وزراء الخارجية العرب أخيراً، للسبب نفسه».

وكان وزراء الخارجية العرب أدانوا، في اجتماع طارئ يوم 8 مارس (آذار) الجاري، اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ودعا الوزراء، في الاجتماع الذي عقد بتقنية الاتصال المرئي، طهران إلى الوقف الفوري للهجمات العسكرية العدوانية، ووقف جميع الأعمال المتعلقة بإغلاق مضيق هرمز.

وأشار الدبلوماسي العربي إلى أن «الاجتماع يأتي في سياق الاجتماعات الدورية لمجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري، وكان من المفترض أن يتضمن جدول أعماله عدداً من الموضوعات المتعلقة بالعمل العربي المشترك، لكن حساسية الظرف الراهن دفعت إلى تأجيل مناقشة كل الملفات والاقتصار على ملف الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية».

وقال إن «المناقشات التحضيرية بشأن الاجتماع خلصت إلى أن وجود أكثر من موضوع على جدول الأعمال سيسحب التركيز من الموضوع الرئيسي وهو اعتداءات إيران، لذا كان القرار بتأجيل الملفات الاعتيادية، والاكتفاء بملف واحد مركزي».

وكان من المنتظر أن يناقش الاجتماع التحضير للقمة العربية المقبلة.

وفي هذا الصدد، قال المصدر الدبلوماسي إن «من المفترض أن يتم خلال الاجتماع الاتفاق على موعد القمة المقبلة، لكن الظرف الراهن يجعل من الصعب الاتفاق على موعد محدد».

من اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في 8 مارس 2026 (الخارجية المصرية)

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية مع نظرائه في البحرين والأردن والعراق، تناولت التحضيرات الجارية لانعقاد الاجتماع.

وأكدت الوزارة في بيان «أهمية إطلاق موقف عربي موحد في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية المشتركة والتصعيد الخطير الذي تشهده المنطقة».

بدوره، عوّل المحلل السياسي الدكتور عبد المنعم سعيد على الاجتماع الوزاري «للوصول إلى رؤية عربية موحدة إزاء التعامل مع الوضع الراهن». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع يتحرك ويتطور بصورة متسارعة... وفي ظل موقف أميركي مرتبك، من المهم عقد مشاورات عربية لتحديد الموقف تجاه الوضع الراهن».

واقترح سعيد «تشكيل مجموعة عمل عربية للتفكير فيما سيكون عليه الموقف مستقبلاً في مواجهة المشروعين الإيراني والإسرائيلي، اللذين يتصادمان على الأرض العربية». وقال إنه «يمكن عقد اتفاقات ثنائية في الإطار العربي لتعزيز التعاون في مواجهة أي عدوان».

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير تميم خلاف، رجّح في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط» أن «تطرح القاهرة قضية الترتيبات الإقليمية الجديدة، في الاجتماع الوزاري العربي، ضمن التوجه المصري الهادف إلى احتواء التصعيد بالمنطقة». وقال إن هناك أولوية مصرية «لوضع تصور شامل لتلك الترتيبات لما بعد الحرب الإيرانية».

وسبق أن تحدث وزير الخارجية عبد العاطي عن «ضرورة بلورة مفهوم عملي للأمن الجماعي العربي والإقليمي، ووضع آليات تنفيذية له». وأشار خلال محادثات مع نظيره السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، في الرياض، منتصف الشهر الحالي، إلى أن «الشروع في وضع ترتيبات أمنية في الإطار الإقليمي سواء بالجامعة العربية، أو بالتعاون مع أطراف إقليمية غير عربية، ضرورة استراتيجية ملحة للتعامل مع التحديات غير المسبوقة التي تستهدف سيادة الدول العربية».