حروب المنطقة والنفوذ الإيراني وفلسطين... أبرز تحديات قمم الرياض

اختيار السعودية محطة أولى يحمل الكثير من الدلالات

عناصر من الميليشيات المدعومة من إيران في أحد بيوت الموصل أثناء معركة غرب المدينة مع {داعش} (غيتي)
عناصر من الميليشيات المدعومة من إيران في أحد بيوت الموصل أثناء معركة غرب المدينة مع {داعش} (غيتي)
TT

حروب المنطقة والنفوذ الإيراني وفلسطين... أبرز تحديات قمم الرياض

عناصر من الميليشيات المدعومة من إيران في أحد بيوت الموصل أثناء معركة غرب المدينة مع {داعش} (غيتي)
عناصر من الميليشيات المدعومة من إيران في أحد بيوت الموصل أثناء معركة غرب المدينة مع {داعش} (غيتي)

تحمل القمة الأميركية – العربية – الإسلامية، المزمع عقدها غدا (الأحد) الكثير من الدلالات من حيث الزمان والمكان؛ إذ إنه وإضافة إلى اختيار السعودية أول محطّة في زيارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخارجية، فإن أهميتها وتحدياتها تكمن في أنها ستؤسس أو تضع حجر الأساس لخطة واشنطن في الشرق الأوسط بعد الانكفاء الأميركي في العهد السابق.
وإذا كانت إيران ودورها في الشرق الأوسط ستشكّل البند الرئيسي في اجتماعات القمة، فإن أمورا كثيرة أخرى ستكون حاضرة في اللقاءات التي ستشهدها الرياض، ولا سيما تلك المتعلقة بالأزمات والحروب المستمرة في بعض الدول العربية. وفي حين كان وزير الخارجية السعودي عادل الجبير قد اعتبر أن زيارة ترمب إلى السعودية «تاريخية بكل المقاييس وتعكس الدور المحوري للمملكة في العالمين العربي والإسلامي»، وصفها مساعدو ترمب في البيت الأبيض بأنها «استعراض رمزي للعزم وعهد جديد في السياسة الخارجية للولايات المتحدة».
ويحدد سفير لبنان السابق في واشنطن، الدكتور رياض طبارة، أهداف أو تحديات القمة الأميركية بأربعة عناوين رئيسية، هي أولا تفعيل دور الدول المعتدلة في المنطقة وعلى رأسها السعودية والخليج العربي بعدما أدى الغياب الأميركي إلى دخول كل من إيران وحليفاتها وظهور تنظيم داعش، وثانيا تحييد الدور الإيراني الذي تمدّد في السنوات الأخيرة، وثالثا محاولة إيجاد حل للمشكلة الفلسطينية، وأخيرا صفقة الأسلحة التي من المتوقع أن يتم توقيعها بين واشنطن والرياض.
من جهته، يرى الدكتور سامي نادر، مدير معهد المشرق للبحوث الاستراتيجية، أن زيارة الرئيس الأميركي إلى السعودية غنية بالدلالات؛ فهي إضافة إلى كونها تأتي تحت عنوان ما سبق أن أعلنه ترمب ومسؤولون أميركيون لجهة مبدأ إحياء الشراكات الأميركية القديمة، وتكريس لنهج الحزب الجمهوري التقليدي، من شأنها أن تشكّل أو تكرّس التحول الجذري في سياسة الانفتاح السابقة على إيران بعد إنهاء واشنطن سياسة الانكفاء في الشرق الأوسط، وبشكل أساسي مواجهة «مواجهة طهران» التي باتت على وشك تنفيذ «الهلال الفارسي» في المنطقة، في وقت بدأت بمحاولة إيجاد صيغة شراكة جديدة مع موسكو. مع العلم أن صحيفة «واشنطن تايمز» الأميركية كانت قد اعتبرت أن زيارة ترمب إلى السعودية، كونها أول زيارة خارجية له بصفته رئيساً: «هي توبيخ واضح لسياسات سلفه باراك أوباما، الذي وقّع اتفاقاً نووياً مع إيران تعارضه الرياض».
واعتبرت أيضاً أن الزيارة محاولة من الرئيس ترمب للاعتذار عن الخطاب المعادي للمسلمين الذي استخدمه في حملته الانتخابية بكثافة، وتبعه بقرار حظر للسفر على مواطني سبع دول إسلامية إلى أميركا. وأشارت الصحيفة إلى أن هذه الزيارة تعتبر كسراً للبروتوكول المتّبع في البيت الأبيض بحيث كان الرؤساء يبدأون زياراتهم الافتتاحية إلى دول الأميركتين، أو أحد حلفاء واشنطن في أوروبا.
ويوضح طبارة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «صفقات عسكرية واقتصادية ستوقع خلال الزيارة ستكون الأكبر في تاريخ واشنطن، ومن شأنها تغيير موازين القوى. ومن هنا سيكون التحدي الأهم العمل على تحييد دور إيران في المنطقة بعدما كان سلفه قد عمد إلى توقيع اتفاق نووي مع طهران، والاعتماد على الدول العربية منها كما ومحاسبة إيران على المشكلات التي تسببت بها». وفي حين يرى أن القضية الفلسطينية حاضرة على طاولة القمة وفتح باب التفاوض على حل يبدأ من مبادرة السلام العربية التي كانت الرياض عرابتها»، يستبعد نادر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إحداث تغيرات جذرية في هذه القضية في ظل وجود الحكومة اليمينية، موضحا «لا يبدو أن هناك أي حل قريب لإقامة دولتين، وإن كان تغير موقف (حركة حماس) مؤشرا على تراجع الدور الإيراني وعودة الدور المصري بشكل أكبر على خط القضية».
وكان ترمب خلال لقائه الرئيس الفلسطيني محمود عباس قبل أسبوعين، قد أبدى ثقته بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، معتبرا أن ذلك لن يكون صعبا، ولافتا إلى أنه سيكون وسيطا بين الطرفين من أجل التوصل إلى هذا الاتفاق. وبدوره، قال مستشار الأمن القومي الأميركي إتش.آر مكماستر: إن ترمب سيعبر عن دعمه لحق «تقرير المصير» للفلسطينيين خلال جولته الشرق أوسطية، بما يشير إلى أن ترمب منفتح على حل الدولتين للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، رغم أنه لم يتبن الفكرة علنا حتى الآن.
من جهة أخرى، يتوافق كل من طبارة ونادر على أن الخطة الأميركية في الشرق الأوسط وتحديات واشنطن العائدة إلى هذه الساحة ستكون عبر التخطيط للمزيد من الانخراط العسكري بعدما كانت قد بعثت برسائل في العراق وسوريا واليمن عبر ضربات عسكرية محدودة، في حين لا لم تسجّل أي خطوات مماثلة في أفغانستان لغاية الآن. وفي حين يرى طبارة، أن الخطوات العملية الأميركية ستظهر عبر المزيد من التدخل الأميركي السياسي واللوجيستي والعسكري التدريجي في هذه الدول بشكل مباشر أو غير مباشر، يقول نادر «هذه العودة ستساهم من الناحية السياسية في إعادة تصحيح موازين القوى، التي من شأنها أن تشكّل عنصر استقرار في الشرق الأوسط بعدما أطاح به الانسحاب أو الانكفاء الأميركي لصالح التدخل الإيراني». ولم يستبعد أن يبدأ تدخل أميركي فعلي في اليمن بعدما بقيت الولايات المتحدة بعيدة إلى حد ما عن الصراع، مكتفية بمحاربة تنظيم القاعدة عبر سلسلة من الغارات والضربات الجوية، كذلك أن يتكرر السيناريو العسكري الأميركي الذي اعتمد في العراق في سوريا أيضا تحت عنوان محاربة «داعش» الذي بات أساسا قاب قوسين من الانتهاء، وبشكل خاص لإنهاء التمدّد الإيراني عبر معارك في بعض الجبهات العراقية والسورية للتضييق على المجموعات التابعة لطهران وضمان إبعادها عن المناطق التي ستتحرّر من قبضة «داعش»، مع العلم، أن السعودية هي واحدة من دول التحالف الدولي الذي شكّلته الولايات المتحدة لقتال تنظيم داعش، وسبق للطيران السعودي أن نفّذ العشرات من الضربات الجوية على معاقل التنظيم في كل من العراق وسوريا.
وكان مستشار الأمن القومي هربرت ريموند ماكماستر، قد قال: إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيطالب باتخاذ موقف قوي ضد «الآيديولوجية المتطرفة»، على حد تعبيره، خلال زيارته إلى المملكة العربية السعودية. وأوضح ماكماستر، أن «جولة ترمب ستبدأ بزيارة السعودية، حيث سيشجع شركاءنا العرب والمسلمين على اتخاذ خطوات جديدة من أجل تعزيز السلام ومواجهة هؤلاء، من تنظيم داعش إلى القاعدة إلى إيران إلى نظام الأسد، الذين يثيرون الفوضى والعنف ويتسببون في الكثير من المعاناة عبر العالم الإسلامي وخارجه».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.