لدولة لبنانية مدنية... إضغط على الرقم التالي: 81202040

شعار الحملة المطالبة بدولة مدنية في لبنان (عن صفحة الحملة على تويتر)  -  بعض التغريدات التي تحمل شعار «نحن الدولة المدنية»
شعار الحملة المطالبة بدولة مدنية في لبنان (عن صفحة الحملة على تويتر) - بعض التغريدات التي تحمل شعار «نحن الدولة المدنية»
TT

لدولة لبنانية مدنية... إضغط على الرقم التالي: 81202040

شعار الحملة المطالبة بدولة مدنية في لبنان (عن صفحة الحملة على تويتر)  -  بعض التغريدات التي تحمل شعار «نحن الدولة المدنية»
شعار الحملة المطالبة بدولة مدنية في لبنان (عن صفحة الحملة على تويتر) - بعض التغريدات التي تحمل شعار «نحن الدولة المدنية»

بدأت في لبنان شعارات مطالبة باستبدال النظام الطائفي بنظام عصري متطور ينهي صراع الطوائف على السلطة، تتردد مؤخراً في معظم المناسبات السياسية أو الدينية، وفي المظاهرات والتحركات المطلبية، على ألسنة السياسيين، والمواطنين الناشطين في الحقول الاجتماعية. وترافق مع هذه الفكرة العامة عنوان عريض يحمل مصطلح «الدولة المدنية».
كثيرا ما نسمع من بعض اللبنانيين أن الحل لآفة الفساد ومشكلة النظام الطائفي يكمن بقيام الدولة المدنية. ونسمع من البعض الآخر أنه ضد هذا المفهوم، خوفا على دينه. فيزعم الكثير بأن الدولة المدنية تتعارض مع الأديان والإيمان.
ضمن هذا الإطار، أطلقت 44 شخصية لبنانية، من مثقفين وأكاديميين وفنانين ومهندسين وإعلاميين، أمس (الخميس) في 18 مايو (أيار)، حملة وعريضة بعنوان «احترموا الدستور، نعم للاقتراع خارج القيد الطائفي»، من أجل «استعادة الدولة المدنية»، وفق الأمين العام لحركة "مواطنون ومواطنات في دولة"، الوزير السابق شربل نحاس.
تصدر هاشتاغ #نحن_الدولة_المدنية قائمة التغريدات على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، بعد ساعة على إطلاق المبادرة من برنامج كلام الناس الذي يبث مساء كل خميس على قناة المؤسسة اللبنانية للإرسال.
تنطلق الحملة من المادة السابعة من الدستور التي تنص على أن «كل اللبنانيين سواء لدى القانون»، والمادة التاسعة منه التي تنص على «حرية الاعتقاد مطلقة». بالتالي: «أي قانون انتخاب يحرم المواطن من خيار الترشح أو الاقتراع لمرشح التزم تمثيله خارج الانتماء الطائفي هو خرق للدستور».
* اللبنانيون ينشرون هوياتهم دعماً للدولة المدنية
دعت الحملة المواطنين إلى إرسال صور عن هوياتهم إلى رقم الحملة 81202040 عبر تطبيق واتساب. كما يمكنهم التواصل مع منظمي الحملة عبر الاتصال بالرقم نفسه. وقد شهدت الساعات الأولى من إطلاق الحملة إرسال ما يزيد على 3 آلاف هوية، مع إطلاق هاشتاغ التواصل والرد: #نحن_الدولة_المدنية.
استضاف برنامج كلام الناس، الوزير السابق شربل نحاس، قائد الحملة، فأعلن رسميا عن ولادة هذه الحملة، وقال‬: «نحن نثبّت شرعية الدولة المدنية. لسنا قلائل. لا نخاف. نحن هذا المجتمع، ونحن نناضل لأجله!».
وأشار نحاس إلى أن هذه الحملة هي خطوة أساسية لـ: «نردّ القاعدة مع المواطنين إلى ماهية لبنان وأساسه: الدولة المدنية». وأضاف: «في بلادنا لا تقاليد. نحن اليوم نستعيد تاريخ البلد من خلال دعوة المواطنين إلى مبادرة سياسية تسترد الدولة المدنية».
* نص العريضة
«أي قانون انتخاب يحرم المواطنة من خيار الترشح خارج الانتماء الطائفي أو من الاقتراع لمرشحة التزمت تمثيله خارج الانتماء الطائفي هو خرق للدستور».
- المادة 7: كل اللبنانيين سواء لدى القانون.
- المادة 9: حرية الاعتقاد مطلقة.
الدولة المدنية هي القاعدة. الواسطة الطائفية هي الاستثناء. احترام الدستور واجب وحاجة.
سألت «الشرق الأوسط» أحد القيمين على حملة 81202040، ما المقصود وراء إرسال صور الهويات، فأتى الرد كالتالي: «تعتبر هويات المناصرين لهذه الحملة وسيلة تثبت انك ضد منع الترشح والانتخاب خارج الانتماء الطائفي. وهذه الخطوة الأولى باتجاه الدولة المدنية».
وعندما طرحنا موضوع حماية الخصوصية، خاصة أن أرقام الهويات في لبنان لا تتوفر للجميع، ومن المستحسن أن تبقى هكذا معلومات خصوصية بعض الشيء، نظرا لدقتها، أجاب المتحدث باسم الحملة: «تتعهد الهيئة التنسيقية للحملة على حماية خصوصية المواطنين، ولن نقوم باطلاع أي جهة مهما كانت على المعلومات الخاصة بأي مناصر». وأضاف: «سنتواصل مع جميع المشاركين بالحملة لإعلامهم بكل المستجدات والخطوات المقبلة، في الوقت المناسب». كما أكد أن هذه الخطوة التي أطلقتها حملة 81202040 تتعدى النشاط المطلبي، لتسجل موقفا سياسيا صارخا بوجه السلطة التي تعرقل الانتخابات النيابية، وتتمسك بمضمون الطائفية.
تنتمي حملة «احترموا الدستور، نعم للاقتراع خارج القيد الطائفي» من أجل «استعادة الدولة المدنية» إلى سلالة «حركتي» التي تسعى إلى شطب المذهب عن سجلات النفوس، والحصول على حق الزواج المدني الكامل والقانوني على الأراضي اللبنانية.
فهي مثل سابقتيها تستند إلى تفسير الدستور، وتنطلق من مواد فيه تعتبرها مدنيّة. فتقول إن الدستور مغيّبٌ ويجري استبداله بـ«نظام» عرفي.
وهي مثل سابقتيها أيضاً وأيضاً... تهدف إلى إحداث خرق دستوري وحقوقي وسياسي وثقافي في الجدار الطائفي، على أمل إحراج السلطة السياسيّة والإدارية عبر مواجهتها بالدستور.
يقولون: «إذا أردت أن تميّع مفهوماً، أو تشوّهه وتتحايل عليه، وتخلق بلبلة عنه، وتصرف الأذهان في المحصلة، يكفي أن تطلق عليه تسميات أخرى لتزيده غموضاً ولبساً، وتخترع له ألقاباً وأوصافاً».
فهل هذا ما حصل حقا بما يتعلق بمفهوم الدولة المدنية في لبنان؟ فكثيرا ما نربط مباشرة بين مفهوم الدولة المدنية، والأفكار المنبثقة عن «العلمانية».
أولا، ما هو مفهوم الدولة المدنية؟
لا يوجد في علم السياسة ما يسمى أصلاً بالدولة المدنية، ومصطلح الدولة المدنية لا أساس له في المراجع السياسية كمصطلح سياسي. ولكن، تم استخدمه وتداوله إعلامياً في لبنان. يعني هذا المصطلح قيام دولة يكون الحكم فيها للشعب بطريقة ديمقراطية، ويتساوى أبناء الشعب في الحقوق، ولا يكون فيها الحكم لرجال الدين أو للجيش.
* مفهوم الدولة العلمانيّة
الدولة العلمانيّة هي الدولة القائمة على حقوق الإنسان، بغض النظر عن دينه أو عرقه، أو مستواه الاجتماعي، حيث مصدر السلطة هو الشعب وليس رجال الدين.
الدولة العلمانية نوعان، يحدّدهما الموقف من الدين.
النوع الأول: الدولة العلمانية المعارضة للدين.
النوع الثاني: وهو في نظرنا الدولة المدنيّة، هي الدولة العلمانية التي لا تعارض وتحاول أن لا تتعارض مع الدين، لا بل ترعاه من حيث مبادئها وفلسفتها، ومن حيث حمايتها حرية الضمير وحرية العبادة.
مخاطر العلمانية.
يتفق الكثير من خبراء علم الاجتماع، على بعض المخاطر التي تحوم حول هذا المفهوم في لبنان. ومن أبرزها: «أن تكون المطالبة بالعلمانيّة، في مجتمع تعدّدي كلبنان، غطاءً للديمقراطيّة العدديّة القائمة على أساس طائفيّ، وأن تُستخدَم أداة لقهر الأقليّات».
نماذج من الدول المدنيّة
الدولة المدنية يمكن أن تكون أحادية الأمة والدين، كفرنسا وتركيا وتكون عادة متحفظة على الدين. ويمكن أن تكون مركبة كسويسرا وبلجيكا والولايات المتحدة وألمانيا حيث تكون عادة إيجابية مع الأديان.
يتألف نظام الحكم في لبنان من مؤسسات الدولة وسلطاتها التشريعية (المجلس التشريعي)، والتنفيذية (الحكومة)، يديرها مدنيون منتخبون يخضعون للمساءلة والمحاسبة، ولا تدار الدولة بواسطة عسكريين أو رجال دين. واستبعاد رجال الدين لا يعني استبعاد المتدينين، ولكن المقصود ألا تجتمع السلطتان السياسية والدينية في قبضة رجل واحد، حتى لا يتحول إلى شخص فوق القانون وفوق المحاسبة.
فمدنية الدولة تمنع تحويل السياسة إلى صراع حول العقائد الدينية أو الشرائع السماوية، بل تبقيها صراعا سلميا بين رؤى وأفكار وبرامج وقوى ومؤسسات وأشخاص يهدف إلى اختيار الأفضل للدولة والمجتمع. وذلك لا يعني الإلحاد أبدا، فالدستور اللبناني يجرم الملحدين، ويمنعهم من التجمع أو إقامة الندوات والمحاضرات العامة منها والخاصة. كما وتعاقب المادة 473 التجديف على اسم «الله» المقدس.
رجال الدين يعترفون بالدولة المدنية في لبنان
اعتبر البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي أن «لبنان دولة مدنية من خلال حكم الميثاق الوطني والمادة 9 من الدستور، ومواصفاتها دولة غير دينية، سلطتها من الشعب لا من الدين، وهي قائمة على حقوق الإنسان والحريات العامة، تساوي في الحقوق والواجبات بحكم المواطنة لا الدين، وفيها تمايز واستقلالية وتعاون بين الدولة والدين، ديمقراطية توافقية لا عددية، مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وتحترم جميع الأديان».
أما الشيخ شفيق جرادي فيتفق مع القول التالي: «إنّ الدولة نقطة ارتكاز نهائية لأي نشاط سياسي، وثمرة عليا لأي مشروع مطلبي أو تغييري، والمصبّ النهائي لأي رؤية مجتمعية. فالدولة ليست مضافة إلى المجتمع، بل هي المجتمع نفسه منظورٌ إليه من أعلى مستويات تنظيمه لنفسه. إنّها داخليته ومرجع هويته ومبرّر وجوده… فالمجتمع المدني ليس اللادولة، وإنّما هو شرط وجود الدولة، مثلما أنّ الدولة هي شرط وجوده أيضاً. فعلى رغم قيام المجتمع المدني كوحدة قائمة بذاتها، إلا أنّه يكتسب عينيته وملموسيته من علاقته بالدولة والأوضاع السياسية ونظام الحكم».
لا يمكننا أن نتحدث عن الدولة المدنية من دون استحضار رجل من رجال الاستقلال، فؤاد شهاب، لا اسماً علَماً لقائد جيش ورئيس جمهورية وحسب، بل عنوانا لمرحلة ما زال لها شهودها، باقية على صورة «دولة مدنيَّة»، لا عسكرية ولا دينية. فحاول جاهدا القيام بإصلاحات في الإدارة الرسمية اللبنانية، بأنها «دولة حديثة تتأسس على علاقة التعاقد الوطني، بعيداً عن التعاقد الطائفي». وتعود بنا الذاكرة أيضا إلى كل ما تحدث عنه كمال جنبلاط في كتابه «نظرة عامة في الشؤون اللبنانية والذهنية السياسية»، فيؤمن أنه: «لا وطن قومي مسيحي في لبنان ولا وطن قومي إسلامي، ولا طغيان سياسي لطائفة على طائفة، بل دولة مدنيّة علمانية تحترم مبادئ الأديان وتعاليمها الأخلاقية المشتركة وتستند إليها. فعلمانية الدولة شرط بقاء لبنان وضمان بنيه».
منذ أن أبصرت الدولة اللبنانية النور، وحلبة صراع الطوائف مفتوحة للجميع في أي زمان ومكان. لأن الطوائف بتعددها واختلافها لا يمكنها أن تبني دولة، ولأن «الدولة» بشكلها الحالي مبنيّة أصلا على الطوائف. ولأن لا أمل بأن تغيّر الطبقة السياسية هذا الواقع، ولا أن تتغير هي بحد ذاتها، فلا بدّ لحملات من هذا النوع، مثل حملة 81202040 أن تُظهر ما يريده اللبنانيون حقاً. لعلّ هذه الصرخة لا تقع على آذان صمّاء، وأن لا تكون «موضة تويترية» عابرة، ينطفئ وهجها مع مرور الوقت.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.