الخلاف على ترتيب الأولويات يعرقل مسار «جنيف 6»

دي ميستورا يسحب وثيقة آلية الدستور بعد تحفظات المعارضة

دي ميستورا ونائبه رمزي عز الدين رمزي في إحدى جلسات «جنيف 6» أول من أمس (رويترز)
دي ميستورا ونائبه رمزي عز الدين رمزي في إحدى جلسات «جنيف 6» أول من أمس (رويترز)
TT

الخلاف على ترتيب الأولويات يعرقل مسار «جنيف 6»

دي ميستورا ونائبه رمزي عز الدين رمزي في إحدى جلسات «جنيف 6» أول من أمس (رويترز)
دي ميستورا ونائبه رمزي عز الدين رمزي في إحدى جلسات «جنيف 6» أول من أمس (رويترز)

اضطر مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، إلى سحب ورقته التي أعلنت آلية تشاورية تمهد لصوغ دستور لسوريا، بعد اعتراضات قوية من وفد المعارضة المشارك في مفاوضات «جنيف 6». غير أنه تمسك بتشكيل مجموعة لمناقشة الدستور، فيما أصرت المعارضة على مناقشة الدستور والانتقال السياسي بالتزامن.
ولم تنجح هذه المبادرة المفاجئة التي طرحها دي ميستورا في اليوم الأول من اجتماعات «جنيف 6»، أول من أمس، في تحقيق الخرق المطلوب لإعطاء دفع لعملية التفاوض التي لا تزال تدور حول حلقة مفرغة، من جراء تمسك فريقي الصراع بشروطهما المسبقة. وفاقم الطرح من مخاوف المعارضة التي تصر على إعطاء الأولوية لملفَّي الانتقال السياسي والمعتقلين.
وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة من ورقة «ملاحظات الفريق الاستشاري حول الآلية التشاورية للمبعوث الدولي حول المسائل الدستورية والقانونية»، التي تقدم بها وفد المعارضة لدي ميستورا وتضمنت 3 ملاحظات، و7 أسئلة، و3 اعتراضات بالإضافة إلى توصيات. وقال مصدر معارض لـ«الشرق الأوسط»، مساء أمس، إن دي ميستورا قرر سحب مبادرته نتيجة الاعتراضات الكبيرة عليها، لكن مسؤولاً إعلامياً في «الائتلاف الوطني السوري» المعارض نفى ذلك.
واعترض الوفد الاستشاري المعارض على ترؤس مكتب المبعوث الدولي للآلية والاكتفاء بدور «الميسر»، على تسمية خبراء آخرين من خارج المعارضة المشاركة في جنيف، كما على وجود خبراء فنيين من الدول المعنية لمراقبة ومساندة الآلية التشاورية وعلى صلاحية إجراء المراجعة الدورية. وأبرز ما جاء في الملاحظات، الخشية من أن تكون هذه الآلية بديلاً عن مسار المفاوضات السياسية، أو أن تكون ورقة دي ميستورا تراجعاً عن المفاوضات إلى مستوى أدنى هو المشاورات. واعتبر وفد المعارضة أن التخوف من الفراغ الدستوري المشار إليه في الورقة غير مبرَّر، وسيتم سدّه من بداية المرحلة الانتقالية من خلال إعلان دستوري يتم تضمينه في اتفاق الحل السياسي.
أما في الاستفسارات، فسألت المعارضة عن المقصود بالتفويض، وحدوده وآليات التصويت على توصيات الآلية المشتركة، وما إذا كانت الآلية قادرة على تحديد أسس لمسائل الحكم قبل الاتفاق عليه. واقترح الوفد الاستشاري أن تتم خلال محادثات «جنيف 6» مناقشة الرؤية الأولية للمعارضة حول أوراق تتضمن سلاّت الدستور والانتخابات ومكافحة الإرهاب، إضافة لرؤية هيئة المفاوضات حول هيئة الحكم الانتقالي. ووصف مصدر في وفد المعارضة في جنيف ورقة دي ميستورا التي طرحت «آلية تشاورية» حول الدستور، بـ«غير المقبولة»، معتبراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الخطوة التي قام بها دي ميستورا «صادمة، وأعادتنا خطوة إلى الخلف». وأضاف المصدر: «هو يبعدنا عن هدفنا الرئيسي من محادثات جنيف ويحاول تضييع البوصلة».
أما الرائد عصام الريس، المتحدث باسم الهيئة العليا للتفاوض الموجود في جنيف فأشار إلى أن المعارضة سترد على طرح دي ميستورا بـ«ورقة استفسارات»، مشدداً على إصرارها التعاطي مع مسألة الدستور كجزء من الانتقال السياسي الذي تعطيه الأولوية على ما عداه من ملفات. واعتبر الريس في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن التركيز على موضوع الدستور الجديد يثير كثيراً من التساؤلات والاستفسارات، لافتاً إلى أن المعارضة ستصر على الدفع بأوراق أخرى لتصدر جدول الأعمال وأبرزها ورقة المعتقلين. وإذ استبعد الريس تماماً أن يؤثر مسار «آستانة» على مسار «جنيف»... «باعتبارهما مختلفين تماماً ولا يتناقضان»، أشار إلى أن «عدم التفاؤل بتحقيق الخروقات اللازمة في (جنيف 6) مرده أن الوفد المفاوض من قبل النظام ليس صاحب قرار، ويجب أن يعود لدمشق، والأهم لطهران لاتخاذ قراراته، وهو ما يعقّد العملية ككل».
من جهتها، أكدت مرح البقاعي، مستشارة الهيئة العليا للمفاوضات في ملفي الأمن ومكافحة الإرهاب، الموجودة أيضاً في جنيف، أن وفد المعارضة «لن يقبل أبداً أن تكون الأولوية لبحث الدستور باعتبار أن مشكلتنا ليست دستورية على الإطلاق، كما أن هذه المهمة يتولاها الشعب السوري بعد تحقيق الانتقال السياسي المنشود».
وقالت البقاعي لـ«الشرق الأوسط»: «يحق لدي ميستورا أن يقدم من أوراق ما يراه مناسباً، ويحق لنا أن نقبل أو نرفض، فهو ليس وصياً علينا، بل هو وسيط مع النظام». وأوضحت البقاعي أن وفد المعارضة «سيُقدم لدي ميستورا برنامجه للمفاوضات، الذي يتضمن وبشكل رئيسي الإصرار على تطبيق القرار الدولي (2245)، ملف المعتقلين والانتقال السياسي، أما إذا أصر على السلال الأربع، فالأولوية بالنسبة لنا لمكافحة الإرهاب وهي أولوية دولية أيضاً، خصوصاً بعد ما كشفته واشنطن عن محرقة في سجن صيدنايا».
وتنص الوثيقة التي تقدم بها دي ميستورا، وتتعلق بالآلية التشاورية لإعداد الدستور، على ضمان غياب أي فراغ دستوري أو قانوني في أي مرحلة خلال عملية الانتقال السياسي المتفاوض عليها. ويترأس الآلية مكتب المبعوث الأممي الخاص مستعيناً بخبراء تابعين له، إضافة إلى خبراء قانونيين تسميهم الحكومة والمعارضة المشاركتان في مباحثات جنيف.
ويعقد أعضاء هذه الآلية اجتماعاتهم بين الجلسات الرسمية للمباحثات بين أطراف الأزمة السورية أو أثناءها، كما تشير الوثيقة إلى أن المبعوث الأممي بإمكانه التشاور مع خبراء فنيين من أجل مراقبة أو مساندة عمل الآلية التشاورية.
وقال رياض نعسان آغا، متحدثاً باسم الهيئة العليا للمفاوضات إن لوفد المعارضة ملاحظات على اقتراح دي ميستورا، وما زال بصدد دراسته، ولا سيما لجهة إشارة الاقتراح إلى تنظيم الآلية الاستشارية لمؤتمر للحوار الوطني «وهو ما قد يعني تقويض مجمل العملية السياسية».
وأعرب آغا في تصريح عن خشيته من أن يكون دي ميستورا متأثراً بالطروحات الروسية، لافتاً إلى أن وفد المعارضة سيقدم قبل نهاية هذه الجولة وثيقتين للمبعوث الدولي إلى سوريا، تتعلق الأولى بحال المعتقلين في سجون النظام، والثانية بشأن رفض المعارضة أي دور لإيران في سوريا.
وعقد دي ميستورا يوم أمس (الأربعاء) لقاءين؛ الأول مع وفد النظام والثاني مع وفد المعارضة، كذلك أفيد بلقاء جمع وفد الهيئة العليا بغينادي غاتيلوف نائب وزير الخارجية الروسي.
ومن المتوقع أن يلتقي رئيس الائتلاف المعارض رياض سيف، دي ميستورا، في مقر الأمم المتحدة في جنيف، اليوم (الخميس). ويبحث سيف الذي يرافقه كل من عضوي الهيئة السياسية هادي البحرة وحواس خليل مع المبعوث الدولي، العملية السياسية الحالية في جنيف، وفق بيان صادر عن الائتلاف.
وقال سيف في تصريح إن الوصول إلى الانتقال السياسي «هو أهم ما نطمح إليه، وذلك من أجل الخلاص من الحكم المستبد الذي يمارسه نظام الأسد منذ أكثر من أربعة عقود». كما شدد على ضرورة أن تتحمل الأمم المتحدة مسؤولياتها بشكل كامل، وأن يكون دورها شاملاً وكاملاً في عملية وقف إطلاق النار، والسعي لأن تكون جميع المناطق السورية آمنة وخالية من القصف بكل أشكاله. ولفت سيف إلى أن قضية المعتقلين من أهم القضايا التي ستتم إثارتها خلال الاجتماع مع المبعوث الدولي، مؤكداً أن هناك «جرائم حرب» يمارسها النظام داخل السجون، تظهر أدلتها كل يوم، مضيفاً: «يجب أن يكون للأمم المتحدة موقف واضح من تلك الجرائم وفي محاسبة مرتكبيها».
وبالتزامن مع مفاوضات السلام السورية، نظّم ناشطون سوريون يوم أمس (الأربعاء)، وقفة أمام مقر الأمم المتحدة في مدينة جنيف السويسرية، شارك فيها أعضاء من الهيئة العليا للمفاوضات والوفد المفاوض والائتلاف المعارض.
وحملت الوقفة التي شارك فيها عدد من أمهات وزوجات المعتقلين عنوان «عائلات من أجل الحرية»، وطالب الناشطون بالضغط على النظام السوري لـ«الكشف الفوري عن جميع الأسماء المعتقلة لديه وعن أماكن وجودهم ومصائرهم، إضافة إلى وقف التعذيب وسوء المعاملة». كما دعوا للسماح للمنظمات الإنسانية الدولية بإدخال المساعدات العاجلة من دواء وغذاء إلى السجون والمعتقلات، إضافة إلى دخول طواقم المنظمات الحقوقية الدولية إلى تلك السجون والاطلاع على أوضاعهم عن كثب. وشدد المتظاهرون على أهمية إلغاء كل المحاكم الاستثنائية وفي مقدمتها المحاكم الميدانية ومحكمة الإرهاب والمحاكم الحربية. وكانت الخارجية الأميركية كشفت أخيراً عن أدلة على وجود محرقة للجثث أقامها نظام الأسد في سجن صيدنايا، وأشارت إلى أن رجال المخابرات يحرقون نحو 50 جثة كل يوم.



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.