«مؤتمر لندن» يتعهد دعم الصومال أمنياً واقتصادياً

الاتحاد الأوروبي يعلن تعزيز مساعداته بـ217 مليون دولار

وزير الخارجية البريطاني يتوسط رئيس الصومال والأمين العام للأمم المتحدة في لندن أمس (أ.ب)
وزير الخارجية البريطاني يتوسط رئيس الصومال والأمين العام للأمم المتحدة في لندن أمس (أ.ب)
TT

«مؤتمر لندن» يتعهد دعم الصومال أمنياً واقتصادياً

وزير الخارجية البريطاني يتوسط رئيس الصومال والأمين العام للأمم المتحدة في لندن أمس (أ.ب)
وزير الخارجية البريطاني يتوسط رئيس الصومال والأمين العام للأمم المتحدة في لندن أمس (أ.ب)

بحث مؤتمر دولي احتضنته العاصمة البريطانية، أمس، سبل دعم الاستقرار في الصومال ودعم جهود الرئيس محمد عبد الله فرماجو في مواجهة التحديات الأمنية والإنسانية الكبيرة.
ودعا الرئيس الصومالي المجتمع الدولي إلى مساعدة بلاده على التصدي «لأعدائها؛ الإرهاب والفساد والفقر». وتعهد باتّخاذ إجراءات «لتحرير طاقات السكان الهائلة» لتمكينهم من المساهمة في تنمية هذا البلد الواقع في القرن الأفريقي، والذي يعتبر أحد أفقر بلدان العالم وأقلها استقرارا.
وأعرب فرماجو، خلال المؤتمر الذي ركز على دعم التنمية الاقتصادية ودعم الحكومة الصومالية في مواجهة التهديدات الأمنية، عن «ثقته» بقدرة البلاد على «التغلب على حركة الشباب في السنوات المقبلة». وأكد أن «إقامة إدارة إقليمية» ستتيح بسط الأمن على الأراضي الصومالية. وسعى المؤتمر لإقامة شراكة جديدة بين المجموعة الدولية والصومال، الذي يواجه تهديد حركة الشباب الإرهابية و«القاعدة» وموجة جفاف جديدة. كما يتوقع أن يؤدي المؤتمر إلى خفض دين الصومال البالغ 5.3 مليار دولار، في مقابل إصلاحات اقتصادية.
وشارك في المؤتمر نحو أربعين وفدا ومؤسسة، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وجامعة الدول العربية، في حضور الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ووزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، ووزيرة الخارجية الأوروبية فيديريكا موغيريني.
وفي كلمتها الافتتاحية، أكدت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أن المؤتمر يستهدف «بناء مستقبل أكثر ازدهارا واستقرارا وأمانا للشعب الصومالي». ونبّهت رئيسة الوزراء البريطانية إلى مخاطر «عدم الاستقرار على مجمل القارة والعالم»، والناجم عن الإرهاب والمجاعة في هذا البلد وعن القرصنة في المحيط الهندي. واعتبرت تيريزا ماي أن انتخاب الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو مؤخرا، يوفر «فرصة جيدة»، داعية المجموعة الدولية إلى دعم الإصلاحات التي سيجريها.
بدوره، ذكر أنطونيو غوتيريش بأن «نحو نصف سكان» الصومال يحتاج إلى مساعدة، جاعلا من التصدي للجفاف «الأولوية الأكثر إلحاحا». وبحسب تقرير للأمم المتحدة فإن 1.4 مليون طفل صومالي سيعانون سوء التغذية بحلول نهاية 2017 بزيادة بنسبة 50 في المائة مقارنة بـ2016. واعتبر غوتيريش أن الصومال «يطوي صفحة» من تاريخه، مؤكدا أن الأمم المتحدة ستقوم «بكل ما في وسعها» لتأمين «الازدهار وسلام دائم» في البلاد. كما أعلن غوتيريش أن خطّة جديدة بقيمة 900 مليون دولار ستعد قبل نهاية السنة لمعالجة الوضع الإنساني.
من جهته، تعهد الاتحاد الأوروبي توفير مائتي مليون يورو (217 مليون دولار) إضافية، ما يرفع قيمة التزاماته الإنسانية والعسكرية في الصومال إلى 3.4 مليار يورو (3.7 مليار دولار) للفترة من 2015 إلى 2020.
من جانبه، دعا الدكتور يوسف العثيمين الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي المجتمع الدولي، بما في ذلك منظمات الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني، إلى زيادة المساعدات المقدمة للصومال لمكافحة المجاعة التي تهددها، حيث تتصدر الأزمة الإنسانية قائمة التحديات التي يواجهها الصومال.
وحث الأمين العام في كلمته أمام مؤتمر لندن لدعم الصومال، المنعقد في العاصمة البريطانية أول من أمس المجتمع الدولي على الاستثمار في قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية، وفي مجال البنية التحتية خصوصاً الطاقة، إضافة إلى إعفاء الصومال من الديون المترتبة عليه، والمساعدة في إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية الصومالية وتوفير المتطلبات اللازمة لتحقيق هذا الهدف.
وقال الدكتور العثيمين إن «الصومال على حافة مجاعة وشيكة بدأت تداعياتها في الظهور نتيجة الجفاف الشديد الناجم عن قلة الأمطار على مدى عدة سنوات، والأمر لا يقتصر على الصومال حيث تعاني منطقة القرن الأفريقي من مخاطر مجاعة وشيكة تهدد حياة أكثر من 17 مليون شخص، وفي الصومال وحدها هناك ما يزيد على ستة ملايين شخص، أي ما يقارب نصف سكان الصومال، بحاجة لمساعدات إنسانية عاجلة».
وأضاف الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي أن الأزمة الإنسانية في الصومال لن تبقى محصورة في تداعياتها الإنسانية بل يمكن أن يكون لها تداعيات على الاستقرار الذي كان قد شهد تقدماً ملموساً في الفترة الأخيرة، فالنزوح الداخلي والتراجع الاقتصادي يهددان بزعزعة الاستقرار وارتفاع وتيرة التطرف، وهو ما قد يؤدي إلى تداعيات وخيمة، حيث تحتل الصومال موقعاً استراتيجياً مؤثراً في القارة الأفريقية.
وفي مارس (آذار)، دعا الرئيس الصومالي المجموعة الدولية إلى زيادة مساعدتها، مؤكدا أن حكومته تسلك طريق «الحوكمة الجيدة» والتجدد الاقتصادي. وقد حصدت المجاعة الأخيرة في الصومال، والتي نجمت في 2011 عن موجة جفاف حادة في القرن الأفريقي، وزادت من خطورتها الحرب وحركة الشباب الإسلامية، 260 ألف قتيل.
وفي الوقت الراهن، يتصدى لحركة الشباب، 22 ألف عنصر من القوة الدولية للاتحاد الأفريقي (أميصوم) التي انتشرت في الصومال في 2007، وبحسب وزارة الدفاع الأميركية، فإن «مئات» من الجنود الأميركيين موجودون في الصومال لتدريب نحو ثلاثة آلاف ضابط محلي على التصدي للعمليات الإرهابية. وأبعد عناصر حركة الشباب الذين واجهوا القوة الدولية للاتحاد الأفريقي، من مقديشو في أغسطس (آب) 2011، وخسروا القسم الأكبر من معاقلهم. لكنهم ما زالوا يسيطرون على مساحات ريفية شاسعة، يشنّون منها عمليات حرب عصابات واعتداءات انتحارية، حتى العاصمة مقديشو. وفي منتصف فبراير (شباط)، هدّدت حركة الشباب بشن حرب «لا هوادة فيها» ضد الرئيس الذي كان انتخب لتوه.
على صعيد آخر، أعلنت الحكومة الصومالية التي يترأسها حسن علي خيري، أمس، جملة من القرارات الأمنية في العاصمة مقديشو، أبرزها إنشاء قوات مشتركة من الجيش والشرطة وأجهزة الأمن والمخابرات الوطنية للقيام بعليمات أمنية في مقديشو بقيادة موحدة.
وجاء القرار بعد التصاعد الملحوظ الذي شهدته العاصمة في وتيرة الهجمات الإرهابية التي تشنها حركة الشباب المتطرفة على مدى الأسابيع لقليلة الماضية، بالإضافة إلى هجومها على معسكرات لقوات حفظ السلام الأفريقية.
وأقرت الحكومة في اجتماع لها إدراج مدينة أفجوي ضمن العملية العسكرية المتوقعة، تنفيذا لما سمته بأوامر الرئيس محمد عبد الله فرماجو. كما قررت الحكومة، منع الأسلحة والمركبات العسكرية داخل العاصمة من غير الحصول على تصاريح رسمية، وطلبت من جميع مسؤولي الحكومة الفيدرالية إعادة السيارات والأسلحة التابعة للجيش الوطني إلى القيادة اعتبارا من يوم أمس. كما أمهلت الحكومة فترة عشرة أيام فقط لاستعادة المركبات والأسلحة، وقررت منع مرافقة أكثر من أربعة حراس لكل مسؤول في محاولة لتجنب تعرض المواكب الرسمية لإطلاق نار من القوات الأمنية والعسكرية على غرار ما حدث مع وزير الأشغال العامة وإعادة الإعمار الصومالي، عباس سيراجي، الذي لقي مصرعه جراء إطلاق النار عليه، في مقديشو، في حادث عرضي خلال الأسبوع الماضي.
وقال بيان أصدره مكتب خيري إن حكومته ناقشت في الاجتماع الذي حضرته كل قيادات الأمن كيفية تسريع تعزيز الأمن والاستقرار في البلاد بشكل عام والعاصمة مقديشو بشكل خاص، مشيرا إلى أن خيري استمع إلى تقارير مختلفة من قادة الجيش الوطني حول مجريات الوضع الأمني في البلاد.
وحث خيري القيادات الأمنية على تعزيز أنشطة الأمن والاستقرار في البلاد، معتبرا أن الأمن يمثل الأولوية الأولى للحكومة، داعيا إلى الحفاظ على المكاسب المحققة في هذا الإطار.



«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

أدان وزراء الخارجية العرب التهديدات الإيرانية الرامية إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية، مطالبين في اجتماع، الثلاثاء، عبر تقنية الاتصال المرئي، بإلزام طهران بالتعويض وجبر الضرر عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه التهديدات.

وأكد الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، أن «الدول العربية لم تكن ولن تكون رهينة في يد إيران لتصفية الحسابات».

وبناء على طلب البحرين، عقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى وزراء الخارجية، الثلاثاء، اجتماعاً غير عادي، لـ«بحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية والتزامات إيران المترتبة بموجب القانون الدولي والجهود المبذولة لإنهاء الأزمة التي تشهدها المنطق».

وجدد وزراء الخارجية إدانتهم «بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الأردن والإمارات، والبحرين، والسعودية، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت، والعراق»، وعدُّوها، بحسب القرار الصادر عن الاجتماع، «انتهاكاً جسيماً لسيادة تلك الدول، يقوض السلم والأمن في المنطقة، ويمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي... ويشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين».

وأكدوا أن «إيران تتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن هجماتها غير المشروعة وغير المبررة ضد الدول العربية، وأنها ملزمة، بموجب قواعد القانون الدولي، بجبر الضرر الكامل عن جميع الأضرار والخسائر الناجمة عن تلك الهجمات، بما في ذلك، الرد، والتعويض، والترضية»، وطالبوها بالوقف الفوري «لجميع هجماتها السافرة ضد الدول العربية والامتثال لالتزاماتها الدولية».

آلية لتوثيق الانتهاكات

أعاد الوزراء التأكيد على «دعم الدول العربية الكامل لحق الدول العربية المتضررة في اللجوء إلى المؤسسات الدولية والإقليمية لاستصدار قرارات تدين هذه الهجمات وتحمّل إيران المسؤولية عن تبعاتها»، داعين الهيئات العربية والإقليمية المختصة بالتنسيق مع الدول المتضررة إلى النظر في إنشاء آليات مناسبة «لتوثيق الانتهاكات وتقييم الأضرار والخسائر ومتابعة السبل الكفيلة بجبر الضرر عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية وغيرها من الوسائل السلمية».

وجدد الوزراء «إدانتهم للإجراءات والتهديدات الإيرانية الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب بعدّها انتهاكاً لأحكام القانون الدولي ولمبدأ حرية الملاحة في المضايق الدولية». وأكدوا في هذا الصدد على حق الدول العربية في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي.

وكيل وزارة الخارجية السعودية عبد الرحمن الرسي خلال رئاسة وفد المملكة في الاجتماع (حساب الخارجية السعودية على منصة «إكس»)

وشدد وزراء الخارجية العرب على «رفض واستنكار استمرار إيران في تمويل وتسليح وتحريك الميلشيات التابعة لها في عدة دول عربية خدمةً لمصالحها، وبما يُشكل تهديداً خطيراً لأمن واستقرار تلك الدول والمنطقة». وجددوا التأكيد على الحق الأصيل للدول العربية المتضررة في الدفاع عن النفس، فردياً أو جماعياً، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

وقال أبو الغيط في كلمته إن الاجتماع «لا يهدف فقط إلى إدانة الهجمات الإيرانية الآثمة على عدد من الدول العربية»، وإنما يستهدف «مطالبة المجتمع الدولي بتحميل المعتدي كامل المسؤولية عن اعتداءاته غير القانونية وغير المبررة وغير المقبولة على عدد من الدول العربية».

«خرق جسيم»

وأضاف الأمين العام للجامعة العربية أن إيران لم تمتثل لقرار مجلس الأمن 2817 الصادر في 11 مارس (آذار) الماضي بالوقف الفوري للعدوان، ولم تعترف بأن اعتداءاتها على الدول العربية في الخليج والأردن والعراق مثَّلت خرقاً جسيماً للقانون الدولي، وانتهاكاً مرفوضاً لسيادة الدول، وتجاوزاً صارخاً لكل معاني حُسن الجوار.

وطالب أبو الغيط إيران بـ«الامتثال فوراً لقرار مجلس الأمن، وبتحمل المسؤولية كاملةً عما تسببت فيه هذه الهجمات غير المشروعة من أضرار وخسائر، بما يقتضي التعويض وجبر الضرر بحسب ما ينص عليه القانون الدولي في هذه الحالات».

وقال إن «تصورات إيران عن التحكم في الخليج العربي وفي مضيق هرمز باطلة قانوناً، ولا تستند لحجة أو مسوغ، ومرفوضة جملة وتفصيلاً».

وأكد أن «حرية الملاحة في المضايق والممرات الدولية، ومنها مضيق هرمز، أمرٌ كفله القانون الدولي... ولا يمكن لإيران أن تنتزع لنفسها حق التحكم في مضيق هرمز، لأنها ببساطة لا تملكه».

واستطرد قائلاً إن الجامعة العربية «تعتبر الاعتداء على أي دولة عربية، أو ممارسة التهديد والترويع ضد سكانها المدنيين، اعتداءً على الدول العربية جميعاً»، مؤكداً أن «الجميع يقف صفاً واحداً في التضامن مع الدول التي تعرضت للهجمات الآثمة». وشدد على أن «هذه الاعتداءات الغاشمة سوف تنتهي، وستخرج الدول العربية من هذه الأزمة أكثر قوة وأشد ترابطاً وتعاضداً».

تنسيق وتشاور

وهذه هي المرة الثالثة، منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، التي يجتمع فيها مجلس الجامعة على المستوى الوزاري لبحث تطورات التصعيد الإقليمي.

وكان وزراء الخارجية العرب قد أدانوا في اجتماع طارئ عبر تقنية الاتصال المرئي يوم 8 مارس (آذار) اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ثم جددوا إدانتهم للاعتداءات في اجتماع الدورة العادية الـ165 نهاية الشهر الماضي التي اقتصرت أعمالها على مناقشة الاعتداءات الإيرانية على دول عربية.

وتأتي الاجتماعات العربية المتكررة في سياق التنسيق والتشاور العربي وتأكيد التضامن والدعم لدول الخليج، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، رخا أحمد حسن، الذي قال لـ«لشرق الأوسط» إن الاجتماعات المتتالية «تستهدف تأكيد دعم دول المنطقة التي تعرضت لخسائر مادية واقتصادية بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران»، مشيراً إلى تأثر سلاسل الإمداد بسبب تهديد إيران للملاحة في مضيق هرمز الذي قال إنه مضيق دولي لا يحق لطهران التحكم فيه بموجب القانون الدولي.

Your Premium trial has ended


لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.