هل تمر الرواية الغربية بحالة موت سريري؟

بعد سقوط الأفكار الكبرى التي طرحتها الحداثة بداية القرن العشرين

«كوخ العم توم» كان تأثيرها أساسيا في دعم حركة تحرير العبيد الأميركيين
«كوخ العم توم» كان تأثيرها أساسيا في دعم حركة تحرير العبيد الأميركيين
TT

هل تمر الرواية الغربية بحالة موت سريري؟

«كوخ العم توم» كان تأثيرها أساسيا في دعم حركة تحرير العبيد الأميركيين
«كوخ العم توم» كان تأثيرها أساسيا في دعم حركة تحرير العبيد الأميركيين

يَلحظ مؤرخو الأدب أنه لا يكاد يمر عقدٌ من السنوات، منذ بداية القرن العشرين إلى اليوم، دون تواتر ادعاءات متجددة بموت الرّواية، وانتفاء قيمتها كشكلٍ أدبي. وهم في ذلك لا يعنون بالطبع توقف الرّوايات عن الصدور، أو حتى توقف إعادة إحياء القديم منها، لكنهم يشيرون إلى حالة من فقدان الغاية والمعنى الكلّي، وتحول الأعمال الجديدة منها إلى «مجرد اجترار مكرور داخل نظام مغلق من المرجعيّات الثقافيّة»، دون أن تضيف أي جديد.
بالطبع، فإن عرّافي موت الرّواية هؤلاء لم يكونوا سوى قرّاء مداومين على الأعمال الروائيّة، أو الروائيين أنفسهم، أو نقاد يعتاشون بنحو أو آخر من وراء اشتغالهم بتفكيك الروايات، ولذا فإن توقع سوء نيّة منهم تجاه هذا الشكل الأدبي ليس من الحكمة في شيء.
لا شك أن هنالك شيئاً ما قد حدث للرواية - أو كان في طور الحدوث - بدءاً من أربعينات القرن الماضي، على نحو جعلها تفقد شيئاً من روحها ودورها في الحياة الاجتماعية والثقافيّة، لتصل اليوم إلى ما يصفه بعض النقادِ بحالة أشبه بموتٍ سريري، وأن تكرر الإعلانات عن نهاية الرواية في كل عقد كان مجرد إشارة إلى تمكن بعض الأفراد الفطناء من التقاط تحولاتٍ ثقافيّة واجتماعية فاعلة، قبل أن يراها الجميع بوقت قصير.
تنطلق هذه الرؤية من تصورٍ إيجابي لدورِ الرّواية - والآداب عموماً - في تحقيق المستوى الحضاري الذي وصلت إليه البشريّة اليوم، وأنها وراء تهذيب غرائز البشر، وبناء التعاطف بينهم، خلال 250 عاماً من تاريخها، مقارنة أقلّه بوقت كانت فيه كل المجموعات العرقيّة والثقافيّة تتقبل العبوديّة والمذابح الجماعيّة والإعدامات كأمر طبيعي: الرئيس الأميركي توماس جيفرسون مثلاً كان يدافع بحرارة عن إبادة الأميركيين الأصليين، بينما كان دور رواية مثل «كوخ العم توم» محورياً في دعم حركة تحرير العبيد الأميركيين.
لكن أجيال «عرّافي» موت الرواية هؤلاء رأت عبر العقود الأخيرة عدة تغييرات أساسيّة في الحياة المجتمعيّة المعاصرة أفقدت الرواية دورها، لا شك في مقدّمها التقدّم التكنولوجي الحاسم الذي غيّر كل أشكال التعلم والترفيه على نحو كلّي أو كاد، بحيث لم تعد فكرة البشر الأساسيّة عن الترفيه قراءة رواية جادة في مئات أو آلاف الصفحات زمن انتشار الإنترنت والهواتف الجوالة ومواقع التواصل الاجتماعي، وحتى ثقافة ارتياد المقاهي والمجمّعات التجاريّة التي تتنافس مجتمعة على «وقت» المستهلكين. ويرتبط بذلك على نحو ما النظريّة القائلة إن الرّواية في حقيقتها منتج برجوازي بحت، رافق فترة صعود البرجوازيّة إبان مرحلة الثورة الصناعيّة، وتطور الرأسماليّة في شكلها الحديث خلال القرن الثامن عشر، وإن التركيبة الطبقيّة للمجتمعات اليوم غيّرت من شكل تلك الطبقة على نحو حاسم، جعل من ذلك الشكل الأدبي غير ذي صلة بقيم وثقافة مجتمعها، وخارج سياق تطوره الفكري والعاطفي. ووصف آخرون عقماً إبداعياً أصاب هيكليّة الرواية، بعد سقوط تجربة الحداثة في النصف الثاني من القرن العشرين، بحيث لم تعد قادرة على إعادة طرح ذاتها بأشكال جديدة توافق مزاجات جمهور المتلقّين المعاصرين في مرحلة «ما بعد» الحداثة.
لكن أكاديميين معنيّين بتقصي تاريخ الرّواية الحديثة يجعلون من أزمتها مجرد عَرَضٍ لمناخ تأزّم ثقافي شامل تواجهه الحياة المعاصرة، بعد سقوط كل الطموحات والأفكار الكبرى التي طرحتها الحداثة بداية القرن العشرين، وحالة الإنهاك والتردي الثقافي التي تعيشها في أجواء التّلفيق العام الذي سمّاه البعض ما بعد الحداثة، أو الحداثة السائلة، أو حتى اللاّ - ما بعد الحداثة – كنايةً عن التّناقضات والتّخبطات وانعدام الجديد، فكأنه «عالم مات قديمُهُ، ولمّا يولد جديده بعد»، على حد وصف غرامشي.
بيتر بوكسآل وبريان تشايتي، محررا موسوعة أكسفورد لتاريخ الرّواية الإنجليزيّة (والآيرلنديّة)، في المقابل، وآخرون معهما، يقفان على نقيض من ذلك كلّه، معتبرين أن الرّواية ما زالت رغم كل شيء أهم أدوات البشر لاستطلاع التحولات الثقافيّة والمجتمعيّة، وأن البشر بحاجة دوماً إلى تخيّل المستقبل كي يُمْكِنهم تشكيله، ولا شك عندهما أنه هنالك في صفحات ما، في رواية ما، يولد الآن ذلك «الجديد» الذي طال انتظاره، والذي سيملأ الفراغ الذي تركه موت الحداثة.
لكن بوكسآل نفسه يعترف، في كتاب آخر له، بنوع من فقدان حيويّة الرّواية في مرحلة ما بعد الحداثة، ويفسّر ذلك بأن «النقّاد الأدبيين، الذين يعوّل عليهم دوماً في خلق توتر إيجابي، يتحدى الشكل الأدبي ويطوره، خرجوا من التيار العام، وأصبحوا أكاديميين منعزلين داخل أسوار الجامعات والكتب المتخصصة»، مستقيلين هم وجامعاتهم من مهمتهم التاريخيّة، تاركين السّاحة لنقاد مزيفين وأشباه روائيين (وأشباه روائيّات أيضاً) يفسدون علينا - بسوء ذوقهم - الحياة والثقافة والقراءة والرّواية معاً، دون أن يكون لدى الناس غير المتخصصين مرجعيات يقيسون بها الغثّ من الثمين. فتولى تجار الكتب - لا غيرهم - مسألة تشكيل الذّائقة الأدبيّة العامّة، موظِّفين في ذلك تقنيّات التسويق الحديث وأساليب الترويج التجاري للمنتجات، دون كبير اهتمام بقيمة المحتوى الأدبي.
ولعل ذلك يفسّر - على نحو ما - غياب الألق من روح الرّواية، وتنبؤات العرّافين المتشائمة بموتها القريب، رغم المفارقة في أن ذلك يحدث في وقت تكاثرت فيه أعداد العناوين الصادرة - على افتراض أنها روايات - وتضخّم أرقام المبيع منها.
وجهة نظر بوكسآل أن الرّواية، منذ تشكلها المعاصر في ظل الرأسماليّة، قدّمت للبشر أفضل أداة سيكولوجيّة على الإطلاق للتعاطي مع التغيير شبه الدائم والمتسارع الذي تعيشه المجتمعات بسبب من النظام الرأسمالي ذاته، فهي تعمل كمنطقة عازلة في الحّد الفاصل بين العالم الموجود والعالم الممكن، بين ما نعرفه ونفهمه، وما لا ندرك كنهه بعد، ولذا فإن الرّواية - بشكل أو بآخر - باقيةٌ ما بقي التغيير.
لكن دفاع بوكسآل المستميت هذا يضع يده على موضع جرح الرّواية تماماً. ففي مزاج مرحلة «ما بعد الحقيقة»، التي أوصلتنا إليها مؤسسات الإعلام الجماهيري المعاصر، ومنتجو «الحقيقة» الزائفة في هوليوود و«فيسبوك» و«سي إن إن» و«نيتفليكس»، عندما أصبحت غالبية المُستهلكين قانعة بتقبل الكذب وكأنه حقائق سرمديّة، ما دام متوائماً مع ما اعتادوا على استهلاكه من سرديّات موجهة أساساً لخدمة المنظومة الرأسماليّة المهيمنة، تقلّصت تلك المسافة الفاصلة بين الواقعي والمتخيّل، وبين العالم الحقيقي وذاك المفترض، تلك المساحة التي كانت دوماً فضاء «الرّواية» ومساحتها وملعبها.
لم يعد المستهلك اليوم بعد «ما بعد حقيقتهم» هذه بحاجة لإعمال خياله في تصوّر عوالم أخرى ممكنة، فتجار الآيديولوجيا قاموا بالمهمّة الإبداعيّة بالنيابة عنه، وقدّموا له سرديّات متقاطعة يُسند بعضها بعضاً، ولذا هو يفتح قناة التلفزيون فقط كي يربت المذيع على كتفه طمأنة أن ما قرأه على الإنترنت أو في صحيفته - إذا كان هنالك من لا يزال يقرأ الصحف - هو «الحقيقة» التي شربها دوماً، وأنه لا بأس بالعودة إلى النوم من جديد، وهو أمر لا شك مريح، إذ إن البحث عن الحقائق الموضوعيّة أمر شاق، يعجز معظمنا عن دفع فاتورته. ولذا تحول العمل الروائي إلى مجرد ثرثرة طويلة لا تكاد تختلف عن «تغريدة» فارغة على «توتير» إلا بعدد الأحرف، تكرّس الأوهام ذاتها التي يعيشها المستهلك مسبقاً.
كما قتل لنا رولان بارت المؤلّف جاعلاً للنص حياة مستقلّة عن مبدعها، يأتي تجار «ما بعد الحقيقة» اليوم ليقتلوا لنا النص الروائي أيضاً. يا صديقي دون كيشوت، أي ريح شؤم تلك التي شبت علينا من الغرب؟



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.