«حزب الله» وإسرائيل... اختبار قواعد ينتظر الحرب

قوات دولية في جنوب لبنان (رويترز)
قوات دولية في جنوب لبنان (رويترز)
TT

«حزب الله» وإسرائيل... اختبار قواعد ينتظر الحرب

قوات دولية في جنوب لبنان (رويترز)
قوات دولية في جنوب لبنان (رويترز)

مجدداً انتقل الصراع بين «حزب الله» اللبناني وإسرائيل إلى مجلس الأمن، هذه المرة عبر شكوى وجهتها تل أبيب بعد أن نظم الحزب في 20 أبريل (نيسان) الماضي جولة لعشرات الصحافيين على الجانب اللبناني من الخط الأزرق.
الجديد عملياً في الشكوى هو اتهام الجيش اللبناني مباشرة بتسهيل انتهاكات الحزب لقرارات مجلس الأمن، وخصوصاً القرار رقم 1701، الذي أنهى حرب يوليو (تموز) في عام 2006، كما اتهام الحكومة اللبنانية بأنها «تخل بالتزاماتها الدولية، وضالعة في صبغ الشرعية على نشاطات الحزب».
في حرب عام 2006 انتهجت إسرائيل نسبياً سياسة فصل بين «حزب الله» والدولة اللبنانية. يومها لم تستهدف الجيش اللبناني، واقتصر استهدافها للبنى التحتية على تلك التي من الممكن أن يستخدمها «حزب الله» في إطار المعركة الدائرة.
لكن، منذ سنوات ثمة من يروج في الداخل الإسرائيلي لضرورة ضرب لبنان «الدولة» في أي حرب مقبلة، وصولاً إلى الحديث عن استراتيجية صادق عليها الجيش الإسرائيلي، وفق موقع «واللا» العبري، تقوم على إلغاء فكرة عزل «حزب الله» في الحرب المقبلة، واعتبار الدولة اللبنانية وجيشها و«حزب الله»، منظومة واحدة تعمل ضد إسرائيل.
في الداخل اللبناني ثمة خشية واضحة من أي حرب مقبلة. خطوة «حزب الله» جنوباً حاول تداركها رئيس الحكومة سعد الحريري عبر جولة جنوبية برفقة وزير الدفاع وقائد الجيش، مؤكداً خلالها أن لبنان ملتزم بالقرار 1701، وأن الحكومة تعبر عن سياسات هذا البلد.
في هذا الإطار، يقول العميد المتقاعد خليل الحلو في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن نظرية ضرب الدولة اللبنانية وليس «حزب الله» حصراً، صاحبها الأساسي يوسي بيلين، الذي شغل عدة مناصب وزارية، ورئيس الحكومة السابق أرئيل شارون، ومفادها أن ردع لبنان يكمن في تدمير بنيته التحتية. ويرصد الحلو «حماسة إسرائيلية واضحة لهذه النظرية، إضافة إلى مؤشرات تصب في هذه الخانة».
وفق ذلك يقول مصدر نيابي لـ«الشرق الأوسط» إن اتهام إسرائيل مباشرة للجيش اللبناني يعني أن التهديدات السابقة باستهداف لبنان كله، والدولة اللبنانية، سلكت طريقاً واضحاً وبدأت إسرائيل تروج لها في المحافل الدولية، وهو ما يعد مؤشراً خطيراً، خصوصاً أن لبنان بوضعه الراهن، وتأثيرات الحرب السورية عليه، إضافة إلى الجو الدولي والعربي، سيكون في موقف لا يحسد عليه.
وفي هذا السياق، يلفت الحلو إلى أن «الجو الدولي مساعد اليوم لإسرائيل، خصوصاً مع صعود التيارات اليمينية، إضافة إلى أن المجتمع الدولي ليس مثل عام 2006 عندما تحرك لوقف الحرب»، مشيراً إلى أن «إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لن يكون لديها حماسة لإنهاء الحرب في حال اندلعت، خصوصاً أنه في سوريا مدن كاملة تدمرت، والمجتمع الدولي لم يحرك ساكناً».

حرب باردة
الواضح اليوم أن ثمة حرباً باردة تجري على الأرض السورية بين «حزب الله» وإسرائيل، التي شنت منذ عام 2013 عددا كبيرا من الغارات التي استهدفت دمشق ومحيطها، إضافة إلى الحدود اللبنانية - السورية والحدود الجنوبية لسوريا عند الجولان، وآخرها الضربة التي استهدفت مستودعاً في محيط مطار دمشق، والتي تهدف إلى منع «حزب الله»» من الحصول على أسلحة سورية، أو تهريب أسلحة إيرانية عبر سوريا.
لكن هذه الضربات تطرح أيضاً سؤالاً جوهرياً عن آفاق أي حرب مقبلة بين إسرائيل و«حزب الله»، وهي خروج رقعة الصراع لأول مرة إلى خارج الحدود اللبنانية، خصوصاً أن «حزب الله» لن يتوانى عن استخدام الأراضي السورية في سياق حربه مع إسرائيل متى اقتضت الضرورة.

أسلحة ممنوعة
وقبل أيام كشفت صحيفة «واشنطن بوست» أن 4 أنواع من الأسلحة تخشى إسرائيل انتقالها أكثر من غيرها من سوريا إلى «حزب الله»، وهي: أنظمة الدفاع الجوي، وصواريخ باليستية، بالإضافة إلى صواريخ بر - بحر، وأخيراً الأسلحة الكيماوية.
هذه التصريحات والتسريبات الإسرائيلية يرى «الحلو» أنه مبالغ فيها وفي سياق الحرب الإعلامية والسياسية، خصوصاً أن الأسلحة الكيمائية تخزينها خطر، كما أن التعامل معها يأخذ وقتاً وممكن كشف مكانها. أما الصواريخ السورية الباليستية فهي قديمة نوعاً ما، ومعروفة للجميع ولم تعد تثير قلقاً كبيراً.
«لكن عملياً ما الأسلحة التي تثير قلق إسرائيل؟»... يقول الحلو إن الأكيد أن إسرائيل قلقة من الصاروخ الإيراني «الفاتح 110»، الذي لمح «حزب الله» مراراً إلى أنه يملكه، خصوصاً أن الخشية منه تكمن في سرعته، والنسخة المتطورة منه 8 مرات أسرع من الصوت، وبالتالي ممكن أن يطلق من الهرمل في شمال لبنان ويصل إلى تل أبيب خلال دقائق معدودة، على الرغم من أن إسرائيل لديها من الناحية النظرية منظومة الدفاع الصاروخي «مقلاع داود» وممكن أن تتصدى لهذه الصواريخ، لكن هذه الحسابات تبقى على الورقة والقلم، خصوصاً أن قدرات «حزب الله» وحتى إسرائيل في هذه النقطة لا تزال غامضة.
أما الخشية الثانية الأساسية فهي تكمن في طائرات الـ«درون» التي يملك الحزب عدداً كبيراً منها وفق ما كشف مؤخراً موقع متخصص، مشيراً إلى أن الحزب يستخدم هذه الطائرات في عملياته في سوريا؛ ما يثير مخاوف إسرائيل.
وفي هذا الإطار يقول الحلو إن التجربة الأميركية في العراق وسوريا دفعها إلى التعامل مع طائرات «درون» التي يملكها تنظيم داعش، وبالتالي طور الجيش الأميركي تقنيات تسمح للجنود بكشف هذه الطائرات ثم إسقاطها، لكن هذه التقنيات لا تزال فقط لدى الجيش الأميركي، ولا يعلم إن كان سلم منها لإسرائيل.
السلاح الثالث استخدمه «حزب الله» في عام 2006، وهو الصاروخ الصيني «سلكورم»، ضد إحدى السفن الإسرائيلية، لكن التقارير خلال السنوات الماضية كشفت أن «حزب الله» هرّب من سوريا صواريخ روسية من نوع يحنوط، وهو ما يرفع عملياً من قدرة الحزب على استهداف القطع البحرية الإسرائيلية.
في المحصلة، يرتفع سيناريو الحرب يوماً بعد يوم. وباتت الحرب هاجساً رئيسياً في الصحافة العبرية كما في الصحافة اللبنانية. والمشترك أن التوقيت هو وحده الغامض، خصوصاً أن السنوات العشرة التي تلت حرب يوليو في عام 2006 شهدت تغيرات عسكرية كبيرة، في ظل الأزمة في سوريا؛ ما يعتبر مؤشراً إلى تغيير قواعد اللعبة في المنطقة، وهو العامل الذي يثير قلق الخبراء في الشؤون العسكرية، لأنه يعني حرباً بغض النظر عن توقيتها.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.