الطريق الصعب لتطوير «مثلث ماسبيرو» في قلب العاصمة المصرية

قيمة أرض المشروعات المقترحة 12 مليار دولار و26 شركة على القائمة

منطقة «مثلث ماسبيرو» وسط العاصمة المصرية  («الشرق الأوسط»)
منطقة «مثلث ماسبيرو» وسط العاصمة المصرية («الشرق الأوسط»)
TT

الطريق الصعب لتطوير «مثلث ماسبيرو» في قلب العاصمة المصرية

منطقة «مثلث ماسبيرو» وسط العاصمة المصرية  («الشرق الأوسط»)
منطقة «مثلث ماسبيرو» وسط العاصمة المصرية («الشرق الأوسط»)

تقرأ ابتسام، وهي بائعة خضراوات وربة منزل، الصحيفة؛ بحثا عن أخبار جديدة حول هذه القضية. هنا، في ضاحية «مثلث ماسبيرو» في قلب العاصمة المصرية القاهرة، يدور صراع بين السكان الفقراء البالغ عددهم نحو 4.5 ألف نسمة، في مواجهة طموحات لأكثر من 26 شركة استثمارية محلية وأجنبية. وتختصر المرأة الكلام، وهي تطالع الأخبار من ظهر الصحيفة: «الشركات تريد أن تستثمر على الأرض التي فيها بيوتنا، ونحن نريد تعويضا مناسبا، إنها تساوي ثروة».
تبلغ مساحة الأرض التي يوجد بها مئات عدة من العمارات القديمة، نحو 72 فدانا، وتقدر قيمتها بنحو 12 مليار دولار، وتقع على كورنيش النيل، جوار منطقة الفنادق والمؤسسات الكبرى. وتدخلت الحكومة لحل المشكلة، من خلال خطة لتعويض السكان من جانب، وفتح المنطقة للتطوير والتحديث من جانب آخر، إلا أن الأمور لم تحسم بعد.
وتقع الأرض ضمن ضاحية «بولاق أبو العلا» التاريخية، ذات الحواري الضيقة والبيوت الآيلة للسقوط، والسكان المعوزين. ويوجد فيها أيضا، لكن على الجانب المطل على كورنيش النيل، مقرات ثرية، مثل مبنى التلفزيون، ووزارة الخارجية، والقنصلية الإيطالية، ومجموعة أبراج حديثة.
ويقول النائب في البرلمان المصري، محمد المسعود، لـ«الشرق الأوسط»: يوجد اقتراح لحل مشكلة السكان القدامى لـ«مثلث ماسبيرو» وهو أن تقوم الحكومة بتخصيص 11 فدانا من إجمالي الأرض التي سيجري الاستثمار عليها، وذلك لبناء أبراج لأهالي المنطقة... «تتكفل الحكومة بإقامة السكان في مكان آخر، حتى تنتهي من إعادة تخطيط (مثلث ماسبيرو) وبناء العقارات فيه، ثم تعيد تسكينهم في الأبراج. هذا لن يكلف الحكومة كثيرا من الأموال، حيث يمكن استقطاع هذه المبالغ من قيمة الأموال التي ستستثمر من جانب رجال الأعمال في عموم الموقع».
من جانبها، تحاول حكومة المهندس شريف إسماعيل، حاليا، إقناع السكان بالحصول على تعويضات مالية، والانتقال إلى مناطق جديدة، وتخصيص نحو أربعة مليارات جنيه (نحو 220 مليون دولار)، من أجل «الحفاظ على أرواح المواطنين وممتلكاتهم» في «مثلث ماسبيرو». إلا أن السكان لديهم شروطهم الخاصة، مثل زيادة قيمة التعويضات، وضمان العودة للسكن في المنطقة نفسها بعد تطويرها. كما تسعى الحكومة، وفقا لمصدر في مجلس الوزراء، للضغط على المستثمرين من أجل الانتظار قليلا حتى تتم معالجة المشكلة مع سكان «مثلث ماسبيرو».
ويقول محمد أشرف، من شباب اللجنة الشعبية لأهالي بولاق أبو العلا: إن «زحف المباني العصرية، وبخاصة من جهة كورنيش النيل، جعل المنطقة برمتها مغرية للمستثمرين العقاريين». وتقدم المسعود باعتباره نائبا عن دائرة «بولاق أبو العلا» ببيان عاجل للحكومة، بعد أن سقطت أربعة عقارات في المنطقة ذات المباني الآيلة للسقوط أصلا. ودعا الحكومة إلى ‏الكشف عن خطتها لتطوير منطقة «مثلث ماسبيرو» بما يضمن تحقيق العدالة.
وتمتاز المنطقة بالعبق التاريخي، حيث كانت قديما مركزا للجيوش الفرنسية أيام حملة نابليون بونابرت على مصر، وفيما بعد أصبحت مقرا مفضلا للكتاب والموسيقيين والفنانين. وفي عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، جرى إقامة مبنى التلفزيون الحكومي المعروف باسم «ماسبيرو» نسبة للمنطقة، وتوسيع طريق الكورنيش المواجه له. وفي المقابل، ضربت يد الإهمال الحواري الخلفية بجدرانها العتيقة. وفي العقود الأخيرة، أضاءت الأبراج الحديثة كورنيش «مثلث ماسبيرو»، بينما ظلت الخلفية كئيبة.
«مثلث ماسبيرو» هو جزء من ضاحية «بولاق أبو العلا» التي كانت أثناء الحملة الفرنسية على مصر، عام 1798 مكانا استراتيجيا لجيش نابليون بونابرت للانطلاق إلى محافظات الشمال والشمال الغربي. وخلال إقامتهم القصيرة فيها، أثَّر الفرنسيون على حياة أبناء الضاحية فظهرت المسارح ومنتديات اللهو وصالونات الأدب والثقافة، إلى جانب المباني الضخمة ذات النوافذ الطويلة والطرز المماثلة لتلك الموجودة في المستعمرات الفرنسية.
وثار أهل «بولاق أبو العلا» ضد الفرنسيين باستخدام النبابيت، وسقط من أبناء الضاحية أعداد كبيرة من القتلى بسبب اعتماد الفرنسيين على قوة نيران الأسلحة. وتمكنت «بولاق أبو العلا» من العودة للحياة مرة أخرى من خلال حركة كبرى لإقامة المسابك والمصانع وورش النجارة الحديثة بمقاييس ذلك الزمان. وظهرت فيها مطبعة فريدة ومصنع للورق ومبان حكومية ومركز ضخم لتبييض الأقمشة.
وما زالت الكثير من المنشآت القديمة قائمة حتى اليوم، بما فيها «متحف المركبات» و«سينما علي بابا»، بينما يبحث الأهالي عن مخرج وهم يتلمسون المستقبل تحت أضواء المقاهي ودكاكين الملابس وضجيج الوِرش. ومن خلال اجتماعات عقدت في داخل الضاحية، ولقاءات أخرى جرت داخل مكاتب حكومية، بدا أن هناك تفهما من أطراف المشكلة، من أجل التوصل إلى حل.
ويرتكز هذا التفهُّم على الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها مصر منذ تخلي الرئيس الأسبق حسني مبارك عن سلطاته تحت ضغط المظاهرات الشعبية في 2011، وخرج جانب من هذه المظاهرات من هذه المنطقة الفقيرة نفسها؛ أملا في غد أفضل.
والتوافق على حل لا يعني أنه من السهل الوصول إليه. وبكل بساطة يقول المحامي محمد جمال، الممثل لأحد المستثمرين المتطلعين لبناء أبراج سكنية وإدارية في «مثلث ماسبيرو»: «نريد المشاركة في تطوير هذا المكان، وهذا سيؤدي إلى إنعاش الاقتصاد المصري». لكن في المقابل يوضح أيمن أبو العلا، وهو محاسب من رابطة الشباب المدافعين عن حقوق سكان المنطقة، قائلا: «لا مانع لدينا من التطوير، إلا أنه لا بد من الوفاء بمتطلبات أربعة آلاف من أهالي مثلث ماسبيرو قبل أي تسوية مع المستثمرين».
من جانبها، تسعى الحكومة لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، وإقناع السكان بعدالة التعويضات المعروضة لإخلاء البيوت المتهالكة التي يستأجرونها أو يملكونها منذ زمن طويل. وتبدو الحكومة مرنة في هذا الشأن أكثر من أي وقت مضى. وتقول، وفقا لبيان صدر مطلع الشهر الماضي، إنه ليس لديها مانع من النظر في بدائل عدة، من بينها تعويض شاغلي الوحدات ماديا، والحصول على وحدات بديلة، سواء كان ذلك داخل المنطقة أو خارجها.
ومنذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم، بدأت آلة العمل في فتح الكثير من المشروعات، سواء المشروعات الجديدة، مثل مد الطرق وتوسيع قناة السويس، وإقامة عاصمة إدارية، أو تلك التي كانت موجودة على الورق منذ سنين، ومنها خطة تطوير «مثلث ماسبيرو»، وإعادة النظر في منظومة الدعم لضمان وصوله إلى مستحقيه. ويجلس المحاسب أيمن في المساء على مقهى في مواجهة واحد من أقدم المساجد في مصر، وهو مسجد السلطان أبو العلا، الذي جرى تشييده عام 1485م، ويقع بجواره الآن برج وزارة الخارجية المطل على النيل. ويقول: «لم نصل لاتفاق بعد مع الجهات المسؤولة بشأن قيمة التعويضات التي ترضي الأهالي».
وبين حين وحين تترك ابتسام الخشبة التي تعرض عليها الخضراوات، وتنتقل لجيرانها لتقرأ خبرا جديدا عن مجريات التسوية. وفي أجواء يبدو أنه يهيمن عليها الإرهاق من ارتفاع الأسعار والركود، مع الشعور بقلة الحيلة، بعد نحو ست سنوات من خروج مبارك من الحكم، يحاول أهالي بولاق أبو العلا، عدم الدخول في صدام مع السلطات أو مع ممثلي المستثمرين، كما كان الحال في عام 2007.
على جدران ورشة في داخل الضاحية من ناحية شارع الجلاء وميدان عبد المنعم رياض الشهير، ما زالت توجد آثار لكتابات قديمة تعود لعشر سنوات مضت، تقول: «لا للتهجير»، ما يعني أن مشكلة تطوير المنطقة قديمة وليست وليدة اليوم.
ويقول جمعة، الذي ورث الورشة عن والده: «في السابق كنا نعتمد على أحزاب المعارضة وصحف المعارضة في إثارة القضية للحفاظ على حقوقنا، لكن اليوم الأوضاع تغيرت... حتى الوقفات الاحتجاجية التي كنا نقوم بها ضد خطط ترحيلنا من هنا، في عهد مبارك، لم نعد نقوم بها. نحن انتخبنا الرئيس السيسي، والعروض التي تقدمها لنا الحكومة أفضل مما كان عليه الحال في السابق، لكنها ما زالت غير كافية».
ويفكر الكثير من أرباب الحرف والعمال والموظفين، ممن يعيشون هنا منذ عشرات السنين، بالطريقة نفسها تقريبا. ويقترن الحديث عن تعويضات الحكومة المقترحة، بشكوى أهالي «بولاق أبو العلا»، أو بالأحرى «مثلث ماسبيرو»، من ارتفاع أسعار السلع والخدمات في عموم البلاد، مع مشاعر تعكس مدى ارتباط الناس هنا بمنطقتهم، حتى لو كانت البيوت التي فيها أصبحت آيلة للسقوط.
من بين المقترحات الحكومية أن يتم نقل السكان إلى ضاحية جديدة أقامتها الحكومة في عهد السيسي، تسمى «الأسمرات»، وتقع بجوار هضبة المقطم جنوب شرقي العاصمة. بيد أن تغيير محل الإقامة يرتبط عادة بمقار العمل وبالحنين إلى مكان الصبا وبالجيران... فمن يدير ورشة لإصلاح السيارات في قلب القاهرة، لن يتمكن من ذلك في أطراف العاصمة. ومن كان قد اعتاد على جيران سيبدأ في التعرف إلى جيران جدد.
ويقول النائب المسعود: إن «سكان مثلث ماسبيرو موجودون في أهم وأغلى منطقة في القاهرة. ومن أجل تغيير مكان سكن أحدهم، لا بد من توفير الحياة نفسها التي يعيشها في قلب العاصمة... الأمر لا يتعلق بتغيير الحجارة أو بتغيير المكان، لكنه يتعلق بحياة وبتاريخ». ويعود قائلا: «لهذا أرى أن الحل ليس في نقل الأهالي، ولكن في إقامة خمسة أو ستة أبراج رأسية لإعادة توطينهم في هذا المكان نفسه».
وترتبط المفاوضات بين الحكومة، والمستثمرين، وأهالي «مثلث ماسبيرو»، أساسا بقانون إيجارات العقارات في مصر، والمعروف باسم «القانون القديم» الذي لا يضع حدا أقصى لمدة الإيجار، ويعطي الحق لمؤجر العقار في توريثه لأبنائه. ويعد هذا القانون من الأعباء التي ورثها السيسي من عهود الحكم السابقة. ولم يتمكن مبارك من إلغاء قانون الإيجارات القديم تحاشيا للغضب الشعبي، وقام في المقابل باستحداث قانون جديد في أواخر تسعينات القرن الماضي، ويعرف باسم «قانون الإيجارات محددة المدة».
ويمنع القانون القديم طرد المستأجر. ولهذا ما زالت توجد عقارات في القاهرة تبلغ قيمتها ملايين الدولارات، ولا تزيد قيمة إيجارها الشهري عن بضعة دولارات. كما أفرزت هذه الحالة وجود ملاك عقارات في ضواحٍ ثرية، لا يتقاضون إلا مبالغ زهيدة بسبب تأجيرها منذ زمن طويل، ومن بينها ضاحية الزمالك التي لا يفصلها عن «مثلث ماسبيرو» إلا نهر النيل.
وتحاول الحكومة في العهد الحالي، بالتشاور مع عدد من نواب البرلمان، إدخال تحسينات على مشكلة القانون القديم بتخصيص نسبة زيادة سنوية على الإيجارات، لكن يبدو أن هذا غير كاف وغير قادر على مجاراة التحولات الكبيرة التي شهدتها سوق العقارات، مقارنة بما كان عليه الحال أيام العمل بالدستور ذي الطابع الاشتراكي والقوانين المنبثقة عنه، بما فيها قانون الإيجارات الصادر في سبعينات القرن الماضي.
وجرى إلغاء المواد الاشتراكية من الدستور في السنوات الأخيرة من حكم مبارك، لكن الكثير من القوانين التي تعبر عن روح الدستور القديم، ما زال لها أثر. وتراوح نسبة الإيجار في معظم المساكن العتيقة في ضاحية «بولاق أبو العلا»، ما بين خمسة جنيهات وخمسة عشر جنيها (أقل من دولار) في الشهر، بينما أصبحت القيمة السوقية للمتر المربع في هذه المنطقة، كما يقول النائب المسعود: «لا تقل عن 100 ألف جنيه (نحو 5.5 ألف دولار)، فأنت تتحدث اليوم عن منطقة حيوية ومهمة جدا».
وتكمن مشكلة التسوية التي ترعاها الحكومة بين المستثمرين من جانب، والسكان من جانب آخر، في هذه «العقدة»؛ أي عقدة الإيجارات القديمة. وباع معظم الملاك الأصليين للأراضي والعمارات عقاراتهم العتيقة لشركات كبرى من الخليج ومن مصر، وهي الشركات التي سيقع عليها عبء تطوير المنطقة.
إلا أن بقاء المستأجرين الفقراء في هذه المباني المتهالكة، تحت حماية من «قانون الإيجار القديم»، ما زال يمنح السكان ورقة تفاوض قوية، وبالتالي يعيق انطلاق العمل للهدم، وإعادة التخطيط، وإقامة الأبراج السكنية الجديدة، والمراكز التجارية، والمباني الإدارية العصرية. ويقول النائب المسعود: «توجد 26 شركة ومستثمرا غير قادرين على بدء العمل بسبب قضية المستأجرين».
وتستأجر ابتسام شقة عبارة عن غرفة وصالة في الطابق الثاني، بسبعة جنيهات في الشهر... «استأجرتها منذ 35 سنة». ويقع منزل ابتسام في عمارة متهالكة، من طابقين. ويعود تاريخ بناء هذه العمارة، مثل غالبية العقارات التاريخية في «مثلث ماسبيرو» إلى أكثر من مائة سنة. ويمكن أن ترى من شرفتها، برج وزارة الخارجية الفخم. ويقول أشرف وهو يستعرض مكاتبات مع جهات عدة على هاتفه المحمول: «نريد تسوية عادلة... نحن متحمسون للتطوير، لكن بعد ضمان حقوق السكان».
ومنذ مطلع تسعينات القرن الماضي بدأت الحكومة خطة لتطوير منطقة «بولاق أبو العلا»، إلا أن معظم أعمال التطوير هنا اقتصرت على المواقع المطلة على الكورنيش. وحين تعرضت القاهرة لهزة أرضية في عام 1992، كانت المنطقة القديمة من أكبر المتضررين، بيد أن أعمال الترميم لم تتمكن من إعادة المباني إلى ما كانت عليه. ومن جانبه، يقول المحاسب أيمن: «رابطة شباب مثلث ماسبيرو تشكلت عام 2008، وتمثل السكان أمام الجهات الحكومية. ونحن نوافق على التطوير، لكن بما يحفظ حق الأهالي».
وبينما هاجر المقتدرون، طواعية، إلى أماكن أخرى، ظل المكان ملجأ للفقراء والمعوزين، رغم تهالك المباني وتشقق جدرانها. ويقول صالح الذي يدير متجرا صغيرا تحت بيته المسقوف بالخشب والمطلي بالجير: «نحن نعيش في رعب. أخاف من انهيار البيت على رأسي إذا شعرت بزلزال، وأخاف إذا جاء المطر. وأخاف إذا مرت طائرة من فوقي».
ويستأجر جابر، المتخصص في إصلاح الدراجات الهوائية، غرفتين وصالة، بتسعة جنيهات في الشهر. والمنزل يقع في عمارة من طابقين. وورث الشقة عن والده. ويمكنك، من النافذة، أن ترى رأس فندق هيلتون رمسيس المطل على الكورنيش. ويقول: «كل سنوات عدة تخرج الأخبار عن مساع لتطوير هذه المنطقة... نحن على هذا الحال من القلق منذ عشرين سنة ويزيد. واليوم نرى الموضوع يطرح مرة أخرى. وإذا نقلوني من هنا إلى ضاحية الأسمرات، فمن أين أدبر كلفة الإيجار الباهظة، ربما تصل إلى 300 جنيه في الشهر، مقارنة بما أسدده من إيجار هنا. ثم إن زبائني من أبناء المنطقة. الخلاصة أنا كالسمكة إذا خرجت من هنا أموت».
وتعتمد الأسر الفقيرة في المنطقة على إعانات شهرية من الحكومة تبلغ في المتوسط نحو 600 جنيه. وتقول «رابطة الدفاع عن أهالي بولاق أبو العلا، ومثلث ماسبيرو»: إن الحكومة إذا كان لديها نوايا للتطوير فلا بد أن تراعي الحالة الاجتماعية للمواطنين؛ لأن 89 في المائة من السكان هنا يعيشون بمتوسط إيجار للسكن، سبعة جنيهات في الشهر، ونحو 90 في المائة من الـ4600 أسرة من أبناء المنطقة يعيش كل منهم في غرفة واحدة. ويقول النائب المسعود: «نأمل من الحكومة، وهي تعالج هذا الموضوع، أن تراعي البعدين الاجتماعي والمادي للسكان».
ومن آخر التفاهمات التي يجري البحث فيها بين جهات حكومية ومستثمرين وأهالي «مثلث ماسبيرو»، بناء 64 عمارة للسكان المتضررين على أن تكون في جهة شارع 26 يوليو (تموز)، أي في جانب من الضاحية نفسها، بينما يحصل المستثمرون على المنطقة المواجهة لكل من شارع الجلاء وكورنيش النيل.
وتقول رابطة الدفاع عن أهالي «مثلث ماسبيرو»: هذا من آخر الحلول المطروحة، لكنه يتوقف على موافقة جميع الأطراف على اللجنة التي ستضع تقييما لقيمة الأرض، وحصة السكان منها، والتزاماتهم فيما يتعلق بتملك الشقق في العمارات التي سيتم بناؤها لهم، أي كما يقول أيمن، في المنطقة الممتدة من الفالوجة حتى مبنى القنصلية الإيطالية، ومن آخر شارع 26 يوليو، حتى ما بعد متحف المركبات وسينما على بابا.
ويوضح ممثل لأحد المستثمرين، أن «إحياء المنطقة سيعود بالخير على الجميع. سنخصص أماكن للحدائق وسنفتح شوارع واسعة، وسنقيم برجا إداريا تحته مرآب واسع للسيارات». وتقول ابتسام وهي تطوي الصحيفة وتعود لطاولتها: «سأنتظر لأرى ما يكتبونه غدا».



تأثيرات «كورونا» تظهر على العقارات المصرية

سوق العقارات المصرية تأثرت بالمخاوف من انشار الفيروس
سوق العقارات المصرية تأثرت بالمخاوف من انشار الفيروس
TT

تأثيرات «كورونا» تظهر على العقارات المصرية

سوق العقارات المصرية تأثرت بالمخاوف من انشار الفيروس
سوق العقارات المصرية تأثرت بالمخاوف من انشار الفيروس

بعد الانتشار المتزايد لفيروس «كورونا المستجد» في معظم أنحاء العالم، يحذّر خبراء الاقتصاد من التداعيات السلبية التي يشهدها الاقتصاد العالمي خصوصاً بعد الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الدول ومن بينها إغلاق الحدود وتعليق الرحلات الجوية والبحرية، وهو ما امتد بدوره إلى قطاع العقارات في مصر، حيث تشهد السوق العقارية في البلاد حالياً تراجعاً في نسب المبيعات، بالإضافة إلى إلغاء فعاليات ومؤتمرات تسويقية عقارية.
ويؤكد مستثمرون عقاريون مصريون من بينهم المهندس ممدوح بدر الدين، رئيس مجلس إدارة شعبة الاستثمار العقاري بالاتحاد العام للغرف التجارية، أن «القطاعات الاقتصادية تشهد تباطؤاً وجموداً حاداً في الآونة الأخيرة، وهذا سيكون له تبعاته على سوق العقار»، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «أتوقع أن تخرج مصر من الأزمة سريعاً، وبأقل الخسائر نتيجة للإجراءات الاحترازية التي اتخذتها أخيراً للحد من انتشار المرض».
وشهدت سوق مبيعات العقارات في مصر «تراجعاً نسبياً منذ بداية أزمة كورونا»، وفق الخبير والمسوق العقاري محمود سامي، الذي قدّر «نسبة التراجع في مستويات البيع والشراء، بنسبة تتراوح من 20 إلى 30%، في بداية الأزمة، لتصل إلى 50% مع نهاية الأسبوع الماضي، مع اتخاذ مصر وعدد من الدول العربية إجراءات احترازية جريئة للحد من انتشار المرض».
ورغم أن مؤشرات الطلب على شراء العقارات التي تقاس وفق حجم الطلب على المواقع الإلكترونية المخصصة لبيع وشراء العقارات، لم تعكس هذا التراجع في شهر فبراير (شباط) الماضي، وفقاً لمؤشر موقع «عقار ماب» المتخصص في السوق العقارية، بعدما سجل ثبات مستوى الطلب على العقارات في شهري يناير (كانون الثاني) وفبراير الماضيين، لكن المؤشر أوضح أنه «كان هناك تزايد في الطلب في النصف الأول من شهر فبراير، إلا أن هذا التزايد تراجع في الأسبوعين الأخيرين ليستقر المؤشر عند نفس معدل الشهر السابق»، ولا توجد إحصائيات واضحة عن شهر مارس (آذار) الجاري، والذي تفاقمت فيه أزمة «كورونا».
وعكس ما يؤكده المسوق العقاري محمود سامي، من وجود تراجع في نسب مبيعات العقارات في مصر، يقول الدكتور ماجد عبد العظيم، أستاذ الاقتصاد والخبير العقاري، أن «السوق العقارية في مصر لم تتأثر حتى الآن بأزمة (كورونا)»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لا يوجد ارتباط بين فيروس (كورونا) والعقارات، فمن يريد شراء شقة سيفعل ذلك»، مشيراً إلى أن «السوق العقارية المصرية تعاني من حالة ركود بدأت منذ نحو أربعة أشهر، وتظهر ملامحها في العروض التسويقية التي تقدمها شركات العقارات، ومن بينها زيادة عمولة المسوقين العقاريين، والإعلان عن تسهيلات في السداد تصل إلى عشر سنوات من دون مقدم، والدفعة الأولى بعد التسلم»، لافتاً إلى أن «حالة الركود هذه سببها الرئيسي زيادة المعروض، وارتفاع الأسعار بشكل مبالغ فيه».
ورغم أن العاملين في التسويق العقاري لا ينكرون وجود حالة ركود في السوق، فإنهم يرون أن المسألة تزايدت مع الخوف من انتشار «كورونا»، حتى حدث «انكماش في السوق العقارية»، على حد تعبير سامي الذي أوضح أن «شركات التسويق العقاري تأقلمت مع حالة الركود، ونفّذت عمليات إعادة هيكلة وتقليص لعدد الموظفين والمقرات»، مضيفاً: «ما نشهده الآن مختلف، فهناك حالة شلل لم نشهدها من قبل إلا مع ثورتي 30 يونيو (حزيران) 2013، و25 يناير 2011. وإن كان ما نشهده حالياً أكثر حدة، فهناك إلغاء لحجوزات ومواعيد معاينات للوحدات العقارية، وتأجيل لقرارات الشراء بشكل عام حتى انتهاء الأزمة واتضاح الرؤية».
ولا يقتصر تأثير انتشار «كورونا» على حركة البيع والشراء في قطاع العقارات، بل من المتوقع أن «ينعكس التأثير على اقتصاد الشركات العقارية واستثماراتها» حسب بدر الدين، الذي أشار إلى أن «قطاع النفط تأثر بصورة كبيرة خصوصاً بعد إصرار منظمة (أوبك) على عدم تقليل إنتاجها، ليهبط سعر البرميل إلى أقل من 30 دولاراً، ما سبب خسائر للمستثمرين والصناديق العالمية، وترتبت على ذلك انخفاضات في أسعار مواد البناء وبالتالي فإن أي مستثمر لديه مخزون من هذه السلع، سيحقق خسائر بلا شك».
وتماشياً مع قرارات الحكومة المصرية إلغاء التجمعات، تم تأجيل مؤتمر ومعرض «سيتي سكيب مصر للتسويق العقاري»، الذي يعده الخبراء أحد أكبر معارض التسويق العقاري في مصر، والذي كان من المقرر عقده في منتصف الشهر الجاري، لتكتفي الشركات العقارية بالعروض التسويقية التي تقدمها وتعلن عنها إلكترونياً أو تلفزيونياً.
والتأجيل يحمي شركات العقارات من خسائر متوقعة، نظراً لصعوبة حضور العملاء، مما سيؤثر بشكل سلبي على صورة القطاع العقاري، حسب بدر الدين.
ويخشى العاملون في السوق العقارية من استمرار الأزمة فترة طويلة، وهو ما سيؤدي إلى خسائر كبيرة في القطاع، قد تضطر الشركات إلى عمليات إعادة هيكلة وتخفيض عمالة -على حد تعبير سامي- الذي قال إن «الشركات تأقلمت مع انخفاض المبيعات خلال الشهور الماضية، لكن لو استمر الوضع الحالي لمدة شهر، فالمسألة ستكون صعبة وقد تؤدي إلى إغلاق شركات وتسريح موظفين، حيث ستحتاج كل شركة إلى تخفيض نفقاتها بنسبة 40% على الأقل».
ورغم تأكيدات عبد العظيم أنه لا يوجد تأثير لأزمة «كورونا» على السوق العقارية حتى الآن، فإنه يقول: «إذا تفاقمت أزمة (كورونا) فستكون لها تأثيرات على جوانب الحياة كافة، ومنها العقارات»، وهو ما يؤكده بدر الدين بقوله إن «العالم كله سيشهد تراجعاً في معدلات النمو الاقتصادي».


«كوفيد ـ 19» يوقف إجراءات تسليم المساكن في السودان

ينتظر أن ينطلق برنامج التوعية والتثقيف بالسكن الرأسي لرفع الوعي بهذا النوع من البناء
ينتظر أن ينطلق برنامج التوعية والتثقيف بالسكن الرأسي لرفع الوعي بهذا النوع من البناء
TT

«كوفيد ـ 19» يوقف إجراءات تسليم المساكن في السودان

ينتظر أن ينطلق برنامج التوعية والتثقيف بالسكن الرأسي لرفع الوعي بهذا النوع من البناء
ينتظر أن ينطلق برنامج التوعية والتثقيف بالسكن الرأسي لرفع الوعي بهذا النوع من البناء

في وقت تجري فيه الاستعدادات لعقد اجتماع بين الصندوق القومي للإسكان ووزارة المالية والتخطيط الاقتصادي وبنك السودان، لبحث سبل توفير تمويل لمشروعات الإسكان للمواطنين عبر قروض طويلة الأجل، ألغت الحكومة أول من أمس، وأوقفت، إجراءات تسليم المساكن للموطنين والتقديم لها، خوفاً من حدوث إصابات بـ«كورونا»، أثناء الاصطفاف للتقديم والتسلم.
وكان الصندوق القومي للإسكان قد طرح مباني سكنية جاهزة للمواطنين في معظم المناطق الطرفية بالعاصمة الخرطوم، وبقية الولايات، وذلك ضمن مشروع السودان لتوفير المأوى للمواطنين، الذي سيبدأ بـ100 ألف وحدة سكنية لذوي الدخل المحدود. وقد بدأ المشروع بفئة العمال في القطاعات الحكومية في جميع ولايات السودان العام الماضي، بواقع 5 آلاف منزل للمرحلة الأولى، تسدد بالتقسيط على مدى 7 سنوات. ويتضمن مشروع إسكان عمال السودان 40 مدينة سكنية في جميع مدن البلاد، لصالح محدودي الدخل، ويستفيد من المشروع في عامه الأول أكثر من مليونين.
وقد أقام المواطنون مواقع أمام مقر الصندوق القومي للإسكان، وباتوا يتجمعون يومياً بأعداد كبيرة، ما سبب إزعاجاً لدى إدارة الصندوق والشارع العام، وذلك بعد قرار سياسي من والي ولاية الخرطوم، لدعوة المواطنين للتقديم للحصول على سكن شعبي.
ووفقاً للدكتور عبد الرحمن الطيب أيوبيه الأمين العام المكلف للصندوق القومي للإسكان والتعمير في السودان لـ«الشرق الأوسط» حول دواعي إصدار قرار بوقف إجراءات التسليم والتقديم للإسكان الشعبي، وعما إذا كان «كورونا» هو السبب، أوضح أن تلك التجمعات تسببت في زحام شديد، حيث نصب المتقدمون للوحدات السكنية خياماً أمام مقر الصندوق في شارع الجمهورية، بعد قرار الوالي في وقت سابق من العام الماضي بدعوة المواطنين للتقديم. وظلت تلك التجمعات مصدر إزعاج وإرباك للسلطات، ولم تتعامل معهم إدارة الصندوق، إلى أن جاء قرار الوالي الأخير بمنع هذه التجمعات خوفاً من عدوى «كورونا» الذي ينشط في الزحام.
وبين أيوبيه أن الخطة الإسكانية لا تحتاج لتجمعات أمام مباني الجهات المختصة، حيث هناك ترتيبات وإجراءات للتقديم والتسلم تتم عبر منافذ صناديق الإسكان في البلاد، وعندما تكون هناك وحدات جاهزة للتسليم يتم الإعلان عنها عبر الصحف اليومية، موضحاً أن كل ولاية لديها مكاتب إدارية في كل ولايات السودان، وتتبع الإجراءات نفسها المعمول بها في العاصمة.
ولم يخفِ أيوبيه أزمة السكن في البلاد، والفجوة في المساكن والوحدات السكنية، والمقدرة بنحو مليوني وحدة سكنية في ولاية الخرطوم فقط، لكنه أشار إلى أن لديهم خطة مدروسة لإنشاء 40 ألف مدينة سكنية، تم الفراغ من نسبة عالية في العاصمة الخرطوم، بجانب 10 آلاف وحدة سكنية.
وقال إن هذه المشاريع الإسكانية ستغطي فجوة كبيرة في السكن الشعبي والاقتصادي في البلاد، موضحاً أن العقبة أمام تنفيذها هو التمويل، لكنها كمشاريع جاهزة للتنفيذ والتطبيق، مشيراً إلى أن لديهم جهوداً محلية ودولية لتوفير التمويل لهذه المشاريع.
وقال إن اجتماعاً سيتم بين الصندوق القومي للإسكان وبنك السودان المركزي ووزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، لتوفير الضمانات بالنسبة للتمويل الخارجي واعتماد مبالغ للإسكان من الاحتياطي القانوني للمصارف المحلية.
وأكد الدكتور عبد الرحمن على أهمية التنسيق والتعاون المشترك بين الجهات المعنية لإنفاذ المشروع القومي للمأوى، وتوفير السكن للشرائح المستهدفة، مجدداً أن أبواب السودان مشرعة للاستثمار في مجال الإسكان. وأشار إلى أن الصندوق القومي للإسكان سيشارك في معرض أكسبو في دبي في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وذلك بجناح يعرض فيه الفرص الاستثمارية في السكن والوحدات السكنية في السودان، وسيتم عرض كل الفرص الجاهزة والمتاحة في العاصمة والولايات.
وقال إن هناك آثاراً متوقعة من قرار رفع العقوبات الاقتصادية الأميركية على البلاد، ومن المتوقع أن يسهم كثيرا في إنعاش سوق العقارات واستقطاب رؤوس أموال لصالح التوسع في مشروعات الإسكان. وأبان أن الصندوق استطاع خلال السنوات الماضية إحداث جسور للتعاون مع دول ومنظمات واتحادات ومؤسسات مختلفة، وحالت العقوبات دون استثمارها بالشكل المطلوب، مشيرا إلى أن جهودهم ستتواصل للاستفادة من الخبرات والموارد المالية المتاحة عبر القروض والمنح والاستثمارات.
وأكمل الصندوق القومي للإسكان في السودان تحديد المواقع والدراسات لمشروع المأوى القومي ومنازل العمال، حيث ستشيد المنازل بأنماط مختلفة من السكن الاقتصادي، الشعبي، الاستثماري، الريفي، والمنتج، بتمويل من البنوك العاملة في البلاد، وفق خطة الصندوق.
وقد طرحت إدارة الصندوق عطاءات منذ بداية العام الجاري لتنفيذ مدن سكنية، كما دعت المستثمرين إلى الدخول في شراكات للاستثمار العقاري بالولايات لتوفير المأوى للشرائح المستهدفة، إلا أن التمويل وقف عثرة أمام تلك المشاريع.
وطرح الصندوق القومي للإسكان في ولاية الخرطوم أن يطرح حالياً نحو 10 آلاف وحدة سكنية لمحدودي الدخل والفئويين والمهنيين في مدن العاصمة الثلاث، كما يطرح العديد من الفرص المتاحة في مجال الإسكان والتطوير العقاري، حيث تم الانتهاء من تجهيز 5 آلاف شقة و15 ألفا للسكن الاقتصادي في مدن الخرطوم الثلاث.
وتم تزويد تلك المساكن بخدمات الكهرباء والطرق والمدارس وبعض المرافق الأخرى، بهدف تسهيل وتوفير تكلفة البناء للأسرة، حيث تتصاعد أسعار مواد البناء في البلاد بشكل جنوني تماشياً مع الارتفاع الذي يشهده الدولار مقابل الجنيه السوداني والأوضاع الاقتصادية المتردية التي تمر بها البلاد حالياً.
يذكر أن الصندوق القومي للإسكان لديه خطة لتوسيع قاعدة السكن لمحدودي الدخل، عبر الإسكان الرأسي، الذي يتكون من مجمعات سكنية، كل مجمع يضم بناية من 7 أدوار، ويتكون الطابق من 10 شقق سكنية، بمساحات من 180 إلى 300 متر مربع.
ويتوقع الصندوق أن يجد مشروع الإسكان الرأسي والشقق، رواجاً وإقبالاً في أوساط السودانيين محدودي الدخل، خاصة أنه أقل تكلفة وأصبح كثير من السودانيين يفضلونه على السكن الأفقي، الأمر الذي دفع الصندوق لتنفيذ برامج إعلامية لرفع مستوى وعي وثقافة المواطنين للتعامل مع السكن الجماعي والتعاون فيما بينهم.
ووفقاً لمسؤول في الصندوق القومي للإسكان فإن برنامج التوعية والتثقيف بالسكن الرأسي، يتضمن كيفية المحافظة على خدمات البناية، ورفع وعيهم بهذا النوع من البناء، حتى تتحول الخرطوم إلى عاصمة حضارية وجاذبة. وأضاف المصدر أن برنامج التوعية بالسكن في الشقق ودوره في تقليل تكلفة السكن، سيتولاه فريق من اتحاد مراكز الخدمات الصحافية، الذي يضم جميع وسائل الإعلام المحلية، مما سيوسع قاعدة انتشار الحملات الإعلامية للسكن الرأسي.
تغير ثقافة المواطن السوداني من السكن التقليدي (الحوش) إلى مساحات صغيرة مغلقة لا تطل على الشارع أو الجيران، ليس أمرا هينا. وبين أن خطوة الصندوق الحالية للاعتماد على السكن الرأسي مهمة لأنها تزيل كثيرا من المفاهيم المغلوطة عن السكن في الشقق السكنية.
يذكر أن الصندوق القومي للإسكان عام 2018 بدأ بالتعاون مع شركة هيتكو البريطانية للاستثمار، لتنفيذ مشروع الإسكان الفئوي الرأسي، الذي يستهدف بناء 50 ألف وحدة سكنية بالعاصمة الخرطوم، وكذلك مشروع لبناء أكبر مسجد في السودان، بمساحة 5 كيلومترات، وبناء 3 آلاف شقة ومحلات تجارية.


هل تعزز زيادة الإيجار من مستقبل جزيرة كوني في نيويورك؟

أصبحت مجريات العمل شديدة الغرابة في كوني آيلاند ومجبرة على الدخول إلى حالة من عدم اليقين بشأن المستقبل
أصبحت مجريات العمل شديدة الغرابة في كوني آيلاند ومجبرة على الدخول إلى حالة من عدم اليقين بشأن المستقبل
TT

هل تعزز زيادة الإيجار من مستقبل جزيرة كوني في نيويورك؟

أصبحت مجريات العمل شديدة الغرابة في كوني آيلاند ومجبرة على الدخول إلى حالة من عدم اليقين بشأن المستقبل
أصبحت مجريات العمل شديدة الغرابة في كوني آيلاند ومجبرة على الدخول إلى حالة من عدم اليقين بشأن المستقبل

يتعين على ديانا كارلين الانتهاء من تأليف الكتاب الذي تعمل عليه بشأن متعة امتلاك بوتيك لولا ستار، ذلك المتجر الصغير والساحر للغاية في ممشى كوني آيلاند، على مدى السنوات الـ19 الماضية. لكن بدلا من ذلك، انتابت السيدة كارلين حالة من الخوف والتوتر منذ أن عرض عليها مالك المتجر الذي تعمل فيه عقدا جديدا للإيجار منذ عدة أسابيع - تزيد فيه القيمة الإيجارية بنسبة 400 في المائة دفعة واحدة. وقالت: «إنني أتساءل إن كان ينبغي علي أن أطلب لافتات (التوقف عن العمل!)».
وفي الصيف الماضي، كانت كوني آيلاند في حي بروكلين بمدينة نيويورك تزدحم بالباحثين عن الاستمتاع على الشواطئ ومختلف أشكال الترفيه الأخرى، ولكنها تميل لأن تكون أكثر هدوءا في فصل الشتاء. وقبل أكثر من عشر سنوات مضت، تعهدت مدينة نيويورك بإنشاء وجهة سياحية ذات حديقة مائية، وساحة كبيرة، وحلبة للتزلج على الجليد، تعمل على مدار السنة، مع ملايين الدولارات من الاستثمارات السكنية والتجارية.
وفي الأثناء ذاتها، قال مايكل بلومبيرغ - عمدة مدينة نيويورك آنذاك، إنه سوف تتم حماية مطاعم الأكل والمتاجر الرخيصة في المنطقة. وكان مارتي ماركويتز رئيس مقاطعة بروكلين قد أعلن في عام 2005 أن الخطة المزمعة سوف تحافظ على الروعة التي تنفرد بها كوني آيلاند مع روح المحبة والمرح المعهودة. ولكن على غرار الكثير من الخطط الكبرى في مدينة نيويورك، لم تتحقق الرؤية الكاملة للمشروع بعد. فلقد بدت كوني آيلاند خالية بصورة رسمية بعد ظهيرة يوم من أيام يناير (كانون الثاني) الماضي، وصارت بعيدة كل البعد عما تعهدت به إدارة المدينة عن الجاذبية والنشاط على مدار العام كما قالت. إذ تهب الرياح الصاخبة على منشآت مدن الملاهي الشهيرة مثل لونا بارك وستيبلشيز بارك، ولكن لا وجود لحلبة التزلج أو الحديقة المائة، حيث لم يتم إنشاء هذه المنشآت قط.
والآن، وفي مواجهة آلة التحسين التي تتحرك بوتيرة بطيئة للغاية، أصبحت مجريات العمل شديدة الغرابة في كوني آيلاند مجبرة على الدخول إلى حالة من عدم اليقين بشأن المستقبل. تقول السيدة كارلين: «إنهم يحاولون الآن تحويل ساحة اللعب المخصصة لعوام الناس إلى ملعب خاص بالأثرياء فقط».
وكانت السيدة كارلين، رفقة 5 آخرين من أصحاب الشركات الصغيرة في كوني آيلاند - وهم: ناثان فاموس، وروبي بار آند جريل، وبولز دوتر، ومطعم توم، وبيتش شوب - يتفاوضون على عقود جديدة للإيجار تمتد لمدة 10 سنوات مع شركة «زامبيرلا»، وهي الشركة المالكة للمتنزه الإيطالي التي تعاقدت معها مدينة نيويورك قبل عشر سنوات لبناء وإدارة منطقة لونا بارك الترفيهية في كوني آيلاند، والتي تعد الشركات الصغيرة المذكورة جزءا لا يتجزأ منها.
وجاءت شركة «زامبيرلا» بشروط جديدة: زيادة القيمة الإيجارية من 50 إلى 400 في المائة لكل شركة من الشركات المذكورة. وتقول السيدة كارلين عن ذلك: «إنني أعشق كوني آيلاند، والحصول على هذا المتجر على الممشى السياحي كان من أحب أحلام حياتي. ولكن ليست هناك من طريقة أتمكن بها من تحمل الشروط الجديدة».
وفي رسالة وصلت إلى صحيفة «نيويورك تايمز» من أليساندرو زامبيرلا رئيس الشركة المذكورة، جاء فيها: «نحن نهتم بشؤون كوني آيلاند ومستقبلها، ونحن ملتزمون بتحويلها إلى أقوى مجتمع يمكن بناؤه. وذلك هو السبب في تواصلنا مع المستأجرين لضمان نجاح أعمالهم ضمن المحافظة على شخصية كوني آيلاند المميزة».
ورفض السيد زامبيرلا، الذي كان في رحلة سفر إلى إيطاليا، الإجابة عن أسئلة محددة طرحتها عليه صحيفة «نيويورك تايمز»، غير أنه أضاف يقول إن ثلاثة من أصل ست شركات قد وافقت بالفعل على عقود الإيجار الجديدة ووقعت عليها، وإن الشركات الأخرى تحقق تقدما ملموسا على هذا المسار.
أثارت الزيادات المقترحة في القيمة الإيجارية على الشركات الست الصغيرة حالة من الشد والجذب الشديدة المستمرة منذ سنوات داخل كوني آيلاند.
ففي عام 2009، وبعد مواجهة استغرقت 4 سنوات كاملة حول أفضل خطط إحياء وتجديد المنطقة، ابتاعت المدينة تحت رئاسة مايكل بلومبيرغ 7 أفدنة في منطقة الترفيه المضطربة من المطور العقاري جوزيف سيت مقابل 95.6 مليون دولار.
وأراد مايكل بلومبيرغ استعادة المنطقة إلى سابق عهدها، والتي بدأت تواجه الانخفاض منذ ستينات القرن الماضي، من خلال تعزيز تطوير المتاجر والشقق على طول طريق سيرف في المنطقة. وكانت الشركات التي افتتحت في فصل الصيف تنتقل إلى جدول زمني للعمل على مدار العام، مما يساعد على تعزيز رؤية مايكل بلومبيرغ باعتبار كوني آيلاند أكبر مدينة للملاهي الترفيهية والحضرية في البلاد.
ثم استأجرت شركة «زامبيرلا» الأرض من المدينة، مما أتاح لها افتتاح مدينة لونا بارك الترفيهية في عام 2010، مع إملاء عقود الإيجار الخاصة بالشركة مع أصحاب الشركات الصغيرة، ومطالبة هذه الشركات بتسليم جانب من الأرباح المحققة إلى المدينة.
وتعرضت الشركات العاملة على الممشى السياحي في المنطقة للإغلاق، حيث عجزت عن الاتساق مع الرؤية الجديدة للشركة الإيطالية. وكانت شركات صغيرة أخرى، مثل متجر السيدة كارلين، قد عاد للعمل بعد قرار الإخلاء الذي تعرضت له في عهد المطور العقاري جوزيف سيت.
وبحلول عام 2012، كانت جهود الانتعاش جارية على قدم وساق، وشهدت المنطقة نموا في الجماهير والإيرادات. وقالت السيدة كارلين إنها حققت أرباحا بنسبة 50 في المائة تقريبا بعد تولي شركة «زامبيرلا» مقاليد الأمور.
وقال سيث بينسكي، الرئيس الأسبق لمؤسسة التنمية الاقتصادية، حول المنطقة: «يعتقد أغلب الناس أنه قد جرى تطوير المنطقة لتتوافق مع التاريخ المعروف عن كوني آيلاند». ومع ذلك، فإن منطقة الملاهي لا تعمل على مدار السنة. وقال مارك تريغر، عضو مجلس المدينة الممثل لقطاع بروكلين الذي يضم كوني آيلاند، إنه يعتقد أن الوضع الراهن نابع من ندرة الاستثمارات من قبل مجلس المدينة وعمدة نيويورك بيل دي بلاسيو ضمن أهداف المدينة لعام 2009. وقال السيد تريغر: «لا تعرف الشركات إلى أين تذهب كوني آيلاند في ظل إدارة دي بلاسيو للمدينة. فهناك قصور واضح في الرؤية ولا وجود للخطط الشاملة بشأن تحسين المنطقة». وأضاف أن الوعود غير المتحققة منحت شركة «زامبيرلا» قدرا من النفوذ لإضافة المزيد من الأعباء على المستأجرين للمساعدة في استرداد الأرباح المهدرة. وقال إن هؤلاء المستأجرين قد استثمروا أموالهم هناك تحت فكرة تحول هذه المنطقة إلى وجهة سياحية تعمل طوال العام، مع حركة السير على الممشى طيلة السنة، على العكس من 3 إلى 4 أشهر من العمل فقط في العام بأكمله. ولا يمكن لأحد السماح بتحويل الأراضي العامة إلى سلاح باسم الجشع لإلحاق الأضرار بالشركات الصغيرة.
ولقد أعربت السيدة كارلين رفقة العشرات من العمال الآخرين في كوني آيلاند عن اعتراضهم على زيادة القيمة الإيجارية وذلك بالوقوف على درجات سلم مجلس المدينة في أوائل شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
وفي مقابلة أجريت مع صحيفة «نيويورك تايمز»، وصف نورمان سيغيل محامي الحقوق المدنية قرار شركة «زامبيرلا» بأنه غير مقبول تماما، وأضاف أنه ينبغي على عمدة نيويورك بيل دي بلاسيو التدخل في الأمر. وأضاف المحامي سيغيل أن إدارة مجلس المدينة يجب أن تطالب الشركة الإيطالية طرح شروط إيجارية معقولة، وإذا لم يحدث ذلك، فينبغي على المدينة التفكير جديا في سحب عقد الإيجار من شركة «زامبيرلا»، التي أفادت في محاولة لتحسين النوايا بأنها سوف تمدد الموعد النهائي للسيدة كارلين لتوقيع عقد الإيجار الخاص بها حتى يوم الأربعاء المقبل.
وقالت السيدة كارلين عن ذلك: «يقضي صاحب الشركة عطلته في إيطاليا في حين أنني أبذل قصارى جهدي لمجرد إنقاذ متجري الصغير ومصدر معيشتي الوحيد». ورفض السيد زامبيرلا وأصحاب الشركات الخمس الأخرى التعليق على عقود الإيجار الخاصة بهم، برغم أن الكثير من الشخصيات المطلعة على الأمر أكدوا أن الزيادة تتراوح بين 50 في المائة للمتاجر الكبيرة و400 في المائة لمتجر السيدة كارلين الصغير، والتي قالت إنها تعتقد أن الشركات الأخرى لم تتحدث عن المشكلة علنا خشية الانتقام من الشركة الإيطالية ومخافة قرارات الطرد.
وأضافت السيدة كارلين تقول: للتعامل مع الزيادات المطلوبة في الإيجار قرر أصحاب المتاجر رفع الأسعار، وإن أحد المطاعم أجرى تغييرات للانتقال من مطعم للجلوس وتناول الطعام إلى مطعم للوجبات السريعة للحد من التكاليف.
واستطردت السيدة كارلين تقول: «حاولت تقديم الالتماس إلى مجلس المدينة مرارا وتكرارا من خلال المكالمات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني والاحتجاجات خلال الشهر الماضي - ولكن لم يتغير شيء حتى الآن. وقال لها مجلس المدينة إنه غير قادر على المساعدة وليس هناك الكثير مما يمكن القيام به، ولكنني لا أوافق على ذلك، فهم أصحاب الأرض التي يستأجرها منهم زامبيرلا».
وقال المحامي سيغيل إن الزيادات باهظة للغاية لدرجة أنها قد تكون سببا وجيها للتقاضي، وأضاف: «هناك عدد من السوابق القضائية في ذلك إذا قررت المحكمة أن ما تقوم به الشركة غير معقول، ويمكن أن يكون ذلك من المطالب القانونية المعتبرة في حد ذاتها».
وليست هناك مؤشرات عامة في مجلس المدينة بشأن خطط سحب عقد الإيجار من زامبيرلا، أو التدخل، إذ إن زيادة القيمة الإيجارية لا تنتهك الاتفاقية المبرمة بين مجلس المدينة وبين شركة زامبيرلا. ونفت السيدة جين ماير، الناطقة الرسمية باسم عمدة نيويورك، الادعاءات القائلة بأن إدارة المدينة تفتقد للرؤية الواضحة أو الخطة الشاملة حيال كوني آيلاند. وقالت إن المدينة أنفقت 180 مليون دولار على تطوير البنية التحتية في كوني آيلاند خلال السنوات العشر الماضية، مع التخطيط لتوسيع نظام النقل بالعبّارات في نيويورك إلى كوني آيلاند بحلول عام 2021.
وأضافت السيدة ماير تقول: «تلتزم إدارة المدينة بالمحافظة على شخصية كوني آيلاند مع ضمان الإنصاف والمساواة والاستعداد للمستقبل». في حين تساءل المحامي سيغيل: لمن يُخصص هذا المستقبل؟ وهو من مواطني المدينة ونشأ في حي بروكلين، واعتاد قضاء فترات من الصيف على الممشى السياحي هناك، ويتذكر إنفاق دولار واحد لدخول مدينة الملاهي ثم العودة لتناول وجبة العشاء الشهية لدى مطعم ناثان فاموس المعروف، وقال: «علينا مواصلة الكفاح لإنقاذ كوني آيلاند التي نحبها».
- خدمة «نيويورك تايمز»