اشتباكات تعكّر مسيرات عيد العمال عبر العالم

عشرات المعتقلين في تركيا... وإصابتان في صفوف الشرطة بفرنسا بعد صدامات مع المحتجين

جانب من الاشتباكات بين متظاهرين ورجال الشرطة في باريس أمس (أ.ف.ب)
جانب من الاشتباكات بين متظاهرين ورجال الشرطة في باريس أمس (أ.ف.ب)
TT

اشتباكات تعكّر مسيرات عيد العمال عبر العالم

جانب من الاشتباكات بين متظاهرين ورجال الشرطة في باريس أمس (أ.ف.ب)
جانب من الاشتباكات بين متظاهرين ورجال الشرطة في باريس أمس (أ.ف.ب)

أحيا العالم، أمس، ذكرى عيد العمل وعمت المظاهرات والمسيرات عدة دول تحت مختلف الشعارات، حيث بدت في فرنسا تعبئة ضد المرشحين للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية فيما اتخذت في فنزويلا طابع تحد للرئيس نيكولاس مادورو.
وشكلت هذه المناسبة موعدا للكثير من الفرنسيين لإظهار تعبئتهم ضد المرشحين للانتخابات الرئاسية إيمانويل ماكرون ومارين لوبان، قبل ستة أيام من الدورة الثانية المرتقبة الأحد.
واندلعت صدامات بين شباب مقنعين وقوات الأمن في باريس، وأسفرت عن إصابة اثنين من عناصر الشرطة بجروح، كما ذكرت مديرية الشرطة، على هامش مسيرة بمناسبة عيد العمال.
وقالت الشرطة إن «أفرادا ملثمين ومقنعين ألقوا مقذوفات وزجاجات مولوتوف على قوات الأمن»، التي ردت «باستخدام قنابل مسيلة للدموع». وأوضحت أن اثنين من عناصر الشرطة قد أصيبا بجروح.
وجرت المسيرة بدعوة من أربع نقابات، وسارت تحت لافتة كتب عليها: «لا للتراجع الاجتماعي الذي يشكل تربة خصبة لليمين المتطرف». وأجبرت على التوقف مرات عدة بسبب قيام متظاهرين كانوا إلى جانب المظاهرة برشق الشرطة بالمقذوفات وزجاجات المولوتوف.
وخلافا لما حصل عام 2002 لدى الاستعداد للدورة الثانية، عندما توحدت النقابات بمواجهة مرشح الجبهة الوطنية جان ماري لوبان، فإنها اليوم، ولو كانت متفقة على عدم تأييد ابنته مارين لوبان، لم تصدر موقفا موحدا بتأييد منافسها إيمانويل ماكرون.
وتكررت مظاهر الاشتباكات في تركيا، إذ شهدت مدينة إسطنبول التركية أمس صدامات بين قوات الشرطة التركية ومتظاهرين خلال مسيرات نظمت بمناسبة اليوم العالمي للعمال. وحاول بعض المتظاهرين دخول ميدان تقسيم للاحتفال فيه بهذه المناسبة على الرغم من قرار الحكومة بمنع إقامة احتفالات في الميدان، الذي يشهد أعمال تجديد وتطوير منذ عام 2013.
واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين بالقرب من الميدان، وكذلك تعاملت بالأسلوب نفسه مع عدد من المسيرات التي حاولت الوصول من منطقة بشكتاش إلى تقسيم. واعتقلت الشرطة التركية 165 شخصا، لمشاركتهم في مظاهرة «مخالفة للقانون» في المدينة مستغلين احتفالات الأول من مايو (أيار) كـ«غطاء»، وفق ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
وتدخلت الشرطة أيضا ضد مجموعة أخرى من نحو 300 متظاهر، حاولوا تنظيم مسيرة إلى تقسيم من حي بشكتاش القريب، ووقعت اشتباكات بين الجانبين استخدمت الشرطة فيها الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، وتم اعتقال عدد من المشاركين في المسيرة. كما وقعت اشتباكات متقطعة على مدار اليوم في عدد من أحياء المدينة تم خلالها القبض على عدد ممن حاولوا المشاركة في هذه المسيرات.
وكانت ولاية إسطنبول قدمت تهانيها للعمال الأتراك بمناسبة يوم العمال معلنة جملة من التدابير الأمنية من بينها قطع الطرق في عدد من المناطق المركزية. وتم نشر أكثر من 30 ألف شرطي في إسطنبول للحفاظ على أمن وسلامة المواطنين خلال الاحتفالات وأغلقت محطات المترو وقطعت الكباري المؤدية إلى ميدان تقسيم.
يذكر أنه كان من المعتاد إقامة احتفالات في ميدان تقسيم في الأول من مايو منذ نحو 40 عاما، إلا أنه أوقف بعد أحداث دامية وقعت خلال الاحتفالات عام 1977. ثم قررت حكومة العدالة والتنمية تحويل هذا اليوم إلى إجازة رسمية تحت مسمى يوم العمل والتضامن، وسمحت في الفترة من 2010 إلى 2013 بالاحتفال في ميدان تقسيم، ثم منعت الاحتفالات في 2013 بسبب أعمال تحديث في الميدان لا تزال مستمرة حتى الآن.
أما في فنزويلا، فاتخذت المظاهرة التي دعت إليها المعارضة في ذكرى مرور شهر على بدء تعبئتها، شكل تحد للرئيس مادورو. وبعد شهر على إطلاق موجة الاحتجاجات للمطالبة بانتخابات جديدة وتنحي الرئيس الاشتراكي، أعلن معارضو التشافية (نسبة إلى الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز، 1999 - 2013) عن مسيرة في الولايات الـ24 وكذلك في العاصمة كاراكاس نحو مباني المحكمة العليا والهيئة الانتخابية.
وفي اليونان، أحيت نقابات العمال مناسبة الأول من مايو بمسيرات وإضراب مدته 24 ساعة، احتجاجا على تدابير التقشف الجديدة في مقابل استمرار تلقي القروض الدولية.
وتظاهر نحو عشرة آلاف شخص في أثينا، و3500 في تسالونيكي، كما أعلنت الشرطة.
وأصدرت نقابة العاملين في القطاع العام التي تحظى بنفوذ، بيانا يؤكد أن «الحكومة والدائنين يمارسون ضغوطا شديدة على الشعب والعمال منذ سبع سنوات». وكانت النقابات دعت الخميس إلى إضراب عام في 17 مايو احتجاجا على إجراءات التقشف الجديدة.
وإثر ضغوط من دائنيها، وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي، وافقت الحكومة في أبريل (نيسان) على خطوة تقشف جديدة بقيمة 3.6 مليار يورو من خلال خفض معاشات التقاعد عام 2019 وزيادة الضرائب عام 2020.
وفي موسكو، شارك نحو مليون ونصف مليون روسي أمس في مسيرة في وسط موسكو بمناسبة عيد العمال، وهو رقم تجاوز بكثير عدد المشاركين في السنوات السابقة، حسب ما أعلنت الشرطة الروسية.
وقالت الشرطة في بيان، نقلته وكالة إنترفاكس الروسية للأنباء، «شارك نحو مليون شخص ونصف مليون في مسيرة الأول من مايو» في موسكو. وسار المتظاهرون في الساحة الحمراء، وهم يحملون الإعلام الروسية والبالونات.
وفي العامين 2015 و2016 لم يشارك في مظاهرة عيد العمال في العاصمة الروسية سوى نحو مائة ألف شخص، حسب أرقام الشرطة. وقال ضابط سابق في الجيش الروسي وهو يشارك في المسيرة لوكالة الصحافة الفرنسية: «بالنسبة إلي، لن أنسى أبدا هذه المسيرة التاريخية».
وحمل بعض المتظاهرين إعلاما شيوعية وصور لينين، في حين أطلق آخرون شعارات ضد الحكومة على غرار فلاديسلاف ريازانتسييف أحد قادة حركة «كتلة اليسار» الذي قال: «نحن ضد الرئيس بوتين، ولكننا لسنا ضده كشخص». وأفادت السلطات الروسية بأن نحو 2.6 مليون شخص شاركوا في مسيرات بمناسبة عيد العمال في كافة أنحاء البلاد.
من جهتها، نظمت الحكومة الكوبية مسيرتها التقليدية بمناسبة عيد العمل أمس في ساحة الثورة في هافانا وستكون الأخيرة في حكم الرئيس راوول كاسترو، والأولى منذ رحيل زعيم الثورة فيدل كاسترو.
وشارك مئات آلاف الكوبيين في مسيرة في ساحة الثورة وسط الإعلام الحمراء والبيضاء والزرقاء وصور كاسترو. وتوفي زعيم الثورة الكوبية في نوفمبر (تشرين الثاني)، فيما أعلن شقيقه راوول كاسترو أنه سيتنحى في فبراير (شباط) 2018 بعد أكثر من عقد في السلطة.
وعمد راوول كاسترو بحذر إلى القيام بخطوات انفتاح في الاقتصاد الذي تديره الدولة وتقوية العلاقات الخارجية للبلاد خصوصا عبر معاودة العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة.
لكن مسيرة أمس توحي بانتهاء حقبة. ومن غير الواضح من سيخلف راوول كاسترو السنة المقبلة.
وتشير تكهنات إلى أنه سيكون ميغيل دياز كانيل (56 عاما) نائب رئيس مجلس الدولة الذي يتولى حقائب وزارية ومهمات حزبية لكن ينقصه دعم الجيش الذي يعتبر أساسيا.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».