العين... هل تفكر حقاً؟

مؤلف {التفكير بالعين} يعتقد أنها أكبر من مكتبة وأوسع من مُتحف

من أعمال الفنانة رانيا عقل
من أعمال الفنانة رانيا عقل
TT

العين... هل تفكر حقاً؟

من أعمال الفنانة رانيا عقل
من أعمال الفنانة رانيا عقل

صدرَ عن «دار الوطن» بالرباط كتاب جديد يحمل عنوان «التفكير بالعين» للفنان والناقد التشكيلي المغربي سعيد العفاسي. وبما أنّ الكاتب قد درَس الفن والفلسفة وتخصّصَ في علم الاجتماع فلا غرابة أن يستعين بالمقاربات الفلسفية في قراءة الصورة التشكيلية، وتحليلها، وتفكيك عناصرها المُتشابكة التي قد تستعصي على «القارئ» العادي الذي لا يتمترس خلف خبرات بصرية متراكمة.
يتألف الكتاب من أربعة فصول يُشكِّل فيها الفصل الأول ثلث الكتاب لأنه يتمحور على الثيمة الرئيسية فيه وهي «التفكير بالعين». تُرى، هل تفكِّر العين؟ وإذا كانت كذلك فما الذي يفعله العقل؟ وما الذي تقوم به البصيرة في أعماق الكائن البشري الذي يُبجِّل الصورة ويُوقِّر ملَكة التفكير؟
يعتقد العفاسي أن العين «المُدرّبة» هي أكبر من مكتبة، وأوسع من مُتحف، وأنها بتآزرها مع اليدّ «باتت الأساس في غالب ما نفعله وننتجهُ ونفكر فيه» (ص18). يتوقف العفاسي عند كتاب «المُتحف المُتخيّل» لأندريه مالرو ليطرح أسئلة كثيرة عن جوهر الفن وماهيتُه لكن يظل السؤال الأبرز هو: مَنْ الذي يصنع الفن، أهو الفنان أم المُتحف؟ لا شكّ في أن هذا السؤال يتعلق بالعين تحديداً، مثلما تعلقت عين مالرو بالفن التشخيصي وأهملت الفنانين التجريديين عموماً بطريقة توحي بتفاديه للفن الإسلامي بينما انصبّ جُلّ اهتمامه على فنون فرعونية أو آسيوية قديمة. كما يستعرض المؤلف كتاب «العين والروح» لموريس مرلو - بونتي مُشدِّداً فيه على أن التصوير التجريدي لم يستطع أن يغفل «مسألة الكائن» من الناحية التشخيصية. يتوقف الناقد عند مادة «عين» في «لسان العرب» ودلالاتها ومشتقاتها الكثيرة التي يمكن العودة إليها في المعجم لكن الأهم فيها هي الأفعال المرادفة والقريبة مثل «أبصر، رأى، ونظر» التي «تجمع بين حاستي البصر والعمل العقلي على الأشياء» (ص28). يفرِّق العفاسي بين نوعين من الرؤية وهما الرؤية الخارجية والرؤية الداخلية وإذا كانت الأولى بصرية فإن الثانية تأملية حيث تنتمي الأولى إلى «القوّات الحسيّة» الخمس، كما يسمّيها المؤلف، وهي «الشمّ والطعم واللمس والسمع والبصر»، بينما تنتمي الثانية إلى «القوّة الخيالية» التي نستدل بواسطتها إلى «معرفة الحقّ» ورؤية الباري عزّ وجل من خلال إطراق النفوس. وبما أن «للعين ذاكرة تباشر بها المرئيات» (ص39) فلا وجود إذن للعين البريئة البدئية، بل هناك عين مسبوقة دوماً، كما يذهب كلود مونيه، «فهي النافذة التي تقدّم للعقل العلامة أو الصورة لكي يتمّ تفكيكها ودراستها وبالتالي التعبير عنها في ظرف وجيز جداً» (ص43).
يسعى العفاسي في الفصل الثاني إلى رصد مفهوم الجمال وتعريفه، فالإغريق كانوا يرون فيه «كل ما يثير الإعجاب والتقدير سواء في ميدان الحواس أو الخواص الروحية» (ص69) وقد ربطوا الجمال بالخير، والقُبح بالشرّ، كما اعتبروا «الكمال» شرطاً أساسياً من شروط «الجمال».
وعلى الرغم من أن الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون قد أحاط هذا المفهوم بهالة من الغموض حينما قال: «إنّ جوهر الجمال يبقى سرّاً من الأسرار» (ص75) فإن المفكر الألماني ألكسندر غوتليب بومغارتن هو الذي اجترح مفهوم الاستاطيقا مُفرِّقاً إيّاه عن بقية المعارف الإنسانية وقد وضعنا في دائرة التجلّي حينما قال إن «الفن هو أعلى درجات التواصل الكوني بين البشر» (ص81) بغض النظر عن إدراكه سواء أكان بالعقل والمنطق أم بالأحاسيس والمشاعر الإنسانية المرهفة.
يكرِّس الناقد الفصل الثالث من الكتاب للفنانة الفلسطينية رانية عقل ليدرس من خلال أعمالها ثنائية الوجود والغياب مستعيناً بالكوجيتو الذي يتقرر بمقتضاه وجود الأنا «أنا أشك إذن أنا موجود» ليصبح «أنا حاضر إذن أنا غائب»، فالغياب يقارب الوجود، والشكّ يجاور التفكّر ليصل في خاتمة المطاف إلى الاستنتاج القائل: «أنت تشك في وجودية شخص غائب، إذن هو موجود بفعل قوة الغياب القاهرة» (ص115).
لا تحتاج الأعمال الفنية لرانية عقل إلى جهد نقدي كبير لتأويلها فهي بسيطة شكلاً ومضموناً لكنها لا تخلو من بعض الرمزية التي تتعلق بثنائية الغياب والحضور ويمكن للمتلقي المُدرّب قليلاً أن يفهم رمز «طائر السنونو» أو إشارة «الثوب» أو علامة «الحرف العربي» ولعل عناوين بعض اللوحات الصريحة تكشف عن مضامينها الواضحة مثل «الوطن» و«الحرية» و«حق العودة» وما إلى ذلك.
يستغرق العفاسي في الفصل الرابع بالتنظير لعدد من الحركات الفنية مثل الواقعية، والتجريدية، والتعبيرية، والتكعيبية، والبنائية، والبوب آرت، والفن البصري في محاولة لقراءة الظاهر المرئي للعمل الفني لكن تركيزه انصبّ على الواقعية والتجريدية أكثر من بقية التيارات والمذاهب الفنية المعروفة وتوصّل إلى نتيجة معقولة مفادها أن جدارية «الغورنيكا» لبيكاسو هي عمل واقعي قدر ارتباطه بروح العصر وتعبيره عن المأساة الإنسانية. ويضيف بأن اللوحة الواقعية لا بد أن تتكئ على شيء تجريدي ولا يمكن تصوُّر لوحة تجريدية من دون واقع محسوس تنطلق منه، وتؤسس جانباً من ثيمتها عليه. وأنّ هذا التفريق بين الواقعية والتجريد إنما ورثناه، كما يعتقد الناقد، من الفكر والفلسفة في القرن التاسع عشر حيث ذهبا إلى انفصال المادة عن الروح، وتباين الواقع مع الذات، ومثلما ترتبط الواقعية بالمادية فإن التجريدية قد ارتبطت بالمثالية، ولهذا اعتبر النقاد الفن الواقعي أكثر أهمية من التجريد لأنه يرتبط بالواقع اليومي ويؤرخ له، بينما اعتبر نقاد آخرون أن التجريد أكثر أهمية من الفن الواقعي لأنه يعكس عالم الروح بكل تجلياتها وينأى بنفسه عن المادة التي تقيّده باشتراطاته المعروفة سلفاً.
ثمة مقاربة نقدية أخرى يرصدها العفاسي بأن الفن اليوناني أو الأوروبي عموماً هو فن واقعي وأن الفن العربي زخرفة وتجريداً هو فن لا واقعي حيث لعبَ هذا التقسيم دوراً عنصرياً يقدّم فيه الأوروبيون الفن الواقعي بينما لا ينجح العرب إلاّ في تقديم الصيغ والأشكال التجريدية المحرّفة التي دمغت الفن الشرقي بالروحانية والتجريد، بينما أغدقت على الفن الغربي بالواقعية. يتساءل العفاسي في خاتمة الفصل الرابع والأخير من الكتاب إن كان فن الرسم في طريقه إلى الزوال، خصوصاً وأن المدارس النقدية الحداثية قد انحرفت به إلى مسارات غير مألوفة، كما أن «فن الأداء» والفن الأرضي Land Art قد ذهبا بمعطياته إلى فضاءات وتكوينات جديدة وكأنها قد ضاقت ذرعاً بأطر الرسم التي تظل محدودة مهما اتسعت.
حظي كتاب «التفكير بالعين» بمقدمتين، الأولى بعنوان «جوهر العين وسلطة التفكير» للفنان محمد بن كيران وهي مقدمة عامة لم تلامس مضمون الكتاب إلاّ من مسافة بعيدة.
أما الثانية فقد جاءت تحت عنوان بليغ وهو «العين المُفكرة والعقل الرائي» للدكتور الناقد سعيد أصيل، الذي قرأ الكتاب جيداً واعتبره «مقدمة» لمشروع نقدي قد يرى النور لاحقاً لكنه يحتاج إلى مزيد من الشرح والتحليل والأمثلة المستفيضة التي توضح لنا «آلية التفكير بالعين» فقد أثار هذا الكتاب النقدي بعض الأسئلة لكنه لم يقدّم لنا إجابات شافية وافية عن الموضوع البكر الذي لا يخلو من مفاجآت مدهشة.
ختاماً لا بد من الإشارة إلى أن غالبية الهوامش والإحالات المتعلقة بالفنانين والفلاسفة والحركات الفنية منقولة حرفياً أو مع بعض التعديل من موسوعة ويكيبيديا الحرة بينما كان يُفترض بالمؤلف أن يُعيد صياغتها في الأقل كي لا يقع في «مطبّ» الانتحال أو سوء الظن.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.