غالستون: «الاستثنائية الأميركية» قدمت إسهامات مميزة للعالم

يرى أن قوة بلاده تكمن في قدرتها على كشف أخطائها ومناقشتها علنا وتصحيحها

ويليام غالستون  -  غلاف «الشعب أمر هام»
ويليام غالستون - غلاف «الشعب أمر هام»
TT

غالستون: «الاستثنائية الأميركية» قدمت إسهامات مميزة للعالم

ويليام غالستون  -  غلاف «الشعب أمر هام»
ويليام غالستون - غلاف «الشعب أمر هام»

حسب قاموس «مريام وبستر»: «الاستثنائية» هي «حالة أن يكون الشخص مختلفا عن القاعدة. وهي، أيضا، نظرية استثنائية خاصة بدولة أو منطقة».
لهذا، يبدو أن اللغة الإنجليزية لم تعتمد بعد وجود دول استثنائية. وتعود جذور الكلمة إلى بداية الوطنية الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وكتب بعض الفلاسفة الألمان، ليس فقط عن الدولة السياسية والعسكرية، ولكن، أيضا، عن كونها فريدة من نوعها. عن «فولك» (شعب) فريد في اللغة والتقاليد. لكن، حتى في ذلك الوقت، ادعى غير غربيين هذا التفرد. مثل: الخلافة العثمانية، والإمبراطورية الصينية.
في الوقت الحاضر، توجد في الثقافة الغربية مفاهيم قريبة، مثل: «الشعب المختار» (من منطلق ديني)، و«الاستثنائية الثقافية» (في المنافسة وسط اللغات)، و«النعرة العرقية» (العشق الذاتي، الذي يكون خفيا أحيانا)، وحتى «العنصرية» يمكن أن تكون لها صلة، من نوع ما، بالاستثنائية الفردية أو الوطنية. وتبدو «الاستثنائية الأميركية» مرتبطة بهذه المفاهيم، بصورة أو بأخرى.
هذا ما يبحثه د. ويليام غالستون في الكثير من كتبه مثل «الليبرالية التعددية» و«ممارسة الليبرالية التعددية» وكتابه «الشعب موضوع هام».
ويحتل غالستون كرسي «ارزا زلخا لدراسات الحكم» في معهد «بروكنغز» الليبرالي في واشنطن. وقبل ذلك، كان مستشارا سياسيا للرئيس السابق بيل كلينتون، ولمرشحين لرئاسة الجمهورية من الحزب الديمقراطي. وهو، أيضا، أستاذ في جامعة ميريلاند.
هنا حوار معه عن مفهوم «الاستثنائية الأميركية» وتطبيقاته العملية، ودور أميركا في العالم اليوم:

* كتبت: «الاستثنائية الأميركية لها ثلاثة جذور: الدين، الحرية، وتجربة المهاجرين». ما إيجابيات وسلبيات هذه الاستثنائية؟
- قدمت الاستثنائية الأميركية إسهامات مميزة للعالم. قدمت قيادة وحيوية للفكر الديمقراطي. وساعدت على جعل الحقوق الفردية ما هي عليه اليوم، لغة أخلاقية مشتركة حول العالم.
لكن، مبالغة دولة في الحديث عن قيادتها الأخلاقية تجعلها عرضة دائما لاتهامها بالنفاق. مثلا، منذ سنوات كثيرة، شكلنا تحالفات في الشرق الأوسط أدت إلى استقرار داخلي وسياسات خارجية موالية لنا وسط هؤلاء الحلفاء. لكن، برهن ترددنا في دعم الربيع العربي دعما قويا على هشاشة ممارستنا لما نؤمن به.
هذه نقطة. النقطة الثانية هي أن الاستثنائية الأميركية المتطرفة تتسبب في الغطرسة في إثبات الذات.
وهنا، يجب أن نفرق بين شيئين، الأول: الإيمان بأن «فكرة أميركا» هي فكرة مثالية، ويمكن أن تطبق في كل العالم. والثاني: نشر هذه الفكرة بالقوة.
بالنسبة للنقطة الثانية، ساعدت هذه المشاعر على تبرير أفعال مثل غزو العراق. لقد برهن عقد من التدخل العسكري في الشرق الأوسط على حقيقة أن الديمقراطية يصعب تصديرها، حتى إذا استعملنا القوة. لكن، في الوقت نفسه، يجب ألا تقودنا هذه الحقيقة إلى أن سوء معاملة حكومة لشعبها موضوع لا يهمنا.
* كتبت: «في كثير من الأحيان يخطئ الآخرون في وصف الاستثنائية الأميركية بأنها غطرسة وطنية، بينما هي ظاهرة اجتماعية». لكن، ربما كل النقاد الأجانب يقولون إنها غطرسة. أليست كذلك؟
- يوجد متغطرسون في كل دولة. وحسب تفسيرات الخبراء، تدل «الاستثنائية الأميركية» على سمات مميزة للثقافة وللمجتمع في الولايات المتحدة. ويشمل ذلك أولا الدور المتجدد للمهاجرين. وثانيا، الدرجة العالية من التعددية العرقية والدينية. وثالثا، الشك في سلطة الحكومة.
في القرن الثامن عشر، عندما أصبحت الولايات المتحدة دولة مستقلة، كانت استثنائية، لأنها أسست حكومة تعتمد على حقوق الفرد، وعلى موافقة الشعب. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت هذه الأفكار مقبولة في العالم، دولة بعد دولة.
* ولكن بالنسبة لكثير من الناس في العالم الثالث، لا ينعكس بشكل جيد في السياسة الخارجية الأميركية نحو دولهم، بل يرون سياسات خارجية سياسية وعسكرية عدوانية، خاصة بالنسبة للمحافظين المتدينين.
- توجد أنواع كثيرة من الدين في أميركا. وتوجد أنواع كثيرة من الأفكار السياسية الدينية، مثلا: تقود شخصيات ومنظمات دينية كثيرا من النشاطات لحل مشكلات الفقر، والمرض، وعدم المساواة في الولايات المتحدة، وفي دول أخرى.
أما عن المحافظين الدينيين، فهم موجودون في أغلبية الدول. في بعض الدول، يقمعون الحرية الفردية، ويمنعون الأقليات الدينية من ممارسة شعائرها الدينية. ويسرني أن أعلن أن هذا السلوك نادر جدا هنا في الولايات المتحدة.
وهنا، مثلما في دول أخرى، ليس المحافظون الدينيون متجانسين. على أي حال، يعتقد كثير من الناس أن عمل رجال الدين يجب أن يكون إنقاذ النفس البشرية وتحسينها، وليس الانخراط في السياسة، إطلاقا.
* كتبت أيضا: «وصل عدم المساواة الاقتصادية في الولايات المتحدة مرحلة لم نشهدها منذ عشرينات القرن الماضي». لكن كل العالم، كما يبدو، صار رأسماليا بعد سقوط الشيوعية. أليست ظاهرة عدم المساواة الاقتصادية جزءا لا يتجزأ من الرأسمالية؟
- خلال العقود الأربعة التي تلت الكساد العظيم في عام 1930 انخفض التفاوت في الدخول، لكن، بعد عام 1980 عاد التفاوت يزيد ويزيد.
لا أعرف إذا كانت الزيادة، أو الانخفاض، «جزءا لا يتجزأ من الرأسمالية». أعتقد أن ذلك يعتمد على تفسير القوانين الاقتصادية، وعلى طريقة ممارستها.
* في عام 2010، وافقت نسبة 56 في المائة من الأميركيين، في استطلاع أجراه تلفزيون «سي إن إن»، على الجملة الآتية: «أصبحت الحكومة كبيرة جدا، وقوية جدا. وصارت تهدد حرية المواطن». هل الكشف عن تجسس وكالة الأمن القومي (إن إس إيه)، ناهيك عن سجن غوانتانامو، وتعذيب الإرهابيين، أثار مخاوف متزايدة فيما يخص موضوع الحقوق والحريات؟
- نعم، الشعب الأميركي صار قلقا بصورة متزايدة، بسبب تنصت وكالات الأمن على اتصالاته. نحن نعد ذلك تعديا على خصوصية المواطن، وتهديدا لحريته. على أي حال، قالت الأخبار أخيرا إن الرئيس أوباما سوف يقترح قريبا تشريعات للقضاء على بعض هذه الممارسات، ولإخضاع بقية الممارسات لرقابة صارمة.
* كتب إدوارد لوس في كتابه «تحد استثنائي» أن خيارات أميركا في العالم صارت تتراجع، وصار مصير العالم يتقرر في أماكن أخرى. فهل باتت «الاستثنائية الأميركية» تواجه «تحديا استثنائيا»؟
- أعتقد أننا، نحن الأميركيين، نواجه تحديات، خاصة على الجبهة الاقتصادية. تحديات من نوع لم نره منذ أكثر من قرن من الزمان. وربما من قبل ذلك، أولا: لا يجري خلق فرص عمل بالسرعة الكافية. ثانيا: الأجور لا ترتفع، وبالتالي ينخفض دخل العائلة.
في الوقت نفسه، صار أعضاء الطبقة الوسطى يعملون أكثر من أي وقت مضى، ليقدروا على تحمل تكاليف الرعاية الصحية والتعليم العالي. لكن، في الجانب الآخر، تظل الولايات المتحدة تتمتع بمزايا استثنائية: جامعات ذات مستوى عالمي مميز، إمدادات كافية من رؤوس الأموال للاستثمار، وسكان شباب، نسبيا، وطموح المهاجرين، وأخيرا روح المبادرة والابتكار.
* كتب ديفيد ووربل في كتابه «نهاية الاستثنائية الأميركية»، أنها أصبحت من في الماضي. فهل توافق على أن الاستثنائية الأميركية شيء من الماضي؟
- لا أعتقد ذلك، لأن الاستثنائية الأميركية هي أطروحة حول الاختلافات الاجتماعية والثقافية هنا وفي الخارج. هذه لم تختف.
* ولكن هناك من الكتاب الأميركيين من يقول إن الاستثنائية الأميركية (إذا كانت حقيقة في أي وقت مضى) انتهت مع التدخلات العسكرية الأميركية في أفغانستان والعراق، التي كما يبدو جلبت الخراب، وليس الاستقرار!
- ليست الاستثنائية الأميركية هي السياسة الخارجية للرئيس جورج دبليو بوش. لهذا، أنا لا أفهم كيف أن هذه السياسة لها صلة بالاستثنائية. هذه نقطة. النقطة الثانية هي أننا، طوال تاريخنا، ظللنا نمر بدورات ترتفع وتنخفض: تدخلات مكثفة مع العالم، ثم انسحاب مؤقت، ثم تدخلات مكثفة. اليوم، يبدو أن هذا النمط يعيد نفسه.
* كتب الرئيس الروسي بوتين في صفحة الرأي في صحيفة «نيويورك تايمز»: «يرى الملايين في جميع أنحاء العالم أميركا ليس كنموذج للديمقراطية، ولكن كدولة تعتمد فقط على القوة الغاشمة». ما تعليقك على ذلك؟
- حسب الأحداث في شبه جزيرة القرم، هل بوتين منافق لأنه ليس أحسن حالا؟ أم ينبغي على أميركا أن تقف على ربوة أخلاقية أعلى، ولا تقارن نفسها به؟ في خطابه في 18 مارس (آذار)، برر بوتين غزو شبه جزيرة القرم، وكشف للعالم معتقداته الحقيقية. لهذا، تقدر شعوب العالم على أن تحكم عليه. واحدة من أعظم نقاط القوة في بلدي، الولايات المتحدة، هي قدرتها على مناقشة أخطائها علنا، ثم تصحيح أخطائها. انظر إلى المناقشات الحالية حول أجهزة الاستخبارات الأميركية. لهذا أقول: حتى يصير بوتين على استعداد لكشف، ومناقشة، سياسات ومؤسسات بلده، بداية من «كي جي بي»، الذي كان يترأسه، وحتى ينشر روح الشفافية، وحتى يجري الإصلاحات الديمقراطية، لن يكون في وضع يسمح له بإلقاء محاضرة عن هذا الموضوع سواء فيما يخص الولايات المتحدة، أو أي بلد آخر.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.