غالستون: «الاستثنائية الأميركية» قدمت إسهامات مميزة للعالم

يرى أن قوة بلاده تكمن في قدرتها على كشف أخطائها ومناقشتها علنا وتصحيحها

ويليام غالستون  -  غلاف «الشعب أمر هام»
ويليام غالستون - غلاف «الشعب أمر هام»
TT

غالستون: «الاستثنائية الأميركية» قدمت إسهامات مميزة للعالم

ويليام غالستون  -  غلاف «الشعب أمر هام»
ويليام غالستون - غلاف «الشعب أمر هام»

حسب قاموس «مريام وبستر»: «الاستثنائية» هي «حالة أن يكون الشخص مختلفا عن القاعدة. وهي، أيضا، نظرية استثنائية خاصة بدولة أو منطقة».
لهذا، يبدو أن اللغة الإنجليزية لم تعتمد بعد وجود دول استثنائية. وتعود جذور الكلمة إلى بداية الوطنية الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وكتب بعض الفلاسفة الألمان، ليس فقط عن الدولة السياسية والعسكرية، ولكن، أيضا، عن كونها فريدة من نوعها. عن «فولك» (شعب) فريد في اللغة والتقاليد. لكن، حتى في ذلك الوقت، ادعى غير غربيين هذا التفرد. مثل: الخلافة العثمانية، والإمبراطورية الصينية.
في الوقت الحاضر، توجد في الثقافة الغربية مفاهيم قريبة، مثل: «الشعب المختار» (من منطلق ديني)، و«الاستثنائية الثقافية» (في المنافسة وسط اللغات)، و«النعرة العرقية» (العشق الذاتي، الذي يكون خفيا أحيانا)، وحتى «العنصرية» يمكن أن تكون لها صلة، من نوع ما، بالاستثنائية الفردية أو الوطنية. وتبدو «الاستثنائية الأميركية» مرتبطة بهذه المفاهيم، بصورة أو بأخرى.
هذا ما يبحثه د. ويليام غالستون في الكثير من كتبه مثل «الليبرالية التعددية» و«ممارسة الليبرالية التعددية» وكتابه «الشعب موضوع هام».
ويحتل غالستون كرسي «ارزا زلخا لدراسات الحكم» في معهد «بروكنغز» الليبرالي في واشنطن. وقبل ذلك، كان مستشارا سياسيا للرئيس السابق بيل كلينتون، ولمرشحين لرئاسة الجمهورية من الحزب الديمقراطي. وهو، أيضا، أستاذ في جامعة ميريلاند.
هنا حوار معه عن مفهوم «الاستثنائية الأميركية» وتطبيقاته العملية، ودور أميركا في العالم اليوم:

* كتبت: «الاستثنائية الأميركية لها ثلاثة جذور: الدين، الحرية، وتجربة المهاجرين». ما إيجابيات وسلبيات هذه الاستثنائية؟
- قدمت الاستثنائية الأميركية إسهامات مميزة للعالم. قدمت قيادة وحيوية للفكر الديمقراطي. وساعدت على جعل الحقوق الفردية ما هي عليه اليوم، لغة أخلاقية مشتركة حول العالم.
لكن، مبالغة دولة في الحديث عن قيادتها الأخلاقية تجعلها عرضة دائما لاتهامها بالنفاق. مثلا، منذ سنوات كثيرة، شكلنا تحالفات في الشرق الأوسط أدت إلى استقرار داخلي وسياسات خارجية موالية لنا وسط هؤلاء الحلفاء. لكن، برهن ترددنا في دعم الربيع العربي دعما قويا على هشاشة ممارستنا لما نؤمن به.
هذه نقطة. النقطة الثانية هي أن الاستثنائية الأميركية المتطرفة تتسبب في الغطرسة في إثبات الذات.
وهنا، يجب أن نفرق بين شيئين، الأول: الإيمان بأن «فكرة أميركا» هي فكرة مثالية، ويمكن أن تطبق في كل العالم. والثاني: نشر هذه الفكرة بالقوة.
بالنسبة للنقطة الثانية، ساعدت هذه المشاعر على تبرير أفعال مثل غزو العراق. لقد برهن عقد من التدخل العسكري في الشرق الأوسط على حقيقة أن الديمقراطية يصعب تصديرها، حتى إذا استعملنا القوة. لكن، في الوقت نفسه، يجب ألا تقودنا هذه الحقيقة إلى أن سوء معاملة حكومة لشعبها موضوع لا يهمنا.
* كتبت: «في كثير من الأحيان يخطئ الآخرون في وصف الاستثنائية الأميركية بأنها غطرسة وطنية، بينما هي ظاهرة اجتماعية». لكن، ربما كل النقاد الأجانب يقولون إنها غطرسة. أليست كذلك؟
- يوجد متغطرسون في كل دولة. وحسب تفسيرات الخبراء، تدل «الاستثنائية الأميركية» على سمات مميزة للثقافة وللمجتمع في الولايات المتحدة. ويشمل ذلك أولا الدور المتجدد للمهاجرين. وثانيا، الدرجة العالية من التعددية العرقية والدينية. وثالثا، الشك في سلطة الحكومة.
في القرن الثامن عشر، عندما أصبحت الولايات المتحدة دولة مستقلة، كانت استثنائية، لأنها أسست حكومة تعتمد على حقوق الفرد، وعلى موافقة الشعب. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت هذه الأفكار مقبولة في العالم، دولة بعد دولة.
* ولكن بالنسبة لكثير من الناس في العالم الثالث، لا ينعكس بشكل جيد في السياسة الخارجية الأميركية نحو دولهم، بل يرون سياسات خارجية سياسية وعسكرية عدوانية، خاصة بالنسبة للمحافظين المتدينين.
- توجد أنواع كثيرة من الدين في أميركا. وتوجد أنواع كثيرة من الأفكار السياسية الدينية، مثلا: تقود شخصيات ومنظمات دينية كثيرا من النشاطات لحل مشكلات الفقر، والمرض، وعدم المساواة في الولايات المتحدة، وفي دول أخرى.
أما عن المحافظين الدينيين، فهم موجودون في أغلبية الدول. في بعض الدول، يقمعون الحرية الفردية، ويمنعون الأقليات الدينية من ممارسة شعائرها الدينية. ويسرني أن أعلن أن هذا السلوك نادر جدا هنا في الولايات المتحدة.
وهنا، مثلما في دول أخرى، ليس المحافظون الدينيون متجانسين. على أي حال، يعتقد كثير من الناس أن عمل رجال الدين يجب أن يكون إنقاذ النفس البشرية وتحسينها، وليس الانخراط في السياسة، إطلاقا.
* كتبت أيضا: «وصل عدم المساواة الاقتصادية في الولايات المتحدة مرحلة لم نشهدها منذ عشرينات القرن الماضي». لكن كل العالم، كما يبدو، صار رأسماليا بعد سقوط الشيوعية. أليست ظاهرة عدم المساواة الاقتصادية جزءا لا يتجزأ من الرأسمالية؟
- خلال العقود الأربعة التي تلت الكساد العظيم في عام 1930 انخفض التفاوت في الدخول، لكن، بعد عام 1980 عاد التفاوت يزيد ويزيد.
لا أعرف إذا كانت الزيادة، أو الانخفاض، «جزءا لا يتجزأ من الرأسمالية». أعتقد أن ذلك يعتمد على تفسير القوانين الاقتصادية، وعلى طريقة ممارستها.
* في عام 2010، وافقت نسبة 56 في المائة من الأميركيين، في استطلاع أجراه تلفزيون «سي إن إن»، على الجملة الآتية: «أصبحت الحكومة كبيرة جدا، وقوية جدا. وصارت تهدد حرية المواطن». هل الكشف عن تجسس وكالة الأمن القومي (إن إس إيه)، ناهيك عن سجن غوانتانامو، وتعذيب الإرهابيين، أثار مخاوف متزايدة فيما يخص موضوع الحقوق والحريات؟
- نعم، الشعب الأميركي صار قلقا بصورة متزايدة، بسبب تنصت وكالات الأمن على اتصالاته. نحن نعد ذلك تعديا على خصوصية المواطن، وتهديدا لحريته. على أي حال، قالت الأخبار أخيرا إن الرئيس أوباما سوف يقترح قريبا تشريعات للقضاء على بعض هذه الممارسات، ولإخضاع بقية الممارسات لرقابة صارمة.
* كتب إدوارد لوس في كتابه «تحد استثنائي» أن خيارات أميركا في العالم صارت تتراجع، وصار مصير العالم يتقرر في أماكن أخرى. فهل باتت «الاستثنائية الأميركية» تواجه «تحديا استثنائيا»؟
- أعتقد أننا، نحن الأميركيين، نواجه تحديات، خاصة على الجبهة الاقتصادية. تحديات من نوع لم نره منذ أكثر من قرن من الزمان. وربما من قبل ذلك، أولا: لا يجري خلق فرص عمل بالسرعة الكافية. ثانيا: الأجور لا ترتفع، وبالتالي ينخفض دخل العائلة.
في الوقت نفسه، صار أعضاء الطبقة الوسطى يعملون أكثر من أي وقت مضى، ليقدروا على تحمل تكاليف الرعاية الصحية والتعليم العالي. لكن، في الجانب الآخر، تظل الولايات المتحدة تتمتع بمزايا استثنائية: جامعات ذات مستوى عالمي مميز، إمدادات كافية من رؤوس الأموال للاستثمار، وسكان شباب، نسبيا، وطموح المهاجرين، وأخيرا روح المبادرة والابتكار.
* كتب ديفيد ووربل في كتابه «نهاية الاستثنائية الأميركية»، أنها أصبحت من في الماضي. فهل توافق على أن الاستثنائية الأميركية شيء من الماضي؟
- لا أعتقد ذلك، لأن الاستثنائية الأميركية هي أطروحة حول الاختلافات الاجتماعية والثقافية هنا وفي الخارج. هذه لم تختف.
* ولكن هناك من الكتاب الأميركيين من يقول إن الاستثنائية الأميركية (إذا كانت حقيقة في أي وقت مضى) انتهت مع التدخلات العسكرية الأميركية في أفغانستان والعراق، التي كما يبدو جلبت الخراب، وليس الاستقرار!
- ليست الاستثنائية الأميركية هي السياسة الخارجية للرئيس جورج دبليو بوش. لهذا، أنا لا أفهم كيف أن هذه السياسة لها صلة بالاستثنائية. هذه نقطة. النقطة الثانية هي أننا، طوال تاريخنا، ظللنا نمر بدورات ترتفع وتنخفض: تدخلات مكثفة مع العالم، ثم انسحاب مؤقت، ثم تدخلات مكثفة. اليوم، يبدو أن هذا النمط يعيد نفسه.
* كتب الرئيس الروسي بوتين في صفحة الرأي في صحيفة «نيويورك تايمز»: «يرى الملايين في جميع أنحاء العالم أميركا ليس كنموذج للديمقراطية، ولكن كدولة تعتمد فقط على القوة الغاشمة». ما تعليقك على ذلك؟
- حسب الأحداث في شبه جزيرة القرم، هل بوتين منافق لأنه ليس أحسن حالا؟ أم ينبغي على أميركا أن تقف على ربوة أخلاقية أعلى، ولا تقارن نفسها به؟ في خطابه في 18 مارس (آذار)، برر بوتين غزو شبه جزيرة القرم، وكشف للعالم معتقداته الحقيقية. لهذا، تقدر شعوب العالم على أن تحكم عليه. واحدة من أعظم نقاط القوة في بلدي، الولايات المتحدة، هي قدرتها على مناقشة أخطائها علنا، ثم تصحيح أخطائها. انظر إلى المناقشات الحالية حول أجهزة الاستخبارات الأميركية. لهذا أقول: حتى يصير بوتين على استعداد لكشف، ومناقشة، سياسات ومؤسسات بلده، بداية من «كي جي بي»، الذي كان يترأسه، وحتى ينشر روح الشفافية، وحتى يجري الإصلاحات الديمقراطية، لن يكون في وضع يسمح له بإلقاء محاضرة عن هذا الموضوع سواء فيما يخص الولايات المتحدة، أو أي بلد آخر.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».