تعهدات دولية بدعم اليمن بـ1.1 مليار دولار خلال العام الحالي

السعودية في مقدمة المانحين بـ150 مليون دولار... وبن دغر يعد بتسهيل عبور مواد الإغاثة

غوتيريش لدى افتتاح مؤتمر المانحين لليمن في جنيف أمس (أ.ب) - عبد الله الربيعة لدى مشاركته في المؤتمر (رويترز)
غوتيريش لدى افتتاح مؤتمر المانحين لليمن في جنيف أمس (أ.ب) - عبد الله الربيعة لدى مشاركته في المؤتمر (رويترز)
TT

تعهدات دولية بدعم اليمن بـ1.1 مليار دولار خلال العام الحالي

غوتيريش لدى افتتاح مؤتمر المانحين لليمن في جنيف أمس (أ.ب) - عبد الله الربيعة لدى مشاركته في المؤتمر (رويترز)
غوتيريش لدى افتتاح مؤتمر المانحين لليمن في جنيف أمس (أ.ب) - عبد الله الربيعة لدى مشاركته في المؤتمر (رويترز)

تعهدت الدول المانحة خلال اجتماعها في جنيف أمس بتقديم 1.1 مليار دولار لمساعدة اليمنيين خلال العام الحالي، وذلك بعدما وجّه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش نداء ملحاً من أجل وضع حد لأسوأ أزمة غذائية في العالم يشهدها اليمن. وكانت أكبر مساعدة قدمت خلال اجتماع «تمويل خطة الاستجابة الإنسانية في اليمن لعام 2017»، من السعودية التي أعلنت التبرع بمبلغ 150 مليون دولار، كما أعلنت الإمارات عن تبرعها بـ100 مليون دولار، والكويت بـ100 مليون دولار، والاتحاد الأوروبي بـ123 مليون دولار والولايات المتحدة بـ94 مليون دولار. وبذلك، غطت تعهدات الدول والمنظمات المانحة أكثر من نصف المبلغ المطلوب من قبل الأمم المتحدة وهو 2.1 مليار دولار.
وقال غوتيريش في افتتاح الاجتماع إن المنظمة الدولية تحتاج إلى مساعدات كبيرة لتفادي مجاعة في اليمن كما يتحتم على أطراف الصراع في البلاد ضمان وصول الإمدادات الإنسانية. وأضاف أن طفلا دون الخامسة يموت كل عشر دقائق لأسباب يمكن الوقاية منها. وتابع غوتيريش أن نحو 19 مليون شخص، أي ثلثي السكان، بحاجة إلى مساعدات عاجلة. وأكد حل الأزمة اليمنية سياسيا، مجددا الدعوة لإجراء محادثات سلام. كما حث غوتيريش جميع الأطراف على تسهيل المرور السريع ودون عوائق للمساعدات جوا وبحرا وبرا. وأضاف: «نشهد تجويع جيل بأكمله وإصابته بالإعاقات. لا بد أن نتحرك الآن لإنقاذ الأرواح (...) البنية التحتية كلها يجب أن تظل مفتوحة وعاملة». ومن جهته، أعلن المسؤول الأممي عن العمليات الإنسانية في اليمن ستيفن أوبراين أن «اليمن يشهد الأزمة الإنسانية الأكبر حاليا»، مشددا على «مخاطر حصول مجاعة». ومضى قائلا «بإمكاننا تفادي المجاعة»، داعيا إلى هبات أكبر من الجهات المانحة وإلى وقف الأعمال العدائية.
وأعلنت السعودية خلال المؤتمر عن تبرعها بـ150 مليون دولار، لدعم مشروعات «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، لتكون إضافة إلى 100 مليون دولار خصصت للمركز من بداية عام 2017 لدعم مشروعاته في اليمن. وبيّن الدكتور عبد الله الربيعة، المستشار بالديوان الملكي السعودي، المشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، خلال إلقاء كلمة المملكة في المؤتمر، أن هذه التبرعات تأتي ضمن المساعدات الإنسانية والتنموية التي التزمت السعودية بها بمبلغ 8.2 مليار دولار منذ أبريل (نيسان) 2015. وقال الدكتور الربيعة في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» أمس، إن هذا الدعم يأتي من قبل السعودية تجسيدا عمليا للدور الإغاثي العالمي الذي تنهجه المملكة، ولإيمانها التام بالدور الإغاثي المنوط بها، لافتا إلى أن كافة مساعداتها الإنسانية التي تقوم بها تعتمد على مبدأ الحياد، مشيرا إلى أن السعودية تبحث دائما عن المناطق الأكثر احتياجا بصرف النظر عن الجنس واللون والعرق والدين، بما يتماشى مع الأسس الثابتة التي ينتهجها المركز.
وفي بداية كلمته، قدم شكره للمشاركين بمؤتمر المانحين الذي نظمته الأمم المتحدة بمشاركة سويسرية وسويدية. وأكد الربيعة أن السعودية دأبت منذ توحيدها على مد جسور الدعم والمساندة للمجتمعات والدول المحتاجة وأصبحت في مقدمة الداعمين للعمل الإنساني والتنموي على مستوى العالم، حيث حظي اليمن بجزء وافر من هذا الدعم على مر التاريخ وتأكيدا للروابط العريقة بين شعب السعودية واليمن. وتطرق المشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية إلى دور السعودية تجاه اليمن من خلال تطبيق قرارات الأمم المتحدة وما صدر عنها من المبادرات الخليجية ومؤتمر الحوار الوطني ورغبة الحكومة الشرعية اليمنية. وشدد الدكتور الربيعة على أن السعودية لم تفرق بين فئات وأطياف ومناطق اليمن من خلال برامجها الإنسانية والتنموية، مستشهدا بـ«حملة الأمل» التي تعد خير دليل على ما توليه المملكة تجاه دعم الشعب اليمني من خلال تلبية رغباته. وأكد حرص السعودية على دعم نداءات الأمم المتحدة تجاه اليمن، حيث تبنت النداء الأول كاملا بمبلغ 274 مليون دولار، كما أن المملكة في مقدمة الدول دعماً لليمن وشعبه في هذه الأزمة التي يعاني فيها اليمنيون ظروفا إنسانية صعبة جراء الحصار والسلب واحتجاز السفن الإغاثية من قبل الميليشيات المسلحة التي لم تكتفِ بنهب الشرعية التي اختارها الشعب اليمني بل تعدت ذلك إلى منع ونهب الغذاء والدواء خلافا لكل القوانين الإنسانية. وختم كلمته مقدرا الشراكة مع جميع منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية والمحلية، مع تطلعه إلى سرعة التنفيذ واستخدام جميع الحلول اللوجستية المتاحة، والوجود والتوازن في جميع مناطق اليمن للتخفيف من معاناة شعبه.
بدورها، أعلنت الكويت في المؤتمر أمس تخصيص 100 مليون دولار لدعم الاحتياجات الإنسانية في اليمن. حسب وكالة الأنباء الكويتية (كونا).
وقال خالد سليمان الجار الله نائب وزير الخارجية الكويتي أمام مؤتمر جنيف إن «هذا المبلغ يكمل أيضا التزام الكويت السابق بمبلغ 300 مليون دولار كقروض ميسرة عبر الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية لتمويل المشاريع الإنمائية في اليمن وتم الإعلان عنها خلال الاجتماع الوزاري لمجموعة أصدقاء اليمن الذي عقد في نيويورك عام 2012»، حسبما نقلت عنه وكالة الأنباء الكويتية. كما أعلنت الإمارات تخصيص 100 مليون دولار لليمن. وذكر سعيد الشامسي وكيل وزارة الخارجية الإماراتي لشؤون المنظمات، أن بلاده قدمت أكثر من ملياري دولار لليمن منذ أبريل (نيسان) 2015. وشهد المؤتمر أيضا تعهد الاتحاد الأوروبي بتخصيص مبلغ 124 مليون دولار، والولايات المتحدة الأميركية مبلغ 94 مليون دولار، وألمانيا 54 مليون دولار.
بدوره، قال أحمد عبيد بن دغر رئيس الوزراء اليمني إن حكومته التي تسيطر على جزء فقط من البلاد ستتيح دخول مواد الإغاثة. وعبر عن الاستعداد لفتح ممرات جديدة لهذه المساعدات. وأكد بن دغر مواصلة الحكومة اليمنية دعمها لفرق الإغاثة حيثما وجدت وفي أي محافظة تعمل، معرباً عن تأييد الحكومة لجهود الأمم المتحدة، وخطتها للاستجابة الإنسانية لعام 2017. كما أعرب عن دعم الأهداف الإنسانية العامة لخطة الأمم المتحدة، مضيفا أن الحكومة الشرعية اليمنية وفرت عوامل وبيئات مناسبة لمرور المساعدات الإنسانية من عدن وحضرموت والمهرة وعبر الحدود مع المملكة العربية السعودية إلى المناطق التي تقع تحت سيطرة الميليشيات الحوثية وقوات صالح.
وقدم بن دغر شكره للسعودية على المساعدات التي قدمتها لليمن ووصلت إلى كافة المناطق بما فيها صعدة وصنعاء والحديدة وعمران وذمار، مشيرا إلى أن تلك المناطق شهدت حالات مستمرة من الدعم والإغاثة المباشرة دون انقطاع من الأشقاء في المملكة. وأوضح بن دغر في كلمته أمام الاجتماع أن السعودية تحملت العبء الأكبر في حجم المساعدات التي وصلت إلى اليمن، مبينا أن قوافل الإغاثة القادمة من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية وصلت إلى جميع الأسر في اليمن، بالإضافة إلى المساعدات من دول مجلس التعاون الخليجي، وكذلك من مصر وتركيا والسودان وأوروبا والولايات المتحدة. وبيّن أن المساعدات شملت الغذاء والدواء والملابس والأغطية والمعدات الصحية والمختبرات والمعامل وغيرها من المعدات ذات القيمة الكبيرة للمستشفيات في كافة مناطق اليمن دون استثناء. وأضاف أن مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، ومؤسسات الهلال الأحمر في كل من الإمارات والكويت وقطر عملت على ترميم المدارس في عدن ولحج وأبين والضالع وحضرموت، بالإضافة إلى إنشاء محطات كهرباء في كل من عدن والحديدة والمكلا. وأعرب بن دغر عن تطلع الحكومة اليمنية للخطط الإغاثية المقبلة التي ستسهم التبرعات والمنح في هذا المؤتمر في تنفيذها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في اليمن، وقال إن اليمنيين يدركون أن تحقيق السلام هو الذي سينهي هذه المعاناة الإنسانية ويفتح المجال لإعادة البناء والإعمار، مؤكدا أن السلام هو الهدف الأسمى الذي نعمل مع الأمم المتحدة ومبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إسماعيل ولد الشيخ أحمد على تحقيقه انطلاقا من المرجعيات الثلاث التي اتفقنا عليها، المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية، ومخرجات الحوار الوطني، وقرارات الأمم المتحدة خاصة القرار 2216.
وأكد رئيس الوزراء اليمني أمام الاجتماع تأثر البنى التحتية في اليمن، مشيرا إلى أن عمليات التدمير مستمرة منذ احتلال العاصمة من قبل الميليشيات عام 2014، وقال إن التدمير استمر مع زحف الميليشيات على مدن اليمن بما فيها العاصمة صنعاء وتعز وعدن، والاعتداء على الشرعية المنتخبة والإرادة الشعبية والقيم الديمقراطية. وتابع «تعز المدينة الأكبر في اليمن بعد العاصمة تعاني من الحصار والقصف المستمر منذ عامين، وإن الصواريخ الباليستية الإيرانية تطال معظم المدن اليمنية بل وحدود الجيران، نتيجة الاعتداء على الدولة والشرعية والإجماع الوطني». وأشار بن دغر إلى اتفاقه مع تقرير وخطة الاستجابة الإنسانية التي أكدت على الوضع الكارثي في المناطق التي تحتلها الميليشيات الحوثية وقوات صالح، مبينا أن الميليشيات جمعت العام الماضي موارد تقدر بنحو 581 مليار ريال يمني (1.9 مليار دولار) في فرع البنك المركزي في صنعاء استخدمتها تلك الميليشيات وصالح في الحرب.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.