هل يمكن للمتشدد السابق أن يصبح معتدلاً؟

ماجد نواز أنشأ مؤسسة لمكافحة التطرف في لندن وأثار كثيراً من الأعداء ضده

ماجد نواز يدشن في واشنطن مشروعاً جديداً لمكافحة التشدد (نيويورك تايمز)
ماجد نواز يدشن في واشنطن مشروعاً جديداً لمكافحة التشدد (نيويورك تايمز)
TT

هل يمكن للمتشدد السابق أن يصبح معتدلاً؟

ماجد نواز يدشن في واشنطن مشروعاً جديداً لمكافحة التشدد (نيويورك تايمز)
ماجد نواز يدشن في واشنطن مشروعاً جديداً لمكافحة التشدد (نيويورك تايمز)

تقابلتُ مع ماجد نواز بعد ظهيرة أحد الأيام الممطرة في شهر مارس (آذار)، حيث كان يجلس في زاوية أحد المطاعم المعروفة في وسط لندن، ذلك المكان الذي يستخدمه كمكتب إعلامي خاص به. كان يغمس قطعة صغيرة من الدجاج في صلصة المسطردة الصفراء التي أمامه، ثم توقف عن ذلك لبرهة من الوقت إذ كان يُحمّل مقطع فيديو على هاتفه الخاص الموضوع على الطاولة. وكان الفيديو يُظهر هايدي بيربتش وهي تتحدث في جامعة ديوك عنه شخصياً، حيث قالت: «دعوني أقدِّم لكم مثالاً بماجد نواز - ومشكلتنا معه تتلخص في اعتقاده أنه يجب وضع كل المساجد تحت المراقبة. وبعبارة أخرى، أن رأيه يدور حول أن كل المسلمين هم إرهابيون محتملون».
أصبح ماجد نواز، وهو مسلم، يشعر بإحباط شديد من هذه الادعاءات. وفي واقع الأمر فإنه في طريقه لرفع دعوى ضد المراقبة الأمنية الجماعية.
صنع نواز، المتطرف الإسلاموي السابق، خلال السنوات التسع الماضية، اسما لنفسه باعتباره ناشطا ومناهضا لا يعرف الكلل ضد التطرف والمتطرفين. وفي هذه الأيام، أصبح يمتزج بسلاسة كبيرة وسط تلك الدوائر العالمية التي يهاجمها المتطرفون، في ناديه الخاص، حيث يرتدي سترة من اللون الأخضر الزيتوني، حتى إنه يمكنك أن تظنه أحد كبار مديري التسويق التنفيذيين أو مخرجاً للأفلام الموسيقية الشهيرة. يبلغ نواز من العمر 39 عاما، وهو رجل وسيم، يحمل وجهه قدرا من الغموض، وشعره يميل إلى اللون الرمادي اللامع، مع شخصية قوية وابتسامة ترتسم على وجه كثير من السياسيين. وفي كل مرة أتقابل معه، كان يقابلني بعناق أخوي حار، ولكل من هم في مثل سنه يبدو وكأنه مراهق من سن متأخرة غارق في أخلاق الهيب - هوب.
وبالنسبة لمنتقدي نواز، وهناك كثيرون منهم، فإنها تلك الصفة المتلونة، التي تمكن صاحبها من تقلُّد مختلف الأدوار وشغل مختلف المساحات، تلك التي أُلحِقَت بسمعته كنوع من الدجالين، حيث يتأنق كشخصية نفعية تستغل وتستفيد من المصاعب الشديدة عن طريق التحيز المجتمعي العميق المناهض للمسلمين. وهذا السرد غير المتساهل قد ألحقه بالظل منذ البداية، وعلى الرغم من ذلك فإن رؤيته ووجهة نظرة الشخصية لم تزدد أهمية إلا في أعقاب الأحداث العنيفة لعام 2016، الذي شهد تفجيرات انتحارية منسقة في كل من بروكسل وإسطنبول، وحادثة إطلاق النار الجماعية في سان برناردينو وأورلاندو، وكمين إطلاق النار على ضابط الشرطة وشريكه بالقرب من باريس، ومذبحة يوم الباستيل في مدينة نيس، والهجمات الانتحارية في بافاريا، وحادثة مقتل الأب الكاثوليكي في كنيسة نورماندي، وقنابل أوعية الطهي في مانهاتن ونيوجيرسي، ومذبحة أعياد الميلاد في برلين. وفي 22 مارس من العام الحالي في لندن، دهس رَجُلٌ المارَّة بسيارته بالقرب من مبنى البرلمان البريطاني، قبل أن يتوقف ويطعن أحد رجال الشرطة غير المسلحين حتى الموت.
ومع كل هجوم جديد وكبير، الذي يحمل شبح سوريا وتنظيم داعش يحوم في الأفق، لا تجد أصوات الكراهية وردود الفعل العنيفة في الولايات المتحدة الأميركية وفي جميع أنحاء بريطانيا وأوروبا آذاناً متعاطفة فحسب، ولكن الأيادي المستعدة أيضاً لفعل المزيد داخل أكشاك التصويت الانتخابية.
وطوال فترات الاضطراب والاستجابات العنيفة، حافظ نواز على حضوره الدائم في مختلف وسائل الإعلام: في برنامج «الوقت الحقيقي مع بيل ماهر»، محاولاً التمييز بين الدين والمبادئ السياسية، وفي كتابه الذي يحمل عنوان «الإسلام ومستقبل التسامح» (الذي ألَّفَه بمشاركة بارزة من الملحد الجديد المعروف سام هاريس)، حيث يصر على أن التطرف الإسلاموي له علاقة بالدين الإسلامي، وأن تنظيم داعش في حقيقة الأمر يحمل تفسيراً معقولاً، وإن كان غير مهذب بصورة كبيرة، للقرآن. ولكن بصرف النظر عن الدور الذي يلعبه نواز كشخصية عامة مثقفة فهو لا يمكن فصله أبداً عن واقعه الذاتي كأصولي ومتطرف سابق. فإن عمله يعكس قصته، وقصته تدور حول شهرته. وفي محاولته لعرض قضيته ضد التطرف، فهو يجد نفسه في موقف لا يحسد تماماً من الترويج الذاتي الذي لا ينتهي.
وعلى هذه الجبهة، فهو منشغل تماماً حتى أذنيه. فهو يعمل على الانتهاء من فيلم وثائقي يستند إلى كتابه مع سام هاريس، ولكن الشغل الشاغل لنواز في هذه الأيام من عام 2017 هو افتتاح الفرع الجديد من مؤسسته المناهضة للتطرف، مؤسسة كويليام، في الولايات المتحدة الأميركية. وهو يقول عن ذلك: «إن كثيراً من المسلمين في الولايات المتحدة هم من الليبراليين في الأساس، ولكن إن لم يكن لديك وجود حقيقي مناهض للتطرف، فإن المؤيدين لترمب في هذا العالم سوف ينتصرون، من خلال اللعب الماهر بالخوف والتضليل المستمر للحقائق. وإن وجودنا ضروري في الولايات المتحدة للتأكيد على ذلك التيار الرئيسي، في حين أن وجودنا لا يزال ضروريا في أوروبا لمجابهة التطرف».
وعلى الرغم من هذه التأكيدات والمؤهلات، فإن هناك نوعاً من الارتباك القائم حول موضع تعاطف نواز في الواقع. وفقاً لشبكة «فايس نيوز» الإخبارية، لقد حصل على تصنيف «الإرهاب» على قاعدة بيانات «تومسون رويترز» العالمية للتحقق من المخاطر. (ولم تؤكد «تومسون رويترز» ذلك). ولكن، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فإن مركز ساوثرن بافرتي القانوني اتخذ خطوة استثنائية لضم نواز إلى «الدليل الميداني للمتعصبين المناهضين للمسلمين»، الذي يقومون بنشره بالتعاون مع ثلاثة مراكز بحثية أخرى. وهذا الدليل يدرج 15 اسما لـ15 شخصية عامة، وكان نواز هو المسلم الوحيد بينهم (وهذا هو السبب في ذكر السيدة هايدي بيربتش لاسمه في خطابها أمام جامعة ديوك). ولقد كان غاضباً بشكل واضح كلما يُثار هذا الموضوع، وأخبرني أنه يخطط للحصول على تمويل جماعي لرفع دعوى قضائية مضادة.
وعلى الرغم من أنه هو وحلفاؤه، وحتى بعض من خصومه، قد تقدموا بشكوى إلى مركز ساوثرن بافرتي القانوني - وهناك التماس مقدم إلى موقع «change.org» لإزالة اسمه و«اسم الملحدة صومالية المولد أيان هيرسي علي»، ولقد حاز الالتماس على 12 ألف توقيع، إلا أن المركز لم يتنازل عن موقفه، ولقد كانت تكاليف هذا الأمر حقيقية بالنسبة لمؤسسة كويليام. وزعم نواز أن القائمة قد ألحقت الأضرار بجهود التمويل للمؤسسة خاصته. وقال وهو يحرك رأسه: «إنني أعتبر نفسي ليبرالياً، وأرغب في العمل مع الليبراليين».
وفي الواقع، فإن آراءه حول التطرف الإسلاموي هي أكثر تعقيداً مما تعكسه هذه التسميات، التي هي، كما يمكن القول، أحد الأسباب الأكثر إلحاحاً الدافعة للاستماع إليه بشأن الموضوع. وفي مذكرات نواز التي نُشِرَت في عام 2012 بعنوان «المتطرف: رحلتي خارج التطرف الإسلاموي»، هناك مشهد مثير للدهشة والذهول. يقول الراوي إن هناك طفلاً، غير متدين، ومن عشاق فريق N.W.A»» الغنائي، قد نزع إلى حمل سكين مخبأة تحت ملابسه خشية من عصابات حليقي الرؤوس الذين كانوا يجوبون شوارع مقاطعة إسكس في ساوثيند. كان يبلغ من العمر 15 عاماً، وبعد ظهيرة أحد الأيام، كان يسير في الشارع برفقة شقيقه الأكبر كاشف (الذي جاء ذكره في الكتاب باسم مستعار)، وأحد الأصدقاء من الذين اعتنقوا الإسلام حديثاً. حاول العنصريون في الحي مطاردة الفتيان الثلاثة بمضارب البيسبول ثم ألحقوهم بإحدى زوايا الشارع وكانوا يفوقونهم عددا. ثم تقدم زعيم العصابة وطلب الحديث، فأشار إليه كاشف للتنحي إلى أحد جوانب الشارع، حيث دخل هو وزعيم العصابة في مناقشة خافتة يشوبها كثير من التوتر. وعندما عاد الاثنان، بدأ أفراد العصابة في التراجع. وبفضول شديد، طلب ماجد من شقيقه أن يعرف ما الذي حدث وما الذي قاله لزعيم العصابة. فقال له كاشف أنه أخبره قائلا: «نحن مسلمون، ولا نخشى الموت» - وعلاوة على ذلك، فإن هناك قنبلة يحملها في حقيبة ظهره.
تلك الحكاية، التي تظهر وبشكل متكرر في مذكرات نواز وتضخمت في نهاية المطاف إلى أبعاد توحي بأنها أسطورة مختلقة، تعتبر هي الجوهر الأساسي لدى نواز. فمن ناحية، تُعتَبَر خلاصة مشروعه السردي الكبير، حيث تتمحور حول التركيبة المرتبكة والمؤلمة للتجربة الإسلامية المعاصرة التي يمكن أن تنتهي بصاحبها إلى تبني التطرف الإسلاموي: من عدم الإلمام الأولي بأساسيات وتعاليم الدين، والمظالم المحلية التي تعكس قدراً من المظالم العالمية، والروابط العشائرية مع المسلمين الآخرين لما وراء التصنيف العرقي والإثني، وأوهام التمكين من خلال التهديد بالعنف.
ومن ناحية أخرى، فلقد أصبح رمزاً من رموز المشاكسة والعدوانية، والسرد الشخصي للغاية الذي يتشبث الإنسان فيه بذاته، لعدد من الأسباب، فإن الكثير من نقاده قد زعموا أن هذه الحكاية هي من قبيل التلفيق الصرف.
* خدمة «نيويورك تايمز»



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended