جمهور إردوغان انقلب على إرث أتاتورك

تركيا على أبواب «الجمهورية الثانية»

جمهور إردوغان انقلب على إرث أتاتورك
TT

جمهور إردوغان انقلب على إرث أتاتورك

جمهور إردوغان انقلب على إرث أتاتورك

وضع الاستفتاء الشعبي الذي أجرته تركيا الأحد الماضي، البلاد على عتبه «الجمهورية الثانية» بعد تغيير جوهر وطريقة حكم «الجمهورية الأولى» التي أنشأها مؤسس الجمهورية مصطفى كمال المعروف بـ«أتاتورك» أي «أبو الأتراك» في العام 1923، والتي ستحتفل بمئويتها بعد سنوات قليلة. لكن الذكرى المئوية ستأتي بعدما بدّل الزعيم التركي الحديث رجب طيب إردوغان الكثير من معالمها عبر نظام رئاسي لا يشبه الأنظمة الرئاسية المعروفة، والذي سيبدأ العمل فيه في العام 2019، أي بعد نحو 96 سنة من ولادة جمهورية أتاتورك.
ذهب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بعيداً في «خطاب النصر» الذي ألقاه بعد ظهور نتائج الاستفتاء على إنشاء نظام رئاسي، الذي أعطاه نسبة تقارب الـ51 في المائة من أصوات الناخبين؛ إذ قال إن التصويت بـ«نعم» يعني أن «تركيا اليوم اتخذت قراراً تاريخياً وأنهت الجدال المستمر منذ 200 عام حول نظام حكمها» بما يعني أنه ذهب مائة سنة أبعد من عهد أتاتورك وصولا إلى عهد السلطانين، محمود الثاني وعبد المجيد الأول، اللذين أدخلا النظم السياسية الحديثة إلى تركيا، والتي فسرها أحد معارضي إردوغان بالقول إن ما قاله الرئيس التركي «تعبير آيديولوجي يعبر من خلاله عن قناعته بأن التأثير الغربي بدأ يسمّم النظام السياسي التركي مع إصلاحات العام 1839»، عندما أصدر السلطان عبد المجيد «فرمان الكلخانة»، وبه بدأت حركة الإصلاحات الواسعة المعروفة بـ«التنظيمات».
تنقلت تركيا، منذ ذلك التاريخ بين أكثر من نظام حكم، حيث بدأ تقييد صلاحيات السلطان المطلقة شيئا فشيئا، وازدادت القيود مع ضعف شخصية كل سلطان. ومع ازدياد حالة الترهل في البلاد التي انتقلت إلى نظام «الملكية الدستورية»، ثم القضاء نهائياً على السلطنة بعد «حرب الاستقلال» التي قادها أتاتورك ضد القوات الغازية لبلاده الخاسرة في الحرب العالمية الأولى. وعلى الأثر أطاح أتاتورك بنظام الخلافة، ثم أعاد بناء تركيا بحدودها الحالية المعروفة على أساس نظام جمهوري برلماني كان فيه موقع الرئيس شبه شرفي، بينما كانت صلاحيات رئيس الوزراء أكبر وأقوى. ومع ذلك، حكم البلاد بيد من حديد من موقع الرئيس، كما يفعل إردوغان تماما منذ انتخابه رئيسا للجمهورية قبل بضع سنوات.
لم يخف الرئيس إردوغان رغبته بتغيير نظام الحكم البرلماني، طارحا في البداية النظام شبه الرئاسي كمدخل للأمور. إلا أنه بعد فشل حزبه - حزب العدالة والتنمية - في الانتخابات البرلمانية، تراجع بعض الشيء من منطلق أن الشعب قال كلمته «رفضا» للنظام الرئاسي. ولكن بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو (تموز) 2016، اكتسب إردوغان زخما إضافيا جعله أقرب إلى تحقيق «النظام – الحلم» الذي كرّس السنوات الأربع الأخيرة من حكمه من أجل الانتقال إليه، وكان الثمن انفضاض عدد من أصدقاء الأمس عنه، ورحيل عدد من القادة المؤسسين للحزب عنه، وصولا إلى إطاحته برئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو الذي فشل في مهمة الانتقال إلى النظام الرئاسي.
خلافات الرؤساء ورؤساء الوزارات
يؤشر أنصار الحزب الحاكم إلى مجموعة من التواريخ المشابهة لخلاف إردوغان - داود أوغلو، وتأثيرها في الحياة السياسية التركية، منها الأزمة الأولى التي حصلت بين مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك ورفيق دربه، وخليفته لاحقا، عصمت إينونو الذي كان رئيسا للوزراء والتي انتهت بتقديم الأخير استقالته في أكتوبر (تشرين الأول) 1937.
ومن التواريخ أيضا، أزمة مشابهة حصلت بين رئيس الوزراء سليمان ديميريل ورئيس الجمهورية - آنذاك - فخري قوروتورك، حين اختلف الطرفان على تعيين قائد القوات البرية وهدد كل منهما بالاستقالة في حال لم يتم تعيين المرشح الذي طرحه كل منهما. والطريف، أن الخلاف حُل آنذاك بإحالة المرشحين معا إلى التقاعد، وجاء إلى المنصب الجنرال كنعان إيفرين الذي قاد انقلاب العام 1982 مطيحا بالرجلين معا من السلطة.
ويشير هؤلاء أيضا إلى خلاف آخر تفجر بين رئيس الوزراء ديميريل ورئيس الجمهورية تورغوت أوزال... ووصل إلى درجة تبادل السباب والشتائم. وكذلك الخلاف بين رئيس الجمهورية أحمد نجدت سيزر ورئيس الوزراء بولنت أجاويت عام 2001 وأدى إلى أكبر أزمة اقتصادية شهدتها تركيا.
يلدريم رئيساً للوزراء
بعد داود أوغلو، جاء بن علي يلدريم إلى منصب رئاسة الوزراء بمهمة شبه وحيدة سيؤدي نجاحه فيها إلى إلغاء المنصب الذي عين فيه، وهو ما حصل من خلال عملية الاستفتاء التي لم تشهد منافسة حزبية حادة بعدما تصدرها حزب الشعب الجمهوري، الذي يتمتع بتأييد لا يصل في أفضل الأحوال إلى 30 في المائة، فيما نالت كلمة «لا» ما يقارب 49 في المائة.
وفي أول خطاب له، تعهد يلدريم بالعمل على كتابة دستور جديد للبلاد يتضمن تحويل نظام الحكم في البلاد إلى رئاسي. وقال يلدريم في كلمته أمام المؤتمر العام الاستثنائي لحزب العدالة والتنمية: «الرئيس رجب طيب إردوغان محب للشعب التركي، ويهتم بمشاكله وهمومه، ولذلك فإنّ أهم ما يجب أن نقوم به اليوم، هو تشريع هذا الواقع الفعلي من خلال صياغة دستور جديد، يكون مرتكزه الأساسي النظام الرئاسي».
عمليا، يبدأ بعض مواد الدستور بالنفاذ فورا، ومنها فتح المجال لرئيس الجمهورية للعمل الحزبي، بالإضافة إلى بعض الصلاحيات المتعلقة بتنظيم عمل القضاء. إلا أن الانتقال الجذري سوف يتم في العام 2019 بعد انتخابات رئاسية ونيابية متزامنة تجرى في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، والتي سيُمنح من خلالها الرئيس المقبل - الذي سيكون على الأرجح إردوغان نفسه - صلاحيات كبيرة جدا تمكنه، من وجهة نظره، من قيادة تركيا إلى حكم مستقر وتبعد عن البلاد خطر الانقلابات العسكرية. غير أنها ستؤدي من وجهة نظر معارضيه إلى تحويل البلاد إلى نظام «حكم الرجل الواحد» أو تحويلها إلى كوريا شمالية ثانية، كما قال زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليشدار أوغلو في تصريحات أدلى بها مؤخرا.
كيليشدار أوغلو أشار إلى أن النظام الرئاسي «سيقطع الرابط بين الشعب ونواب البرلمان»، وسيتحول نائب البرلمان إلى نائب الرئيس، متسائلا عن المشاكل التي سيحلها هذا التعديل الدستوري. وتابع تساؤلاته: «كيف يرى الغرب الوضع؟ لا توجد ديمقراطية في تركيا، والأرواح والممتلكات غير آمنة فيها، فلماذا يستثمر فيها؟ هل سيصلح علاقاتنا مع دول الجوار؟ لا، هل ستنخفض أسعار الأغذية؟ لا، هل سيتحقق استقرار اقتصادي؟ لا، هل سيصلح النظام التعليمي المتدهور؟ لا».
مؤتمر للحزب الحاكم
الخطوات العملية ستبدأ قريبا، مع توقع بدعوة حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى مؤتمر للحزب سيعيد انتخاب إردوغان رئيسا له، كما أعلن رئيس الوزراء بن علي يلدريم بعد الاستفتاء، مؤكدا أنه لا يوجد على أجندة الحكومة إجراء انتخابات نيابية ورئاسية مبكرة. غير أن رئيس تحرير صحيفة «حرييت ديلي نيوز» الناطقة بالإنجليزية مراد يتكن رجّح أن «يتحرك إردوغان بسرعة لتنفيذ النظام الرئاسي الذي أقره الاستفتاء». وذكر يتكن أنه «يحتاج إلى عدد من قوانين المواءمة التي تحتاج إلى موافقة برلمانية» متوقعا «إجراء تعديل وزاري محدود».
أيضا يقول يتكن لـ«الشرق الأوسط» في حوار معه: «أنكر أكثر من عضو في الحكومة إمكانية حصول انتخابات مبكرة، ولكن هذا لا يعني أنها لن تحدث. اعتقد إردوغان أنه قد يكون من المغامرة أن يكون حجم قدرة الحزب الحاكم على حاله، رغم أنه يكفيه للبقاء في الحكم، ولهذا قد يسعى للحصول على غالبية مريحة وأكثر تجانسا، ولذا قد يدعو إلى انتخابات مبكرة بعد موافقة قوانين المواءمة، وربما أواخر الخريف».
في المقابل، الباحث التركي المقرب من حزب العدالة والتنمية الحاكم جاهد طوز، أكد لـ«الشرق الأوسط» أنه لا يتوقع أن تكون هناك انتخابات مبكرة «فالدستور الجديد ينص على أن تكون الانتخابات في الشهر العاشر من العام 2019، وهذا واضح قانونا»، معتبرا أنه لو كانت النتيجة «لا» لكان هناك احتمال كبير بأن تكون انتخابات مبكرة. وتابع طوز: «الدستور الجديد يحول تركيا إلى دولة مؤسساتية، لذلك سوف يكون هناك تغييرات في مؤسسات الدولة وإعادة هيكلة وتنظيم، ومنها إلغاء منصب رئيس الوزراء، وهذا كله يحتاج وقتا ولذلك لا أعتقد بوجود انتخابات مبكرة».
من جهة ثانية، يرى يتكن أن إصرار إردوغان على إعادة العمل بعقوبة الإعدام قد يؤدي إلى مزيد من العلاقات المتوترة مع حلفاء تركيا في الغرب، وخاصة الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي قد يؤثر أيضا على الاستثمارات الأجنبية إلى تركيا. غير أن طوز قال «موضوع عقوبة الإعدام ستتم مناقشته في الأيام المقبلة، والرئيس في كل الأماكن التي زارها خلال عملية الاستفتاء وجد طلبا كبيرا بالعودة إلى هذه العقوبة، ولهذا قال إنه سوف يوقع أي قانون يأتيه من البرلمان بهذا الخصوص. وأتوقع أن يقر». وأضاف: «هذا سيؤثر على علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي، لكن هذه مسألة داخلية، وأعتقد أنه قد تحصل توترات، لكن في النهاية سيكون هناك تفاهم بين الطرفين، ولن يكون هناك مشكلة كبيرة».
موقف القوميين
أيضا، يعتقد يتكن أن دعم حزب الحركة القومية حكومة حزب العدالة والتنمية على الرغم من كونه حزبا معارضا، أدى إلى تشققات خطيرة في الحزب. وتوقع أن يعاني رئيس الحزب دولت بهجلي من مزيد من المشاكل. أما زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليشدار أوغلو، فكان زعيم المعارضة الوحيد المعلن الذي قاتل من أجل «لا»، بعدما سُجن الرئيسان المشاركان لحزب «السلام والديمقراطية» صلاح الدين ديميرتاش وفيجين يوكسيكداغ. وهنا يعلق يتكن: «ربما لم يتمكن حزب الشعب الجمهوري من تحقيق هدف «لا» لكنه تمكن من قيادة الحملة للحصول على ما يقرب من نصف الأصوات، على الرغم من أن قدراته الخاصة هي 25 في المائة. وهذا ما سيعطيهم دفعا قويا في الانتخابات المقبلة».
أما يوسف حلاج أوغلو، أحد الحزبيين المعارضين لرئيس حزب الحركة القومية، فرأى أن «السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية في الدول والمجتمعات الديمقراطية سلطات منفصلة ومستقلة عن بعضها البعض، ولكن إذا اجتمعت هذه السلطات الثلاث في يد شخص واحد فإننا لا يمكن أن نتحدث عن ديمقراطية في تلك البلاد حيث سيكون المتحكم بها شخص واحد وسيتحول مع مرور الزمن إلى ديكتاتور، كما أننا لو نظرنا إلى العالم كله، فلن نجد أي نظام في العالم أعطى جميع السلطات لرجل واحد». وتابع حلاج أوغلو كلامه لـ«الشرق الأوسط» موضحا: «لو نظرنا إلى الـ18 مادة التي يُراد تغييرها في الدستور سنرى أن النظام الذي يراد تطبيقية في تركيا لا يوجد له أي علاقة لا من قريب ولا من بعيد بالنظام الرئاسي في الولايات المتحدة. فأولا في أميركا لا يحق للرئيس حل البرلمان أو مجلس الشيوخ، ولكن هنا سيكون لديه الصلاحية لحل البرلمان دون أي سبب. ثانيا في أميركا لا يحق للرئيس إصدار قانون من دون الرجوع إلى الهيئات البرلمانية، ولكن هنا يحق للرئيس إصدار قانون أو قرار يكفي تصديق شخصي لكي يدخل حيز التنفيذ. وثالثا هنا من أجل فتح دعوى قضائية على الرئيس يجب تصديق ثلثي أعضاء البرلمان بينما لا يوجد في أميركا مثل هذا، حيث يمكن لأي مدع عام أن يفتح دعوى ضد الرئيس».
وأكد حلاج أوغلو أن حزب الحركة القومية في البلاد «لم ينقسم كما يحاول البعض إظهاره بل إن 90 في المائة من أبناء ومؤيدي الحركة القومية يرفضون مشروع التغيير ويقولون لا وألف لا... كما أن مؤسس الحركة المرحوم ألب أصلان توركش كان من أكثر المعارضين للنظام الرئاسي في البلاد، كما أن مؤيدي الحركة لن ينصاعوا وراء قادة الحزب». وأضاف أن «نتيجة (نعم) قدمت السلطات على صحن من ذهب لإردوغان، وبالتالي، سيصبح جميع ممثلي السلطات الثلاث مسؤولين أمام إردوغان وليس أمام البرلمان كما في الدول الديمقراطية وسيكون جميعهم موظفين يأتمرون بأوامر إردوغان مباشرة... باختصار: تركيا ستعيش أياما عصيبة جدا جدا».
«مساوئ» النظام البرلماني
في هذه الأثناء، يقول نائب رئيس الوزراء التركي السابق أمر الله إيشلر إن الحزب الحاكم شرح «للشعب التركي أن النظام البرلماني سبب المشكلة في تركيا». وتابع: «في هذا النظام البرلماني عشنا الخلافات السياسية والأزمات الاقتصادية، وكانت هناك فوضى بالشوارع قبل الانقلاب العام 1980. وبعد الانقلاب بدأنا نعيش الإرهاب أكثر من 30 سنة، وصرفنا أيضا مبالغ كبيرة لمكافحة الإرهاب. كذلك في النظام البرلماني عشنا 5 أو 6 انقلابات عسكرية، وبناء عليه فهذا النظام لا يصلح لإدارة بلد مثل تركيا، ولا بد أن ننتقل إلى نظام رئاسي لا يعيش فيه الشعب التركي الخلافات السياسية». وأردف إيشلر: «إردوغان رئيس جمهورية الآن فما فائدة التعديل الدستوري؟ هل سيكسب صفة أو منصبا جديدا؟ بالتأكيد لا، إذن لماذا هو يطلب التعديل؟ للأجيال القادمة لما بعد عهده. إنه زعيم كاريزمي وقوي وسيستطيع أن يتجاوز العقبات أمام تركيا بإدارته الرشيدة، لكن ما بعد إردوغان، إذا لم يأت رئيس مثله، فمعنى ذلك أن هناك عقبات. نحن بهذا التعديل نزيل العقبات والحواجز أمام تركيا».

التعديلات الدستورية
تتضمن التعديلات الدستورية 18 تعديلا أبرزها إلغاء مجلس الوزراء، وتولي الرئيس السلطة التنفيذية وقيادة الجيش، وإعطاؤه حق تعيين نوابه ووزرائه وإقالتهم من دون العودة إلى البرلمان الذي لا يستطيع سحب الثقة من الوزراء.
* رفع عدد نواب البرلمان من 550 إلى 600 نائب.
* خفض سن الترشح لخوض الانتخابات العامة من 25 إلى 18 سنة.
* تجرى الانتخابات العامة والرئاسية في نفس اليوم كل 5 سنوات.
* يستخدم البرلمان صلاحيته في الرقابة والتفتيش والحصول على معلومات عبر «تقص برلماني» أو «اجتماع عام» أو «تحقيق برلماني» أو «سؤال خطي».
* عدم قطع رئيس الدولة صلته بحزبه.
* ولاية رئيس الدولة 5 سنوات، ولا يحق للشخص أن يتولى منصب الرئاسة أكثر من دورتين.
* المرشح الذي يحصل على أغلبية مطلقة في الانتخابات يفوز بمنصب الرئاسة.
* رئيس الدولة يتولى صلاحيات تنفيذية، وقيادة الجيش، ويحق له تعيين نوابه والوزراء وإقالتهم.
* يعرض الرئيس القوانين المتعلقة بتغيير الدستور على استفتاء شعبي في حال رآها ضرورية.
* يحق للرئيس إصدار مراسيم في مواضيع تتعلق بالسلطة التنفيذية، لكن لا يحق له إصدار مراسيم في المسائل التي ينظمها القانون بشكل واضح.
* يعتبر المرسوم الرئاسي ملغى في حال أصدر البرلمان قانونًا يتناول نفس الموضوع.
* يحق للبرلمان طلب فتح تحقيق بحق رئيس الدولة ونوابه والوزراء، ولا يحق للرئيس في هذه الحالة الدعوة إلى انتخابات عامة.
* يحق للرئيس تعيين نائب له أو أكثر.
* تسقط العضوية البرلمانية عن النواب الذين يتم تعيينهم في منصب نواب الرئيس أو وزراء.
* يمكن للبرلمان اتخاذ قرار بإجراء انتخابات جديدة بموافقة ثلاثة أخماس مجموع عدد النواب.
* يحق للرئيس إعلان حالة الطوارئ في حال توافرت الشروط المحددة في القانون.
* تلغى المحاكم العسكرية، بما فيها المحكمة القضائية العليا العسكرية والمحكمة الإدارية العليا العسكرية.
* يحظر إنشاء محاكم عسكرية في البلاد باستثناء المحاكم التأديبية.
* رئيس الدولة يعرض الميزانية العامة على البرلمان.
* يلغى مجلس الوزراء ويتولى الرئيس مهام وصلاحيات السلطة التنفيذية، بما يتناسب مع الدستور.
* تجرى الانتخابات العامة والرئاسية المقبلة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.