جمهور إردوغان انقلب على إرث أتاتورك

تركيا على أبواب «الجمهورية الثانية»

جمهور إردوغان انقلب على إرث أتاتورك
TT

جمهور إردوغان انقلب على إرث أتاتورك

جمهور إردوغان انقلب على إرث أتاتورك

وضع الاستفتاء الشعبي الذي أجرته تركيا الأحد الماضي، البلاد على عتبه «الجمهورية الثانية» بعد تغيير جوهر وطريقة حكم «الجمهورية الأولى» التي أنشأها مؤسس الجمهورية مصطفى كمال المعروف بـ«أتاتورك» أي «أبو الأتراك» في العام 1923، والتي ستحتفل بمئويتها بعد سنوات قليلة. لكن الذكرى المئوية ستأتي بعدما بدّل الزعيم التركي الحديث رجب طيب إردوغان الكثير من معالمها عبر نظام رئاسي لا يشبه الأنظمة الرئاسية المعروفة، والذي سيبدأ العمل فيه في العام 2019، أي بعد نحو 96 سنة من ولادة جمهورية أتاتورك.
ذهب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بعيداً في «خطاب النصر» الذي ألقاه بعد ظهور نتائج الاستفتاء على إنشاء نظام رئاسي، الذي أعطاه نسبة تقارب الـ51 في المائة من أصوات الناخبين؛ إذ قال إن التصويت بـ«نعم» يعني أن «تركيا اليوم اتخذت قراراً تاريخياً وأنهت الجدال المستمر منذ 200 عام حول نظام حكمها» بما يعني أنه ذهب مائة سنة أبعد من عهد أتاتورك وصولا إلى عهد السلطانين، محمود الثاني وعبد المجيد الأول، اللذين أدخلا النظم السياسية الحديثة إلى تركيا، والتي فسرها أحد معارضي إردوغان بالقول إن ما قاله الرئيس التركي «تعبير آيديولوجي يعبر من خلاله عن قناعته بأن التأثير الغربي بدأ يسمّم النظام السياسي التركي مع إصلاحات العام 1839»، عندما أصدر السلطان عبد المجيد «فرمان الكلخانة»، وبه بدأت حركة الإصلاحات الواسعة المعروفة بـ«التنظيمات».
تنقلت تركيا، منذ ذلك التاريخ بين أكثر من نظام حكم، حيث بدأ تقييد صلاحيات السلطان المطلقة شيئا فشيئا، وازدادت القيود مع ضعف شخصية كل سلطان. ومع ازدياد حالة الترهل في البلاد التي انتقلت إلى نظام «الملكية الدستورية»، ثم القضاء نهائياً على السلطنة بعد «حرب الاستقلال» التي قادها أتاتورك ضد القوات الغازية لبلاده الخاسرة في الحرب العالمية الأولى. وعلى الأثر أطاح أتاتورك بنظام الخلافة، ثم أعاد بناء تركيا بحدودها الحالية المعروفة على أساس نظام جمهوري برلماني كان فيه موقع الرئيس شبه شرفي، بينما كانت صلاحيات رئيس الوزراء أكبر وأقوى. ومع ذلك، حكم البلاد بيد من حديد من موقع الرئيس، كما يفعل إردوغان تماما منذ انتخابه رئيسا للجمهورية قبل بضع سنوات.
لم يخف الرئيس إردوغان رغبته بتغيير نظام الحكم البرلماني، طارحا في البداية النظام شبه الرئاسي كمدخل للأمور. إلا أنه بعد فشل حزبه - حزب العدالة والتنمية - في الانتخابات البرلمانية، تراجع بعض الشيء من منطلق أن الشعب قال كلمته «رفضا» للنظام الرئاسي. ولكن بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو (تموز) 2016، اكتسب إردوغان زخما إضافيا جعله أقرب إلى تحقيق «النظام – الحلم» الذي كرّس السنوات الأربع الأخيرة من حكمه من أجل الانتقال إليه، وكان الثمن انفضاض عدد من أصدقاء الأمس عنه، ورحيل عدد من القادة المؤسسين للحزب عنه، وصولا إلى إطاحته برئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو الذي فشل في مهمة الانتقال إلى النظام الرئاسي.
خلافات الرؤساء ورؤساء الوزارات
يؤشر أنصار الحزب الحاكم إلى مجموعة من التواريخ المشابهة لخلاف إردوغان - داود أوغلو، وتأثيرها في الحياة السياسية التركية، منها الأزمة الأولى التي حصلت بين مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك ورفيق دربه، وخليفته لاحقا، عصمت إينونو الذي كان رئيسا للوزراء والتي انتهت بتقديم الأخير استقالته في أكتوبر (تشرين الأول) 1937.
ومن التواريخ أيضا، أزمة مشابهة حصلت بين رئيس الوزراء سليمان ديميريل ورئيس الجمهورية - آنذاك - فخري قوروتورك، حين اختلف الطرفان على تعيين قائد القوات البرية وهدد كل منهما بالاستقالة في حال لم يتم تعيين المرشح الذي طرحه كل منهما. والطريف، أن الخلاف حُل آنذاك بإحالة المرشحين معا إلى التقاعد، وجاء إلى المنصب الجنرال كنعان إيفرين الذي قاد انقلاب العام 1982 مطيحا بالرجلين معا من السلطة.
ويشير هؤلاء أيضا إلى خلاف آخر تفجر بين رئيس الوزراء ديميريل ورئيس الجمهورية تورغوت أوزال... ووصل إلى درجة تبادل السباب والشتائم. وكذلك الخلاف بين رئيس الجمهورية أحمد نجدت سيزر ورئيس الوزراء بولنت أجاويت عام 2001 وأدى إلى أكبر أزمة اقتصادية شهدتها تركيا.
يلدريم رئيساً للوزراء
بعد داود أوغلو، جاء بن علي يلدريم إلى منصب رئاسة الوزراء بمهمة شبه وحيدة سيؤدي نجاحه فيها إلى إلغاء المنصب الذي عين فيه، وهو ما حصل من خلال عملية الاستفتاء التي لم تشهد منافسة حزبية حادة بعدما تصدرها حزب الشعب الجمهوري، الذي يتمتع بتأييد لا يصل في أفضل الأحوال إلى 30 في المائة، فيما نالت كلمة «لا» ما يقارب 49 في المائة.
وفي أول خطاب له، تعهد يلدريم بالعمل على كتابة دستور جديد للبلاد يتضمن تحويل نظام الحكم في البلاد إلى رئاسي. وقال يلدريم في كلمته أمام المؤتمر العام الاستثنائي لحزب العدالة والتنمية: «الرئيس رجب طيب إردوغان محب للشعب التركي، ويهتم بمشاكله وهمومه، ولذلك فإنّ أهم ما يجب أن نقوم به اليوم، هو تشريع هذا الواقع الفعلي من خلال صياغة دستور جديد، يكون مرتكزه الأساسي النظام الرئاسي».
عمليا، يبدأ بعض مواد الدستور بالنفاذ فورا، ومنها فتح المجال لرئيس الجمهورية للعمل الحزبي، بالإضافة إلى بعض الصلاحيات المتعلقة بتنظيم عمل القضاء. إلا أن الانتقال الجذري سوف يتم في العام 2019 بعد انتخابات رئاسية ونيابية متزامنة تجرى في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، والتي سيُمنح من خلالها الرئيس المقبل - الذي سيكون على الأرجح إردوغان نفسه - صلاحيات كبيرة جدا تمكنه، من وجهة نظره، من قيادة تركيا إلى حكم مستقر وتبعد عن البلاد خطر الانقلابات العسكرية. غير أنها ستؤدي من وجهة نظر معارضيه إلى تحويل البلاد إلى نظام «حكم الرجل الواحد» أو تحويلها إلى كوريا شمالية ثانية، كما قال زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليشدار أوغلو في تصريحات أدلى بها مؤخرا.
كيليشدار أوغلو أشار إلى أن النظام الرئاسي «سيقطع الرابط بين الشعب ونواب البرلمان»، وسيتحول نائب البرلمان إلى نائب الرئيس، متسائلا عن المشاكل التي سيحلها هذا التعديل الدستوري. وتابع تساؤلاته: «كيف يرى الغرب الوضع؟ لا توجد ديمقراطية في تركيا، والأرواح والممتلكات غير آمنة فيها، فلماذا يستثمر فيها؟ هل سيصلح علاقاتنا مع دول الجوار؟ لا، هل ستنخفض أسعار الأغذية؟ لا، هل سيتحقق استقرار اقتصادي؟ لا، هل سيصلح النظام التعليمي المتدهور؟ لا».
مؤتمر للحزب الحاكم
الخطوات العملية ستبدأ قريبا، مع توقع بدعوة حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى مؤتمر للحزب سيعيد انتخاب إردوغان رئيسا له، كما أعلن رئيس الوزراء بن علي يلدريم بعد الاستفتاء، مؤكدا أنه لا يوجد على أجندة الحكومة إجراء انتخابات نيابية ورئاسية مبكرة. غير أن رئيس تحرير صحيفة «حرييت ديلي نيوز» الناطقة بالإنجليزية مراد يتكن رجّح أن «يتحرك إردوغان بسرعة لتنفيذ النظام الرئاسي الذي أقره الاستفتاء». وذكر يتكن أنه «يحتاج إلى عدد من قوانين المواءمة التي تحتاج إلى موافقة برلمانية» متوقعا «إجراء تعديل وزاري محدود».
أيضا يقول يتكن لـ«الشرق الأوسط» في حوار معه: «أنكر أكثر من عضو في الحكومة إمكانية حصول انتخابات مبكرة، ولكن هذا لا يعني أنها لن تحدث. اعتقد إردوغان أنه قد يكون من المغامرة أن يكون حجم قدرة الحزب الحاكم على حاله، رغم أنه يكفيه للبقاء في الحكم، ولهذا قد يسعى للحصول على غالبية مريحة وأكثر تجانسا، ولذا قد يدعو إلى انتخابات مبكرة بعد موافقة قوانين المواءمة، وربما أواخر الخريف».
في المقابل، الباحث التركي المقرب من حزب العدالة والتنمية الحاكم جاهد طوز، أكد لـ«الشرق الأوسط» أنه لا يتوقع أن تكون هناك انتخابات مبكرة «فالدستور الجديد ينص على أن تكون الانتخابات في الشهر العاشر من العام 2019، وهذا واضح قانونا»، معتبرا أنه لو كانت النتيجة «لا» لكان هناك احتمال كبير بأن تكون انتخابات مبكرة. وتابع طوز: «الدستور الجديد يحول تركيا إلى دولة مؤسساتية، لذلك سوف يكون هناك تغييرات في مؤسسات الدولة وإعادة هيكلة وتنظيم، ومنها إلغاء منصب رئيس الوزراء، وهذا كله يحتاج وقتا ولذلك لا أعتقد بوجود انتخابات مبكرة».
من جهة ثانية، يرى يتكن أن إصرار إردوغان على إعادة العمل بعقوبة الإعدام قد يؤدي إلى مزيد من العلاقات المتوترة مع حلفاء تركيا في الغرب، وخاصة الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي قد يؤثر أيضا على الاستثمارات الأجنبية إلى تركيا. غير أن طوز قال «موضوع عقوبة الإعدام ستتم مناقشته في الأيام المقبلة، والرئيس في كل الأماكن التي زارها خلال عملية الاستفتاء وجد طلبا كبيرا بالعودة إلى هذه العقوبة، ولهذا قال إنه سوف يوقع أي قانون يأتيه من البرلمان بهذا الخصوص. وأتوقع أن يقر». وأضاف: «هذا سيؤثر على علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي، لكن هذه مسألة داخلية، وأعتقد أنه قد تحصل توترات، لكن في النهاية سيكون هناك تفاهم بين الطرفين، ولن يكون هناك مشكلة كبيرة».
موقف القوميين
أيضا، يعتقد يتكن أن دعم حزب الحركة القومية حكومة حزب العدالة والتنمية على الرغم من كونه حزبا معارضا، أدى إلى تشققات خطيرة في الحزب. وتوقع أن يعاني رئيس الحزب دولت بهجلي من مزيد من المشاكل. أما زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليشدار أوغلو، فكان زعيم المعارضة الوحيد المعلن الذي قاتل من أجل «لا»، بعدما سُجن الرئيسان المشاركان لحزب «السلام والديمقراطية» صلاح الدين ديميرتاش وفيجين يوكسيكداغ. وهنا يعلق يتكن: «ربما لم يتمكن حزب الشعب الجمهوري من تحقيق هدف «لا» لكنه تمكن من قيادة الحملة للحصول على ما يقرب من نصف الأصوات، على الرغم من أن قدراته الخاصة هي 25 في المائة. وهذا ما سيعطيهم دفعا قويا في الانتخابات المقبلة».
أما يوسف حلاج أوغلو، أحد الحزبيين المعارضين لرئيس حزب الحركة القومية، فرأى أن «السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية في الدول والمجتمعات الديمقراطية سلطات منفصلة ومستقلة عن بعضها البعض، ولكن إذا اجتمعت هذه السلطات الثلاث في يد شخص واحد فإننا لا يمكن أن نتحدث عن ديمقراطية في تلك البلاد حيث سيكون المتحكم بها شخص واحد وسيتحول مع مرور الزمن إلى ديكتاتور، كما أننا لو نظرنا إلى العالم كله، فلن نجد أي نظام في العالم أعطى جميع السلطات لرجل واحد». وتابع حلاج أوغلو كلامه لـ«الشرق الأوسط» موضحا: «لو نظرنا إلى الـ18 مادة التي يُراد تغييرها في الدستور سنرى أن النظام الذي يراد تطبيقية في تركيا لا يوجد له أي علاقة لا من قريب ولا من بعيد بالنظام الرئاسي في الولايات المتحدة. فأولا في أميركا لا يحق للرئيس حل البرلمان أو مجلس الشيوخ، ولكن هنا سيكون لديه الصلاحية لحل البرلمان دون أي سبب. ثانيا في أميركا لا يحق للرئيس إصدار قانون من دون الرجوع إلى الهيئات البرلمانية، ولكن هنا يحق للرئيس إصدار قانون أو قرار يكفي تصديق شخصي لكي يدخل حيز التنفيذ. وثالثا هنا من أجل فتح دعوى قضائية على الرئيس يجب تصديق ثلثي أعضاء البرلمان بينما لا يوجد في أميركا مثل هذا، حيث يمكن لأي مدع عام أن يفتح دعوى ضد الرئيس».
وأكد حلاج أوغلو أن حزب الحركة القومية في البلاد «لم ينقسم كما يحاول البعض إظهاره بل إن 90 في المائة من أبناء ومؤيدي الحركة القومية يرفضون مشروع التغيير ويقولون لا وألف لا... كما أن مؤسس الحركة المرحوم ألب أصلان توركش كان من أكثر المعارضين للنظام الرئاسي في البلاد، كما أن مؤيدي الحركة لن ينصاعوا وراء قادة الحزب». وأضاف أن «نتيجة (نعم) قدمت السلطات على صحن من ذهب لإردوغان، وبالتالي، سيصبح جميع ممثلي السلطات الثلاث مسؤولين أمام إردوغان وليس أمام البرلمان كما في الدول الديمقراطية وسيكون جميعهم موظفين يأتمرون بأوامر إردوغان مباشرة... باختصار: تركيا ستعيش أياما عصيبة جدا جدا».
«مساوئ» النظام البرلماني
في هذه الأثناء، يقول نائب رئيس الوزراء التركي السابق أمر الله إيشلر إن الحزب الحاكم شرح «للشعب التركي أن النظام البرلماني سبب المشكلة في تركيا». وتابع: «في هذا النظام البرلماني عشنا الخلافات السياسية والأزمات الاقتصادية، وكانت هناك فوضى بالشوارع قبل الانقلاب العام 1980. وبعد الانقلاب بدأنا نعيش الإرهاب أكثر من 30 سنة، وصرفنا أيضا مبالغ كبيرة لمكافحة الإرهاب. كذلك في النظام البرلماني عشنا 5 أو 6 انقلابات عسكرية، وبناء عليه فهذا النظام لا يصلح لإدارة بلد مثل تركيا، ولا بد أن ننتقل إلى نظام رئاسي لا يعيش فيه الشعب التركي الخلافات السياسية». وأردف إيشلر: «إردوغان رئيس جمهورية الآن فما فائدة التعديل الدستوري؟ هل سيكسب صفة أو منصبا جديدا؟ بالتأكيد لا، إذن لماذا هو يطلب التعديل؟ للأجيال القادمة لما بعد عهده. إنه زعيم كاريزمي وقوي وسيستطيع أن يتجاوز العقبات أمام تركيا بإدارته الرشيدة، لكن ما بعد إردوغان، إذا لم يأت رئيس مثله، فمعنى ذلك أن هناك عقبات. نحن بهذا التعديل نزيل العقبات والحواجز أمام تركيا».

التعديلات الدستورية
تتضمن التعديلات الدستورية 18 تعديلا أبرزها إلغاء مجلس الوزراء، وتولي الرئيس السلطة التنفيذية وقيادة الجيش، وإعطاؤه حق تعيين نوابه ووزرائه وإقالتهم من دون العودة إلى البرلمان الذي لا يستطيع سحب الثقة من الوزراء.
* رفع عدد نواب البرلمان من 550 إلى 600 نائب.
* خفض سن الترشح لخوض الانتخابات العامة من 25 إلى 18 سنة.
* تجرى الانتخابات العامة والرئاسية في نفس اليوم كل 5 سنوات.
* يستخدم البرلمان صلاحيته في الرقابة والتفتيش والحصول على معلومات عبر «تقص برلماني» أو «اجتماع عام» أو «تحقيق برلماني» أو «سؤال خطي».
* عدم قطع رئيس الدولة صلته بحزبه.
* ولاية رئيس الدولة 5 سنوات، ولا يحق للشخص أن يتولى منصب الرئاسة أكثر من دورتين.
* المرشح الذي يحصل على أغلبية مطلقة في الانتخابات يفوز بمنصب الرئاسة.
* رئيس الدولة يتولى صلاحيات تنفيذية، وقيادة الجيش، ويحق له تعيين نوابه والوزراء وإقالتهم.
* يعرض الرئيس القوانين المتعلقة بتغيير الدستور على استفتاء شعبي في حال رآها ضرورية.
* يحق للرئيس إصدار مراسيم في مواضيع تتعلق بالسلطة التنفيذية، لكن لا يحق له إصدار مراسيم في المسائل التي ينظمها القانون بشكل واضح.
* يعتبر المرسوم الرئاسي ملغى في حال أصدر البرلمان قانونًا يتناول نفس الموضوع.
* يحق للبرلمان طلب فتح تحقيق بحق رئيس الدولة ونوابه والوزراء، ولا يحق للرئيس في هذه الحالة الدعوة إلى انتخابات عامة.
* يحق للرئيس تعيين نائب له أو أكثر.
* تسقط العضوية البرلمانية عن النواب الذين يتم تعيينهم في منصب نواب الرئيس أو وزراء.
* يمكن للبرلمان اتخاذ قرار بإجراء انتخابات جديدة بموافقة ثلاثة أخماس مجموع عدد النواب.
* يحق للرئيس إعلان حالة الطوارئ في حال توافرت الشروط المحددة في القانون.
* تلغى المحاكم العسكرية، بما فيها المحكمة القضائية العليا العسكرية والمحكمة الإدارية العليا العسكرية.
* يحظر إنشاء محاكم عسكرية في البلاد باستثناء المحاكم التأديبية.
* رئيس الدولة يعرض الميزانية العامة على البرلمان.
* يلغى مجلس الوزراء ويتولى الرئيس مهام وصلاحيات السلطة التنفيذية، بما يتناسب مع الدستور.
* تجرى الانتخابات العامة والرئاسية المقبلة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.