البقرة في السياسة الهندية والنسيج المجتمعي الطائفي

استغلت أكثر بعد وصول حكومة مودي اليميني إلى السلطة

مجموعات شباب هندوسية تنصب نفسها فوق القانون (رويترز)
مجموعات شباب هندوسية تنصب نفسها فوق القانون (رويترز)
TT

البقرة في السياسة الهندية والنسيج المجتمعي الطائفي

مجموعات شباب هندوسية تنصب نفسها فوق القانون (رويترز)
مجموعات شباب هندوسية تنصب نفسها فوق القانون (رويترز)

شهد العامان الماضيان تبجيلا جنونياً للبقر في الهند. وتعد قضية ذبح الأبقار من القضايا الساخنة الشائكة، حيث يمكن أن تشعل شائعات عن نقل الأبقار بين الولايات المختلفة أعمال شغب دينية، وتؤدي إلى جرائم قتل بدافع الانتقام. ومن المعروف أن فرق «حماية البقر» تتجول على الطرق السريعة لتفتيش حافلات نقل الماشية لرصد أي أثر لنقل البقر، تؤدي أحيانا إلى اندلاع لأعمال عنف جماعية باسم حماية البقر. وفي واقعة بشعة، تم سحل بيهلو خان، مزارع منتجات ألبان مسلم، حتى الموت عقاباً له على نقل أبقار، كان قد اشتراها من سوق ماشية محلية في مدينة جايبور في ولاية راجستان الواقعة غرب الهند، إلى ولاية هاريانا حيث يقيم. واعتاد خان القيام برحلات عمل مثل تلك الرحلات ولديه إيصالات تثبت أنه لم يكن يهرب أبقارا من أجل ذبحها. مع ذلك انهالت عليه مجموعة من «حراس البقر» ضرباً بالعصي وقضبان الحديد بسبب تهريبه المزعوم للأبقار ومات متأثراً بجراحه في المستشفى بعد يومين. وقد تم منع المقطع المصور، الذي تم نشره على موقع الـ«فيسبوك» ويظهر به الهجوم الذي تعرض له الرجل، إلى أن نشرته مجموعة من وسائل الإعلام المستقلة. وتعد الواقعة واحدة من الهجمات التي لا تعد ولا تحصى على تجار اللحوم في جميع أنحاء الهند.
وتساءلت الصحافية باركا دوت «لماذا يتم إعادة تشكيل الهند على هذا النحو الطائفي القائم على وضع الأبقار، واستغلاله سياسيا يوماً تلو الآخر؟ لماذا يتم التهاون مع جرائم القتل باسم حماية الأبقار؟ هل أصبح نظام الحكم في الهند (نظاماً ثيوقراطياً)؟ هل أصبح من يأكل البقر اليوم كافرا؟»، مضيفة أن عنف محبي البقر من الجوانب المميزة للهند المعاصرة، مشيرة إلى أن حراس البقر ليسوا سوى زوائد لثعبان متعدد الرؤوس وهو روح العصر المتمثلة في التعصب للقومية الهندوسية التي تنظر إلى أي شخص ليس نباتياً باعتباره مجرماً محتملا.
وتثير قضية المزارع عدة تساؤلات بشأن الحق في الحياة، والحرية، والاجتماع، والعمل، والمساواة أمام القانون. الأسوأ من ذلك فقد تجرأ مختار عباس ناقفي، وزير في حكومة مودي المركزية، على القول في البرلمان الهندي: «لم تحدث أي واقعة على النحو الذي أشارت إليه المعارضة في البلاد». وقد أثار ذلك التصريح موجة من الاحتجاجات الغاضبة من جانب أحزاب المعارضة في البرلمان. تم سؤال الناجي في جريمة قتل بيهلو خان، وهو شقيقه، عما إذا كان يريد من رئيس الوزراء الهندي مودي إدانة الحادث، فأجاب قائلا: «نحن أناس لا حول لنا ولا قوة. نريد منهم أن يتحدثوا لنصغي. ما الذي يمكن أن نقوم به سوى الإصغاء؟».
ويعد هذا الهجوم هو العاشر من نوعه على مدى عامين على مسلمين وهندوس (منبوذين) في جميع أنحاء الهند بذريعة حماية البقر، أو تطبيق منع تداول لحم الأبقار. ومن المفارقات التي حدثت في عام 2015 تم سحل مسلم يدعى محمد أخلاق بسبب «الاشتباه» في تناوله للحم البقري. وقد اتهم نشطاء هندوس صناعة اللحوم، التي يهيمن عليها المسلمون، بالتغطية على ذبح الأبقار، والتجارة في لحومها كأنها لحم جاموس، حيث لا يحظى الجاموس بأي قداسة أو تبجيل.
وتعد الأبقار مقدسة لدى الأغلبية الهندية من الهندوس، ويعد ذبحها غير قانوني في أكثر الولايات، لكن ازدادت الهجمات على من يخالف القانون فقط بعد وصول حكومة فيدرالية برئاسة حزب بهاراتيا جاناتا اليميني إلى السلطة عام 2014، وقد أقرّت ولاية غوجارات، مسقط رأس رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، مؤخراً بأن ذبح الأبقار جريمة لا يمكن إطلاق سراح مرتكبها بكفالة، وتصل عقوبتها إلى السجن مدى الحياة. كذلك سنّت ولاية تشاتيسغار، التي يحكمها أيضاً حزب بهاراتيا جاناتا، قانوناً يقضي بشنق من يقتل بقرة؛ مع العلم بأن عقوبة جرائم القتل والاعتداء الجنسي لا تصل إلى شنق مرتكبيها. كذلك تنظر ولاية ماديا براديش، وهي ولاية أخرى تخضع لحكم حزب بهاراتيا جاناتا، في إقرار قوانين مماثلة.
على الجانب الآخر، هناك حملة تنكيل واسعة النطاق تقوم بها حكومة بهاراتيا جاناتا الجديدة في ولاية أوتار براديش، المكتظة بالسكان، ضد الأماكن المخصصة للذبح مستهدفة كل المنشآت غير القانونية، لكنها في الواقع تحاول إيذاء المسلمين الذين يهيمنون على تجارة اللحوم. ويتضح الموقف المزدوج لحزب بهاراتيا جاناتا، الذي يستغل فيه لحم البقر لأغراض سياسية، من خلال التأكيد على أنه لا يمكن فرض حظر على لحوم الأبقار في ثلاث ولايات تقع في شمال شرقي البلاد، حيث سيتم إجراء انتخابات في تلك الولايات العام المقبل. وتستهلك الأكثرية المسيحية في ولايات ميغالايا، وميزورام، وناغالاند اللحم البقري بكثرة. مع ذلك صرح فيزازولي لونغو، رئيس حزب بهاراتيا جاناتا، في ولاية ناغالاند لصحيفة «هندوستان تايمز» قائلا: «لن يتم تطبيق منع ذبح الأبقار المعمول به في الولايات الأخرى، التي يحكمها حزب بهاراتيا جاناتا، في ولاية ناغالاند إذا وصل الحزب إلى السلطة العام المقبل. الوضع هنا مختلف للغاية، ويدرك القادة المركزيون للحزب ذلك جيداً».
وفي تحول جديد للأحداث، عرض سوبرامانيان سوامي، عضو برلمان ممثل لحزب بهاراتيا جاناتا، على البرلمان مشروع قانون بـ«عقوبة رادعة» تشمل الإعدام على ذبح البقر، وأمور ترتبط بذلك. ويستحضر مشروع قانون حماية البقر لعام 2017 روح المهاتما غاندي بالقول إن الأب المؤسس للأمة كان «يتمنى» ذلك.
وتساءلت المحكمة العليا عن سبب عدم فرض القانون على مجموعات حراس البقر التي تهاجم مسلمين وهندوسا منبوذين في ست ولايات، أكثرها تحت حكم حزب بهاراتيا جاناتا.
وتتولى فرق من حماة البقر تطبيق الحظر المفروض على ذبح البقر، ومنع نقلها بين الولايات، ويحرمون المزارع من الحصول على ثمن بيعه للماشية.
يذكر أن البقر يعد من أرخص مصادر البروتين في الهند، ويأكل ملايين الأشخاص من الأقليات الكثيرة في الهند، ومن بينهم المسلمون، والمسيحيون، والهندوس المنبوذون، اللحم البقري رغم أنه غير متوفر بشكل كبير. وذكر روشان كيشور، وإيشان أناند في مقال نشر في «هندوستان تايمز» في أكتوبر (تشرين الأول) 2015 يستند إلى تحليل تفصيلي لعينة من البيانات: «يتناول نحو 80 مليون هندي، 12.5 مليون منهم من الهندوس، لحم الأبقار أو الجاموس».
رئيس الوزراء مودي انتقد مراراً وتكراراً حراس البقر هؤلاء بقوله: «يثير الأفراد الذين لا عمل لهم سوى (حماية البقر) غضبي. لقد رأيت بعض الأشخاص، الذين يقومون بأنشطة مناهضة للمجتمع ليلا، ويرتدون زي حماة البقر نهاراً. ينبغي أن تعد الولايات ملفات خاصة بهؤلاء الأفراد؛ وسنجد أن ما يتراوح بين 70 و80 في المائة منهم يشاركون في أنشطة مناهضة للمجتمع، ويحاولون إخفاء جرائمهم بالتظاهر بأنهم يحمون البقر». مع ذلك يبدو أن تلك النصيحة لم تلق آذاناً صاغية بين حكام الولايات المختلفة الذين يصدرون بطاقات رسمية لحراس البقر سعياً وراء جمع الأصوات.
كتب أبور فاناندا، أستاذ جامعي في دلهي: «نظراً لعدم تحلي أي من الأحزاب السياسية في الهند، ولا حتى تلك التي تقسم بالعلمانية، بالشجاعة لإطلاق المسمى الحقيقي على القتلة، أعتقد أنه سيكون على المسلمين الدفاع عن حقهم، والتأكيد على أنهم لن يمنحوا حق تقرير مصيرهم إلى آخرين. كذلك عليهم إخبار الهندوس أنهم حين كان يتم مهاجمتهم بذريعة أو بأخرى، فإنهم كانوا ينتظرون منهم مدّ أياديهم تعبيراً عن الدعم والتضامن لا أن يديروا ظهورهم إليهم».
المثير للاهتمام هو دعم بعض الجماعات المسلمة لمنع تناول لحم الأبقار أو ذبحها احتراما للطوائف الأخرى. وإدراكاً للضغوط المتزايدة، والمشكلات التي سيواجهها المسلمون على مدى السنوات المقبلة، قال مسلم بارز في أجمير بولاية راجستان، إنه على المسلمين الذين يمتنعون عن تناول لحم الخنزير الامتناع عن تناول لحم البقر «احتراماً للشعور الديني لدى الأشقاء الهندوس».



موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.