شركة ناشئة تستغل «الاقتصاد السلوكي» لتطوير الرعاية الصحية

مبادئ المكسب والخسارة التجارية تنطبق على سيكولوجية المرضى والأطباء

شركة ناشئة تستغل «الاقتصاد السلوكي» لتطوير الرعاية الصحية
TT

شركة ناشئة تستغل «الاقتصاد السلوكي» لتطوير الرعاية الصحية

شركة ناشئة تستغل «الاقتصاد السلوكي» لتطوير الرعاية الصحية

أعمل طبيباً في السنة النهائية، بعد أكثر من 10 سنوات من التدريب. ولقد عملت على تشريح الجثث في مختبر التشريح، وأمعنت النظر طويلاً في كثير من مجلدات وكتب فسيولوجيا الأمراض، وتمكنت من علاج آلاف المرضى الذين كانوا يعانون من علل متنوعة، مثل البواسير، وحتى السرطان.
ورغم كل ذلك، فإن الطريقة التي كنت أرعى بها المرضى كانت في غالب الأمر لا علاقة لها بالعلوم الطبية التي قضيت حياتي المهنية محاولاً استيعابها بأكثر من علاقتها بالعادات، والإشارات البيئية، وغير ذلك من التلميحات الخفية التي أعتقد، أو ربما أعرف القليل عنها.
وفي بعض الأحيان، كنت أصف نوعاً من الأدوية، ليس لأنه أثبت فعالية معينة في العلاج، ولكن بسبب أنه مجرد الخيار الافتراضي المتاح في نظام المشتريات الإلكترونية في المستشفى التي أعمل فيها. وكنت أهتم كثيراً بتكرار غسل يدي - التصرف الضروري للغاية للرعاية الطبية الآمنة، الذي يعتبر من سوء الممارسات المهنية إن لم أفعله - وذلك إذ كان الملصق الترويجي المعلق خارج غرفتي يطالبني دائماً بالتفكير في صحة المريض أكثر من التفكير في صحتي. وكان يسهل علي كثيراً التغيير من تصرفاتي، إذا اطلعت على البيانات التي تفيد بأن زملائي يفعلون شيئاً مختلفاً تماماً أكثر مما لو ظهرت لي بيانات تقول إن العلاج المعين يفيد أو لا يفيد.
ويمكن تفسير هذه الاعترافات من واقع مجال الاقتصاد السلوكي، الذي يؤكد على أن عملية صنع القرار الإنساني تبتعد كثيراً، وبشكل كبير، وبصورة متوقعة، عما يمكن توقعه إذا ما تصرفنا بطريقة «عقلانية» تماماً. فالناس لا يتخذون القرارات دائماً - حتى إن كانت غاية في الأهمية بشأن المنفعة المادية أو المالية - بناء على الحسابات الدقيقة للمخاطر والمنافع. بدلاً من ذلك، فإن سلوكياتنا تتأثر وبقوة بمشاعرنا، وهويتنا، والبيئة المحيطة بنا، إلى جانب الكيفية التي تُطرح بها الخيارات علينا.
يميل الناس في الغالب إلى التمسك بالخيارات الافتراضية عند الاختيار (تتجاوز معدلات التبرع بالأعضاء نسبة 90 في المائة في البلدان التي يحتاج المواطنون فيها إلى التخلي عن حالة التقصير في التبرع، مقارنة بنسبة 4 إلى 27 في المائة في البلدان التي يختار المواطنون فيها المشاركة والتطوع). ويشعر الناس بحساسية كبيرة حيال الخسائر أكثر مما يشعرون حيال المكاسب المتناسبة (فإن خسارة 100 دولار تُشعرك بألم مضاعف أكثر من إحساس السعادة بالحصول على 100 دولار).
وإننا نميل إلى المبالغة في تقدير قيمة الحاضر (إذ يفضل معظمنا الحصول على كوب مجاني من القهوة الآن، بدلاً من كوبين مجانيين من القهوة في الأسبوع المقبل)، وعرض كثير من الخيارات ليس بالأمر الجيد على الدوام (فإن الناس أقل عرضة لشراء منتج من المنتجات، إذا ما تعرضوا لعشرات الخيارات، بدلاً من القليل من الخيارات).
وقد بدأنا في المجتمع الطبي، في الآونة الأخيرة، استكشاف كيف يمكن للاقتصاد السلوكي أن يعمل على تحسين الصحة. وكما هو الحال مع أي مجال من المجالات المهمة، هناك دائماً إمكانية لوجود الضجيج، ولكن مثل هذه الرؤى قد تكون ذات قيمة خاصة في مجال الرعاية الصحية، نظراً لأن عملية صنع القرار الطبي مفعمة بكثير من عدم اليقين والتعقيد والعاطفة؛ وكل هذه العوامل تجعل من الصعب كثيراً تحديد الخيارات المناسبة.
ومن رواد هذه الحركة الدكتور كيفين فولب، الطبيب في جامعة بنسلفانيا، المدير المؤسس لمركز المحفزات الصحية والاقتصاد السلوكي، وهو يشرف على تصميم التجارب العشوائية بشأن عدد من أهم التحديات في مجال الرعاية الصحية: توجيه الأطباء لتقديم الرعاية الصحية القائمة على الأدلة، وضمان تناول المرضى للأدوية، ومساعدة المستهلكين على اختيار أفضل الخطط الصحية.
ويقول الدكتور فولب: «لقد بدأنا في الحصول على اعتراف واسع النطاق بأن بيئات صناعة القرار في مجال الرعاية الصحية يمكن أن تعكس، وبصورة أفضل، الكيفية التي يتخذ بها الأطباء والمرضى القرارات».
وكان الدكتور فولب، الذي يستعين كل من القطاع العام والخاص بأعماله، قد تعاون في الآونة الأخيرة مع شركة «سي في إس كيرمارك» لاختبار المحفزات المالية الأكثر فعالية لدفع الموظفين للإقلاع عن التدخين. وقد انقسم الموظفون بصورة عشوائية إلى 3 مجموعات: المجموعة الأولى كانت «الرعاية الاعتيادية»، وفيها يحصل الموظفون على المواد التعليمية، ومساعدات الإقلاع عن التدخين، بصورة مجانية. والمجموعة الثانية كانت «برنامج المكافآت»، حيث يمكن للموظفين الحصول على ما يصل إلى 800 دولار على مدى 6 أشهر، إذا ما أقلعوا فعلاً عن التدخين. أما المجموعة الثالثة، فكانت «برنامج الودائع»، وفيه يدفع المدخنون مبدئياً أكثر من 150 دولاراً من أموالهم، ولكن إذا أقلعوا عن التدخين، فإنهم يحصلون على ودائعهم مرة أخرى، إلى جانب مكافأة بقيمة 650 دولاراً.
وبالمقارنة مع مجموعة «الرعاية الاعتيادية»، كان الموظفون في المجموعتين التحفيزيتين الأخريين أكثر عرضة لأن يقلعوا عن التدخين خلال 6 أشهر، ولكن كانت طبيعة المحفزات مهمة. وأولئك الذين عُرض عليهم برنامج المحفزات كانوا أكثر احتمالاً لقبول التحدي من أولئك الذين عُرض عليهم برنامج الودائع. ولكن برنامج الودائع كان أكثر فعالية بمقدار الضعف في تحفيز الموظفين على الإقلاع عن التدخين، وأكثر فعالية بمقدار 5 مرات من برنامج الوسائل التعليمية وعلكة النيكوتين؛ إن التخلي عن المال أمر مؤلم، ولكنه فعال.
وكان هذا من الدروس في الأبحاث التي يديرها الدكتور فولب حول تحفيز الناس لإنقاص الوزن وممارسة التدريبات أكثر من المعتاد. فقد قدم أحد الأبحاث المحفزات للمرضى من خلال إدخالهم في جوائز اليانصيب، أو في عقود الإيداع لتلبية أهداف إنقاص الوزن لديهم. وأولئك من مجموعة اليانصيب كانوا متأهلين لجائزة يانصيب يومية، مع دفعات صغيرة ومتكررة ومكافآت أخرى كبيرة في بعض الأحيان، ولكن إذا تمكنوا من إحراز هدفهم من إنقاص الوزن، أو أقل منه. والناس في مجموعة الإيداع، استثمروا أموالهم (وكانت بضعة دولارات فقط في اليوم، بوجه عام)، التي خضعت للمطابقة بواسطة الباحثين، وكانوا سوف يحصلون على أموالهم - وربما المزيد - إذا حققوا الأهداف المنشودة في نهاية الشهر.
وخلال 4 أشهر، فقدت كلتا المجموعتين أكثر من 3 أضعاف الوزن، بالمقارنة بمجموعة الضبط (نحو 14 رطلاً مقابل 4 أرطال)، ولكن مجموعة الإيداع فقدت وزناً أكثر بقليل من مجموعة اليانصيب. وهناك دراسة مماثلة خلصت إلى أن المرضى كانوا أكثر عرضة للمشي لمسافة 7 آلاف خطوة في اليوم، إذا تلقوا دفعة مالية مقدماً، وجزء من هذه الدفعة يلزم إعادته في كل يوم لا يلبون فيه هدف التمرين، مقارنة بأصحاب اليانصيب، أو المكافآت، أو عوامل التشجيع التقليدية القديمة.
ولقد سلطت أعمال أخرى الضوء على قوة الافتراضات، التي في مجال الرعاية الصحية قد يترتب عليها آثار الحياة أو الوفاة. وليس هناك مجال في الاتجاه الافتراضي السائد لدى الأطباء أكثر وضوحاً من انحيازنا نحو رعاية الأمراض المزمنة التي تفضل الكم على الكيف، وعلى نوعية الحياة.
ومع وضع هذا في الاعتبار، عكف الباحثون على دراسة ما إذا كان اختيار نوع الرعاية المتوفر لأصحاب الأمراض المزمنة يتأثر بالطريقة التي نعرض بها الخيارات. ولقد تم تكليف المرضى بأمراض مستعصية باستكمال إحدى 3 توجيهات مسبقة، وبصورة عشوائية: حيث تلقت المجموعة الأولى استمارة للمسار المعتمد على الراحة سالفة الاختيار، وتخيرت المجموعة الثانية مربع الرعاية الصارمة، أما المجموعة الثالثة فقد تركت كلا الخيارين فارغين. وكان المرضى أحراراً في تجاوز الخيار الافتراضي، وتخير أي خيار يفضلونه.
ما يقرب من 80 في المائة من المرضى في مجموعة الراحة الافتراضية اختاروا الراحة، بينما هناك 43 في المائة من المرضى في مجموعة الرعاية الصارمة الافتراضية اختاروا الرعاية الصارمة (ونسبة 61 في المائة من المرضى من دون الخيار الافتراضي المدمج تخيروا الراحة). وكما يبدو، فإن القرارات الحاسمة والمهمة للغاية حول الطريقة التي نريد أن نعيش بها أيامنا الأخيرة تتأثر بالأمور المسبقة على القائمة التي نختار منها.
وتراهن شركات التأمين الصحي أيضاً على أن الاقتصاد السلوكي من شأنه أن يحسن من نوعية الجودة، ويقلل التكاليف. وتستخدم شركة «بلو كروس بلو شيلد»، من ولاية ماساتشوستس، مجموعة متنوعة من مفاهيم الاقتصاد السلوكي من أجل التحسين المستمر، بدلاً من البدايات المطلقة. وفي ولاية هاواي، تجري الشركة نفسها التجارب، مع المحفزات المشتركة للأطباء والمرضى من أجل تحقيق أهداف مرضى السكري.
وتحاول الشركات الناشئة المشاركة في هذا المجال هي الأخرى، فشركة «ويلث» الناشئة من حي بروكلين، على سبيل المثال، عملت على تطوير تطبيق لمكافأة المرضى الذين يواظبون على تناول الأدوية. وما يقرب من ثلث الوصفات الطبية في الولايات المتحدة تلقى التجاهل من قبل المرضى، ونحو نصف المرضى لا يتناولون الأدوية بانتظام كما وصفها الطبيب، حتى بعد العرض لأمراض مهددة لحياتهم، مثل النوبات القلبية. وفي كل عام، يتسبب عدم الالتزام بتناول الأدوية في 125 ألف حالة وفاة، تكلف نظام الرعاية الصحية ما يقرب من 289 مليار دولار.
وتعتقد شركة «ويلث» الناشئة أنه بإمكانها مساعدة المرضى في إدارة أنفسهم.
يقول ماثير لوبر، رئيس مجلس إدارة الشركة والمؤسس المشارك: «نريد أن نعطيهم مكافآت فورية وحقيقية مقابل سلوكياتهم الصحية الجيدة. ولكن في نهاية المطاف، فإننا نعمل في مجال تشكيل العادات الشخصية، ونريد للسلوكيات أن تتماسك وتستمر».
إحدى المريضات خرجت من المستشفى بعد نوبة قلبية، وقامت بتحميل تطبيق شركة ويلث، وأودعت الشركة 150 دولاراً في حسابها الشخصي، المبلغ الذي سوف تحتفظ به إذا واظبت على تناول كل الأدوية الخاصة بها لمدة 3 أشهر كاملة. وفي كل صباح، ترسل شركة ويلث رسالة لتذكيرها بتناول الدواء. وإذا التقطت لنفسها صورة ذاتية وهي تتناول الدواء، يمكنها الاحتفاظ بالمبلغ المالي، وإذا نسيت تناول الدواء، تحصل على إخطار آخر من الشركة على مدى اليوم بأكمله، وربما رسالة نصية أو اثنتين. وإذا مر اليوم بالكامل من دون تناول الدواء، تخسر دولارين من حسابها. وإذا تجاهلت تناول الدواء لعدة أيام متتالية، تفقد 2 دولار عن كل يوم، وتتلقى مكالمة هاتفية بالإضافة إلى ذلك.
ويبدو أن النظرة الأكثر شمولاً للسلوك البشري صارت من الضروريات لمزيد من العلاج الفعال. والرعاية الصحية في جوهرها هي نتاج قرارات يومية لا عدد ولا حصر لها من ناحية الأطباء والمرضى، ومن خلال الكشف عن المحفزات الحقيقية لنا، فقد نتمكن من دفع بعضنا بعضاً في اتجاه اتخاذ القرارات الأكثر حكمة لأجل حياة أكثر صحة.

* خدمة «نيويورك تايمز»



«جاكسون هول»... وارش أمام اختبار الأسواق ورهانات الفائدة

جانب من بلدة جاكسون هول القديمة بولاية وايومينغ الأميركية حيث تعقد البنوك المركزية اجتماعها السنوي (أ.ب)
جانب من بلدة جاكسون هول القديمة بولاية وايومينغ الأميركية حيث تعقد البنوك المركزية اجتماعها السنوي (أ.ب)
TT

«جاكسون هول»... وارش أمام اختبار الأسواق ورهانات الفائدة

جانب من بلدة جاكسون هول القديمة بولاية وايومينغ الأميركية حيث تعقد البنوك المركزية اجتماعها السنوي (أ.ب)
جانب من بلدة جاكسون هول القديمة بولاية وايومينغ الأميركية حيث تعقد البنوك المركزية اجتماعها السنوي (أ.ب)

يتجه اهتمام الأسواق العالمية إلى جبال وايومينغ بالولايات المتحدة الأسبوع المقبل، حيث تستضيف مدينة جاكسون هول الندوة الاقتصادية السنوية التي أصبحت على مدى عقود إحدى أهم المحطات في أجندة البنوك المركزية العالمية.

لكن أهمية اجتماع هذا العام تتجاوز الموضوع المعلن للندوة؛ إذ تتجه الأنظار بصورة خاصة إلى كلمة رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي)»، كيفين وارش، الذي سيخاطب المشاركين لأول مرة منذ توليه قيادة «البنك المركزي» في مايو (أيار) الماضي.

وتُعقد الندوة أيام 27 و28 و29 أغسطس (آب) الحالي، تحت عنوان «الابتكار المالي: تداعياته على المدفوعات والسياسة»، بمشاركة نحو 120 من مسؤولي البنوك المركزية وصناع السياسات والأكاديميين من أكثر من 70 دولة. لكن الأسواق ستتعامل مع الحدث بوصفه أكثر من مجرد منتدى أكاديمي؛ فخطاب وارش في 28 أغسطس الحالي سيكون فرصة نادرة للحصول على إشارات مباشرة من رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بشأن رؤيته للسياسة النقدية، في وقت يحاول فيه المستثمرون تحديد اتجاه أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.

لماذا يكتسب خطاب وارش هذه الأهمية؟

خطاب وارش الذي يأتي عقب أسبوع شهد ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، والذي دفع وزارة الخزانة إلى الإعلان عن مضاعفة حجم إعادة شراء الأوراق المالية الاسمية طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، يأتي في مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة إلى السياسة النقدية الأميركية. فقد أبقى «الاحتياطي الفيدرالي» في اجتماعه الأخير أسعار الفائدة عند نطاق بين 3.50 و3.75 في المائة، لكن القرار كشف عن انقسام واضح داخل «اللجنة»، بعدما صوّت 3 أعضاء لمصلحة رفع الفائدة فوراً، في مؤشر على أن المخاوف من التضخم لا تزال حاضرة بقوة داخل «البنك المركزي».

وفي المقابل، أظهرت بيانات التضخم الأخيرة بعض العلامات التي تسمح للأسواق بتخفيف رهاناتها على تشديد السياسة النقدية. فقد جاء مؤشر أسعار المنتجين لشهر يوليو (تموز) الماضي دون التوقعات، بينما ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة محدودة على أساس شهري؛ الأمر الذي أسهم في دفع توقعات الأسواق بشأن رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول) المقبل إلى نحو 39 في المائة، بعدما كانت تلك التوقعات بلغت نحو 54 في المائة قبل أسبوع.

وهنا تكمن أهمية «جاكسون هول». فالمشكلة بالنسبة إلى المستثمرين لم تعد تتمثل فقط في قراءة بيانات التضخم المقبلة، وإنما في معرفة كيف يفسر وارش هذه البيانات، وإلى أي مدى يرى أن الاقتصاد الأميركي يحتاج إلى فائدة مرتفعة مدة أطول.

وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع «اللجنة الفيدرالية» (رويترز)

وارش لا يريد ملاحقة الأسواق

سبق لوارش أن أعطى إشارات إلى أنه يريد الابتعاد عن النمط التقليدي الذي يجعل الأسواق تركز على كل اجتماع وكل مؤتمر صحافي وكل تغير بمقدار ربع نقطة مئوية. وقال بعد اجتماع 29 يوليو الماضي إنه يريد أن يستخدم خطابه في «جاكسون هول» لطرح «الأسئلة الكبيرة»، في إشارة إلى العوامل الهيكلية التي يمكن أن تحدد مسار السياسة النقدية خلال العقد المقبل. كما أكد أن «الاحتياطي الفيدرالي» لا يتحرك بناءً على أسعار السوق.

وتحمل هذه العبارة أهمية كبيرة للمستثمرين؛ لأن الأسواق أصبحت في الأسابيع الأخيرة أميل إلى توقع خفض أو تثبيت الفائدة، بينما لا يبدو أن وارش مستعد بالضرورة لتأكيد تلك الرهانات. وبالتالي، فإن خطاباً لا يقدم توجيهاً مباشراً بشأن اجتماع سبتمبر المقبل قد يكون أكبر تأثيراً من خطاب يحدد مسار الفائدة؛ إذا كشف عن الطريقة التي ينظر بها رئيس «البنك المركزي» الجديد إلى الاقتصاد والتضخم والسياسة النقدية على المدى الطويل.

مسح «بنك أوف أميركا» يكشف عن حذر المستثمرين

ويظهر حجم عدم اليقين في استطلاع أغسطس (آب) المقبل لمديري الصناديق الذي أجراه «بنك أوف أميركا»؛ إذ يتوقع 69 في المائة من المشاركين أن يتبنى وارش نبرة محايدة في «جاكسون هول»، بينما يتوقع 31 في المائة نبرة تميل إلى التشدد، في حين لا يتوقع سوى 7 في المائة خطاباً يميل إلى التيسير.

وتشير هذه التوقعات إلى أن المستثمرين لا يراهنون على تحول واضح نحو سياسة نقدية أكبر تيسيراً، رغم تراجع رهانات رفع الفائدة في سبتمبر المقبل. كما أن وجود «أقلية كبيرة نسبياً» تتوقع لهجة متشددة يعني أن أي انحراف عن النبرة المحايدة قد يؤدي إلى إعادة تسعير سريعة في أسواق السندات والعملات والذهب.

فإذا بدا وارش أكبر تشدداً مما تتوقع الأسواق، فقد ترتفع عوائد سندات الخزانة ويتعزز الدولار، في حين يتعرض الذهب والأصول عالية المخاطر لضغوط. أما إذا اكتفى بنبرة محايدة وركز على مرونة السياسة النقدية والاعتماد على البيانات، فقد تجد الأسواق في ذلك تأكيداً لتوقعاتها الحالية.

صورة من مؤتمر العام الماضي لحكام بنوك مركزية من بينهم الرئيس السابق لـ«الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي جيروم باول (أرشيفية - رويترز)

المعضلة أكبر من «اجتماع سبتمبر»

لكن قراءة «جاكسون هول» من منظور اجتماع سبتمبر المقبل فقط قد تكون مضللة. فوارش نفسه يريد توسيع النقاش إلى ما وراء دورة التضخم الحالية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأميركي تحديات مالية وهيكلية متصاعدة.

ويبلغ الدين العام الأميركي نحو 39.9 تريليون دولار، بينما يتوقع «مكتب الموازنة» في الكونغرس أن تقترب مدفوعات الفائدة الصافية من تريليون دولار خلال السنة المالية 2026. وهذا يعني أن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لا ينعكس فقط على الأسر والشركات، وإنما يزيد أيضاً تكلفة خدمة الدين الحكومي.

ومن هنا، فإن قدرة «الاحتياطي الفيدرالي» على إبقاء الفائدة مرتفعة مدة طويلة تصبح جزءاً من معادلة أوسع تشمل التضخم والنمو والاستقرار المالي وتكاليف الاقتراض الحكومي. وهذه الاعتبارات لا تظهر بالضرورة في أرقام التضخم الشهرية، لكنها قد تكون حاضرة في النقاش الذي يريد وارش فتحه بشأن الإطار طويل الأجل للسياسة النقدية.

الذهب والبنوك المركزية: رهان يتجاوز الفائدة

في المقابل، تأتي «جاكسون هول» في وقت لا تقتصر فيه رهانات الأسواق على مسار الفائدة الأميركية فقط، بل تتزامن مع استمرار البنوك المركزية في تعزيز حيازاتها من الذهب. فقد اشترت البنوك المركزية 288.9 طن من الذهب خلال الربع الثاني من 2026، بزيادة 62 في المائة على أساس سنوي، في أقوى أداء لربع ثانٍ على الإطلاق، وفق بيانات «مجلس الذهب العالمي».

ويعكس هذا الاتجاه استمرار النظر إلى الذهب بوصفه أصلاً احتياطياً استراتيجياً، خصوصاً في ظل المخاطر المالية والجيوسياسية وازدياد عدم اليقين بشأن مسارات السياسة النقدية العالمية.

ويمنح هذا الطلب الرسمي الذهب دعماً يتجاوز تأثير تحركات الفائدة الأميركية؛ إذ لا يحمل المعدن مخاطر ائتمانية ولا يرتبط بالتزامات جهة مصدرة. ومن ثم، فإن رد فعل الذهب تجاه خطاب وارش لن يتحدد فقط بما ستعنيه كلماته لأسعار الفائدة والعوائد الأميركية، بل أيضاً بالطلب المتواصل من البنوك المركزية؛ مما يجعل المعدن أحد أبرز الأصول التي ستراقب «تداعيات جاكسون هول».

عدّاء يركض أمام مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

الأسواق تنتظر إشارة لا قراراً

ومن المرجح ألا يمنح وارش الأسواق إجابة مباشرة عن كل ما تريد معرفته. فالتوقعات تشير إلى أنه سيحاول الحفاظ على مساحة واسعة للمناورة، من دون الالتزام مسبقاً بمسار محدد للفائدة. لكن الأسواق لا تحتاج بالضرورة إلى قرار واضح؛ فقد تكون كلمةٌ أو عبارةٌ واحدة كافيةً لتغيير توقعاتها.

وإذا أكد وارش أن السياسة النقدية يجب أن تبقى حذرة في مواجهة التضخم، فقد تعود رهانات رفع الفائدة إلى الواجهة، مع انعكاس ذلك على الدولار والعوائد والذهب. أما إذا شدد على المخاطر التي تهدد النمو أو على الحاجة إلى مرونة أكبر في السياسة، فقد تتراجع العوائد وتتجدد رهانات التيسير.

وفي كلتا الحالتين، فستكون «جاكسون هول» اختباراً مبكراً لقدرة وارش على إدارة توقعات الأسواق، ونافذة على رؤيته لمسار السياسة النقدية في المرحلة المقبلة. وتكتسب كلمته أهمية خاصة لأنها أول مشاركة له في هذه الندوة بصفته رئيساً لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، فيما يبحث المستثمرون عن إجابة تتجاوز مصير الفائدة في سبتمبر المقبل، إلى سؤال أوسع: كيف سيتعامل «البنك المركزي» مع التضخم وتكاليف الدين والتحولات الهيكلية التي تعيد تشكيل الاقتصاد الأميركي خلال السنوات المقبلة؟


ترمب يهاجم كندا بعد إعلانها فرض رسوم انتقامية

صورة مركبة لترمب ورئيس الوزراء الكندي (رويترز)
صورة مركبة لترمب ورئيس الوزراء الكندي (رويترز)
TT

ترمب يهاجم كندا بعد إعلانها فرض رسوم انتقامية

صورة مركبة لترمب ورئيس الوزراء الكندي (رويترز)
صورة مركبة لترمب ورئيس الوزراء الكندي (رويترز)

هاجم الرئيس الأميركي دونالد ترمب كندا يوم الأحد، بعدما أعلن رئيس الوزراء مارك كارني فرض رسوم جمركية انتقامية على الولايات المتحدة، عقب انهيار المفاوضات التجارية بين البلدين.

وقال ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال»: «كندا تريد الحصول على مزايا أن تكون ولاية، من دون أن تكون واحدة!!!».

وأضاف: «لقد فرضوا أيضاً على مزارعينا العظماء، لسنوات عديدة، رسوماً جمركية ضخمة. لم يعد ذلك ممكناً!!!».

وكان كارني قد أعلن يوم السبت أن رسوماً جمركية كندية جديدة ستدخل حيز التنفيذ في 8 سبتمبر (أيلول)، وتستهدف خصوصاً قطاعَي الصلب ومنتجات الألبان الأميركيين.

ودخلت يوم السبت حيز التنفيذ رسوم أميركية جديدة بنسبة 50 في المائة، تشمل سلعاً تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار، أو ما يعادل 5.5 في المائة من صادرات كندا إلى الولايات المتحدة.

وتأتي الخطوة الكندية بعد تعثر المفاوضات التجارية بين البلدين، مما ينذر بتصعيد جديد في النزاع التجاري بين واشنطن وأوتاوا.


ترمب يفتح حرباً جديدة مع سوق السندات... معركة قد يصعب عليه الفوز بها

ترمب يتحدّث خلال تجمّع انتخابي لدعم دارلين غراهام في ميرتل بيتش بساوث كارولاينا يوم 21 أغسطس الحالي (أ.ب)
ترمب يتحدّث خلال تجمّع انتخابي لدعم دارلين غراهام في ميرتل بيتش بساوث كارولاينا يوم 21 أغسطس الحالي (أ.ب)
TT

ترمب يفتح حرباً جديدة مع سوق السندات... معركة قد يصعب عليه الفوز بها

ترمب يتحدّث خلال تجمّع انتخابي لدعم دارلين غراهام في ميرتل بيتش بساوث كارولاينا يوم 21 أغسطس الحالي (أ.ب)
ترمب يتحدّث خلال تجمّع انتخابي لدعم دارلين غراهام في ميرتل بيتش بساوث كارولاينا يوم 21 أغسطس الحالي (أ.ب)

يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب جبهة مالية جديدة، وهذه المرة في سوق السندات، بعدما أدَّى ارتفاع عوائد الديون الحكومية طويلة الأجل إلى زيادة تكلفة الاقتراض على الحكومة والشركات والمستهلكين، في وقت تجاوز فيه الدين الأميركي 40 تريليون دولار.

وتحاول إدارة ترمب كبح صعود العوائد من خلال وزارة الخزانة، التي أعلنت مضاعفة عمليات إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل، في خطوة دفعت العوائد إلى الانخفاض مؤقتاً قبل أن تعود للارتفاع.

وبالنسبة إلى ترمب، لا يتعلق الأمر بسوق مالية فحسب؛ فارتفاع تكلفة الاقتراض يهدد بتقويض أحد الوعود الاقتصادية الرئيسية للإدارة، وهو توفير تمويل أرخص للأميركيين.

ترمب ينفي... لكنه يترك باب التدخل مفتوحاً

سارع ترمب إلى نفي أنه وجَّه وزير الخزانة سكوت بيسنت للتدخل في سوق السندات، قائلاً إن بيسنت اتخذ القرار من تلقاء نفسه. وقال ترمب إن بيسنت «رجل يتمتع بقدرات كبيرة»، وإنه «أراد القيام بذلك»، مشيداً بقدرته على التعامل مع سوق السندات وأسعار الفائدة.

لكن اللافت أن ترمب لم يغلق الباب أمام مزيد من التدخلات، إذ قال، رداً على سؤال عما إذا كانت الإدارة ستتدخل مجدداً بعد عودة العوائد إلى الارتفاع: «لدينا أنواع كثيرة من التدخل».

ثم أضاف عبارة أثارت الانتباه: «التدخل النهائي هو جيشنا، وإذا اضطررنا إلى استخدامه، فسنفعل».

وظهرت تصريحات ترمب في الوقت الذي كانت فيه الأسواق تعيد تقييم أثر خطوة الخزانة، بعدما تراجعت عوائد السندات إثر الإعلان ثم عادت إلى الصعود.

الخزانة تحاول فرض اتجاه على السوق

أعلنت وزارة الخزانة أنها ستزيد عمليات إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل «بما لا يقل عن الضعف»، وهو ما قد يرفع المشتريات إلى نحو 32 مليار دولار في الربع الواحد، مقارنة بنحو 16 مليار دولار سابقاً.

وأدَّى الإعلان في البداية إلى خفض عائد السندات لأجل 30 عاماً بما يصل إلى 0.10 نقطة مئوية.

لكن المشكلة بالنسبة إلى الإدارة هي أن حجم هذه العمليات يظل صغيراً مقارنة بحجم سوق سندات الخزانة البالغ نحو 31.5 تريليون دولار، فضلاً عن القوى العالمية التي تحدد اتجاه العوائد.

ولهذا فإن الخزانة تستطيع التأثير في السوق، لكنها لا تستطيع ببساطة إصدار أمر للسوق بأن يخفض العوائد.

بيسنت يتحدث إلى الصحافيين في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)

لماذا يخوض ترمب هذه المعركة؟

وصل عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً هذا الأسبوع إلى أعلى مستوى له منذ 2007، مما يعني ارتفاع تكلفة التمويل للحكومة الأميركية، وكذلك للشركات والأسر.

كما عادت معدلات الرهن العقاري إلى نحو 7 في المائة، في ضربة مباشرة للمستهلكين الذين كانوا ينتظرون ظروف تمويل أكثر سهولة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تجاوز فيه الدين الأميركي 40 تريليون دولار، بعدما ارتفع بنحو الثلث خلال أقل من خمس سنوات.

وهنا تكمن المعضلة: كلما ارتفع الدين، احتاجت الحكومة إلى الاقتراض أكثر؛ وكلما طالب المستثمرون بعوائد أعلى، ارتفعت تكلفة خدمة هذا الدين، مما يزيد الضغط على المالية العامة.

بيسنت يحاول كسب الوقت

يمكن النظر إلى استراتيجية بيسنت باعتبارها محاولة لكسب الوقت. فإعادة شراء السندات طويلة الأجل، بالتزامن مع زيادة الاعتماد على الإصدارات قصيرة الأجل، تعني أن الخزانة تراهن على انخفاض العوائد طويلة الأجل في المستقبل.

لكن هذا الرهان يفترض أن عوامل عدة تضغط على السندات حالياً ستتراجع، من التضخم إلى ارتفاع الاقتراض المرتبط بالذكاء الاصطناعي، إلى ارتفاع عوائد السندات اليابانية.

وحتى الآن، لا يوجد ما يضمن ذلك.

متداولان في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

السوق لا تستمع إلى البيت الأبيض

المشكلة الأعمق أن العوائد لا ترتفع لأن المستثمرين قرروا ببساطة معاقبة إدارة ترمب، بل لأنهم يعيدون تسعير مجموعة من المخاطر. فالعجز المالي الأميركي لا يزال مرتفعاً، والدين يتجاوز 40 تريليون دولار، والتضخم لا يزال أعلى من مستهدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة.

كما أن الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترمب وارتفاع أسعار النفط المرتبط بالحرب مع إيران يضيفان ضغوطاً تضخمية، في حين تؤدي طفرة الذكاء الاصطناعي إلى موجة جديدة من اقتراض الشركات.

وفي الخارج، أصبحت السندات اليابانية أكثر جاذبية للمستثمرين العالميين مع ارتفاع عوائدها، مما يزيد المنافسة على الأموال التي كانت تتجه تقليدياً إلى سندات الخزانة الأميركية.

معركة قد لا يستطيع ترمب الفوز بها

لهذا تبدو محاولة إدارة ترمب كبح عوائد السندات أشبه بمحاولة مقاومة تيارات أكبر بكثير من قدرة الخزانة.

قد تنجح إعادة الشراء في دفع العوائد إلى الانخفاض لفترة قصيرة، وقد تمنح الإدارة بعض الوقت، لكنها لا تستطيع معالجة العجز أو التضخم أو حجم الدين أو التحولات في تدفقات رؤوس الأموال العالمية.

وهذه هي المفارقة التي تجعل سوق السندات تحدياً مختلفاً لترمب: يمكن للرئيس الأميركي الضغط على الحكومات الأجنبية، وتهديد الشركات، وفرض الرسوم الجمركية، وحتى المطالبة بخفض أسعار الفائدة، لكن سوق السندات لا يعمل بأوامر البيت الأبيض.

ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، تزداد تكلفة الفشل. فارتفاع العوائد لا يبقى محصوراً في «وول ستريت»؛ بل ينتقل إلى الرهن العقاري وقروض الشركات وتكلفة تمويل الحكومة، ليصل في النهاية إلى الناخب الأميركي.

وقد تتمكن إدارة ترمب من تهدئة السوق مؤقتاً، لكن إذا استمرت القوى التي تدفع العوائد إلى الارتفاع، فإن محاولة الخزانة كبحها قد تتحول إلى معركة طويلة مع سوق لا يمكن للرئيس الأميركي ببساطة أن يأمرها بالاستسلام.