«كنت في الرقة»... لهارب من «داعش»

من حلم الدولة المزعومة إلى جحيمها

غلاف كتاب «كنت في الرقة»
غلاف كتاب «كنت في الرقة»
TT

«كنت في الرقة»... لهارب من «داعش»

غلاف كتاب «كنت في الرقة»
غلاف كتاب «كنت في الرقة»

إن معايشة شخصيات الإرهابيين جانب تحتاج إليه دراسات التطرف العنيف واستراتيجيات مكافحة الإرهاب، وهو ما أتيح للصحافي والباحث التونسي هادي يحمد في كتابه الثاني «كنتُ في الرقة» الذي يروي قصة داعشي من هجرته لـ«داعش» حتى هروبه منه ومشاهداته خلال هذه الفترة.
صدرت في تونس أواخر مارس (آذار) الماضي الطبعة الأولى منه، التي نفدَتْ سريعاً، ويروي فيه المؤلف قصة محمد الفاهم (أحد مقاتلي «داعش» الذي غادر التنظيم عام 2015 بعد أن هاجر إليه قبل ذلك بعام)، بضمير متألم مشاهداته داخل التنظيم وعناصره ومقاتليه وحروبه فيما يشبه «التداعي الحر» في علم النفس الإكلينيكي، فهو سبر لغور الداعشي في هواجسه وأفكاره، وهو مَن قضى الخمس سنوات الأولى من عمره في أوروبا، التي كان يتمنى تكرارها، ولكن فضل عليها الرحيل للشام من موطنه تونس.
ورغم وجود كتب مشابهة باللغات الأخرى، ففي مصر والمغرب، كتب بعض المتطرفين سيرهم، فإن هذا الكتاب يملأ فراغاً مهماً في فهم «داعش» - التنظيم وعناصره، فهو بمثابة «شهادة - بحث» ويسد فراغاً مهماً في فهم ظاهرة التطرف العنيف، وإن كان يركز على أنموذج وحالة واحدة، إلا أنه يسعى لفهم المشترك الجامع بين تجربة آلاف الشباب العرب والتونسيين وخصوصًا الذين خدعتهم يوتوبيا هذا التنظيم وجذبتهم إليها من كل مكان، ليكتشفوا بعد ذلك جحيمها ويقررون الهروب منه... نعم، كما يقول هادي يحمد: «هي قصة شاب تونسي من بين أكثر من ثلاثة آلاف شاب آخرين ذهبوا وانخرطوا إلى جانب تنظيم داعش».
في هذا الكتاب يروي لنا الفاهم «تفاصيل حياته في الرقّة وفي مدن سورية أخرى. يروي لنا تفاصيل لم تُحكَ من قبل، عن مسار هجرته السرية من تونس مروراً بإسطنبول، ووصولاً إلى تل أبيض في سوريا. كما يكشف عن قصص الهروب وكيف تحققت عبر منبج وبوسيط من (النصرة)، وكذلك عن تطبيق الحدود والعلاقات بين المقاتلين، عن حياة المهاجرين، عن الهرمية التنظيمية وعن الأمراء والجنود وعن الدواوين. كما يحكي لنا عن (الغزوات) والحروب التي خاضها».
ومن أبرز الملامح والأفكار التي يكشفها هذا الكتاب، التجربة السردية لحالة داعشي في تطوراتها وتحولاتها، في أغوارها النفسية والفكرية وتجربتها العملية، كاشفةً جوانب مهمة كونها تشخصن الفكر المتطرف العنيف، ولا تبقيه مجرداً، ولا تقرأه من خلال الأخبار أو ما يصدره التنظيم من إصدارات، ولكن من خلال المعايشة والمحايثة المنتمية إليه والغائرة فيه.
اخترقت دعاية «داعش»، وروايات حروب آخر الزمان التي روَّجتها، الشاب، كما غيره من المقاتلين الأجانب، كانت «الشام» حلمَه، فيقول: «كان الوصول إلى الشام حُلمي. كان الدخول إلى أراضي (الدولة الإسلامية) قمةَ نشوة هذا الحُلم»، ثم يضيف: «في مراهقتي المبكرة كان حلم حياتي هو الهجرة إلى ألمانيا. هجرة إلى هناك تعني العودة إلى البلد الذي قضيتُ فيه السنوات الخمس الأولى من طفولتي. تغيرت وجهة هذا الحلم. لم تعد ثلوج مدينة دورتموند الشتوية تجذبني. أصبحت شمس مدينة الطبقة ولهيب صحراء تدمر وأزقة الرقة الأقرب إلى قلبي. كان شوق الوصول إلى الشام لا يوازيه شوق الجنة الأوروبية التي يحلم بها الشباب التونسي والعربي بشكل عام».
ذهب محمد الفاهم، كما يروي المؤلف هادي يحمد، بأحلامه وعاد بندمه وكوابيسه، عاش التجربة وخبرها، سارداً اختبارَه لوعود التطرف والتشدد، وبدأ بالهروب في أول الكتاب، راوياً قصته المريرة، وكيف كانت، ودخوله عبر الحدود التركية، وكان قد أخبره رفقاؤه في تونس قبل الذهاب بأن «الوصول لإسطنبول يعني الوصول للرقة» عاصمة «داعش»، لكنه بعد تجربة ما ظَنَّه «مدينة فاضلة» قرر النجاة، انكسرت فيها أحلامه السابقة ووعود النجاة التي ساعدته ورفيقه بأسرته (أحد أعضاء النصرة)، وكيف باع العنصر الداعشي السابق سلاحه بثمن بخس من أجل أن يهرب من جحيمها، وكيف كان الخوف من التقاط الإدارة الأمنية لأخبار هروبه مع رفيقه، وكيف كان جزاء المنشقِّين والهاربين، وكيف كثرت أعدادهم في فترة هروبه.
ومن المفارقة أنه بعد هروب صاحب قصتنا فعلياً من جحيم «داعش» أذاع التنظيم في 20 سبتمبر (أيلول) سنة 2015 تسجيلاً مصوراً له مع آخرين بعنوان «ويستبدل قوماً غيركم» دام عشر دقائق، ظهر فيه محمد الفاهم متحدثاً من جملة مهاجرين آخرين عن أرض الميعاد وكيف هاجروا لسوريا التي يهرب منها أهلها ومواطنوها للجوء والشتات في بقاع الأرض، هروباً من جحيم بشار وكيماويه، وهروباً من جحيم الإرهاب المضاد له، من «داعش» وإخوته من جماعات التشدد غير المعارضة التي هاجرت إليها بمقابل من هاجروا منها.
وحسب الرواية، يذكر يحمد على لسان الفاهم أن المهرب يتقاضى ألف دولار عن كل شخص باستثناء الأطفال! وهو ما دفع المقاتل الداعشي السابق لبيع سلاحه قبل هروبه حتى يتحمل التكاليف، خصوصاً بعد حادث سيارة أصابته، وفهم المشتري السبب سريعاً بذكاء دون أن يخبره واشتراه منه بثمن بخس، قياساً بثمنها الحقيقي.
وفي الفيديو المصوَّر الذي ظهر فيه الفاهم، حاول «داعش»، من باب رد الفعل، الرد على التعاطف الإعلامي مع اللاجئين السوريين الفارين بأنه استبدال الله بهم قوماً غيرهم ينتصرون للإسلام ولدولته وخلافته، وأنهم يعيشون أجمل لحظات عمرهم في هذا السياق... وقد أصدرته «داعش» بعد أيام من قصة الطفل الكردي إيلان (ابن الثلاث سنوات) الذي وُجِد غريقاً يشكو وطنه ويبكي غربته وثورته وحيداً على شواطئ اليونان! هربًا من الجحيم الذي تركه وأسرته اللاجئة والهاربة وسط أمواج البحار الغليظة التي كانت أرحم من وطن شرخه الاستبداد الأعمى والإرهاب العنيف.
ويروي لنا عنصر «داعش» السابق في الكتاب كيف أحدث «داعش» تغييراً ديموغرافياً وثقافيا كبيراً في الأشهر الأولى: «كنت تسمع في منبج الأصوات العربية بمختلف اللهجات، تونسية ومصرية وجزراوية ومغربية وشامية... تختلط بلغات أخرى، مثل الفرنسية والإنجليزية والألمانية والروسية والصينية.. كانت منبج مدينة صغيرة تجمع أشتات المهاجرين من كل أصقاع الأرض». كما يروي لنا الفاهم كيف كانت دكاكين السلاح منتشرة في المدن من كل الأنواع؛ تُبَاع تحت رقابة الإدارة الأمنية، فإذا بلغ الأخيرة أن مقاتلاً ما باع سلاحه، أخضعوه مباشرة للتحقيق، وإذا ثبتت رغبته في الانشقاق والهروب يخضع لـ«دورة استتابة»، فإن لم تنفع يكن مصيره السجن، وقد تصل العقوبة إلى القتل، إذا ما اكتشف الأمنيون في معتقداته تبنيَه لأفكار ما يُطلقون عليهم «غلاة وخوارج».
ومن الطرائف التي يذكرها الراوي على لسان مؤلفه بقاء «داعش» في تبعية الدولار الأميركي، ففي مناطق سيطرتها (حسب محمد الفاهم) تتم أغلب المعاملات المالية داخل «داعش»، وبه تُصرَف كفالات المهاجرين وعائلاتهم وتصرف مرتبات المقاتلين. كان مرتب المقاتل لا يتجاوز الخمسين دولاراً، تُضاف إلى ما يوازيها من كفالة مأكل وسكن. ويدفع «داعش» خمسة وثلاثين دولاراً على كل طفل في العائلة. ومما رواه الفاهم من القصص الطريفة كذلك قصص السبايا التي غنمها مقاتلو «داعش»، وكيف كانت حكايات السبايا وشاريهم؛ من سوء معاملة، أو عشق سبيّة لمن اشتراها ورجاؤها له ألا يعاود بيعَها إلى غيره!
كما يروي الفاهم كيف هربت بعضهن، وكان أغلبهن ممن غنمهن «داعش» من سنجار سنة 2014 من الإيزيديات وتوزيعهن على مقاتليه ممن شاركوا في غزوة سنجار تحت عنوان «الغنائم». وقام ديوان الغنائم والفيء من جانبه ببيع خُمس السبايا اللاتي كنّ من نصيب «داعش» إلى بقية المقاتلين. بلغ ثمن السبية من صغار السن نحو 12 ألف دولار، وارتفعت أسعار السبايا إلى أثمانٍ خيالية في الرقة والموصل، وكيف أخرج من هرب منهن جحيم «داعش» ولاإنسانيته للإعلام العالمي والعربي.
وكانت دابق نشوة الحلم الذي انتهي سراباً، هكذا يقول يحمد على لسان الراوي الفاهم الذي يقول: «كان الشوق إلى دابق حينها هو شوق إلى الشام والجهاد في الشام، فالشام تنادي كما كنت أسمع في أحد الأناشيد التحريضية، فيما كانت بقايا كلمات شيخي وحبيبي وقتها الخطيب الإدريسي منظِّر التيار السلفي الجهادي في تونس، تتناهى إلى سمعي. كان يردد لنا في غير موضع بأنه (قد قرب الإمام، وموعدنا الشام)»!



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.