أبو الغيط يستبعد عملاً عسكرياً مصرياً ضد إثيوبيا

سامح شكري: نسعى لإمداد مجلس الأمن بجميع ما يخص ظاهرة الإرهاب

أحمد أبو الغيط («الشرق الأوسط»)
أحمد أبو الغيط («الشرق الأوسط»)
TT

أبو الغيط يستبعد عملاً عسكرياً مصرياً ضد إثيوبيا

أحمد أبو الغيط («الشرق الأوسط»)
أحمد أبو الغيط («الشرق الأوسط»)

استبعد الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبو الغيط، أي عمل عسكري مصري ضد إثيوبيا بسبب الخلاف على بناء أديس أبابا لسد النهضة على مياه النيل، وقال إن المشكلة تكمن في مدة ملء السد الإثيوبي بمياه النيل، وعلاقة ذلك بالكمية التي ستحجب عن مصر. ومن جانبه، أكد سامح شكري، وزير الخارجية المصري، أن بلاده تسعى جاهدة لإمداد مجلس الأمن بجميع المعلومات التي تخص ظاهرة الإرهاب، حتى يتمكن من تحديد الدول الداعمة له، والممولة لتحركاته، مشيراً إلى أن الفرصة ستكون سانحة لتحديدهم، خصوصاً أن مصر ترأس لجنة مكافحة الإرهاب بمجلس الأمن.
وكان أبو الغيط يتحدث في تونس، بينما كان شكري يقدم إجابات لأعضاء في مقر البرلمان المصري بالقاهرة عن مستقبل البلاد، خصوصاً فيما يتعلق بسبل التصدي للإرهاب، عقب التفجيرين اللذين وقعا في كنيستين في مدينتي طنطا والإسكندرية، الأحد الماضي.
وفيما يتعلق بحصة مصر من مياه النيل، أوضح أبو الغيط، أثناء إلقائه محاضرة بمقر المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) في تونس، قبل يومين، قائلاً: إذا استغرق ملء سد النهضة بمياه النيل 10 سنوات، فإن مصر سوف تفقد ملياري متر مكعب فقط من حصتها السنوية من مياه النيل، البالغة 55 مليار متر مكعب، وأضاف: أما إذا استغرق ملء السد 3 سنوات، فإن مصر سوف تخسر 35 مليار متر مكعب من حصتها، وبالتالي يكون المتبقي 20 مليار متر مكعب فقط. وكان أبو الغيط يستعرض في المحاضرة كتابيه «شاهد على الحرب والسلام» و«السياسة الخارجية المصرية من 2004 حتى 2011»، وقال إنه «لا يُتصور وجود أي دولة عربية تقف ضد مصر في (الملف) الإثيوبي»، وإن ما يدور في هذا الشأن مجرد قصص وروايات، واستبعد أي عمل عسكري مصري ضد إثيوبيا، وقال إن مصر لا تفكر بهذه الطريقة، وإن المشكلة تقع في توقيت امتلاء السد.
وتطرق أبو الغيط إلى ما يقال عن إهمال مصر لأفريقيا في العقود الماضية، وأشار إلى أن هذه «المشكلة بدأت في عام 1995، عندما حدثت محالة اغتيال الرئيس الأسبق حسنى مبارك في إثيوبيا».
وحول طبيعة ومحددات السياسية الخارجية المصرية، أوضح أبو الغيط أنها مُركبة لدولة عدد سكانها مائة مليون، وبالتالي فإن النظام الرئاسي المصري يؤمن بأن رئيس الدولة هو الذي يضع السياسة الخارجية، ويقوم بتنفيذها وزير الخارجية، وهو أمر معمول به في دول مثل أميركا وروسيا وفرنسا، بعكس النظام البرلماني، حيث يعطي وزير الخارجية حرية وحركة أوسع.
وقدم أبو الغيط، خلال استعراضه لكتابيه، ملامح وقضايا وتعقيدات صناعة السياسة الخارجية المصرية، خصوصاً في الفترة من عام 2004 حتى قيام الثورة في يناير (كانون الثاني) 2011، وأسلوب إدارة هذه السياسة في عهد مبارك، وصولاً إلى أهم تحديات الـ45 يوماً الأخيرة في حياة نظامه، وقال إنه سجل في الكتابين جهد حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، التي عدها تحريكاً للموقف بعد ضياع كل شيء على أرض الواقع.
وقال إن الخلاف بين أميركا ومصر بدأ منذ عام 2004، لكن التكتم الشديد كان سيد الموقف، ونفى أن تكون مصر تابعة لواشنطن في هذه الفترة لأن أولوية مصر، وقتها، كانت للدولة المصرية والدول العربية وعملية السلام في الشرق الأوسط.
واعترف أبو الغيط بأنه كشف عن 85 في المائة فقط من تفاصيل العمل الدبلوماسي، وأنه احتفظ بـ15 المائة مما لا يمكنه البوح به تحت أي ظرف، حسب قوله.
وأشار أبو الغيط إلى العلاقات بين دول الخليج وإيران، ورفض مصر لأية تهديدات تمس بالدول العربية، وقال إن السلاح النووي للردع، وليس للاستخدام.
ولفت أبو الغيط إلى وحدة الموقف العربي من القضية الفلسطينية خلال القمة العربية التي عُقدت أخيراً في الأردن، والقمة الثلاثية التي ضمت كلاً من الرئيس عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيس الفلسطيني محمود عباس، والتأكيد على مرجعية المبادرة العربية للسلام وحل الدولتين، وفق القرارات الدولية.
وكان أبو الغيط قد تناول في كتاب «شاهد على الحرب والسلام» العملية الدبلوماسية وعلاقتها بالحرب، وصولاً إلى تحقيق الهدف السياسي، قائلاً إنه يؤمن شخصياً بأن السياسة والدبلوماسية وجهان لعملة واحدة، وتابع أن الكتاب لا يؤرخ لحرب أكتوبر، ولكن يضع الضوء على الأحداث من خلال مشاهداته وما سمعه وعاصره خلال فترة عمله، وأن فكرته جاءت عندما تأكد أن الحرب أصبحت أمراً واقعاً، فقرر أن يسجل تفاصيل ما يدور من جلسات واجتماعات واتصالات في دفاتر صغيرة على شكل ملاحظات كي تبقى في ذاكرة الأجيال القادمة، حسب قوله.
وفى بداية اللقاء الذي عقد حول كتابي أبو الغيط في تونس، بحضور وزير الشؤون الثقافية التونسي محمد زين العابدين، ونخبة من أهل الفكر والثقافة والإعلام من تونس والعالم العربي، قال مدير «الألكسو» عبد الله حمد محارب، في كلمة ألقاها نيابة عنه المدير العام المساعد بالمنظمة عبد الباري القدسي، إن أبو الغيط يعد من أعمدة الدبلوماسية في الوطن العربي، بينما أضافت الكاتبة فاطمة الكراي أن أبو الغيط لم يكن شاهداً على فترة تاريخية فحسب، بل كان بنفسه - ذاتاً وموضوعاً - في قلب الحدث.
ومن جانبه، قال مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بمصر، الذي حضر اللقاء، إن كتابي أبو الغيط يشكلان أهم المصادر التاريخية لأحداث تلك الفترة، وهما «يشكلان أهم وأخطر ما كتبه وزراء الخارجية العرب عن أحداث بلادهم».
ومن جانب آخر، وداخل مقر البرلمان المصري، أشار سامح شكري وزير الخارجية المصري ، وهو يتحدث أمس أمام لجنة الشؤون العربية، إلى التحديات التي تواجهها بلاده والمنطقة، وتطرق إلى مشكلة الإرهاب التي تواجه بلاده، وقال في حضور رؤساء لجان الدفاع والأمن القومي والخارجية والشؤون الأفريقية إن جميع التنظيمات التي تعمق ظاهرة الإرهاب منشقة عن جماعة الإخوان، وهي تستقى أفكارها من فكر جماعة الإخوان، وعلى العالم أجمع أن يعي ذلك، منتقداً الصمت الدولي تجاه «الدعم المهول الذي تتلقاه هذه المنظمات الإرهابية، من دعم أسلحة وأموال وسيارات». وتساءل الوزير المصري: «هل القوة الاستخباراتية في العالم أجمع لا تستطيع أن تحدد الدول الداعمة للإرهاب والممولة للكيانات الإرهابية؟»، وقال إنه «لا يعقل أن تكون التنظيمات الإرهابية من دون أي دعم من شبكة من الدول التي تقوم باستخدامهم ﻷغراض سياسية في المنطقة، وأضاف: «سؤال للمجتمع الدولي حول كم الأسلحة والسيارات المنتسبة لشركات بعينها في مواقع القتال»، وتابع أن ما حدث في محافظتي الغربية والإسكندرية من أعمال إرهابية غير إنساني، وجريمة لن تزيد مصر إلا قوة، وعزما على القضاء التام على ظاهرة الإرهاب، واقتلاعه من جذوره.
وأكد أن مصر لها رؤية واضحة، ومنذ 3 سنوات تعمل على تطبيقها، مشيراً إلى أن الأوضاع التي تعرضت لها البلاد تجعلها أقوى، وتابع قائلاً: «تضحياتنا في مواجهة الإرهاب جعلتنا أكثر مصداقية في تناول هذه القضية»، لافتاً إلى أن التعاون بين المجتمع الدولي في مواجهة هذه الظاهرة أصبح ضرورة كبيرة، خصوصاً أن المواجه الكاملة تحقق العدالة النافذة.
وجاء حديث شكري رداً على تساؤلات طرحها اللواء سعد الجمال، رئيس لجنة الشؤون العربية بمجلس النواب، عن الرؤية المصرية بشأن أزمة سوريا، والجهود المبذولة مع دول الجوار لاحتواء أزمة ليبيا، باعتبارها عمقاً استراتيجياً للأمن القومي المصري، والرؤية التي خرجت بها زيارة الرئيس السيسي للولايات المتحدة الأميركية حول مستقبل القضية الفلسطينية، وكذلك الرؤية المصرية لاحتواء ما يقال إنها محاولات للوقيعة بين مصر والسودان، وأيضاً عن موقف مصر من العراق، والعلاقة مع السعودية.
وأشار شكري إلى أن لقاء الرئيس السيسي مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، خلال القمة العربية في البحر الميت بالأردن، كشف عن قوة العلاقة بينهما، مما يعود بالنفع المشترك على البلدين، في إطار روابطهما التاريخية القوية.



العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي
TT

العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي

نفت وزارة الداخلية العراقية، الجمعة، الأنباء التي ترددت حول وقوع حادث إطلاق نار من الجانب الكويتي استهدف إحدى النقاط الحدودية في محافظة البصرة (550 كم جنوب بغداد)، وفق ما نشرت «وكالة الأنباء الألمانية».

وأكدت الوزارة، في بيان، أن ما تداولته بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بهذا الشأن «عارٍ من الصحة تماماً».

وشددت على أنه لم يتم تسجيل أي حادث من هذا النوع، وأن الأوضاع على الشريط الحدودي بين البلدين تسير بصورة طبيعية ومستقرة.

ودعت «الداخلية العراقية» وسائل الإعلام إلى ضرورة توخي الدقة في نقل الأخبار واعتماد المصادر الرسمية فقط، محذرة من الانجرار وراء الشائعات التي قد تثير البلبلة، وتؤثر في طبيعة العلاقات الأخوية التي تربط العراق والكويت.

كما أشارت الوزارة في بيانها إلى أنها تحتفظ بحقها القانوني في اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد مروجي الأخبار الكاذبة التي تستهدف المساس بالأمن والاستقرار في البلاد.


ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
TT

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)

يواجه المزارعون بمناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن مخاطر فقدان مصادر دخلهم، وتتزايد معاناتهم بفعل جملة من الممارسات والإجراءات التي تؤثر بشكل مباشر على بنية الإنتاج الزراعي، كاستهداف مصادر الطاقة البديلة، وإغراق الأسواق بمدخلات زراعية فاسدة، وفرض قيود على التصدير، واحتكار عمليات التسويق.

ويخشى المزارعون من أن تؤدي الممارسات الحوثية إلى الإضرار التام بالعملية الزراعية والإخلال بالعلاقة بينهم وبين الأسواق المحلية والخارجية، وأن تدفع الكثير منهم إلى هجر هذه المهنة، في وقت تواصل فيه الجماعة الترويج لمزاعم دعم التنمية الزراعية بهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

مصادر محلية في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) تقول إن حصار الجماعة قرية الأغوال في مديرية الحدا، منذ قرابة أسبوعين، تسبب بتلف المحاصيل الزراعية نتيجة الصقيع والجفاف، بعد منع المزارعين من الوصول إلى مزارعهم لحمايتها من البرد وريها بالماء.

إلى جانب ذلك، أقدم مسلحو الجماعة، وبأوامر مباشرة من القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً للمحافظة في التنظيم الحوثي، على اقتلاع الألواح الشمسية وقطع أسلاك منظومات الطاقة، وكسر أقفال الآبار، في إجراء يرى المزارعون أنه يهدف إلى إلزامهم بالعودة لاستخدام الوقود المرتبط بتجارة واقتصاد الجماعة.

مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

وفي الجوف (شمال شرق صنعاء)، أدى توزيع الجماعة بذوراً فاسدة إلى ظهور نباتات علفية دخيلة عند الحصاد، أتلفت كميات كبيرة من محاصيل الحبوب، وخفّضت الإنتاج إلى أقل من الثلث، وفقاً للمزارعين الذين أبدوا حسرتهم على ضياع موسم زراعي، وانتهى بمحصول ضئيل وخسائر كبيرة، بعد أن لجأ العديد منهم إلى الاقتراض لإنجاح موسمه.

ونقلت مصادر زراعية عن المزارعين أن المحصول الضئيل نفسه لا يصلح للاستهلاك الآدمي.

وشهدت مديرية الحميدات، غرب المحافظة، الخسائر الأكبر، حيث لم يتجاوز محصول غالبية الحقول 30 كيساً من الحبوب، بعد أن كانت تنتج أكثر من 100 كيس خلال المواسم الماضية. ويصف المزارعون المحصول بأنه شبيه بالقمح ولا يصلح إلا كعلف للحيوانات.

إفساد المحاصيل

يتهم مزارعو البطاطس في محافظة ذمار الجماعة الحوثية بإغراق الأسواق ببذور مستوردة فاسدة وملوثة، والتسبب في كارثة زراعية بتدمير محاصيل استراتيجية وتعميق أزمة الأمن الغذائي.

ونفذ هؤلاء وقفة احتجاجية في العاصمة المختطفة صنعاء، أمام مبنى وزارة الزراعة في حكومة الجماعة التي لا يعترف بها أحد، مطالبين بوقف استيراد وتوزيع البذور غير المطابقة للمعايير، وبتعويضهم بعد الخسائر التي تكبدوها بسبب تلك الأصناف واستخدام مبيدات محظورة، وغياب الفحوصات المخبرية والرقابة الفعالة على الشحنات.

جانب من احتجاج مزارعي البطاطس أمام مبنى تابع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

وشهدت الوقفة اصطفاف عشرات الشاحنات المحملة بالمحصول المتضرر، ورفع المحتجون لافتات تدعو إلى وقف استيراد وتوزيع بذور غير مطابقة للمعايير، متهمين الجهات التابعة للجماعة بالتساهل في إدخال أصناف مصابة تسببت في انتشار أمراض نباتية خطيرة خلال المواسم الماضية، إلى جانب استخدام مبيدات محظورة.

وواصلت الجماعة الحوثية ادعاءاتها بدعم التنمية الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي إلى الترويج لنجاح زراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز، وهم ما يعدّ تحدياً معقداً، حيث تصنف اليمن من البلدان محدود الموارد المائية.

ويلفت خبير زراعي يمني، يعمل في قطاع الزراعة الذي يسيطر عليه الحوثيون، إلى أن مزاعم الحوثيين بنجاح زراعة القمح تسقط في الفجوة الكبيرة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج الممكن، حيث يستهلك اليمنيون ما يقارب 4 ملايين طن من القمح، والتي تحتاج إلى مساحات شاسعة لإنتاجها.

قادة حوثيون وسط مزرعة في الجوف حيث يشكو المزارعين من خسائر فادحة (إعلام حوثي)

ولا تتجاوز المساحات المزروعة في اليمن عشرات الآلاف من الهكتارات، بإنتاج أقصى يقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان، بحسب حديث الخبير الزراعي الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته حفاظاً على سلامته.

تضليل بمسمى الاكتفاء

أما زراعة الأرز، والحديث لنفس الخبير الزراعي، فهي خيار غير منطقي في ظل الاستنزاف الحاد للموارد المائية وتراجع منسوب المياه الجوفية، فضلاً عن غياب شبكات ري حديثة قادرة على دعم مثل هذا التوجه.

ويشير خبير آخر، تتحفظ «الشرق الأوسط» على بياناته أيضاً، إلى أن الجماعة الحوثية نفسها منعت مزارعي سهل تهامة، غربي البلاد، خلال السنوات الأخيرة، من التوسع في زراعة الموز بحجة الحفاظ على مخزون المياه الجوفية، في الوقت ذاته الذي تروّج لمزاعم زراعة الأرز الذي لا يمكن إنتاجه إلا في بيئة تتوفر فيها مياه جارية طوال العام.

ويشهد الموسم الحالي تكدساً وكساداً كبيرين للبرتقال واليوسفي، خصوصاً في محافظة الجوف (شمال شرق صنعاء) تحت تأثير الإجراءات التي تفرضها الجماعة الحوثية على المزارعين في المحافظة.

فتى يمني يعمل في حقل على أطراف صنعاء حيث يتراجع الإنتاج الزراعي جراء ممارسات الحوثيين (إ.ب.أ)

ومنذ قرابة شهرين يواجه مزارعو البرتقال واليوسفي صعوبات كبيرة في التصدير، بعد احتكار شركة حوثية تحمل اسم «سوق الارتقاء» تصدير المنتجات الزراعية إلى دول الجوار.

وتنقل مصادر زراعية عن هؤلاء المزارعين اتهامات للجماعة الحوثية بممارسة التضليل لنهب محاصيلهم، وذلك بادعاء أن استيراد دول الخليج هذين المنتجين من سوريا ومصر، تسبب في تراجع الطلب على الإنتاج اليمني منها، ووصفوا نشاط شركة «الارتقاء» الحوثية بـ«النهبوي» الذي لا يقتصر على هذين المنتجين فحسب.

وتلفت المصادر إلى أن جميع مزارعي الفواكه والمحاصيل القابلة للتصدير باتوا تحت رحمة هذه الشركة التي تتحكم بالأسعار والكميات، وتتسبب في تلف المنتجات الزراعية وإلحاق خسائر كبيرة بالمزارعين الذين يضطر غالبيتهم إلى البيع بأسعار زهيدة إلى الأسواق المحلية التي تشهد وفرة كبيرة وقدرة شرائية متدنية.


الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
TT

الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)

مع حلول شهر رمضان، الذي اعتاد اليمنيون استقباله بأجواء من التكافل والتراحم، تبدَّلت ملامح الحياة في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث تحوَّلت الشوارع والأسواق وأبواب المساجد إلى مشاهد يومية للفقر والعوز.

ورصدت «الشرق الأوسط» امتلاء أرصفة الشوارع بأعداد متزايدة من النساء والأطفال وكبار السن الذين اضطروا إلى التسول؛ بحثاً عن لقمة تسد رمق أسرهم، في مؤشر واضح على تعمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

وباتت ظاهرة التسول، وفق سكان وناشطين، جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي، بعد أن كانت حالات محدودة قبل انقلاب الحوثيين، إذ دفعت ظروف المعيشة القاسية آلاف الأسر إلى خيارات لم تكن واردة في حياتها من قبل.

ويعزو مراقبون هذا التحول إلى استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع فرص العمل، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إضافة إلى غياب أي معالجات اقتصادية حقيقية تخفف من معاناة السكان.

الفقر يدفع أشخاصاً في صنعاء للتسول لسد الرمق (الشرق الأوسط)

وخلال جولة ميدانية في عدد من شوارع صنعاء، رصدت «الشرق الأوسط» انتشار النساء والأطفال الذين يفترشون الأرصفة في محاولة لاستدرار المساعدة. ويروي كثير منهم قصصاً متشابهة عن فقدان المعيل أو توقف مصادر الدخل، بينما اضطر آخرون إلى ترك أعمالهم أو دراستهم؛ بسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة.

ويؤكد سكان أن الظاهرة لم تعد محصورة في أحياء فقيرة بعينها، بل امتدت إلى معظم مديريات صنعاء ومدن أخرى، ما يعكس اتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى.

ويحمّل عاملون إغاثيون الجماعة الحوثية مسؤولية تفاقم الأزمة، متهمين إياها بالانشغال بفرض الجبايات والإتاوات بدلاً من تبني سياسات اقتصادية واجتماعية تحد من الانهيار المعيشي.

وتقول أم أحمد، وهي أم لعد من الأطفال، تجلس قرب أحد المساجد، إن زوجها فقد عمله منذ عامين، ولم تعد الأسرة قادرةً على دفع إيجار المنزل أو تأمين الغذاء والدواء. وتضيف بحزن: «لم أتخيل يوماً أن أطلب المساعدة من الناس، لكن أطفالي بحاجة للطعام، ورمضان هذا العام هو الأصعب علينا».

طابور نساء أمام أحد المطاعم بصنعاء أملاً في الحصول على الطعام (الشرق الأوسط)

وفي شارع الزبيري، يقف الطفل سالم (12 عاماً) حاملاً علبة صغيرة لجمع التبرعات، بعدما اضطر لترك المدرسة إثر مرض والده. ويقول إنه كان يحلم بإكمال تعليمه، لكنه بات يخرج يومياً قبل الإفطار لمحاولة جمع ما يساعد أسرته على البقاء.

أما عبد الله، وهو موظف حكومي، فيؤكد أنه لم يتقاضَ راتبه منذ سنوات، ما دفعه للاعتماد على المساعدات. ويقول: «خدمت الدولة عقوداً طويلة، واليوم أجد نفسي مضطراً لطلب العون. لم نصل إلى هذه الحال إلا بسبب غياب الحلول».

طوابير طويلة

بالتوازي مع اتساع ظاهرة التسول، تشهد صنعاء ومحافظتا إب وذمار مشاهد إنسانية قاسية، تتمثل في طوابير طويلة لنساء وفتيات ينتظرن لساعات للحصول على وجبات مجانية تقدمها مبادرات خيرية محدودة الإمكانات. وتحمل النساء أكياساً فارغة على أمل العودة بما يسد جوع أطفالهن.

ويؤكد عاملون في المجال الإغاثي أن أعداد الأسر الباحثة عن وجبات الإفطار المجانية تزداد يومياً بشكل غير مسبوق، ما يعكس حجم التدهور المعيشي. ففي أحد أحياء مديرية معين بصنعاء، يصطف العشرات يومياً للحصول على وجبة بسيطة مكونة من الخبز وعلبة زبادي.

محتاجات يتجمعن للحصول على وجبة مجانية من مطبخ خيري في ذمار (فيسبوك)

وتقول أم عبد الله، وهي نازحة وأم لـ5 أطفال، إن هذه الوجبة قد تكون الطعام الوحيد المتاح لعائلتها خلال اليوم. وتوضح أنها تخرج بعد صلاة الفجر لتضمن موقعاً في الطابور، مضيفة: «أحياناً ننتظر 3 ساعات، لكنها تبقى فرصة كي لا ينام أطفالي جائعين».

وفي محافظة إب، أثارت مشاهد تجمع مئات النساء أمام مطبخ خيري غضباً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عدّ ناشطون تلك الصور دليلاً على وصول الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتقول ابتسام، وهي أم لـ3 أطفال، إنها تقطع مسافة طويلة سيراً على الأقدام يومياً، لكنها كثيراً ما تعود خالية اليدين بعد انتهاء التوزيع.

أما في ذمار، فتتكرر المشاهد ذاتها، حيث تنتظر نساء لساعات طويلة تحت الشمس للحصول على وجبة ساخنة. وتقول سمية، التي يعاني زوجها المرض ولا تملك مصدر دخل: «أشعر بالألم وأنا أقف في الطابور، لكن حاجتي من أجل أطفالي أكبر من أي شعور».

أزمة عميقة

تشير بيانات أممية إلى تصاعد مقلق في مؤشرات الفقر في اليمن خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية من نحو 21.6 مليون شخص عام 2023 إلى أكثر من 22 مليوناً في 2026، مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد.

كما ارتفعت نسبة الأسر اليمنية التي اضطرت إلى التسول لتأمين احتياجاتها الغذائية من نحو 5 إلى 6 في المائة قبل 3 سنوات إلى نحو 10 في المائة حالياً، مع تقديرات بوصولها إلى 12 في المائة في بعض المناطق.

ويعني ذلك أن أسرة واحدة من كل 10 أسر يمنية أصبحت تعتمد على التسول مصدر دخل مباشر، وهو تحوُّل خطير يعكس انتقال الظاهرة من حالات فردية إلى نمط معيشة اضطراري.

يمني يحمل أسطوانة غاز فارغة في أحد المساجد طالباً مساعدته لتعبئتها (فيسبوك)

ويرى مختصون اجتماعيون أن هذه المؤشرات تعكس فساد الجماعة الحوثية التي فاقمت الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى تفكك اجتماعي أوسع وارتفاع معدلات الجريمة والهجرة الداخلية.

وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات أممية من تدهور أوضاع النساء والفتيات بشكل خاص، في ظل نقص التمويل الإنساني واستمرار الصراع لأكثر من 11 عاماً. وأفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن ملايين النساء يعانين من الجوع الحاد، بينما تفتقر ملايين أخريات لخدمات الصحة الإنجابية الأساسية.

وتشير التقديرات إلى وفاة 3 نساء يومياً؛ بسبب مضاعفات الحمل والولادة، في حين تحتاج أكثر من 6 ملايين امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية من العنف. ويرى مختصون أن الضغوط الاقتصادية دفعت النساء إلى تحمل العبء الأكبر في تأمين الغذاء لأسرهن، ما جعلهن الأكثر تأثراً بالأزمة.