مهرجان «كان» يعلن اختياراته لمسابقتي الأفلام القصيرة والطويلة

يحتفي بالدورة السبعين بسعي إلى التغيير

«أشباح إسماعيل» فيلم الافتتاح للفرنسي أرنو ديسبلشين - «السقف» الفنلندي أحد أفلام مسابقة «كان» للفيلم القصير
«أشباح إسماعيل» فيلم الافتتاح للفرنسي أرنو ديسبلشين - «السقف» الفنلندي أحد أفلام مسابقة «كان» للفيلم القصير
TT

مهرجان «كان» يعلن اختياراته لمسابقتي الأفلام القصيرة والطويلة

«أشباح إسماعيل» فيلم الافتتاح للفرنسي أرنو ديسبلشين - «السقف» الفنلندي أحد أفلام مسابقة «كان» للفيلم القصير
«أشباح إسماعيل» فيلم الافتتاح للفرنسي أرنو ديسبلشين - «السقف» الفنلندي أحد أفلام مسابقة «كان» للفيلم القصير

أعلنت إدارة مهرجان «كان» السينمائي يوم أول من أمس عن الأفلام التي ستشكل مسابقة الأفلام القصيرة وتلك التي ستعرض، رسمياً، خارج تلك المسابقة وداخل مسابقة موازية أخرى هي تلك المسماة بـCinéfondation التي تعقد للسنة العشرين على التوالي.
المسابقة الرسمية للدورة السبعين من هذا المهرجان الذي ستعقد ما بين السابع عشر والثامن والعشرين من الشهر المقبل، تسلمت، حسب ما صرّحت به إدارة المهرجان، 4843 فيلماً قصيراً لكي تختار منها تسعة أفلام فقط. والسؤال الأول الذي يخطر على بال كل عاقل هو: كيف يمكن اختيار تسعة أفلام من نحو 5000 فيلم إلا قليلاً؟ ما نسبة الصح والخطأ في هذه الاختيارات؟ ثم ما المعيار الفاعل في التطبيق؟ أي تفاصيل دقيقة تدخل لتقليص هذا العدد الضخم حتى من بعد نفي الأعمال الركيكة منه؟
إذن، هي تسعة أفلام (ثمانية روائية وواحد من الأنيميشن) سيقوم المخرج الروماني كرستيان مانجو برئاسة لجنة التحكيم التي ستنظر فيها. وهذه الأفلام التسعة، موزعة على النحو التالي:
«رجل غارق» لمهدي فليفل، المقدّم باسم بريطانيا والدنمارك واليونان: «سقف» لتيب أراكسنن (فنلندا) و«جدي وولروس» للوكريس أندريا (فرنسا) و«عبر أرضي» لفيونا غودفيير (الولايات المتحدة) و«داميانا» لأندريه بوليدو (كولومبيا) و«ادفع» لجوليا تيلين (سويد) و«وقت الغذاء» لعلي رضا قاسمي (إيران) و«ليلة وادعة» لكي يانغ (الصين).
أميال فضائية
المسابقة الثانية تضم 16 فيلماً من أصل 2600 فيلم، والأسئلة ذاتها تتكرر، بالإضافة إلى إذا ما كانت بعض الأفلام التي شاهدتها لجنة «سينفونداسيون» هي من بين ما لم يقبل في المسابقة الأولى. على أي حال، هناك ثلاث جوائز ممنوحة في هذه المسابقة التي تختار ما تعرضه من بين أعمال التخرج من المعاهد والمدارس السينمائية.
هنا نجد بانوراما أوسع من الدول المشاركة تضم اليابان، والهند، والولايات المتحدة، وبلجيكا، وفرنسا (ثلاثة أفلام) وبريطانيا، وإيران، والأرجنتين، والمجر، وإسرائيل، وتايوان، والبرازيل، وسلوفاكيا، وبوسنيا.
الاهتمام بالسينما القصيرة يوازي، غرباً، الاهتمام «بالفورمات» الأخرى المتداولة: التجريبية والتسجيلية، والرسوم المتحركة، والأفلام الروائية الطويلة. ولم يعد من الصعب على الكثير من صانعي الأفلام القصيرة البحث عن مهرجان يعرض فيلمه القصير إذا ما كان جيداً وطموحاً بالفعل.
مثل «كان»، هناك عروض للأفلام القصيرة في غالبية المهرجانات الدولية الأولى مثل لوكارنو وبرلين وفينيسيا ودبي وصندانس. لكن عدد المهرجانات التي تتخصص بالفيلم القصير هائل. في أوروبا وحدها ما يتجاوز المائة مهرجان، وفي الولايات المتحدة نحو 60 مهرجانا، وفيما تبقى من قارات ودول قرابة 50 مهرجانا آخر. كلها لا تقبل إلا الأفلام القصيرة، وبينها من يلتزم بالفيلم ذي الدقيقة الواحدة (كما حال مهرجان باكستاني يقام في مدينة إسلام آباد)، بينما تتيح معظم المهرجانات الأخرى اشتراك الفيلم القصير بمفهومه الزمني التقليدي (من دقيقة إلى 40 دقيقة).
في الولايات المتحدة قفز مهرجان «بالم سبرينغز» الدولي للأفلام القصيرة أميالاً فضائية منذ أن أقيم لأول مرة سنة 1989.
في العام الماضي، شاركت فيه السينما السعودية لأول مرة عندما تم اختيار فيلم محمد سلمان الجيد «قاري» في مسابقته. دراما قصيرة حول ذلك الصبي وعربته التي يدفعها أمامه لغايات شتّـى (من بينها السباق مع أترابه في طرق المدينة) والرامزة، إلى جانب أنواع من العجلات الأخرى، عن الزمن نفسه. وهو تم اختياره من بين 300 فيلم آخر عرضت خلال أيام المهرجان السبعة مثلت 50 دولة.
المخرج ذاته أنهى مؤخراً فيلماً جيداً آخر سمّاه «ثوب العرس» وعرضه في مهرجان دبي أولاً، ويدور حول بعض تقاليد الزواج الاجتماعية، وبينها خشية الأم خياطة ثوب لها للمناسبة اعتقاداً بأنه سيكون الثوب الأخير الذي سترتديه.
ما يقوم به المخرج سلمان هو إلباس أفكاره الاجتماعية معالجات رمزية وشعرية جميلة، ومعتنى بتصويرها من حيث أطرها ولقطاتها.
اختيارات المهرجان
ظهر يوم أمس، وفي إحدى صالات الشانزلزيه في باريس، تم ‬عقد المؤتمر الصحافي السنوي المعتاد لإعلان قائمة الأفلام التي سيعرضها مهرجان «كان» الدولي في مناسبته السبعين هذا العام التي تنطلق في السابع عشر وتنتهي في الثامن والعشرين من الشهر المقبل.
ملاحظات عدة على القائمة المعلنة تسبق الإشارة إلى تفاصيلها، ومنها أن المهرجان هذه السنة سعى إلى التنويع بالنسبة إلى اختياراته من المخرجين المشتركين. التهمة التي لصقت به منذ سنين أنه لا يتخلّـى عن زبائنه لدرجة أنه إذا ما أراد المرء مشاهدة الفيلم الأخير للأخوين داردين أو للفرنسي أساياس أو للبريطاني كن لوتش، عليه التوجه إلى «كان» لأنها لا بد ستعرض فيه.
هذا العام نلاحظ أن التنويع استبعد عدداً من المخرجين – الزبائن، واستبدلهم بأسماء جديدة أو شبه جديدة. طبعاً قد يكون هناك سبب آخر، وبالتأكيد لا يستطيع الاستغناء عن الجميع لمجرد الرغبة في تنفيذ مفكرة عمل جديدة، لكن أسماء مثل روبين كامبيلو وسيرغي لوزنتسيا وكورنل مندروشو ونوا بومباخ ولين رامزي هي إما جديدة تماماً على المسابقة أو ظهرت في مناسبات قليلة جدا من قبل.
في مواجهتها بضعة أسماء متداولة، بينها الروسي أندريه زفيغنتزف، والفرنسي فرنسوا أزو، والأميركية صوفيا كوبولا، والأميركي تود هاينز، واليابانية ناوومي كواسي.
والافتتاح هو فيلم توقعنا له هنا، في مقال سابق في «الشرق الأوسط»، نفاذه من محيط الاختيارات إلى صفوة الانتقاءات، وهو «أشباح إسماعيل» للفرنسي أرنو ديسبلشين. أفلام أخرى من التي دارت في مجرّة التوقعات دخلت كذلك المسابقة أو جوارها.
السينما الطاغية
ملاحظة ثانية تكشفها اختيارات «كان» لهذا العام هي خلوها من الأفلام المنتمية إلى المؤسسة الهوليوودية. ليس فقط أن فيلم الافتتاح فرنسي وناطق بالفرنسية (أحياناً كان الإنتاج فرنسياً ناطقاً بالإنجليزية أو أميركياً) لكن أيضاً غياب لأفلام متعة مكلفة الإنتاج آتية من ديزني أو فوكس أو سواهما على غرار السنوات السابقة.
هذه الأفلام اعتادت أن تقدّم خارج المسابقة في عروض مختلفة، بينها قسم «عروض منتصف الليل» والقسم (الأكبر) «عروض خاصة». هذا العام معظم الأفلام آسيوية أو أوروبية والقليل الناطق بالإنجليزية آت إما من بريطانيا (مثل فيلم جديد هو أول إخراج تقوم به الممثلة ڤنيسا ردغراف) أو منتم إلى السينما الأميركية المستقلة أو الصغيرة.
من غير المعروف السبب المباشر لذلك، لكن ما يبدو أننا في مطلع اعتماد قرارات جديدة لإعادة مهرجان «كان» إلى كيان المهرجان الفني الأكبر عوضاً عن مسيرة الجمع بين المناهج المختلفة للسينما وتقديم أعمال تجارية ستؤول لعروضها العامة في الأسبوع ذاته من عرضها في قصر المهرجانات.
ما لم يتغيّـر هو النسبة المرتفعة من الأفلام الفرنسية التي يحشدها المهرجان للمسابقة: سبعة أفلام لجانب فيلم الافتتاح من أصل 18 فيلما في المسابقة، أي نحو نصف أفلام المسابقة إلا قليلاً.
في المؤتمر الصحافي أعلن المدير العام للمرجان تييري فريمو 49 فيلماً من 29 دولة ووجّه مستمعيه إلى حقيقة أن هناك 12 فيلماً من تلك المنتخبة (من بين آلاف الأفلام التي استقبلت وعرضت) من إخراج نساء. نقرأ في التفاصيل أفلاماً لصوفيا كوبولا «المخدوعات» وناوومي كاواسي («إشعاع») ولين رامزي («لم تكن بالفعل هنا») وهذه مشتركة في المسابقة الرسمية.
في إطار قسم «نظرة ما» ومسابقته يطالعنا فيلمان من نشأة عربية. أحدهما للمخرجة التونسية كوثر بن هانيا عبر فيلمها الجديد «الجمال والكلاب» (من بين تلك التي توقعنا هنا احتمال وصولها إلى مرحلة الاختيارات) والآخر هو «طبيعة الزمان» لكريم موسوي.
إلى جانب كوثر بن هنية عنصرا نسائيا وراء الكاميرا نجد، في القسم المذكور نفسه، والبلغارية فاليسكا غريزباك («وسترن») والأرجنتينية سيسيليا أتان («عروس الصحراء»).
وتعرض الفرنسية المخضرمة أغنيس فاردا فيلمها الجديد «وجوه، قرى» خارج المسابقة. فاردا على الأرجح أكبر معمّـرة بين مخرجات السينما حالياً؛ إذ تبلغ من العمر 88 سنة. في الحقيقة عيد ميلادها المقبل هو في الثلاثين من مايو (أيار)، أي بعد يومين من انتهاء المهرجان.
المسابقة الرسمية
• الافتتاح: «أشباح إسماعيل» | أرنو دسبليشين (فرنسا)
• 120 وحشاً بالدقيقة | روبير كامبيلو (فرنسا)
• المخدوعات | صوفيا كوبولا (الولايات المتحدة)
• مروّع | ميشيل أزانفسيوس (فرنسا)
• رودين | جاك دوالون (فرنسا)
• اليوم اللاحق | هونغ سانغسو (كوريا الجنوبية)
• مخلوق رقيق | سيرغي لوزنتزا (روسيا)
• وقت طيب | بَني وجوش صفدي (الولايات المتحدة)
• نهاية سعيدة | مايكل هنكه (فرنسا)
• بلا حب | أندريه زفيانتسف (روسيا)
• في الضحالة | فاتح أكين (ألمانيا)
• قمر المشتري | كورنل موندروجكو (المجر)
• قتل الغزال المقدس | يورغوس لانتيموس (اليونان)
• عشق مزدوج | فرنسوا أوزون (فرنسا)
• حكايات ميروفيتز | نوا بومباخ (الولايات المتحدة)
• أوكيا | بونغ دجون هو (كوريا الجنوبية)
• ووندرستراك | تود هاينز (الولايات المتحدة)
• أنت حقاً لم تكن هنا | لين رامزي (بريطانيا).
مسابقة نظرة ما
• الافتتاح: «باربرا» | لماتيو أمالريك (فرنسا)
• الجمال والكلاب | كوثر بن هنية (تونس)
• بعد الحرب | هنرييتا زامبرانو (فرنسا)
• ابنة أبريل | مايكل فرانكو (الولايات المتحدة)
• قبل أن نضمحل | كيوشي كوروساوا (اليابان)
• اقتراب | كانتمير بالاغوف (غير معروف)
• عروس الصحراء | سيلسيليا أتان وفاليريا بيفاتو (أرجنتين)
• توجيهات | ستيفان كوماندارف (بلغاريا)
• أنثى شابة | ليونوور ساريال (فرنسا)
• المشغل | لوران كانتيه (فرنسا)
• محظوظ | سيرجيو كاستيليتو (إيطاليا)
• طبيعة الزمن | كريم موسوي (الجزائر، فرنسا)
• اخرج | غريغورف كريستوف (سلوفاكيا)
• وسترن | فاليسكا غريزباك (بلغاريا)
• نهر الريح | تايلور شريدان (الولايات المتحدة)



جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.