الرئيس اللبناني يعلّق عمل البرلمان شهراً لعرقلة تمديد ولايته

استنفار سياسي وأمني والأحزاب المسيحية تدعو للإضراب العام

الرئيس اللبناني ميشال عون مجتمعاً مع رئيس الوزراء سعد الحريري في قصر بعبدا أمس (دالاتي ونهرا)
الرئيس اللبناني ميشال عون مجتمعاً مع رئيس الوزراء سعد الحريري في قصر بعبدا أمس (دالاتي ونهرا)
TT

الرئيس اللبناني يعلّق عمل البرلمان شهراً لعرقلة تمديد ولايته

الرئيس اللبناني ميشال عون مجتمعاً مع رئيس الوزراء سعد الحريري في قصر بعبدا أمس (دالاتي ونهرا)
الرئيس اللبناني ميشال عون مجتمعاً مع رئيس الوزراء سعد الحريري في قصر بعبدا أمس (دالاتي ونهرا)

وصل الاحتقان في لبنان إلى مستويات غير مسبوقة عشية الجلسة النيابية التي كانت مقررة اليوم الخميس لتمديد ولاية مجلس النواب للمرة الثالثة على التوالي، وانقسام الفرقاء ما بين أكثرية من المسلمين تؤيد التمديد تفاديا للفراغ النيابي وأكثرية مسيحية تعارضه تماما وتربطه بالاتفاق المسبق على قانون جديد تجري على أساسه الانتخابات. وتوسّع الخلاف ليطال «ميثاقية» الجلسة النيابية المزمع عقدها في ظل قرار الأحزاب المسيحية الرئيسية مقاطعتها واقتصار الحضور المسيحي على عدد من النواب المستقلين وكتلة النائب سليمان فرنجية التي لا تضم إلا 3 نواب. وتعتبر القوى المسيحية الرئيسية أن «سير رئيس المجلس النيابي نبيه بري بجلسة مماثلة من شأنه أن يضرب مبدأ الشراكة المسيحية - الإسلامية التي يقوم عليها لبنان».
وقرر رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، مساء أمس، استخدام إحدى الصلاحيات التي يتيحها له الدستور، وتحديدا المادة 59 منه معلّقا عمل مجلس النواب للتصدي لعملية التمديد، وهي صلاحية لم يلجأ إليها أي رئيس للجمهورية، منذ توقيع اتفاق الطائف في عام 1989 على الأقل.
وقال عون في كلمة وجهها للبنانيين: «تعهدت في خطاب القسم بتصحيح التمثيل على أسس الميثاقية، وتعهدت الحكومة في البيان الوزاري بإقرار قانون انتخاب يراعي صحة التمثيل، وسبق أن حذرت من تداعيات التمديد، وحتما لن يكون له سبيل في عهد إنهاض الدولة». وأضاف: «إفساحا للمجال بين جميع الأفرقاء ومنعا لاستباحة حق اللبنانيين، قررت تأجيل تأجيل انعقاد جلسة مجلس النواب لمدة شهر واحد استنادا إلى نص المادة 59 من الدستور».
ووفق أستاذ القانون الدولي أنطوان صفير فإن أمام الرئيس عون سلسلة خيارات دستورية يمكنه اللجوء إليها للتعامل مع الأزمة، إلا أن مجمل هذه الخيارات لا تأتي بالحل إنما تؤجله، لافتا في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن اللجوء إلى المادة 59 من الدستور يتيح له تعليق عمل مجلس النواب، وبالتحديد منعه من الانعقاد لمدة شهر كامل، إلا أنه بعد انقضاء هذه المهلة سيتمكن المجلس من إقرار قانون التمديد. وأوضح صفير أن هناك مخارج دستورية أخرى كرد القانون للمجلس بعد إقراره أو الطعن به أمام المجلس الدستوري.
وشهد أمس الأربعاء استنفارا سياسيا وأمنيا لمواكبة المستجدات، خاصة بعد دعوة الأحزاب المسيحية وعلى رأسها «التيار الوطني الحر» و«القوات اللبنانية» و«الكتائب اللبنانية» للإضراب العام والتظاهر لمنع إقرار التمديد، على أن ينضم مناصروهم بذلك إلى مجموعات الحراك المدني التي ستوجد في شوارع وسط بيروت المؤدية إلى مبنى البرلمان في محاولة للحؤول دون وصول النواب المؤيدين مشروع تأجيل الانتخابات لعام كامل. واعتبر التيار أن «إقرار قانون انتخابات جديد يؤمن المناصفة والشراكة ويحترم الميثاق، هو الممر الإلزامي لتصحيح تكوين السلطة، على أسس سليمة، انطلاقا من المجلس النيابي، المؤسسة الدستورية الأم»، فيما شدّد «القوات» على أن «الحل الفعلي للأزمة الحالية يكون من خلال إقرار قانون انتخاب جديد يؤمن أكبر قدر ممكن من المناصفة الفعلية، ولا يكون بتمديد ثالث للمجلس النيابي».
وتحدثت مصادر في التيار الوطني الحر المؤيد لعون لـ«الشرق الأوسط» عن «فشل كل الاجتماعات التي تمت بين وفود من (حزب الله) في التوصل إلى أي اتفاق وآخرها الذي تم عقده مساء أمس»، لافتة إلى أنّه «بمقابل تمسك الحزب بالنسبية الكاملة نظاما انتخابيا، يشدد التيار على وجوب تضمين القانون مرحلة من التأهيل الطائفي لضمان وصول النواب المسيحيين بأصوات الناخبين المسيحيين أنفسهم». وأضافت المصادر: «ما آلت إليه الأمور بين التيار والحزب سيؤثر ولا شك على تحالف الطرفين اللذين على ما يبدو فقدا الثقة ببعضهما».
وانكبت القوى السياسية طوال ساعات أمس على محاولات لاستيعاب التطورات الأخيرة والحؤول دون «صدام طائفي» يبدأ بالسياسة وقد يتخذ أبعادا أخرى غير محسوبة لكونه يتزامن مع تحركات كبيرة في الشارع. وتابع الرئيس عون، وفق الوكالة الوطنية للإعلام، الاتصالات السياسية الجارية على مختلف المستويات والمتعلقة بالدعوة التي وجهت إلى مجلس النواب للانعقاد، وعلى جدول أعماله اقتراح قانون للتمديد للمجلس سنة إضافية. وتركزت الاتصالات على سبل معالجة هذه المسألة بعد ردود الفعل السياسية والشعبية الرافضة للتمديد، وحذر عون من «الأبعاد السلبية لمثل هذه الخطوة». كذلك نشطت الحركة في السرايا الحكومية، حيث ألغى رئيس الحكومة سعد الحريري مواعيده وتفرغ لإجراء اتصالات متلاحقة مع الرئيسين، عون وبري، ومختلف القوى السياسية، لإيجاد مخرج لمسألة الاتفاق على مشروع قانون الانتخاب وتفادي أي تداعيات سلبية، وحاول الحريري بث نوع من الطمأنينة في نفوس سائليه، قائلا: «سنصل إلى حل قبل الغد إن شاء الله».
ونقل عدد من النواب عن الرئيس بري بعد «لقاء الأربعاء النيابي» قوله: «إننا مضطرون في غياب التوصل إلى اتفاق على القانون إلى تجرع سم التمديد لتلافي الفراغ القاتل والمدمر للبلاد»، لافتا إلى أنّهم في حركة «أمل» كانوا دائما «منفتحين في النقاش حول قانون الانتخاب لإنتاج قانون جديد وإجراء الانتخابات على أساسه». وأضاف بري: «عندما نتفق على قانون الانتخاب ونقره فإنه في مقدورنا تعديل مدة التمديد ومفاعيلها آخذين في الاعتبار هذا القانون الجديد لإجراء الانتخابات على أساسه». كنا نقل النواب أيضا تأكيد الرئيس بري «حرصه على العهد والمؤسسات الدستورية»، مشيرا إلى أن «هذا الحرص يقتضي منا جميعا عدم الذهاب إلى الفراغ في المجلس النيابي في كل الأحوال».
من جهته، لفت النائب علي فياض إلى أن «حزب الله» سيحضر الجلسة النيابية الخميس، وقال: «انتظروا ساعات الليل المتأخرة فيما يخص التمديد»، معتبرا «الفراغ أسوأ السيناريوهات على الإطلاق».
وكانت قد تكثفت أمس الاجتماعات واللقاءات السياسية في محاولة لاجتراح الحلول، وقال عضو تكتل «التغيير والإصلاح» النائب إبراهيم كنعان بعد لقائه ووفد من التكتل البطريرك المروني بشارة الراعي، إن «الظرف الحالي استثنائي مصيري وكياني»، وتساءل: «لماذا يجوز التصويب على قانون تمديد يعتبر عارا علينا ويخالف الدستور علنا والنظام الديمقراطي البرلماني ولا يجوز التصويت على قانون انتخاب؟» وتابع: «ممنوع التصويت على قانون انتخاب، لا في الحكومة ولا في مجلس النواب، هذا الكلام قيل ونحن سنصوت على التمديد من دونكم. أهكذا يبنى لبنان والدولة؟».
من جهته، أكّد الأمين العام لـ«تيار المستقبل» أحمد الحريري ألا مشكلة لدى تياره «مع كل مشروعات القوانين المطروحة»، لافتا إلى أن رئيس الحكومة «يقوم بواجبه في البحث عن مخارج، ويحاول تدوير الزوايا، كي لا نقع في أزمة جديدة، أو في تعطيل جديد، كي لا تذهب كل المبادرات في الأشهر الماضية هباء منثورا». أما النائب عن حزب «الكتائب اللبنانية» إيلي ماروني، فأكّد أن مناصري الحزب «سينزلون إلى الشارع غدا تزامنا مع الجلسة التشريعية للمطالبة بضرورة إقرار قانون يؤمن صحة التمثيل للبنانيين والمسيحيين، ولرفض التمديد إذا ما كان مقرونا بقانون انتخابي يحدد التأجيل التقني بضعة أشهر ريثما تتمكن السلطات من إجراء التحضيرات اللازمة». وأكد أن «المظاهرات ستكون سلمية ولن يتم منع النواب من الوصول إلى البرلمان لأن في ذلك عودة إلى فترة الحرب الأليمة، خصوصا أن الجلسة متزامنة مع ذكرى 13 نيسان»، داعيا لـ«التنبه إلى أن الأزمة اليوم ليست مسيحية - إسلامية، إنما لها وجوه كثيرة؛ فهناك المسؤول عن عرقلة إقرار قانون حتى اللحظة، وهناك من يفصّل القوانين الانتخابية على قياسه».



أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
TT

أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)

في حي شعبي شمال العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، يقف محمد، ذو الأحد عشر عاماً، أمام «فرشة» صغيرة لبيع الألعاب، يراقب أترابه وهم يختارون ما يريدون بفرح، بينما اكتفى هو بالنظر بصمت قبل أن يغادر ممسكاً بيد شقيقه الأصغر.

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتمنى أن أشتري سيارة لعبة وأن ألبس ملابس جديدة للعيد، لكنَّ أبي قال إن الوضع صعب، وربما يشتريها لي في السنة المقبلة».

ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدو فرحة العيد في صنعاء وبقية المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، باهتة لدى كثير من الأطفال الذين أثقلت الحرب كاهل أسرهم، وحوَّلت أحلامهم البسيطة إلى أمنيات مؤجلة. فالظروف المعيشية والاقتصادية المتدهورة، وارتفاع الأسعار، وغياب الرواتب، وندرة فرص العمل، دفعت آلاف العائلات إلى الاكتفاء بتأمين الغذاء، فيما أصبحت ملابس العيد والألعاب رفاهية بعيدة المنال.

وأجرت «الشرق الأوسط» جولة في بعض شوارع وأسواق صنعاء، ورصدت مشاهد تختصر حجم المعاناة والحرمان اللذين يعيشهما مئات الأطفال، في ظل ازدياد معدلات الفقر وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس مباشرةً على احتياجات الصغار الأساسية.

في سوق «السنينة» بمديرية معين وسط المدينة، كانت الطفلة ريم (9 أعوام) تساعد والدتها على بيع بعض الحلويات المنزلية، بينما تراقب فساتين العيد المعلقة على واجهات المحلات.

الأطفال في اليمن يتحملون المشقة لمساعدة عائلاتهم (الشرق الأوسط)

وتقول الطفلة: «أتمنى أن ألبس فستاناً وردياً وأن أخرج للعب مع البنات، لكنَّ أمي تعجز دائماً عن توفير ذلك».

وفي حي الحصبة شمال صنعاء، يجلس الطفل سليم إلى جوار والده داخل «فرشة» صغيرة لبيع الخضراوات، وهو يعبث بطائرة ورقية صنعها بنفسه.

ويقول: «أحلم بأن أكون مهندساً وأن أبني متجراً كبيراً لأبي، وأساعده يومياً في البيع والشراء حتى يستطيع تأمين كل احتياجاتي من الملابس والألعاب وغيرها».

ورغم قسوة الواقع، لا يزال الأطفال في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين يتمسكون بأحلامهم الصغيرة، ويحاولون صناعة فرحتهم بوسائل بسيطة. ففي بعض الحارات الشعبية، يجتمع الصغار للعب بالكرات الورقية أو الألعاب القديمة، بينما تحاول أسر الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، عبر تقديم مبالغ رمزية للأطفال أو إعداد وجبات منزلية متواضعة.

آثار نفسية ومعيشية

تؤكد تقارير إنسانية أن الأطفال في اليمن هم الأكثر تضرراً من الأزمة الممتدة، حيث يعاني كثير منهم من سوء التغذية وغياب الخدمات الأساسية، فضلاً عن الآثار النفسية التي خلفتها الحرب والفقر الناتجين عن الانقلاب الحوثي.

ويرى مختصون اجتماعيون أن الأعياد في اليمن فقدت جزءاً كبيراً من ملامحها التقليدية خلال السنوات الأخيرة، بعدما انعكست الأزمة الاقتصادية والحرب المستمرة على حياة الأسر، خصوصاً الأطفال.

طفلة يمنية تراجع دروسها برفقة ميزان في أحد شوارع صنعاء (إكس)

ويؤكد هؤلاء أن كثيراً من الأطفال في صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرة الحوثيين باتوا يواجهون واقعاً قاسياً حرمهم من أبسط مظاهر الفرح المرتبطة بالعيد، مثل الملابس الجديدة أو الخروج إلى الحدائق وشراء الألعاب.

وحسب التقارير الدولية، فإن استمرار الحرب والأزمة الإنسانية في اليمن تركا آثاراً نفسية ومعيشية عميقة على الأطفال، الذين كبر كثير منهم قبل أوانهم، وأصبحوا أكثر إدراكاً لمعاني الحرمان والخوف وعدم الاستقرار.

تحذيرات أممية

في موازاة ذلك، يشير الطفل أيهم (15 عاماً)، الذي يقطن مع عائلته في حي القاع بصنعاء، إلى أن الأطفال باتوا أكثر وعياً بالظروف القاسية التي تمر بها أسرهم، الأمر الذي يدفعهم إلى كتمان رغباتهم أو تأجيل أحلامهم الصغيرة مراعاةً لأوضاع آبائهم.

ويضيف: «أمنيتي الوحيدة أن يأتي يوم أحتفل فيه مع أسرتي بعيد بلا حرب، وبأحلام لا تؤجلها الحاجة».

ويتزامن ذلك مع تحذير برنامج الغذاء العالمي من استمرار الارتفاع المقلق في معدلات سوء التغذية بين الأطفال دون سن الثانية في اليمن، مع تسجيل مستويات أكثر حدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

يمنيون في صنعاء يبتكرون ألعاباً لأطفالهم خلال أيام العيد (الشرق الأوسط)

وأوضح البرنامج الأممي أن بيانات الرصد من بُعد تشير إلى أن الفقر الغذائي الحاد بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهراً لا يزال عند مستويات مرتفعة خلال عام 2026، رغم تسجيل تحسن طفيف في مارس (آذار) الماضي.

وحسب التقرير، لا يزال الوضع الإنساني في اليمن بالغ الخطورة، إذ يُقدَّر أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، إلى جانب توقعات بتعرض نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة لسوء التغذية خلال العام الجاري.

Your Premium trial has ended


ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
TT

ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)

أكدت بيانات أممية حديثة أن واحداً من كل شخصين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية يعاني من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل استمرار التدهور الاقتصادي وتراجع المساعدات الإنسانية واتساع آثار الصراع؛ الأمر الذي جعل ملايين السكان غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية.

ووفق تقرير أممي حديث بشأن مستويات الأمن الغذائي، فإن نحو 5 ملايين يمني يعيشون حالياً في «المرحلة الثالثة أو ما فوقها» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، وهي مرحلة «الأزمة» أو «ما هو أسوأ»، حتى الشهر الحالي.

«حالة الطوارئ»

وأظهرت البيانات أن نحو 1.4 مليون يمني دخلوا المرحلة الرابعة؛ «حالة الطوارئ»، في مؤشر على اتساع فجوات استهلاك الغذاء، واضطرار كثير من الأسر إلى اتباع استراتيجيات تكيف قاسية، مثل بيع الممتلكات أو المواشي أو اللجوء إلى التسول، للبقاء على قيد الحياة.

وأشار التقرير إلى أنه لولا المساعدات الإنسانية المحدودة التي قُدمت لنحو 1.7 مليون شخص خلال الفترة الماضية، لكانت مستويات انعدام الأمن الغذائي أشد سوءاً، موضحاً أن 47 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، البالغ عددهم 10.5 مليون نسمة، يعانون من «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي».

انخفاض حاد في المساعدات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية (الأمم المتحدة)

وعلى الرغم من حدة الأزمة، فإن التقرير تحدث عن تحسن موسمي طفيف في توافر الغذاء وإمكانية الحصول عليه مقارنة بالفترة السابقة، التي بلغ فيها عدد السكان في «المرحلة الرابعة» نحو 1.6 مليون يمني.

وعزا التقرير هذا التحسن المحدود إلى زيادة الإنتاج الزراعي والرعوي المحلي اليمني، وتوسع نطاق المساعدات الإنسانية، إضافة إلى ارتفاع الدعم المجتمعي عبر الزكاة والصدقات خلال الفترة الأخيرة، رغم تأكيده أن هذه العوامل لا تزال غير كافية لمعالجة الفجوات الغذائية المتصاعدة.

وأكدت البيانات أن نحو 60 في المائة من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة مصدراً رئيسياً للعيش، في حين لا يغطي الإنتاج المحلي سوى ما بين 25 و30 في المائة من الاحتياجات الغذائية الوطنية؛ مما يجعل اليمن أكبر عرضة لتقلبات أسعار الغذاء العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بالصراع الإقليمي.

وصنف التقرير جميع المحافظات اليمنية الـ12 الخاضعة لسيطرة الحكومة ضمن «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، في مؤشر على اتساع مواطن الضعف الهيكلية وتراجع قدرة الأسر على امتصاص الصدمات الاقتصادية والمعيشية.

وأوضح أن النازحين اليمنيين داخلياً والفئات المهمشة والأسر الأشد فقراً هم الأكبر تضرراً من ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل وانخفاض حجم المساعدات الإنسانية.

مخاوف من تفاقم الأزمة

نبهت الأمم المتحدة إلى أن أي تصعيد إضافي في النزاع أو استمرار خفض التمويل الإنساني في اليمن سيؤدي إلى اتساع الفجوات الغذائية وتسارع لجوء السكان إلى آليات تكيف أكبر هشاشة خلال الأشهر المقبلة.

وتوقعت البيانات أن يتدهور الوضع الغذائي سريعاً خلال موسم الجفاف الممتد من يونيو (حزيران) إلى سبتمبر (أيلول) المقبلين، مع ارتفاع عدد السكان في «المرحلة الثالثة أو أعلى» إلى 5.4 مليون شخص، يمثلون 51 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، بينهم 1.6 مليون شخص في «المرحلة الرابعة».

1.8 مليون يمني وصلوا إلى «المرحلة الرابعة» من انعدام الأمن الغذائي (الأمم المتحدة)

وتمثل هذه الأرقام زيادة بنحو 400 ألف شخص مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع تحذيرات بأن النقص الحاد في التمويل سيؤدي إلى تقليص برامج الأمن الغذائي في اليمن لتشمل نحو 1.2 مليون شخص فقط، بثلث الحصة الغذائية القياسية.

وأشار التقرير إلى أن الصدمات المناخية، بما فيها الفيضانات المفاجئة، وتأخر مواسم الزراعة، وانتشار الآفات الزراعية، وارتفاع تكاليف المدخلات، ستؤدي إلى مزيد من تراجع الإنتاج الزراعي وانخفاض دخول الأسر اليمنية.

تراجع القدرة الشرائية

أكد التقرير الأممي أن استمرار عدم انتظام صرف الرواتب، وشح فرص العمل، يواصلان تقويض القدرة الشرائية للأسر اليمنية، في وقت يسهم فيه نقص السيولة المحلية والقيود المصرفية في زيادة صعوبة الحصول على الغذاء، خصوصاً للأسر المعتمدة على التحويلات المالية.

كما أشار إلى أن التوترات المرتبطة بـ«البنك المركزي»، وقيود السحب النقدي، وعدم الاستقرار المالي، تعرقل أنشطة التجار وتفاقم الضغوط الاقتصادية على السكان.

واحد من كل شخصين يمنيين يعاني من «انعدام الأمن الغذائي الحاد» (الأمم المتحدة)

وأوضح التقرير أن المساعدات الغذائية الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية شهدت انخفاضاً حاداً منذ مطلع العام الحالي؛ نتيجة تخفيضات التمويل، حيث من المقرر أن يحصل 1.7 مليون شخص فقط على الدعم بمستويات متفاوتة من التغطية الغذائية.

وأكد أن محدودية التغطية، وانخفاض قيمة التحويلات، وتراجع وتيرة توزيع المساعدات، تؤدي إلى اتساع فجوات استهلاك الغذاء لدى الأسر المعتمدة على هذا الدعم.

وتوقع التقرير أن تتفاقم الأزمة خلال الربع الأخير من العام الحالي، مع ارتفاع عدد السكان المصنفين في «المرحلة الرابعة (حالة الطوارئ)» إلى نحو 1.8 مليون شخص، بزيادة تبلغ نحو 150 ألف شخص مقارنة بالمستويات الحالية.

وأشارت البيانات الأممية إلى أن هذا التدهور المتوقع في اليمن يعكس الاعتماد الكبير للسكان على المساعدات الإنسانية الخارجية لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية، إلى جانب هشاشة سبل العيش والاقتصاد المحلي.


ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

يتواصل الرفض العربي ضد مظاهر التعاون الإسرائيلي مع الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، منذ بدء الاعتراف في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصولاً إلى رفض إعلان اعتزام الإقليم فتح سفارة له في القدس المحتلة.

وبحسب خبراء ومحللين، فإن ذلك الرفض العربي يحمل رسالة تحذيرية لأرض الصومال وإسرائيل، وستمتد حدوده من الإدانات والتحركات الدبلوماسية إلى إصدار قرارات بمساعدة واسعة لمقديشو لمنع أي تمدد لإسرائيل في المنطقة وإمكانية مقاطعة الإقليم.

وعمقت إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به أواخر الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً لإعلان قرب تبادل افتتاح السفارات في مايو (أيار) الحالي.

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

وأدانت السعودية ومصر وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا وجيبوتي والصومال وفلسطين وسلطنة عمان والسودان واليمن ولبنان وموريتانيا إعلان الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» فتح سفارة في القدس المحتلة، قبل أيام.

وأكد وزراء خارجية تلك الدول في بيان مشترك، الأحد، إدانة تلك الخطوة بأشد العبارات، ووصفوها بأنها غير قانونية ومرفوضة، وعدَّت ذلك «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومساساً مباشراً بالوضعين القانوني والتاريخي لمدينة القدس المحتلة».

وأعرب الوزراء عن رفضهم الكامل لأي إجراءات أحادية تستهدف تكريس واقع غير قانوني في القدس المحتلة أو منح شرعية لأي كيانات أو ترتيبات تخالف قواعد القانون الدولي، مؤكدين دعمهم الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية وسلامة أراضيها، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية أو تنتقص من سيادتها.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، يوسف أحمد الشرقاوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن البيان المشترك خطوة إيجابية فيما يتصل بوقف اعتداءات الإقليم الانفصالي على سيادة الصومال وحقوق القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن هذه رسالة مباشرة أيضاً لأرض الصومال وإسرائيل بأن أي خطوات ستكون محل رفض عربي وإسلامي وتحذيرية لأي جهة أخرى يمكن أن تكرر مسار الإقليم الانفصالي.

بدوره، يرى أمين عام «مركز الفارابي للدراسات السياسية» مختار غباشي أن المواقف الدبلوماسية العربية تتواصل بهدف رفض أي وجود إسرائيلي في منطقة البحر الأحمر أو خلق قاعدة باعتبار ذلك تهديداً لأمن الدول العربية.

وأدان الصومال، الأربعاء الماضي، ذلك الإعلان أيضاً، معتبراً الخطوة إجراءً أحادياً غير قانوني ولا يترتب عليه أي أثر سياسي أو قانوني. واعتبر أن هذه الخطوة تمثل «استفزازاً سياسياً لا يتوافق مع الإجماع الدولي».

كما سبق وحذرت الجامعة العربية في بيان من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح إقليم «أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة.

وكانت دول عربية وأفريقية قد أدانت في أبريل الماضي، بأشد العبارات، إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى «أرض الصومال».

ورغم ذلك، لا يتوقع الشرقاوي أن تصل حدود الرفض إلى دعم الصدام بين مقديشو والإقليم الانفصالي، مشدداً على ضرورة أن تتضمن المرحلة المقبلة قرارات أشد حسماً بمساندة الحكومة الصومالية وتقوية بسط سيطرتها على أراضيها، وكذلك مقاطعة الإقليم الانفصالي.

وشدد الشرقاوي على أهمية تعاظم الدور العربي والإسلامي لمنع أي وجود إسرائيلي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر لما له من أضرار كبيرة على استقرار المنطقة.

في المقابل، لا يستبعد غباشي، أن يتم دعم مقديشو بشكل واسع على كل المستويات «لمنع أي تهديد لسيادتها وسيادة الدولة العربية، ولو وصل الأمر لدعم صدام مباشر بين الصومال والإقليم الانفصالي، لمنع التمدد الإسرائيلي»، على حد قوله.