«سامحيني يا أم ألبير»

مشاهد مدمن على أفلام سعاد حسني

سعاد حسني في أحد أفلامها
سعاد حسني في أحد أفلامها
TT

«سامحيني يا أم ألبير»

سعاد حسني في أحد أفلامها
سعاد حسني في أحد أفلامها

تستعد دار الشروق المصرية لإصدار كتاب قصصي للكاتب أسامة غريب بعنوان «سامحيني يا أم ألبير» حيث يمزج الكتاب بطريقة ممتعة بين الحس الأدبي والسخرية، فن القصة والسيرة الذاتية، وهو يضم 20 قصة تنتظمها ثلاثة خيوط في نسيج واحد.
يأخذ المؤلف، القارئ للمجتمع القاهري في الفترة التي عاشها في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن العشرين متجولاً به في أرجاء حي الظاهر بالقاهرة بشوارعه ودروبه وحواريه الذي قضى فيه الكاتب سنوات طفولته وشبابه المبكر، وهو حي جمع أبناء الطبقة المتوسطة بشرائحها المختلفة، إلى جانب الفقراء المهمشين ممن عرفهم وصادقهم وعاش بينهم. تلك الفترة التي عايش خلالها قصصاً وشخصيات خلال فترة التحاقه بالمدرسة الثانوية والجامعة.
يروي أسامة غريب القصص التي عاشها، وكان فيها قريباً من البطل، متابعاً له وشاهداً عليه. يكتب عن راوية فاتنة الشارع التي تحولت قصة حبها إلى مأساة، سرحان البواب الذي راح ضحية ولعه بالنساء، روماني صبي المكوجي وقصة اكتشافه لدلالة اسمه، رحلته إلى الباطنية برفقة ميمي مفتاح، وجارته «أم ألبير» التي يطلب منها أن تسامحه.
هنا قصة من الكتاب، الذي سيصدر قريباً:
جمعة... ملك البيزنس
منذ شاهدت سعاد حسني بالتلفزيون في الصغر صرت ممسوساً بها، ثم أصبحت زبوناً دائماً لدور العرض التي تعرض أفلامها. كنت على أعتاب المرحلة الإعدادية عندما بدأت بمشاهدة فيلم «غروب وشروق» في سينما بارك بميدان السكاكيني، ثم شاهدت «الحب الضائع» بسينما ريالتو بالظاهر، وفيلم «الخوف» بسينما مصر بشارع الجيش، وبعده جاء فيلم «زوزو» الذي انتظرته كثيراً حتى انتهى عرضه من سينما أوبرا وجاء يتهادى إلى سينمات الدرجة الثالثة حيث شاهدته بسينما سهير في العباسية، وفي الوقت نفسه عُرض لها فيلم آخر سيء الحظ لا أظن الكثيرين سمعوا به وهو فيلم «غرباء» من إخراج سعد عرفة، ولقد أحببت هذا الفيلم إلى جانب «على من نطلق الرصاص» أكثر من غيرهما رغم أنهما لم يكونا الأكثر شهرة.
عندما ظهرت إعلانات فيلم «أميرة حبي أنا» وملأت أفيشاته الشوارع شعرت بتوتر مصدره عدم القدرة على الانتظار لمدة سنة كاملة حتى ينتهي عرضه من سينما الدرجة الأولى ثم يهبط إلينا في سينما الأحياء.
كانت سينما الحي هي أجمل مظهر للمدنية أحببته في حياتي... في حينا وحده (الظاهر) كان يوجد أكثر من 10 دور عرض سينمائي، وقد حدثني الأقدمون أن العدد كان أكثر من ذلك في السابق.كانت تجاورنا بشارع الظاهر سينمات «ريالتو الشتوي وريالتو الصيفي وفاليري وماجيستك»، غير سينما فيكتوريا بشارع بورسعيد، وبارك بالسكاكيني، والتاج بشارع أحمد سعيد ومصر وهوليود بشارع الجيش.
لم أستطع الانتظار ووجدت نفسي أقوم بالادخار من المصروف حتى جمعت قيمة التذكرة وتوجهت إلى سينما راديو التي كانت تعرض الفيلم. وقفت بالطابور ودفعت ستة عشر قرشاً ونصف ثمن التذكرة.
بالصدفة لمحت «جمعة» زميلي بالمدرسة يقف بالممر الذي تقع به السينما لشراء الآيس كريم في انتظار الدخول مثلي. شاغبته متسائلاً: من أين لك بثمن تذكرة السينما وأنت البائس المعدم؟ إن عهدي بك زبوناً وفياً لسينما هوليود التي يرتادها اللصوص والشواذ!
قال: عمي الذي في البرازيل مات وترك لنا مزارع بن تجري فيها الخيل!.
كان جمعة من أشقياء الفصل الذين يشاركون في كل نشاط أسود... لعب قمار... خطف شنط سيدات، وقد عرفت منه أنه حصل على ثمن التذكرة من حصيلة لعب الثلاث ورقات داخل حديقة الأزبكية.
وقفت معه نتحدث ريثما يقومون بتجهيز صالة العرض، ولاحظنا أن تجارة السوق السوداء قد نشطت بعد إغلاق شباك التذاكر. مر بجوارنا شاب يهتف طلباً لشراء تذكرتين من أي أحد يرغب في بيع تذاكره. وجّهته نحو سماسرة التذاكر الموجودين بالمكان فأخبرني بأن مخزونهم قد نفد، وأنه يريد تذكرتين بأي ثمن له ولخطيبته. اعتذرت بعدم قدرتي على حل مشكلته... لكن للغرابة فوجئت بزميلي جمعة ينبري عارضاً بيع تذكرته بربع جنيه. وافق الشاب على الفور وأخرج نقوده طالباً شراء تذكرة أخرى. تلفّت جمعة حوله ثم استقر نظره علي واقترب هامساً: هات تذكرتك بسرعة. قلت له: لا يا حبيبي أنا لن أبيع تذكرتي... لقد جئت لمشاهدة الفيلم لا للربح في التذكرة. تدخل الشاب طالب التذكرة وناشد ضميري ألا أخذله أمام خطيبته التي كان على وشك فسخ الخطبة معها، واليوم قد تصالحا وطلبَتْ منه أن يأخذها لتشاهد سعاد حسني. من جانبه لم يتردد جمعة في طرق الحديد وهو ساخن فأمسكني من ذراعي وأخذني جانباً وقال: يا أخي هذه فرصة... لنبع التذاكر ونحقق ربحاً ونأتي لمشاهدة الفيلم غداً ومعنا ثمن العشاء أيضاً.
بدأ اعتراضي يضعف بعد تردد، ثم بدأت ألمح معقولية الفكرة، فمنحته التذكرة وأنا أقول لنفسي إن اليوم مثل الغد.
في الطريق قام جمعة بعدة عمليات حسابية خرج منها بأن هؤلاء الذين يبيعون التذاكر على باب السينما بعد أن يشتروها من الشباك يحققون مكاسب خيالية. أمّنت على كلامه فقال: إذا فعلنا مثلهم نستطيع أن ندخل السينما بالمجان، كما يمكننا أن نشتري كل كتب الألغاز وروايات أرسين لوبين وأجاثا كريستي. قلت: هل تقصد أن نتاجر في التذاكر مثل هؤلاء؟.
قال: ومالهم هؤلاء؟ إنهم يحققون ربحاً حلالاً من تجارة مشروعة!... ثم سرح جمعة بخياله قبل أن يقول بحسرة: ولكن مشروعاً كهذا يحتاج لرأسمال. قلت: طبعاً... هذا مشروع كبير يحتاج على الأقل لخمسين قرش!.
قال جمعة: لا... إننا يجب أن نبدأ على كبير ورأس المال ينبغي ألا يقل عن جنيهين.
لعب الكلام برأسي وتخيلت أنني سأستطيع النزول لسور الأزبكية لأغترف من الكتب المعروضة على الرصيف بغير حدود، غير سندوتشات الشاورمة التي سنشتريها من إكسلسيور قبل أن ندخل السينما كل يوم ببلاش!.
في اليوم التالي التقينا على باب دار العرض مبكراً وقمت بتسليمه جنيهاً كاملاً حصلتُ عليه من سلفيات جمعتُها من إخوتي بضمان المشروع، ووضع هو مثله. لم أشأ أن أسأله عن كيفية تدبيره للجنيه لأنني لم أرغب في الاطلاع على تفاصيل جريمة!
مشينا نحو سينما راديو والأحلام الوردية تداعب عقولنا. أخبرني جمعة أن هذه مجرد بداية لأن لديه مشروعات أكبر سيدخلني معه فيها بعد أن يصير بحوزة كل منا عشرة جنيهات.
سألته عن مشروعات المستقبل فلمح إلى نيته التوجه في المرحلة المقبلة نحو المسرح حيث التذاكر أغلى والربح أوفر. عندما وصلنا إلى السينما مضى جمعة نحو الشباك ليشتري بالجنيهين 12 تذكرة.
عاد إلي متهللاً وفي يده التذاكر: سنبيع عشر تذاكر ونشاهد الفيلم بتذكرتين، ثم يتبقى لنا بعد استرجاع رأس المال خمسون قرشاً مكسباً صافياً وهو أول الغيث.
بعد ذلك وقفنا نتابع الطابور أمام الشباك حتى تلاشى بعد نفاذ التذاكر وتم إغلاق الشباك.
في اللحظات التالية يبدأ الشعور بتعطش السوق ويسود الإحساس بأهمية أي تذكرة تظهر في أي يد وتصير لها قيمة مساوية للهفة طالب الشراء. هنا نزل جمعة بكل ثقله واندمج في الزحام يعرض البضاعة، ومن الواضح أن الطلب كان عالياً مما حدا بالرفيق جمعة إلى أن يرفع السعر ويجعله 35 قرشاً للتذكرة، وبهذا فقد ارتفعت الأرباح لعنان السماء!... يا للوغد الناصح الذي يعرف من أين تؤكل الكتف... يبدو أن جمعة موهوب في البيزنس، إنه يفهم لغة السوق ويستجيب لنبضه بسهولة... كم أنا محظوظ بك يا جمعة... سينما وفلوس وعشاء... أحمدك يا رب.
لكن... يا إلهي!... ما هذا الذي يحدث؟... هل حقيقي ما أراه؟... إن عصبة من الشبيحة الشداد ينقضون على صديقي ويلكمونه ويركلونه ويسددون إليه الضربات في كل أنحاء جسمه... إن جمعة يجري فيلحقون به ويعرقلونه فيقع منكفئاً على وجهه وتنقض عليه الطغمة الباغية فتنتزع التذاكر من يده وتختطف الفلوس، وكبيرهم يزعق فيه بصوت جهوري ألا يأتي إلى هنا أبدا وإلا فالموت سيكون مصيره.
أبصرت جمعة يقوم من على الأرض يلملم ملابسه التي تمزقت ووجهه معفر بالتراب وقد تغيرت معالمه، وشاهدته وهو يتغلب على الألم ويطلق ساقيه للريح تاركاً ممر العقاب الرهيب!. من الواضح أن منفذي الاعتداء الغاشم بحق جمعة هم تجار السوق السوداء الذين فيما يبدو لا يسمحون للدخلاء بالتعدي على مناطق نفوذهم.
برغم الصدمة والترويع أخذت أقزقز اللب وأتظاهر بمطالعة الأفيش ثم مشيت متصنعاً الهدوء وابتعدت عن المكان خشية أن يدركوا أنني شريك جمعة في البضاعة!
أما فيلم «أميرة حبي أنا» فقد شاهدته بعد ستة أشهر عندما هبط من عليائه وعُرض في سينما ريالتو بالظاهر حيث التذكرة بثلاثة قروش ونصف!



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً