بعد 35 عاما على اندلاع الحرب بين المملكة المتحدة والأرجنتين بسبب النزاع على جزر فوكلاند الصغيرة التابعة لبريطانيا بجنوب الأطلسي لا تزال لندن مصرة على موقفها بأن سيادتها على هذا الأرخبيل أمر غير قابل للتفاوض أو النقاش، وهذا ينطبق أيضا على جبل طارق، الذي تطالب إسبانيا بإرجاعه إليها. فالأرجنتين التي تطلق عليها اسم المالفيناس والقريبة من سواحلها تطالب بالسيادة عليها. لكن رغم الخلاف الواضح بين البلدين حول المنطقة، التي يقال إنها غنية بالبترول، إلى أن بوينس أيرس سعت في ظل قيادة رئيسها الحالي ماوريسيو ماكري إلى إعطاء الأولوية إلى تحسين علاقاتها التجارية مع العالم، وتأسيس علاقات جديدة مع لندن. فالرئيس ماكري، الذي أظهر حرصه على استقطاب الاستثمارات الأجنبية ومنح الفرصة الاستثمارية لبلاده، عمل على زيادة التقارب مع الحكومة البريطانية. فبعد 12 عاما من الحكم للزوجين نيستور وكريستينا كشنر، كثيرا ما استخدمت قضية الجزر وسيادة الأرجنتين عليها لإثارة روح الوطنية والشعبوية، وبخاصة في وقت الأزمات الاقتصادية.
غير أن بوادر التحسن في العلاقات بين المملكة المتحدة والأرجنتين بدأت في الظهور. فسياسة الأرجنتين الجديدة ترمي إلى وضع أجندة لعلاقات ثنائية لا تمثل فيها قضية الجزر جانبا جوهريا في الحوار. سفير الأرجنتين لدى لندن كارلوس سيرسال قال لـ«الشرق الأوسط»» إن البلدين قطعا شوطا كبيرا في مجالات عدة تفوق في أهميتها قضية جزر الفوكلاند، فهناك مباحثات في التجارة والاستثمار والعلوم والتكنولوجيا والفنون والرياضة والتعاون في منطقة القطب الجنوبي.
وفي تعليق صادر عن وزارة الخارجية البريطانية، صرح المتحدث الرسمي قائلا: «ليس لدينا أدنى شك في سيادتنا على جزر فوكلاند، ولا بشأن حق سكان تلك الجزر في تحديد المصير. فنحن نعمل على بناء علاقات أفضل مع الأرجنتين. فهناك الكثير من المجالات التي نستطيع العمل فيها معا لما فيه مصلحة البلدين، ومن ضمن ذلك مجالات التجارة، والاستثمار، والعلوم والتكنولوجيا، ومكافحة المخدرات والجريمة والفساد. كذلك هناك موضوعات ذات اهتمام مشترك تتعلق بجنوب الأطلسي التي نستطيع التعاون فيها معا. فالمملكة المتحدة والأرجنتين لديهما علاقات واسعة تتخطى حجم خلافاتنا، لكن موقفنا من جزر الفوكلاند لن يتغير».
وأفاد أليجاندرو سيمونوف، الخبير في العلاقات الدولية ويعمل في جامعة لابلاتا بالأرجنتين، بأن جزر الفوكلاند ليست عقبة في سبيل المفاوضات بين المملكة المتحدة والأرجنتين. وأوضح سيمونوف أن «هناك حالات أخرى مشابهة تتمتع فيها الدولتان بعلاقات ودية. فقط فكر في حالة إسبانيا والنزاع مع إنجلترا على منطقة جبل طارق، حيث لم يمنع النزاع مدريد من تعزيز علاقاتها مع لندن».
ومن نتائج تحسن العلاقات بين حكومات المملكة المتحدة والأرجنتين إبرام اتفاق في نهاية عام 2016، الذي سمح للصليب الأحمر بالقيام بعمليات إنسانية في الجزر والتعرف من خلال تحليل الحامض النووي (دي إن إيه) إلى بعض الجنود الأرجنتينيين المجهولين الذين دفنوا هناك أثناء الحرب. بالإضافة إلى ذلك، تدور نقاشات حاليا بشأن تسيير رحلات طيران مباشرة بين الجزر والأرجنتين العام الحالي. وحاليا، هناك رحلات أسبوعية من تشيلي إلى الأرجنتين تتوقف بتلك الجزر مرة شهريا. وأوضح السفير الأرجنتيني بأن بلاده «أضافت خط طيران ثالثا من خلال دولة ثالثة، لكن مع التوقف في الأرجنتين. ولذلك، نستطيع القول إن كل ما تم جاء من خلال المفاوضات لأننا نريد تجنب العزلة الكاملة التي عشناها بسبب مجريات التاريخ».
ورغم أن الحكومة أعطت أولوية لعلاقاتها مع المملكة المتحدة لتتخطي بها حدود أزمة جزر الفوكلاند، فإن شعور امتلاك تلك الجزر لا تزال ضاربة بجذورها في أعماق الأرجنتينيين. فمنذ شهور معدودة، أصر الكونغرس الأرجنتيني على أن أي اتفاق يبرم مع المملكة المتحدة فيما يخص جنوب الأطلسي سيقره الكونغرس. وينظر إلى مزاعم السيادة على جزر الفوكلاند كسياسة قومية تلتف حولها جميع الأحزاب السياسية، وأن زعم السيادة يعد جزءا من الدستور الأرجنتيني. فقد انبعث هذا الحس الوطني في الأرجنتين منذ الصغر، إضافة إلى النزاع على جزر «مالفيناس»، الذي يدرس في المرحلة الابتدائية، ويشكل جانبا من الثقافة السياسية للبلاد. فإحساس الناس بجزر الفوكلاند أصبح قضية قومية. ويرى البروفسور أليجاندرو سيمونوف، أنه من دون شك، فإن تلك القضية محسومة في الأرجنتين، وهو ما ظهر في ردود فعل أحزاب المعارضة للبيان البريطاني الأرجنتيني المشترك الذي صدر العام الماضي والنقد الشديد الذي عبر عنه التحالف المحافظ الحاكم. وكان سبب الانتقادات أن كلتا الحكومتين ناقشت التعاون في جنوب الأطلسي من دون الإشارة إلى قضية السيادة على الجزر.
يوافق شهر أبريل (نيسان) الحالي الذكرى الخامسة والثلاثين لبداية حرب الفوكلاند التي تمثل مناسبة مهمة للمملكة المتحدة وللأرجنتينيين أيضا، حيث يحيون ذكرى الحرب في الأرجنتين كل عام في صورة عطلة رسمية احتفاء بذكرى الشهداء. وتخضع جزر جنوب الأطلسي للإدارة البريطانية بصفة مستمرة منذ عام 1833، لكن النزاع على السيادة أدى إلى الغزو الأرجنتيني وإلى فترة احتلال قصيرة للجزر عام 1982 قبل أن تتمكن قوة عسكرية بريطانية من استعادتها سريعا.
وتعتبر المطالبة الأرجنتينية بالجزر مصدرا دائما للمشاحنات بين سكان الجزر والحكومة الأرجنتينية. وفي محاولة لتأكيد نظرة سكان الجزر ولحقهم في تقرير مصيرهم، أجرت حكومة جزر الفوكلاند استفتاء شعبيا في مارس (آذار) 2013، حيث صوت 99.8 في المائة من سكان الأرخبيل لرغبتهم في البقاء ضمن السيادة البريطانية. وعلى الرغم من النتيجة بالغة الوضوح، فقد امتنعت الحكومة الأرجنتينية عن تنفيذ القرار، حيث وصفت سكان الجزر بأنهم سكان استعماريون. ومن دون نهاية واضحة في الأفق لهذا النزاع، فإن حكومتي البلدين تسعيان إلى التعاون في مجالات أخرى ذات اهتمام مشترك، بيد أن وضع سكان الجزر لا يزال يلقي بظلاله على أي مباحثات بريطانية أرجنتينية. فالأرجنتينيون أنفسهم شهدوا الطفرة الاقتصادية في السنوات الأخيرة التي أحدثتها تراخيص الصيد التي حصلوا عليها من بريطانيا، وكذلك التطور في مجالات السياحة، ومؤخرا الاستكشافات النفطية؛ مما تسبب في نقلة كبيرة لاقتصاد طالما اعتمد فقط على رعي الأغنام.
تأسيس علاقات جديدة بين الأرجنتين وبريطانيا بعد 35 عاماً على حربهما
رغم تحسن الأوضاع بين لندن وبوينس أيرس يبقى السؤال: الفوكلاند أم المالفيناس؟
أدولفو بيريز إسكويفل الحاصل على {نوبل} للسلام يقرأ أسماء الجنود الذين سقطوا في حرب 1982 بين الأرجنتين وبريطانيا في الجزر المتنازع عليها
تأسيس علاقات جديدة بين الأرجنتين وبريطانيا بعد 35 عاماً على حربهما
أدولفو بيريز إسكويفل الحاصل على {نوبل} للسلام يقرأ أسماء الجنود الذين سقطوا في حرب 1982 بين الأرجنتين وبريطانيا في الجزر المتنازع عليها
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


