تأسيس علاقات جديدة بين الأرجنتين وبريطانيا بعد 35 عاماً على حربهما

رغم تحسن الأوضاع بين لندن وبوينس أيرس يبقى السؤال: الفوكلاند أم المالفيناس؟

أدولفو بيريز إسكويفل الحاصل على {نوبل} للسلام يقرأ أسماء الجنود الذين سقطوا في حرب 1982 بين الأرجنتين وبريطانيا في الجزر المتنازع عليها
أدولفو بيريز إسكويفل الحاصل على {نوبل} للسلام يقرأ أسماء الجنود الذين سقطوا في حرب 1982 بين الأرجنتين وبريطانيا في الجزر المتنازع عليها
TT

تأسيس علاقات جديدة بين الأرجنتين وبريطانيا بعد 35 عاماً على حربهما

أدولفو بيريز إسكويفل الحاصل على {نوبل} للسلام يقرأ أسماء الجنود الذين سقطوا في حرب 1982 بين الأرجنتين وبريطانيا في الجزر المتنازع عليها
أدولفو بيريز إسكويفل الحاصل على {نوبل} للسلام يقرأ أسماء الجنود الذين سقطوا في حرب 1982 بين الأرجنتين وبريطانيا في الجزر المتنازع عليها

بعد 35 عاما على اندلاع الحرب بين المملكة المتحدة والأرجنتين بسبب النزاع على جزر فوكلاند الصغيرة التابعة لبريطانيا بجنوب الأطلسي لا تزال لندن مصرة على موقفها بأن سيادتها على هذا الأرخبيل أمر غير قابل للتفاوض أو النقاش، وهذا ينطبق أيضا على جبل طارق، الذي تطالب إسبانيا بإرجاعه إليها. فالأرجنتين التي تطلق عليها اسم المالفيناس والقريبة من سواحلها تطالب بالسيادة عليها. لكن رغم الخلاف الواضح بين البلدين حول المنطقة، التي يقال إنها غنية بالبترول، إلى أن بوينس أيرس سعت في ظل قيادة رئيسها الحالي ماوريسيو ماكري إلى إعطاء الأولوية إلى تحسين علاقاتها التجارية مع العالم، وتأسيس علاقات جديدة مع لندن. فالرئيس ماكري، الذي أظهر حرصه على استقطاب الاستثمارات الأجنبية ومنح الفرصة الاستثمارية لبلاده، عمل على زيادة التقارب مع الحكومة البريطانية. فبعد 12 عاما من الحكم للزوجين نيستور وكريستينا كشنر، كثيرا ما استخدمت قضية الجزر وسيادة الأرجنتين عليها لإثارة روح الوطنية والشعبوية، وبخاصة في وقت الأزمات الاقتصادية.
غير أن بوادر التحسن في العلاقات بين المملكة المتحدة والأرجنتين بدأت في الظهور. فسياسة الأرجنتين الجديدة ترمي إلى وضع أجندة لعلاقات ثنائية لا تمثل فيها قضية الجزر جانبا جوهريا في الحوار. سفير الأرجنتين لدى لندن كارلوس سيرسال قال لـ«الشرق الأوسط»» إن البلدين قطعا شوطا كبيرا في مجالات عدة تفوق في أهميتها قضية جزر الفوكلاند، فهناك مباحثات في التجارة والاستثمار والعلوم والتكنولوجيا والفنون والرياضة والتعاون في منطقة القطب الجنوبي.
وفي تعليق صادر عن وزارة الخارجية البريطانية، صرح المتحدث الرسمي قائلا: «ليس لدينا أدنى شك في سيادتنا على جزر فوكلاند، ولا بشأن حق سكان تلك الجزر في تحديد المصير. فنحن نعمل على بناء علاقات أفضل مع الأرجنتين. فهناك الكثير من المجالات التي نستطيع العمل فيها معا لما فيه مصلحة البلدين، ومن ضمن ذلك مجالات التجارة، والاستثمار، والعلوم والتكنولوجيا، ومكافحة المخدرات والجريمة والفساد. كذلك هناك موضوعات ذات اهتمام مشترك تتعلق بجنوب الأطلسي التي نستطيع التعاون فيها معا. فالمملكة المتحدة والأرجنتين لديهما علاقات واسعة تتخطى حجم خلافاتنا، لكن موقفنا من جزر الفوكلاند لن يتغير».
وأفاد أليجاندرو سيمونوف، الخبير في العلاقات الدولية ويعمل في جامعة لابلاتا بالأرجنتين، بأن جزر الفوكلاند ليست عقبة في سبيل المفاوضات بين المملكة المتحدة والأرجنتين. وأوضح سيمونوف أن «هناك حالات أخرى مشابهة تتمتع فيها الدولتان بعلاقات ودية. فقط فكر في حالة إسبانيا والنزاع مع إنجلترا على منطقة جبل طارق، حيث لم يمنع النزاع مدريد من تعزيز علاقاتها مع لندن».
ومن نتائج تحسن العلاقات بين حكومات المملكة المتحدة والأرجنتين إبرام اتفاق في نهاية عام 2016، الذي سمح للصليب الأحمر بالقيام بعمليات إنسانية في الجزر والتعرف من خلال تحليل الحامض النووي (دي إن إيه) إلى بعض الجنود الأرجنتينيين المجهولين الذين دفنوا هناك أثناء الحرب. بالإضافة إلى ذلك، تدور نقاشات حاليا بشأن تسيير رحلات طيران مباشرة بين الجزر والأرجنتين العام الحالي. وحاليا، هناك رحلات أسبوعية من تشيلي إلى الأرجنتين تتوقف بتلك الجزر مرة شهريا. وأوضح السفير الأرجنتيني بأن بلاده «أضافت خط طيران ثالثا من خلال دولة ثالثة، لكن مع التوقف في الأرجنتين. ولذلك، نستطيع القول إن كل ما تم جاء من خلال المفاوضات لأننا نريد تجنب العزلة الكاملة التي عشناها بسبب مجريات التاريخ».
ورغم أن الحكومة أعطت أولوية لعلاقاتها مع المملكة المتحدة لتتخطي بها حدود أزمة جزر الفوكلاند، فإن شعور امتلاك تلك الجزر لا تزال ضاربة بجذورها في أعماق الأرجنتينيين. فمنذ شهور معدودة، أصر الكونغرس الأرجنتيني على أن أي اتفاق يبرم مع المملكة المتحدة فيما يخص جنوب الأطلسي سيقره الكونغرس. وينظر إلى مزاعم السيادة على جزر الفوكلاند كسياسة قومية تلتف حولها جميع الأحزاب السياسية، وأن زعم السيادة يعد جزءا من الدستور الأرجنتيني. فقد انبعث هذا الحس الوطني في الأرجنتين منذ الصغر، إضافة إلى النزاع على جزر «مالفيناس»، الذي يدرس في المرحلة الابتدائية، ويشكل جانبا من الثقافة السياسية للبلاد. فإحساس الناس بجزر الفوكلاند أصبح قضية قومية. ويرى البروفسور أليجاندرو سيمونوف، أنه من دون شك، فإن تلك القضية محسومة في الأرجنتين، وهو ما ظهر في ردود فعل أحزاب المعارضة للبيان البريطاني الأرجنتيني المشترك الذي صدر العام الماضي والنقد الشديد الذي عبر عنه التحالف المحافظ الحاكم. وكان سبب الانتقادات أن كلتا الحكومتين ناقشت التعاون في جنوب الأطلسي من دون الإشارة إلى قضية السيادة على الجزر.
يوافق شهر أبريل (نيسان) الحالي الذكرى الخامسة والثلاثين لبداية حرب الفوكلاند التي تمثل مناسبة مهمة للمملكة المتحدة وللأرجنتينيين أيضا، حيث يحيون ذكرى الحرب في الأرجنتين كل عام في صورة عطلة رسمية احتفاء بذكرى الشهداء. وتخضع جزر جنوب الأطلسي للإدارة البريطانية بصفة مستمرة منذ عام 1833، لكن النزاع على السيادة أدى إلى الغزو الأرجنتيني وإلى فترة احتلال قصيرة للجزر عام 1982 قبل أن تتمكن قوة عسكرية بريطانية من استعادتها سريعا.
وتعتبر المطالبة الأرجنتينية بالجزر مصدرا دائما للمشاحنات بين سكان الجزر والحكومة الأرجنتينية. وفي محاولة لتأكيد نظرة سكان الجزر ولحقهم في تقرير مصيرهم، أجرت حكومة جزر الفوكلاند استفتاء شعبيا في مارس (آذار) 2013، حيث صوت 99.8 في المائة من سكان الأرخبيل لرغبتهم في البقاء ضمن السيادة البريطانية. وعلى الرغم من النتيجة بالغة الوضوح، فقد امتنعت الحكومة الأرجنتينية عن تنفيذ القرار، حيث وصفت سكان الجزر بأنهم سكان استعماريون. ومن دون نهاية واضحة في الأفق لهذا النزاع، فإن حكومتي البلدين تسعيان إلى التعاون في مجالات أخرى ذات اهتمام مشترك، بيد أن وضع سكان الجزر لا يزال يلقي بظلاله على أي مباحثات بريطانية أرجنتينية. فالأرجنتينيون أنفسهم شهدوا الطفرة الاقتصادية في السنوات الأخيرة التي أحدثتها تراخيص الصيد التي حصلوا عليها من بريطانيا، وكذلك التطور في مجالات السياحة، ومؤخرا الاستكشافات النفطية؛ مما تسبب في نقلة كبيرة لاقتصاد طالما اعتمد فقط على رعي الأغنام.



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟