يروي مقربون من الشاعر الروسي يفغيني يفتوشينكو، رافقوه في الساعات الأخيرة قبل رحيله عن عالمنا، أن ذكرياته عن أيام الصبا والشباب كانت موضوعاً رئيسياً مهيمناً على أحاديثه في ذلك اليوم، وقال في الساعات الأخيرة من حياته إن «الشباب على وجه الخصوص يمكن أن يكون سعيداً». وبدت عليه نفسه تلك السعادة، سعادة لأنه تمكن خلال ما أتيح له من عمر من إنجاز الكثير وقول الكثير في حياته عبر كتاباته بمختلف أنواعها، وفي مقدمتها الشعر بالطبع. هكذا وهو غارق في سعادته غادر يفتوشينكو الحياة في الأول من أبريل (نيسان)، لكنه رفض أن يبقى في هجرة مع وطنه، وأوصى أن يكون مثواه الأخير في الأرض الروسية، وتحديدا في «بيريديلكينو» في ضاحية موسكو. وبعد الانتهاء من مراسم وداعه من محبيه وتلاميذه في الولايات المتحدة، يتوقع أن يصل جثمان الشاعر يفتوشينكو إلى روسيا يوم السابع من الشهر الجاري، حيث ستبدأ مراسم تشييعه من وداع في «دار الأديب» في موسكو.
في اليوم الأخيرة قبل رحيله، شعر يفتوشينكو بالموت يقترب منه، وقال لصديقه ميخائيل مورغوليس: «أنا أعرف أنني أموت»، وفي إجابته على سؤال طرحه مورغوليس «هل تريد أن تترك رسالة ما للناس»، فكر يفتوشينكو ملياً وقال: «أود لو أن يعم السلام بين روسيا والولايات المتحدة، وأن تعود الصداقة، وأن يكون كل إنسان من البلدين سعيداً. أما كل شيء آخر فقد قلته للناس عبر قصائدي»، حسب ما روى موغوليس نفسه وأضاف في حديثه عن تلك الساعات لوسائل إعلام روسية، أن يفتوشينكو كان يومها يتذكر أيام صباه بأسف، ويقول إن السعادة يمكن أن تكون في أيام الشباب فقط.
رثاه في روسيا الجميع، أدباء وكتاب وسياسيون، كل على طريقته. كما أعلن عن الكثير من الخطوات والفعاليات تكريماً للشاعر الراحل، وإحياء لذكراه. إذ قررت مدارس موسكو إطلاق سلسلة دروس خاصة تحت عنوان «دروس يفتوشينكو»، بهدف تعريف التلاميذ بصورة أكبر بالشاعر وأعماله وإنجازاته. أما معهد غوركي للآداب، فقد قرر إقامة أمسية أدبية خاصة على ذكرى الشاعر الراحل الذي درس في الخمسينات في ذلك المعهد. وعند سماعه بنبأ وفاة يفتوشينكو، قال أليكسي فارلاموف، مدير معهد غوركي للآداب: «كان للخبر وقع الصدمة علينا. سنقيم أمسية إحياء لذكرى يفتوشينكو»، ونوه إلى أن الشاعر الراحل لم يتمكن في الخمسينات من إتمام دراسته في المعهد، وتم إنصافه عام 2001، وحصل على دبلوم خريج معهد الآداب. وفي مدينة «براتسك» الروسية التي زارها الشاعر مراراً، فقد قررت السلطات إطلاق اسمه على قصر الإبداع للأطفال والشبيبة، فضلا عن ذلك ستصدح أهم وأجمل قصائد يفتوشينكو عبر المذياع الداخلي في حافلات النقل العام في المدينة، كل يوم أحد. وكان يفتوشينكو قد كتب قصيدة حول محطة الطاقة في المدينة، شكلت تمجيداً وتخليداً لذكرى العمال الذين ساهموا في إنشاء مدينة «براتسك» السيبيرية.
«أعمال يفتوشينكو وقصائده عنوان حقبة وتعبير عنها» هكذا وصفته الفنانة السوفياتية الشهيرة يلينا درابينكو، التي تشغل حاليا موقع النائب الأول للجنة مجلس الدوما لشؤون الثقافة، وأضافت: «لقد كان شاعراً عظيماً من الشعراء الذين عاصرتهم». أما المغني السوفياتي - الروسي الشهير يوسف كوبزون، فقد عبر عن أسفه لأن يفتوشينكو لم يحصل على المستوى اللائق بمقامه الأدبي من التقدير، وأضاف أن «يفتوشينكو، عاش حياة صعبة، وكان ينتقد السلطات، لكنه لم يعتب يوماً على وطنه»، وساهم إلى جانب أندريه فوزنيسينسكي، وبيلا أحمادوفا، وبولات أكودجايف وفلاديمير فيسوتسكي «في صناعة المجد للشعر الوطني الروسي»، حسب قول كوبزون. وبالنسبة للروائي الروسي والناقد الأدبي المعروف ديمتري شيفاروف، فإن يدعو في رثائه للشاعر يفتوشينكو إلى مقاومة النسيان، ويقول إن الشاعر كان ماهراً في رفضه النسيان، وموسوعته التي عمل عليها حتى الساعات الأخيرة من حياته، بعنوان «عشرة قرون من الأدب الروسي»، خير دليل على مقاومته حالة النسيان التي أغرقنا العصر فيها، لذلك كان يفتوشينكو حريصا على ترك أثر خلفه يبقي كل شعراء روسيا أحياء في الذاكرة، وكأنه يدعونا في الوقت ذاته ألا ننساه ولا ننسى أعماله الأدبية الرائعة.
يفتوشينكو إلى مثواه الأخير بعد وداع في «دار الأديب»
https://aawsat.com/home/article/895871/%D9%8A%D9%81%D8%AA%D9%88%D8%B4%D9%8A%D9%86%D9%83%D9%88-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%85%D8%AB%D9%88%D8%A7%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D9%8A%D8%B1-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9-%D9%81%D9%8A-%C2%AB%D8%AF%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D9%8A%D8%A8%C2%BB
يفتوشينكو إلى مثواه الأخير بعد وداع في «دار الأديب»
- موسكو: طه عبد الواحد
- موسكو: طه عبد الواحد
يفتوشينكو إلى مثواه الأخير بعد وداع في «دار الأديب»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

