استياء دولي من الهجوم الكيماوي في إدلب... وجلسة عاجلة لمجلس الأمن

لجنة تحقيق أممية: القصف مع استهداف مستشفى سيرقيان إلى جرائم الحرب

عائلة من بلدة حمورية بالغوطة الشرقية لدمشق تهرب من غارات الطيران الحربي التي طالت المنطقة أمس (أ.ف.ب)
عائلة من بلدة حمورية بالغوطة الشرقية لدمشق تهرب من غارات الطيران الحربي التي طالت المنطقة أمس (أ.ف.ب)
TT

استياء دولي من الهجوم الكيماوي في إدلب... وجلسة عاجلة لمجلس الأمن

عائلة من بلدة حمورية بالغوطة الشرقية لدمشق تهرب من غارات الطيران الحربي التي طالت المنطقة أمس (أ.ف.ب)
عائلة من بلدة حمورية بالغوطة الشرقية لدمشق تهرب من غارات الطيران الحربي التي طالت المنطقة أمس (أ.ف.ب)

يعقد مجلس الأمن اجتماعاً اليوم، بشأن هجوم كيماوي في سوريا قتل عشرات الأشخاص، من بينهم 11 طفلاً، في محافظة إدلب بشمال غربي سوريا، أمس.
ونقلت «رويترز» عن نيكي هيلي السفيرة الأميركية لدى المنظمة الدولية للصحافيين، قولها: «بالطبع نحن قلقون بشأن ما حدث في الهجوم الكيماوي السوري، ولهذا سنعقد اجتماعاً طارئاً (اليوم) في القاعة المفتوحة»، والولايات المتحدة هي رئيس مجلس الأمن المؤلف من 15 عضواً لشهر أبريل (نيسان).
وأثار الهجوم الكيميائي الذي استهدف بلدة خان شيخون الواقعة في جنوب محافظة إدلب في شمال غربي سوريا، استياءً دولياً عارماً، فيما حمّل الاتحاد الأوروبي والرئيس الفرنسي النظام السوري «مسؤولية المجزرة» وطالبا باجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي.
وقال محققون في جرائم الحرب بالأمم المتحدة، إنهم يحققون في «هجوم كيماوي مزعوم في بلدة بمحافظة إدلب السورية وأيضاً بتقارير عن هجوم لاحق على منشأة طبية يعالَج فيها مصابون». وأكدت لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن سوريا في بيان نددت فيه بالهجوم الذي أودى بحياة عشرات المدنيين، أن استخدام أسلحة كيماوية، وكذلك أي استهداف متعمد للمنشآت الطبية «سيرقيان إلى جرائم الحرب وانتهاكات خطيرة لقانون حقوق الإنسان».
وأضافت اللجنة المستقلة التي يرأسها الخبير البرازيلي باولو بينيرو: «لا بد من تحديد الجناة في مثل هذه الهجمات ومحاسبتهم».
من جهتها، عبّرت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عن «قلقها الشديد»، وقالت في بيان إنها «قلقة جداً إثر الهجوم المفترض بالأسلحة الكيميائية الذي تحدثت عنه وسائل الأعلام صباحاً (الثلاثاء) في خان شيخون، المنطقة الواقعة في جنوب محافظة إدلب». وأكدت أنها «تجمع وتحلل معلومات من كل المصادر المتوافرة».
وقالت فيدريكا موغيريني مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي إن رئيس النظام السوري بشار الأسد يتحمل «المسؤولية الرئيسية». وتوجهت موغيريني للصحافيين قائلة: «الأخبار مروِّعة اليوم. هذا تذكير بأن الوضع على الأرض لا يزال مأساوياً في عدة أنحاء في سوريا»، وأضافت أن «من الواضح أن هناك مسؤولية رئيسية من النظام لأنه يتحمل المسؤولية الرئيسية لحماية شعبه».
بدوره، وصف المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا الهجوم بـ«المروع»، مرجحاً أن يكون تمَّ من الجو. وقال في مؤتمر صحافي مشترك مع منسقة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني: «نطالب بتحديد واضح للمسؤولية وبالمحاسبة وأنا على ثقة بأنه سيكون هناك اجتماع لمجلس الأمن بشأن هذا».
على الصعيد الأميركي، استنكر البيت الأبيض الهجوم واعتبره «غير مقبول»، بينما طالب أعضاء في الكونغرس الأميركي الرئيس دونالد ترمب بالرد بشكل حازم على نظام بشار الأسد.
وندد البيت الأبيض بـ«الهجوم الكيميائي»، واتهم النظام السوري بشنه على بلدة في شمال غربي سوريا، معتبراً أنه «لا يمكن القبول به». وقال المتحدث باسم البيت الأبيض، شون سبايسر، إن «الهجوم الكيميائي الذي وقع اليوم في سوريا واستهدف أبرياء بينهم نساء وأطفال، شائن»، مندداً بهذا العمل «المروِّع». وأضاف أن «هذا العمل المروع من جانب نظام بشار الأسد هو نتيجة الضعف وانعدام التصميم لدى إدارة باراك أوباما»، مذكراً بـ«الخط الأحمر» الذي رسمه أوباما قبل «ألا يقوم بأي شيء».
من جهته، قال السيناتور الجمهوري، جون كينيدي، في تصريح لشبكة «سي إن إن»: «إن الأسد يحاول اختبار الرئيس ترمب ووزير خارجيتنا ريكس تيلرسون. لا يمكننا أن نبقى مكتوفي الأيدي».
بدوره، انتقد السيناتور الجمهوري جون ماكين سياسة ترمب تجاه الملف السوري، وقال في تصريحات لـ«سي إن إن»: «شاهدنا هذا الفيلم سابقاً (في عام 2013). كان ذلك عندما قال الرئيس السابق باراك أوباما إن هناك خطوطاً حمراء لا ينبغي تجاوزها، النظام السوري تجاوزها، ولم يفعل (أوباما) شيئاً». وأضاف: «بشار الأسد وأصدقاؤه الروس يأخذون ما يقوله الأميركيون بعين الاعتبار». وتابع: «أنا متأكد أنهم أخذوا بعين الاعتبار ما قاله وزير خارجيتنا أخيراً عن أن السوريين سيقررون مصيرهم بأنفسهم»، معتبراً أن هذا التصريح «لا يصدّق»، نظرا لتدخل «حزب الله» والروس والإيرانيين، بالإضافة إلى «القصف بالبراميل المتفجرة والقصف الروسي الدقيق اللذين يستهدفان مستشفيات حلب». واستطرد ماكين أن هؤلاء يشجعهم التراجع الأميركي، ومساعي واشنطن للتوصل إلى اتفاق مع موسكو، واصفاً هذا التحرك «المتوقع» بـ«فصل مخزٍ جديد في التاريخ الأميركي».
أما عن الموقف الذي ينبغي أن تتخذه الإدارة الأميركية، قال ماكين، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، إنه يود أن يسمع ترمب يقول: «سنسلح الجيش السوري الحر، سنلتزم بإزالة بشار الأسد، وسنعاقب الروس على تدخلهم». وتابع: «حزب الله وإيران لهما دور كذلك. كل الأطراف سيدفعون ثمن (التدخل). الولايات المتحدة ستقف بجانب المدافعين عن الحرية، ولن تقف مكتوفة الأيدي أمام استخدام أسلحة كيماوية لذبح أطفال أبرياء ونساء». وتابع مستنكراً: «ألم نتعلم مما ترتب عن رفض أوباما القيام بأي شيء؟!».
أما النائب الديمقراطي، إليوت إنغل، فقال إن الهجوم على خان شيخون «روّعه»، مضيفاً: «الآن، بعد أن همش دونالد ترمب القوة العظمى، أخاف مما يمكن أن يحصل للشعب السوري».
من جهته، وصف وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، أمس، الأنباء التي تحدثت عن «هجوم بالسلاح الكيماوي» في سوريا بـ«المرعبة»، ورأى أنه يحمل «كل سمات هجوم نفذه نظام بشار الأسد». وكتب جونسون في حسابه على «تويتر»: «هناك معلومات مرعبة عن هجوم بالأسلحة الكيميائية وقع في إدلب بسوريا. لا بد من إجراء تحقيق في الحادث ومحاسبة مرتكبيه».
وقال أيضاً عن الحادث نفسه في بيان: «في الوقت الذي لا نزال فيه غير قادرين على التأكد مما حصل، فإن ذلك يحمل كل سمات هجوم نفذه النظام الذي استخدم مراراً الأسلحة الكيميائية».
وإذ دعا دي ميستورا المجتمع الدولي إلى توحيد الجهود مع الأمم المتحدة لأجل حل الأزمة السورية، شدّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أنه يتوجب إخراج الأسلحة الكيماوية من سوريا بعد هجوم يرجح أنه كيماوي على محافظة إدلب. وقال نتنياهو في بيان صادر عن مكتبه: «عندما شاهدت صور الأطفال الذين اختنقوا من هجوم كيميائي في سوريا، شعرت بالصدمة والغضب». وأضاف: «أدعو المجتمع الدولي إلى الإيفاء بالتزامه منذ عام 2013 بإخراج هذه الأسلحة الرهيبة من سوريا بشكل كامل».
كذلك أدان رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري الهجوم، واعتبر أن «الإدانات لم تعد تكفي إزاء مجازر النظام في سوريا، التي كان آخرها القصف الكيماوي على خان شيخون في إدلب الذي أوقع عشرات القتلى ومئات الجرحى». وقال الرئيس الحريري إنّه «على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولية وقف الجرائم بحق الإنسانية في سوريا عوضاً عن تعداد الأطفال والشيوخ الأبرياء المختنقين بغاز السارين الفتاك».
وكانت فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة طرحت في فبراير (شباط) مشروع قرار لفرض عقوبات تستهدف مسؤولي الحكومة السورية، بشأن اتهامات بشن هجمات بأسلحة كيماوية خلال الصراع المستمر منذ ست سنوات. واستخدمت روسيا، بدعم من الصين، حق النقض (الفيتو) سبع مرات لحماية السلطات السورية، ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مشروع القرار بأنه «غير مناسب تماماً». وطرحت القوى الغربية المشروع استجابة لنتائج تحقيق للأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية. ووجد التحقيق الدولي أن قوات النظام السوري مسؤولة عن ثلاث هجمات بغاز الكلور وأن تنظيم داعش استخدم غاز الخردل.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.