خطوات شاقة تواجه بريطانيا في خروجها من الاتحاد الأوروبي

تنشر كتابها الأبيض لفصل 19 ألف تشريع أوروبي دمجت في القانون المحلي

صورة أرشيفية تعود إلى عام 1967 وتجمع رئيس وزراء بريطانيا هارولد ويلسون والرئيس الفرنسي ديغول الذي استخدم حق النقض ضد انضمام بريطانيا إلى السوق الأوروبية الموحدة إذ تأخر انضمامها إلى السوق حتى عام 1973 بعد وفاة ديغول (أ.ب)
صورة أرشيفية تعود إلى عام 1967 وتجمع رئيس وزراء بريطانيا هارولد ويلسون والرئيس الفرنسي ديغول الذي استخدم حق النقض ضد انضمام بريطانيا إلى السوق الأوروبية الموحدة إذ تأخر انضمامها إلى السوق حتى عام 1973 بعد وفاة ديغول (أ.ب)
TT

خطوات شاقة تواجه بريطانيا في خروجها من الاتحاد الأوروبي

صورة أرشيفية تعود إلى عام 1967 وتجمع رئيس وزراء بريطانيا هارولد ويلسون والرئيس الفرنسي ديغول الذي استخدم حق النقض ضد انضمام بريطانيا إلى السوق الأوروبية الموحدة إذ تأخر انضمامها إلى السوق حتى عام 1973 بعد وفاة ديغول (أ.ب)
صورة أرشيفية تعود إلى عام 1967 وتجمع رئيس وزراء بريطانيا هارولد ويلسون والرئيس الفرنسي ديغول الذي استخدم حق النقض ضد انضمام بريطانيا إلى السوق الأوروبية الموحدة إذ تأخر انضمامها إلى السوق حتى عام 1973 بعد وفاة ديغول (أ.ب)

نشرت حكومة تيريزا ماي أمس كتابها الأبيض التي يتناول القوانين الأوروبية المدمجة في القانون البريطاني. ويأتي مشروع القرار في الكتاب تحت اسم «الإلغاء الكبير» من أجل إلغاء مادة من القانون تعود إلى 1972 وأتاحت دمج التشريع الأوروبي في القانون البريطاني. ومع انطلاق عملية بريكست رسميا، تستعد الحكومة البريطانية لمفاوضات طويلة الأمد على أمل التوصل إلى أفضل اتفاق في نظرها مع بروكسل، مع البدء في الوقت نفسه فصل القانون البريطاني عن التشريعات الأوروبية.
والهدف من مشروع القانون الجديد هو تحويل هذه التشريعات الأوروبية إلى قوانين محلية والاحتفاظ بالقوانين المفيدة منها مع إلغاء الباقي، كما جاء في تقرير الوكالة الفرنسية.
وأكدت ماي أمام مجلس العموم الأربعاء أن «ذلك من شأنه أن يوضح الطريقة التي سنقوم بها بنقل الأحكام المهمة لمحكمة العدل الأوروبية». ويفترض أن تتم هذه العملية على مراحل لتفادي قفزة في المجهول على صعيد القضاء خصوصا أن الأمر يتعلق بـ19 ألف قانون أوروبي يتم تطبيقه في بريطانيا.
وأعلنت ماي أنها في رسالتها للاتحاد وفي مقابلتها أمس مع بي بي سي أنها تريد توقيع «شراكة وثيقة وخاصة تشمل تعاونا اقتصاديا وأمنيا». كما طالبت بأن تتم مفاوضات بريكست بالتوازي مع الاتفاق الجديد الذي سيربط بين بلادها والاتحاد الأوروبي. لكن رفضت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الطلب وشددت على «ضرورة توضيح كيفية فك» الروابط التي نسجت على مدى 44 عاما قبل أي شيء.
البرلمان الأوروبي سيصوت خلال جلسة بحضور كامل الأعضاء في 5 أبريل (نيسان) في ستراسبورغ على نص ينص على «أن اتفاقا حول العلاقات المستقبلية (...) لا يمكن التوصل إليه إلا بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي». وكان المجلس الأوروبي حذر من أن الاتحاد الأوروبي «سيعمل بشكل موحد وسيحافظ على مصالحه».
كما أكد الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند أمس الخميس ضرورة اتفاق بريطانيا على شروط انسحابها من الاتحاد الأوروبي قبل بحث الدول الأعضاء مسائل أخرى معها على غرار الاتفاقات التجارية. وقال هولاند: «أولا علينا أن نبدأ في بحث آليات الانسحاب، خصوصا على مستوى حقوق المواطنين والواجبات المنبثقة من الالتزامات التي قطعتها المملكة المتحدة»، ثم «استنادا إلى التقدم المنجز» يمكن فتح «مباحثات بشأن إطار علاقاتها المستقبلية» مع الاتحاد الأوروبي، بحسب بيان للرئاسة الفرنسية.
وتتوجه ميركل الخميس إلى فاليتا للمشاركة في مؤتمر الحزب الشعبي الأوروبي الذي يضم الأحزاب المحافظة. وسيكون ذلك مناسبة لعقد أول لقاء بين الأوروبيين بما أن رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر ورئيس الوزراء الإسباني مريانو راخوي سيحضرون الاجتماع.
وسيعرض تاسك الجمعة مقترحات حول «توجهات المفاوضات» التي ستحدد بشكل عام الخطوط الحمراء التي يجب عدم تجاوزها على صعيد الاتحاد الأوروبي من أجل التوصل إلى اتفاق حول خروج بريطانيا. وسيتم عرض هذه المقترحات على قادة الدول الـ27 الأعضاء خلال قمة في بروكسل في 29 أبريل.
وإذا كانت ماي وبروكسل مستعدتين للتوصل إلى اتفاق حول حقوق المهاجرين الأوروبيين، فإن فاتورة الخروج التي ستقدمها بروكسل إلى لندن لتسديد تكلفة التزامات قامت بها من قبل، يمكن أن تشكل نقطة خلاف قوية. وقالت ماي في مقابلة مع «بي بي سي» مساء الأربعاء: «ليس هناك طلب رسمي»، مضيفة أن بلادها «ستحترم التزاماتها». إلا أن وزير المالية البريطاني فيليب هاموند حذر في وقت سابق من أن لندن «لا تعترف بالمبالغ الهائلة أحيانا التي تم تداولها في بروكسل». وتقدر بروكسل أن الفاتورة ستتراوح بين 55 و60 مليار يورو.
وفي رسالة الخروج التي وجهتها ماي إلى تاسك، يبدو وكأنها تحاول لعب ورقة التعاون الأمني لترجيح كفتها في المفاوضات. وكتبت ماي في الرسالة «في الوقت الذي بات فيه الوضع الأمني في أوروبا أكثر هشاشة من أي وقت منذ نهاية الحرب الباردة، سيشكل أضعاف تعاوننا من أجل الازدهار وأمن المواطنين خطأ فادحا». وتابعت على «بي بي سي» أن هذه المسألة «مهمة بالنسبة إلينا وأريد أن أحافظ على التعاون نفسه لكنه سيكون ضمن الاتفاق الشامل». إلا أن كبير مفاوضي البرلمان الأوروبي في محادثات البريكست غي فيرهوفشتات رفض هذه التهديد المبطن. ورد قائلا: «أمن جميع المواطنين من الخطورة والأهمية» بحيث لا يمكن أن يكون «موضوع مساومة».
ونشرت تيريزا ماي مقالا الخميس في سبع صحف أوروبية لتفسير انفصال بلادها عن الاتحاد الأوروبي معتمدة لهجة تصالحية قبل بدء مفاوضات الخروج الشاقة. وكتبت ماي في صحيفة «إيريش تايمز» «سنواصل تأدية دورنا في ضمان بقاء أوروبا قوية ومزدهرة ورائدة في العالم». وأضافت أن بريكست ليس محاولة «لإلحاق الضرر بالاتحاد الأوروبي أو أي من الدول الأعضاء فيه». لكنها جددت في الوقت نفسه التحذير من أن الفشل في التوصل إلى اتفاق يمكن أن يؤثر سلبا على العلاقات الأمنية. وقالت إن «إقامة حواجز تجارية غير ضرورية سيكون مخالفا لمصالحنا المشتركة». وشددت في صحيفة «فرنكفورتر الغيماينه تسايتونغ» على التعاون الوثيق في شؤون السياسة الخارجية كالنزاعات في سوريا وأوكرانيا». وكتبت في المقال الذي ترجم إلى الألمانية «نعلم مدى أهمية هذه الشراكة والصداقة المستمرة بين بلدينا». وشددت ماي أيضا على التعاون الدولي مع إيطاليا في صحيفة «لاريبوبليكا» وأشارت إلى نحو 600 ألف مواطن إيطالي يعيشون في بريطانيا وثلاثة ملايين سائح بريطاني يزورون إيطاليا كل عام. وأضافت: «نقدر إلى حد كبير الصداقة بين بلدينا وشعبينا». في فرنسا، ركزت ماي في صحيفة «لو باريزيان» على أهمية «التعاون الأمني الوثيق» بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وكتبت أن الجانبين «يواجهان التحديات الدولية نفسها والمتمثلة بالإرهاب والتطرف». ونشر المقال أيضا في صحف «ريشبوسبوليتا» البولندية و«الباييس» الإسبانية و«داغنز نايهتر» السويدية.
قال ديفيد ديفيز وزير شؤون الانسحاب من الاتحاد الأوروبي في الحكومة البريطانية أمس الخميس إن بلاده لم تكن تسعى لتوجيه تهديد لأوروبا بقولها إن التعاون في مجال مكافحة الإرهاب سيضعف إذا ما غادرت التكتل من دون التوصل لاتفاق شامل. وجاء في رسالة ماي إلى دونالد تاسك «إن تعاوننا في مجال مكافحة الجريمة والإرهاب سيضعف» إذا ما غادرت بريطانيا الاتحاد الأوروبي من دون التوصل لاتفاق جديد بديل. وقال ديفيز لراديو هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»: «هذا ليس تهديدا. هذا تأكيد لحقيقة أن هذا سيكون ضارا لنا... إذا لم نتوصل إلى اتفاق. إنها حجة للتوصل لاتفاق». وأضاف: «نحن نسعى إلى اتفاق شامل يضم التجارة والأمن وجميع أوجه علاقتنا الحالية ويحاول الحفاظ على أكبر قدر ممكن من المزايا للجميع». ومضى بالقول: «أعتقد أن هذه وجهة نظر منطقية يجب إيضاحها وليست تهديدا بأي شكل من الأشكال».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...