هل سيعوض مجتمع الشبكات المجتمع الصناعي والزراعي؟

يمحو الاعتبارات الأخلاقية والدينية واللغوية والتمايزات العصبية والقبلية

مانويل كاستلز
مانويل كاستلز
TT

هل سيعوض مجتمع الشبكات المجتمع الصناعي والزراعي؟

مانويل كاستلز
مانويل كاستلز

ولد السوسيولوجي الإنساني مانويل كاستلز، سنة 1942 بهيلين (إسبانيا). وهو أستاذ علم الاجتماع ومخطط حضري وجهوي منذ 1979 بجامعة كاليفورنيا بيركلي في الولايات المتحدة. حصل على جائزة هولبرت سنة 2012، وجائزة بالزان سنة 2013. غادر إسبانيا في عقده الثاني، بسبب نضاله ضد فاشية فرنكو. عن ذلك قال: «كنت في الثامنة عشرة من عمري. كان توقي للحرية يصطدم بالجدران التي أقامها الديكتاتور حول الحياة. حياتي وحياة الآخرين. وكتبت مقالا في مجلة مدرسة الحقوق وأغلقت المجلة».
درس السوسيولوجيا الحضرية، حيث صرح في حواره مع سيرج ليلوش بمجلة العلوم الإنسانية الفرنسية، عدد 29 يونيو (حزيران) 2000 (والمخصص للوجوه الجديدة للرأسمالية): «لم أغادر مجال تخصصي حتى عندما رحلت إلى بيركلي: أي السوسيولوجيا الحضرية التي أمارسها دوماً».
بلور كاستلز رؤية مهمة في بنيوية الأشكال الحضرية، تجد أثرها البارز في مختلف كتاباته الكثيرة التي نذكر منها: «المسألة الحضرية» (1972)، و«النضالات الحضرية والسلطة السياسية» (1975)، و«المسألة الحضرية: المقاربة الماركسية» (1977)، و«كائن الاتصال: الجزء الأول مجتمع الاتصال» (1998)، والجزء الثاني «سُلطة الهوية» (1999)، والجزء الثالث «نهاية الألفية» (1999). وفي سنة 2001 أصدر عمله القيم: في أي عالم نعيش؟ الشغل، والعائلة والرابطة الاجتماعية في عصر الاتصال بالاشتراك مع مارتن كارنوي وبول شيملا، وفي 2009 كتب سلطة الاتصال.
بعد مغادرته إسبانيا، درس ما بين 1967 و1979 بمدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية بباريس. ولأن عمه يشغل منصب رقيب في وسائل الإعلام، فقد استفاد منه بعضا من سلوك وفطنة وحدس الرقابة، حيث يقول: «ما استشعرته، في ذلك الوقت، وأؤمن به الآن، هو أن السلطة تقوم على السيطرة على الاتصال والإعلام، سواء كانت السلطة العملاقة للدولة وشركات وسائل الإعلام الكبرى، أو السلطة الصغيرة للمنظمات من كل نوع. ولهذا كان كفاحي للاتصال الحر، ومدونتي البدائية، لذاك العصر، ذات الحبر الأرجواني، تحديا بالفعل. وكان الفاشيون، من وجهة نظرهم، على حق في أن يُلقوا القبض علينا ويخرسوا أصواتنا. فالسلطة أكبر من كونها اتصال، والاتصال أكبر من كونه سلطة. لكن السلطة تعتمد على التحكم في الاتصال، لأن السلطة المضادة تعتمد على خرق هذه السيطرة». (سلطة الاتصال: 27).
عُد كتابه «سلطة الاتصال»، أهم ما يُلخص فكره السوسيولوجي والسياسي معاً، حيث عالج فيه مجموع القضايا المتصلة بالإعلام والسياسة والسلطة، مستفيدا من نتائج العلوم المعاصرة ومن تحليل فوكو للسلطة، لينحت مفهوم «مجتمع الشبكات» الذي اعتبره كثيرا من المهتمين بفكره، نظرية معاصرة تستحق كامل الاهتمام لارتباطها بالتغيرات الحاصلة في عالم اليوم، وعلى الرغم من أن مجموع الشواهد والأمثلة والوقائع، التي ارتكز عليها تحليله، تمحورت حول المجتمع الأميركي، فإن النتائج التي توصل إليها بخصوص السلطة نجدها في كل رقعة من عالمنا المعاصر.
نعيش فعلا في مجتمع شبكي لم تعد فيه وسائل التنشئة تلعب أدوارا مهمة، حيث تحول دور الأسرة والمدرسة إلى مستويات أدنى مما كان عليه قبل ثلاثة عقود. في هذا يقول: «يمثل مجتمع الشبكات مجتمعا يقوم هيكله الاجتماعي حول شبكات تنشطها تكنولوجيا الاتصال والمعلومات التي تعالج رقميا وقائمة على تقنيات الإلكترونيات الدقيقة. والشبكات الرقمية عالمية، لأنها قادرة على إعادة تشكيل نفسها وفق توجيه مبرمجيها، وتتجاوز الحدود المؤسسية والحدودية عبر شبكات كومبيوتر متصلة عن بعد» (...)، لذا يقوم بـ«تحليل مجتمع الشبكات:
* أولاً، باعتباره بناءً معمارياً عالمياً مكوناً من شبكات تُعيدُ تشكيل نفسها، ويبرمجها ويعيد برمجتها أصحاب النُفوذ في كل نطاق.
* ثانياً، باعتباره نتيجة التفاعل بين أنماط الهندسة والجغرافيا المختلفة للشبكات التي تتضمن الأنشطة المحورية، أي الأنشطة التي تشكل الحياة والعمل في المجتمع.
* ثالثاً، باعتباره نتيجة لتفاعل من المرتبة الثانية بين الشبكات المُهيمنة تلك، وبين هندسة وجغرافيا عدم اتصال الصور الاجتماعية التي تركت خارج منطق إقامة شبكات العولمة». (المصدر نفسه 57).
مجتمع الشبكات إذن، هو بناء اجتماعي محدد، أي ذاك البناء الاجتماعي الذي يميز المجتمع مع بداية الألفية الثالثة، بناءٌ أقيم حول شبكات الاتصال الرقمية، لأن علاقات السُلطة تغيرت بشكل حاسم مع السياق التكنولوجي والتنظيمي الجديد، الناتج عن ظهور شبكات الاتصال الرقمية العالمية، باعتبارها النظام الأساسي لمعالجة الرموز في عصرنا.
يتساءل كاستلز في كتابه «سلطة الاتصال»: من يبني علاقات السلطة ويمارسها من خلال إدارة عمليات الاتصال، ولماذا؟ وكيف؟ كيف يمكن لعلاقات السلطة هذه أن تتغير من خلال أطراف اجتماعية تستهدف التغيير الاجتماعي عبر التأثير على عقول الجماهير؟ وذلك ليقارب سؤال الاتصال والسلطة السياسية وواقع الحركات الاجتماعية مميزا بين شبكتين أساسيتين تتحكمان في عملية الاتصال ككل: شبكة وسائل الإعلام، وشبكة الإنترنت، وذلك لفحص فرضيته الأساس، والمتمثلة في أن الصيغة الأكثر أصولية للسلطة، تكمن في القدرة على تشكيل العقل البشري، لأن الطريقة التي نشعر ونفكر بها، تحدد الطريقة التي نتصرف بها فردياً وجماعياً.
خصص كاستلز الفصول الثلاثة الأولى من كتابه لاستقصاء وضع السلطة في مجتمع الشبكات، وطبيعة الاتصال في العصر الرقمي، لإبراز العلاقة بين شبكات العقل والسلطة. وقد حدد معنى السلطة بالاعتماد على بعض المساهمات الكلاسيكية في العلوم الاجتماعية، كصندوق أدوات لفهم الواقع الاجتماعي، فإذا كان المجتمع الصناعي قد ارتبط بالعصر الصناعي، فإن مجتمع الشبكات يرتبط بعصر المعلومات. وشرع في تحليل الاتصال، وتحديدا الاتصال الجماهيري في زمن العولمة والرقمنة، وما صاحبه من تحول في جوهر الشخص الذي تحول من متلق إلى مرسل، ليكشف عن الروابط بين النشاط الاقتصادي ووسائل الإعلام والسياسة.
إذا كانت السلطة تسير من خلال العمل على العقل البشري بوسائل توصيل الرسائل، فنحن في حاجة إلى فهم كيف يعالج العقل البشري هذه الرسائل، وكيف تترجم هذه المعالجة في المجال السياسي، مركزا تحليله على ما وصلت إليه مدرسة الذكاء العاطفي والأعمال الأخرى للاتصال السياسي، والتي توفر جسرا بين الهيكلة الاجتماعية والمعالجة الفردية لعلاقات السلطة، إلى جانب الاكتشافات الجديدة لعلم الأعضاء وعلم الإدراك المعرفي.
يستشهد بالتضليل الإعلامي الذي مارسته إدارة الرئيس بوش على الجمهور الأميركي، فيما يتعلق بحرب العراق لبيان العلاقات الخاصة بين الانفعال والإدراك المعرفي والسياسة. هكذا إذن، يتطلب فهم بناء علاقات السُلطة خلال الاتصال في مجتمع الشبكات إدماج ثلاثة عناصر:
* المحددات الهيكلية للسلطة السياسية والاجتماعية في مجتمع الشبكات في ظل العولمة.
* المحددات الهيكلية لعملية الاتصال الجماهيري في ظل الظروف التكنولوجية والثقافية في عصرنا.
• المعالجة المعرفية للإشارات التي يحملها نظام الاتصال إلى العقل البشري، لأنها ترتبط بالممارسة الاجتماعية ذات الصلة السياسية.
ويرصد في الفصل الرابع كيف أنه في ظل مجتمعات الشبكات تكون السياسة في الأساس سياسة الإعلام، وعلى الأخص سياسة الفضائح في زمن أزمة المشروعية السياسية التي تتحدى معنى الديمقراطية في معظم البلدان. وفي الفصل الخامس، سيكشف عن كيفية عمل الحركات الاجتماعية وعوامل التغيير السياسي من خلال إعادة برمجة شبكات الاتصال للتأثير وإيصال صوتها. فالإعلام السياسي والحركات الاجتماعية، تستعمل كلا النمطين من الشبكات: شبكات وسائل الإعلام وشبكة الإنترنت، من منطلق أن الحركات الاجتماعية كلما انخرطت في وسائل الاتصال الجماهيري عبر شبكة الإنترنت كانت حظوظها أوفر في تحقيق التغيير الاجتماعي.
وانتقل إلى إعادة برمجة شبكات الاتصال والحركات الاجتماعية والسياسة المتمردة والفضاء العمومي الجديد، ليشدد على دور وسائل الاتصال الجديدة في ظهور هذا الفضاء الذي يتم فيه التحكم في الرأي العام وفي صناعة القرار السياسي، عن طريق الشبكات التي تنامت مع الشبكات الاجتماعية والإنترنت، على الرغم مما تحمله من خطورة على السيادة الوطنية، لأنه مع مجتمع الشبكات، ستنمحي الاعتبارات الأخلاقية والدينية واللغوية، والتمايزات العصبية والقبلية، لصالح ثقافة جديدة قوامها الارتباط المباشر بشبكات افتراضية غير مستقلة عن الرؤى الآيديولوجية، لذا نتساءل: هل سيعوض حقا مجتمع الشبكات العالمي المجتمع الصناعي والزراعي؟



«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف
TT

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

بعد قراءة صفحات قليلة من رواية الكاتبة اللبنانية نجوى بركات «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت 2025) تدرك أنها رواية معنية بالشيخوخة وتداعياتها. خصوصاً الشيخوخة المقترنة بالوحدة، بالعيش المنفرد. نحن هنا في حضرة سيدة لبنانية ثمانينية تُدعى مي، تعيش بمفردها في طابق علوي من بناية سكنية مترفة في بيروت. تصحبنا نجوى بركات في جولة طويلة داخل أيام مي وروتينها المتكرر، ليس ذلك فحسب، إنما تجول بنا أيضاً في تلافيف ذهنها المتراوح بين الصحوة المرهفة وعوارض التآكل تحت وطأة ألزهايمر وما يصاحبه من المظاهر التدريجية للخرف وفقدان الذاكرة. المائة وخمس وعشرون صفحة الأولى من الرواية، أي نحو نصفها، مكرّسة للرصد المجهري لمعنى أن تكون امرأة عجوزاً وحيدة في المرحلة الأخيرة من عمرها، أو بالأحرى في نهاية المرحلة الأخيرة، المرحلة التي يتآكل فيها الجسد ويفقد قدرته على الاستقلال عن الآخرين والاعتماد على الذات، ويصبح محتاجاً للعون في أخص الخصوصيات مثل الاستحمام وتجفيف الجسد بعده وقضاء الحاجة وتمشيط الشعر وإعداد الطعام.. إلخ إلخ. كل ما نؤديه بغير تفكير ولا نتصور أن نشرك فيه أحداً طوال العمر يصبح جهداً فوق العادة ولا تجدي معه المكابرة. لكنه ليس الجسد فقط بل يفاقم من تداعيه التداعي الذهني أيضاً. يصبح العالم كله موضع ريبة. تسيطر علينا الأوهام والخيالات والمخاوف والتوجُّسات. نفقد الثقة حتى بمن نحن في أمسِّ الحاجة لعونهم.

تنفق نجوى بركات 125 صفحة في تصوير هذه المرحلة من الحياة في هذه الحالة الفردية، وتنغمس في أدق التفاصيل، سواء في الوصف الخارجي أو في تسجيل التداعيات الذهنية للشخصية. وما لم يكن القارئ مثابراً، منتبهاً لما تحاول الكاتبة فعله فقد يدركه السأم وينبذ الكتاب. أما أنا الذي عاين ناساً مروا بهذه المعاناة وعاشوا فيها سنوات قبل أن يوافيهم المخلِّص الأكبر، كما شاهدت العديد من الأفلام السينمائية الممتازة التي تناولت هذه الظاهرة المرضية ورصدت تطوراتها في تصوير واقعي تنفطر له القلوب (انظر مثلاً الفيلم الفرنسي Amour (الحب) 2012 للمخرج النمساوي مايكل هانيكه)، فقد كنت واعياً بما تحاول الكاتبة أن فعله، الذي لا يتحقق إلا بالقذف بنا بلا رحمة في أتون التحلل المتسارع لشخصيتها جسدياً وذهنياً، والذي لا يتحقق إدراكه إلا بالمكوث الطويل عند تفاصيل الحياة اليومية التي لا تستحق عادة الذكر أو الوصف إلا لأنها في الشيخوخة المريضة تصبح نضالاً بطولياً من أجل التمسك بأهداب الوعي والوجود الجسدي معاً.

لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لهذا الموضوع بهذه الكفاءة. من هنا كان إعجابي بالنص يزداد كلما أوغل في التفاصيل بإمعان «ناتورالي» أو طبيعي لا يتحرج من شيء ولا يتقزز من شيء كما عهدنا قديماً في أوصاف المدرسة الناتورالية وعَلَمها الأكبر، إميل زولا. في هذا النصف من الرواية لا يبدو أن جنس الشخصية ذو بال. هي امرأة اسمها «مي» لكن كان يمكن أن تكون رجلاً. أعني أن الوهن الجسمي والانحلال العقلي في الشيخوخة المتقدمة ليسا حكراً على جنس دون آخر، وعلى كل ما بين الجنسين من فوارق قد تبرز أو تتوارى في مراحل العمر المختلفة، ففي هذه المرحلة تتلاشى فوارق الذكورة والأنوثة ويتوحد طريق التحلل نحو النهاية. لكن الكاتبة امرأة ولعل المشاهدات الحياتية التي استقت منها الكاتبة خبرتها بالتجربة كانت ذات مصادر أنثوية، فمن الطبيعي أن يكون تجسيد الخبرة عن طريق شخصية مؤنثة.

إلا أن آخر ما كنت أتوقعه أن تتحول الرواية فجأة «وبقدرة قادر» إلى رواية نسوية، فننسى كل ما سبق لكي تجرّنا الكاتبة على غير إرادتنا في اتجاه آخر تماماً في القسم التالي من الكتاب، المعنون «هي»، الذي يستغرق 65 صفحة من الرواية. وليست «هي» إلا ميّ في شبابها، حين كانت ممثلة وكاتبة مسرحية واعدة. كنا في القسم الأول والأكبر من الرواية نتلقى نتفاً في السرد عن طفولة مي وعلاقتها بأبيها وأمها.. إلخ من ضمن تداعيات الأفكار في مونولوغها الداخلي الممتد والمتأرجح بين الذكرى والنسيان واختلاط الملفات. هذا القسم الثاني ينسى مي ويقطع الصلة بـ125 صفحة السابقة ويحكي لنا عن «هي» الشابة وكأنها شخص غير العجوز التي عاشرناها فيما سبق من الكتاب. وأعترف أني لم أفهم الحكمة من هذه البنية. إلا أن ما يثير الحفيظة النقدية فعلاً هو ما أسلفت من أن الرواية تنقلب فجأة وبدون تمهيد ولا ضرورة إلى رواية «نسوية» بالمعنى الآيديولوجي المألوف فهي قصة حب تعيسة بين مي في شبابها ورجل تجتمع فيه كل موبقات الشخصية الذكورية المجسدة لآفات المجتمع البطريركي المضطهد للنساء عقيدياً وممارساتياً. مي هي المرأة الموهوبة الذكية الجميلة المتفوقة التي لسوء حظها أو بفعل من عمى الحب تقع في براثن رجل مخاتل حسود قليل الموهبة والطموح سكيّر مقامر عنيف مستغل لها سارق لمالها بل ومقامر بجسدها حين ينفد ماله على مائدة القمار، وإن كان هذا لا يكفي فهو مجبر لها على إجهاض حمل كانت متمسكة به، وإذ ترفض أن يصحبها إلى طبيب ليجهضها، فإنه يتكفل بالمطلوب بضربها وركلها بوحشية حتى يسقط الجنين وتتعرض حياتها للخطر.

هذه قصة معروفة ومتكررة بلا حصر في الروايات النسوية وغير النسوية وفي الأفلام الميلودرامية.. إلخ. هل كنا حقاً في حاجة إلى أن تُعاد على مسامعنا على امتداد 65 صفحة وحيث تُصور الشخصية الذكورية تصويراً مسطحاً هي شر خالص بلا أي درجة من الرمادية، على نحو ما تمليه الآيديولوجية المبسطة التي تعتقد أن لا سبيل لتحرير المرأة وتعرية الظلم المجتمعي لها ونشره على الملأ إلا بتصوير الذكور في صورة شيطانية خالصة. لا أدري كيف وقعت نجوى بركات في هذا الفخ الواضح المكشوف؟ أكانت حقاً في حاجة لتلك الكتابة النمطية الساذجة بعد أن أبدعت في النصف الأول من الرواية في موضوع إنساني عام قلَّ من كتب عنه وصوَّره ذلك التصوير الدقيق غير المهادن كما فعلت هي. ومما يزيد الطين بلة أنه لا صلة حيوية بين الجزأين بمعنى أن معاناة «مي» مع ذلك الرجل المتوحش ليست هي ما وصل بها إلى الشيخوخة والوهن الجسدي والخرف العقلي، فتلك نهاية نصل إليها جميعاً على نحو أو آخر، سواء عشنا حياة جميلة أو تعيسة، والحقيقة أن مي كانت تجاوزت تجربة شبابها المؤلمة وتزوجت من رجل طيب يحبها وأنجبت منه توأماً وعادت إلى العمل والنجاح المهني. ومن هنا غياب الصلة العضوية بين الكتابة العفوية الإنسانية الكريمة في النصف الأول من الرواية، والانقلاب المؤدلج الساذج في القسم الثاني. تنتهي الرواية بمشهد يستدعى إلى الذاكرة عن طريق تناصٍّ لا أشك أنه مقصود – يستدعى المشهد الختامي لمسرحية تنيسي ويليامز الشهيرة «عربة اسمها الرغبة» (1947) حيث يسلم حارس العمارة مي إلى الطبيب ومعاونيه الذين جاءوا ليصحبوا مي إلى بيت للمسنين بتعليمات من ابنيها اللذين يعيشان في أميركا. لا تعود مي تعرف الحارس ومثل «بلانش ديبوا» في المسرحية تقبل مساعدته قائلة إنها «لطالما اعتمدت على لطف الغرباء». هكذا تفضي الشيخوخة بنا إلى حال من «الغربة» عن أنفسنا وعن الآخرين والعالم أجمع.

«غيبة مي» رواية أفلتت من يد الكاتبة على نحو مؤسف. كان بإمكانها أن تكون رواية أصيلة متميزة في موضوعها وفاتحة لباب جديد في الكتابة عن الشيخوخة، فإذا بها تنعطف لغير ما سبب في «سكة الندامة» التي انتهت بها رواية نسوية عقيدية ساذجة. من كان يريد أن يحظى من الرواية بأفضل ما فيها فليتوقف عن القراءة عند الصفحة 126، حيث كان يجب على الروائية أن تتوقف عن الكتابة. لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لموضوع الشيخوخة بهذه الكفاءة حتى الصفحة 126 حيث كان يجب أن تتوقف


حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام
TT

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

صدر حديثاً عن دار «المحرر»، في القاهرة، كتاب «أيام الغضب والحب»، للروائية المصرية نهى محمود، وهو كتاب سردي لا ينتمي إلى أي من الأنواع الأدبية المعروفة، بل نصوص مفتوحة، تقف على التخوم بين السرد واليوميات والتأمل؛ لذا آثرت المؤلفة أن تضع على الغلاف أسفل العنوان كلمة «نصوص»، تحاشياً لحصر الكتاب في لون أدبي بعينه.

يتكون الكتاب من خمسة عشر فصلاً قصيراً، تحمل عناوين دالة مثل «الكثير من الحزن والإندومي»، و«الرايات الخضراء في قلبي»، و«الحب والغضب مشعلاً الحرائق الرائعة»، و«عن الأشياء المحببة البغيضة»، ينفتح فيها السرد على مشاعر متناقضة، بين الحب والغضب والفقد والأمومة والعزلة، عبر لغة تلامس تخوم الشعرية، دون أن تفقد طاقاتها السردية والحكائية، مع مراوحات بين تأمل الذات وتأمل العالم من حولها، والوقوف على الحدود الفاصلة بين متناقضات شتى، كما تشير في أحد العناوين بشكل مباشر «هناك في البين بين». فهذه البينية تنتظم الكتاب كله، من حيث البناء الجمالي والشكلي للنصوص، وأيضاً من حيث الموضوعات والقضايا المسرود عنها داخل هذه الوحدات السردية.

في فصول الكتاب، تحضر تفاصيل حياتية مثل علاقة الكاتبة بابنتها، أو بأمها، كما أن ثمة حضوراً واضحاً لأفلام سينمائية مصرية وعالمية، كما تبرز أصناف متعددة من الطعام، وربط الكاتبة بين حالاتها وعلاقة ذلك ببعض الأفلام والأطعمة، فتنتقل من الذاتي إلى الموضوعي، وينفتح اليومي والعادي على الوجودي والنفسي، مثلما تقول في أحد المواضع «مررت طوال الشهور السابقة بحالة من التجمد، ليست مثل تلك التي تصل لها الأطعمة المجمدة في الفريزر».

ونهى محمود كاتبة وصحافية مصرية. صدرت لها روايات «راكوشا» و«الحكي فوق مكعبات الرخام» و«هلاوس» و«سيرة توفيق الشهير بـ توتو»، وكتب سردية منها «بنت من ورق» و«كراكيب نهي»، والمجموعتان القصصيتان «الجالسون في الشرفة حتى تجيء زينب» و«السير في طرق ممتدة وبعيدة».

من أجواء الكتاب نقرأ: «تحتاج مشاعر غامضة مثل الحب والغضب إلى وعي جمعي، بشر يكتبون عنها كثيراً، ويتكلمون في حلقات حميمية أو جلسات علنية تذاع عبر وسائل التواصل وغيرها، ليشعر البشر كيف أن غيرهم أيضاً يشعر بما يملأ قلوبهم، وأن الأمر لا يخص واحداً سيئ الحظ، وإنما لعنة جماعية تصيب الجميع.

أحياناً أو طوال الوقت، أضيّع سنوات من عمري... أخبط رأسي في الباب المغلق ذاته، ولا تجيء على خاطري أي فكرة أخرى سوى الاستمرار في الطرق، حتى يمر عابر بالصدفة، ويشير لي إلى مقبض الباب، أنظر نحو المقبض بدهشة، أديره وأخرج».


باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
TT

باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)

يلتقي جمعٌ من المثقفين والأكاديميين السعوديين، في ندوة تبحث في العلاقة بين الثقافة والسياحة، تستضيفها محافظة الطائف (غرب السعودية)، أشهر الوجهات السياحية في المملكة، والمسجلة ضمن المدن المبدعة في الأدب في منظمة «اليونيسكو».

وتحمل الندوة عنوان: «الثقافة والسياحة... القيم المشتركة»، وتنظمها مؤسسة «أدب» الثقافية، ومركز عبد الله بن إدريس الثقافي، حيث تأتي في إطار تعزيز التكامل بين القطاعين الثقافي والسياحي، وإبراز الدور الذي تؤديه الثقافة في دعم التنمية السياحية، واستثمار المقومات الحضارية والتراثية التي تزخر بها البلاد، انسجاماً مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وتتناول أوراق العمل التي يشارك فيها نخبة من الباحثين السعوديين؛ العلاقة بين الثقافة والسياحة من جوانبها الفكرية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في إثراء الحوار الوطني وتبادل الخبرات. ويتضمن برنامج الندوة ثلاث جلسات علمية وحواراً ثقافياً مفتوحاً مع الخبراء المشاركين.

وتحمل الجلسة الأولى، عنوان: «الثقافة والسياحة.. القيم المشتركة بين الثقافة والسياحة (المفاهيم والمرتكزات)»، ويديرها عطاء الله الجعيد، ويشارك فيها الدكتور سعود الصاعدي بورقة عنوانها: «جدلية السياحة والثقافة بين المعالم والمفاهيم نحو نموذج مشترك»، والدكتور عبد الله المطيري، بورقة عنوانها: «هبة الأرض: تأملات أولية في السياحة»، والدكتور محمد اللويش، بورقة عنوانها: «حديث المكان: بناء الهوية الثقافية وتشكيل الوعي السياحي»، والدكتور ماهر الشبل بورقة بعنوان: «من الرحلة إلى الفكرة».

أما الجلسة الثانية فتحمل عنوان: «الثقافة وصناعة التجربة السياحية من الموروث إلى الجاذبية»، وتديرها الدكتورة مستورة العرابي. ويشارك فيها الدكتور إبراهيم البعيز بورقة بعنوان: «دور الإعلام في تجسير العلاقة بين الثقافة والسياحة»، والدكتور صالح زمانان بورقة بعنوان: «المسرح والفنون الأدائية في التنمية السياحية: مقاربة ثقافية في السياق السعودي»، والدكتورة رانية العرضاوي، بورقة بعنوان: «الرحلة السياحية الثقافية: هوية المكان وصناعة الذاكرة الجاذبة».

أما الجلسة الثالثة فتحمل عنوان: «الهوية الثقافية وصورة المكان في الوعي السياحي»، ويدبرها الدكتور أحمد الهلالي، ويشارك فيها: سليمان الناصر، بورقة بعنوان: «من الجغرافيا إلى المعنى: القيم التي تسمو بالسفر»، والدكتورة نورة القحطاني، بورقة بعنوان: «الهوية الثقافية وصناعة صورة المكان: مقاربة من منظور الدراسات الثقافية على التجربة السعودية»، وسلطان البازعي، بورقة بعنوان: «الثقافة... عنصر جذب سياحي»، والدكتور ياسر المطرفي، بورقة بعنوان: «الحج مختبراً ثقافياً: مشروع مقترح في ضوء نموذج الأبعاد الثقافية».