تقارير أمنية ترصد تراجعا كبيرا لـ«الإخوان» وتؤكد أن «الجيش المصري الحر» تهويل يغذيه إسلاميون هاربون

مصادر دبلوماسية لـ {الشرق الأوسط} : مشاورات غربية مع القاهرة بشأن المتشددين في المنطقة

منفذ السلوم بين حدود مصر وليبيا («الشرق الأوسط»)
منفذ السلوم بين حدود مصر وليبيا («الشرق الأوسط»)
TT

تقارير أمنية ترصد تراجعا كبيرا لـ«الإخوان» وتؤكد أن «الجيش المصري الحر» تهويل يغذيه إسلاميون هاربون

منفذ السلوم بين حدود مصر وليبيا («الشرق الأوسط»)
منفذ السلوم بين حدود مصر وليبيا («الشرق الأوسط»)

رصدت تقارير أمنية مصرية تراجعا كبيرا لنشاط جماعة الإخوان المسلمين، وأكدت في الوقت نفسه أن «الجيش المصري الحر» الذي جرى تأسيسه في ليبيا «تهويل يغذيه إسلاميون هاربون»، في وقت كشفت فيه مصادر دبلوماسية في العاصمة المصرية لـ«الشرق الأوسط» أمس عن وجود مشاورات غربية مكثفة مع القاهرة بشأن المتشددين في منطقة الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن الزيارة التي يقوم بها وزير الخارجية المصري نبيل فهمي إلى الولايات المتحدة الأميركية لا تتعلق بالعلاقات بين البلدين فقط، ولكنها تطرقت أيضا إلى الكثير من الملفات، كان أبرزها تطورات الملف الليبي.
وأشارت إلى أن الجانب الأميركي يبدي اهتماما متزايدا بهذه القضية، خاصة بعد الزيارة التي قام بها وليام بيرنز، مساعد وزير الخارجية الأميركي، لليبيا الشهر الماضي. بينما قال أحد الدبلوماسيين الغربيين، إن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أصبحوا في حاجة إلى التعاون من أجل «كبح جماح التشدد» الذي أعقب ثورات الربيع العربي، خاصة ليبيا، مثمنا في الوقت نفسه مقترحات قدمت في الجامعة العربية على مستوى المندوبين، بعقد اجتماع وزاري عربي لدول الجوار الليبي، يضم مصر والجزائر وتونس.
لكن وزير الخارجية المصري الأسبق، محمد العرابي، قلل في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» مما يتردد عن الاهتمام الأميركي بإصلاح الأوضاع في ليبيا بالتعاون مع دول منها مصر، وقال: «لو كانوا يفكرون بهذه الطريقة، فإنه سيكون تفكيرا عقلانيا»، لكنه أضاف موضحا: «لا أشعر بأن هذا هو التفكير الأميركي»، مشيرا إلى أن اقتراح عقد اجتماع لدول الجوار العربي لليبيا «لن يكون له فاعلية، لأن الجامعة لم تحقق شيئا لسوريا».
ومن جانبها، أكدت مصادر أمنية رفيعة، أن ما يتردد عما يسمى «الجيش المصري الحر» المناوئ للسلطات في القاهرة انطلاقا من داخل الأراضي الليبية «مجرد تهويل»، و«الأمر يتعلق بعدة مئات من الجهاديين و(الإخوان) وبعض الجماعات المتشددة الأخرى ممن سافروا للجهاد في سوريا أيام حكم الرئيس السابق محمد مرسي»، أو فروا من مصر إلى ليبيا عقب الإطاحة بنظام مرسي الصيف الماضي.
وتمكن المتشددون الإسلاميون من عدة بلدان، من بينها مصر، من تحويل بعض المناطق الليبية إلى ملاذ آمن، خاصة من جانب الفارين الموالين لتنظيم القاعدة من شمال مالي وجنوب الجزائر، وتنظيم أنصار الشريعة في كل من ليبيا وتونس، خاصة بعد أن وضعت الولايات المتحدة هذا التنظيم على قائمة المنظمات الإرهابية أخيرا، بالإضافة إلى محاولات جرى رصدها، وفقا للمصادر، لإقامة معسكرات دائمة للمقاتلين الأجانب في الغابات الواقعة جنوب مدينة درنة على ساحل البحر المتوسط.
وقال مؤسس تنظيم الجهاد السابق، الشيخ نبيل نعيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يسمى «الجيش المصري الحر» في ليبيا، يتكون من مجموعة كانت تقاتل في سوريا سافرت إلى هناك أيام حكم مرسي: «وهذه المجموعة مكونة من نحو 600 إخواني، ونحو 650 من حركة حازمون (تابعة لأحد القيادات الإسلامية وهو مسجون حاليا بمصر ويجري التحقيق معه في عدة قضايا)، ومجموعة أخرى موالية لأيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة، وانضم إليهم عدد من الهاربين من سيناء، وعدد آخر انضم إليهم من بعض الدول العربية والأفريقية؛ أي إن العدد الإجمالي لهؤلاء في ليبيا يصل لنحو ثلاثة آلاف، موزعين في ثلاثة معسكرات»، مشيرا إلى أن هذه المعسكرات تتركز قرب مناطق «الزنتان» غرب ليبيا، و«أبو سليم» بطرابلس، و«درنة» بالمنطقة الشرقية من ليبيا.
ومن جانبه، قال أحد المسؤولين الأمنيين بمصر، إن تقارير عن نشاط لمتشددين مصريين في درنة تضمنت أن المعسكر يضم شبابا من جماعة الإخوان مطلوبين للتحقيق معهم في قضايا تتعلق بالإرهاب بمصر، مشيرا إلى أن العدد هناك لا يزيد على 700، بالإضافة إلى عدة مئات آخرين من الليبيين والمتشددين من جنسيات عربية وأجنبية أخرى، مشيرا إلى أن أحد المشتبه في تورطه في تفجير القنصلية الأميركية ببنغازي في سبتمبر (أيلول) 2012، وكان مسجونا في غوانتانامو، يدير شبكة «من الإرهابيين» في غابات درنة بعيدا عن أعين السلطات الليبية التي تعاني أساسا الضعف والافتقار إلى جيش وقوات أمنية فاعلة.
وتابع المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن اسمه لأنه غير مخول له التحدث للإعلام، أن المتشددين المصريين في درنة «مرصودون» و«توجد معلومات عنهم»، «وغالبيتهم تزيد أعمارهم على أربعين سنة». وأضاف: «هم ليسوا جيشا بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكنهم يحاولون التضخيم من أنفسهم، ويغذي هذا التوجه إسلاميون متشددون لإعطاء أمل لبقايا أنصار مرسي في مصر، حتى لا ينفرط عقد التحالف الذي يؤيده والذي أصبح على وشك التفكك والاضمحلال».
ومع ذلك، شدد الوزير السابق، العرابي، الذي يشغل حاليا موقع رئيس حزب المؤتمر في مصر، على أنه لا ينبغي التهوين من أي شيء يتعلق بالأمن القومي المصري، خاصة في هذه المرحلة الحساسة التي تمر بها البلاد. وقال في المقابل أيضا إن ما يسمى «الجيش المصري الحر» مجرد مجموعات ليس لها أي تأثير في مصر على الإطلاق، لكن لا بد من متابعة كل ما يتعلق به بدقة وعدم إغفال كل ما يمكن أن يهدد الأمن القومي.
ومن جانبها، أشارت المصادر الدبلوماسية إلى أن فهمي تطرق خلال لقاءاته في واشنطن إلى خطر الإرهاب في المنطقة، ومن بينها شبه جزيرة سيناء التي يعتقد أن عدة آلاف من المتشددين المصريين والفلسطينيين والعرب حاولوا إقامة إمارة إسلامية فيها في العامين الماضيين، بتشجيع من تنظيم القاعدة، وأن «هذا جاء ضمن ظاهرة ضربت المنطقة بعد ثورات الربيع العربي، سواء في سيناء المصرية أو مدن ليبية كمدينة درنة».
وتمكنت السلطات المصرية، خاصة في الفترة التي أعقبت الإطاحة بمرسي، من تقليم أظافر «الإرهاب» في سيناء، إلا أنها، وفقا للمصادر الدبلوماسية نفسها، ما زالت في حاجة إلى مساعدات أخرى وإقناع الدول المعنية بهذا الأمر لمواجهة خطر المتشددين، في إشارة إلى صفقة طائرات الأباتشي الأميركية لمصر التي تعثر الحصول عليها لعدة أشهر.
على صعيد متصل، أكد رئيس الحكومة الليبية السابق، الدكتور علي زيدان، أن مصر ليست لها أطماع في «الشقيقة ليبيا»، مشيرا إلى أن مصر تنازلت عن أشياء كثيرة حرصا على العلاقات الأخوية مع ليبيا، وقال زيدان في حوار مع موقع «مستقبل ليبيا»، إنه التقى المشير عبد الفتاح السيسي، حين كان المشير وزيرا للدفاع، في إطار زيارته لمصر كرئيس للحكومة الليبية بعد ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013، ولا يمكن لفصيل أن يتحكم في الأمر، في إشارة غير مباشرة إلى جماعة الإخوان المسلمين التي تنشط أيضا في ليبيا بشكل كبير، وتواجه في الوقت نفسه احتجاجات شعبية بسبب اتهامات بالتدخل في توجيه البرلمان المؤقت والحكومة وبعض الفصائل المسلحة على الأرض.
وأضاف زيدان قائلا إنه سيلتقي السيسي مرارا، ودعا الشعب المصري لانتخابه رئيسا «فهو رجل عاقل وورع». واستبعد زيدان ما تردد عن محاولات لنقل بعض قيادات جماعة الإخوان من قطر إلى ليبيا، قائلا: «لا أتوقع ذلك، وليبيا لن تقبل (الإخوان)، بل أؤكد لو أن الليبيين عرفوا أن هناك إخوانا في ليبيا تخطط لزعزعة مصر فسيقف الليبيون ضدهم وبقوة»، وأضاف: «يجب ألا نضع الإسلاميين كلهم في سلة واحدة، أنا لست في عداوة مع الإسلاميين جميعا، لكني لا أتفق مع تنظيم الإخوان أو المجموعات المتبنية للعنف، وأنا ملتزم دينيا، والحمد لله، أكثر من (الإخوان) وأتباعهم، وأرفض أن يكون الإسلام مادة للمزايدة أو دغدغة مشاعر الناس».
وألقت السلطات المصرية القبض على المئات من قادة جماعة الإخوان والإسلاميين المتطرفين بعد موجة من العنف تسببت في مقتل المئات منذ منتصف العام الماضي. ويقوم الجيش والشرطة في عموم البلاد بعمليات لملاحقة المتشددين، بالتزامن مع محاكمات بحق مرسي ومرشد الجماعة محمد بديع، وآخرين، حيث صدرت أحكام بالإعدام على المئات طالت بديع نفسه. كما فر المئات من قادة «الإخوان» و«الجماعة الإسلامية» وبعض القيادات السلفية المتحالفة معها، إلى الخارج، خاصة إلى قطر وتركيا وأوروبا.
وقال المسؤول الأمني إن التقارير الأمنية رصدت اتجاه الأوضاع في البلاد نحو الاستقرار بفعل القناعة الشعبية لدى المصريين بأن جماعة الإخوان والجماعات الأخرى «التي تدعمها وتتبنى العنف، لا تصلح للعمل السياسي أو قيادة الدولة»، مشيرا إلى تراجع مظاهرات «الإخوان»، «وانفضاض الناس من حولهم وتغيير ألوف الشباب لمواقفهم بعد إصرار قادة الجماعة في داخل السجون وخارجها على الصدام مع الدولة والمجتمع».
وأضاف أن ما يسمى «تحالف دعم الشرعية» الذي يقوده «الإخوان»، فشل فشلا ذريعا في الدعوات التي أطلقها من أجل التظاهر ضد الدولة، ولم يستجب لها إلا عدة مئات في بعض مناطق القاهرة والمنصورة، إلا أن التحالف جدد دعواته خلال اليومين الماضيين بالاستمرار في تحريض أنصاره ضد العملية السياسية الجارية، وعلى رأسها إجراء الانتخابات الرئاسية بحلول نهاية هذا الشهر.
ومن جانبها، جددت دار الإفتاء المصرية تأكيدها أن «الدم كله حرام»، وقالت إن «حرمته ترقى في الإسلام إلى أن تكون أكبر حرمة من حرمة الكعبة المشرفة، وأن إيذاء الناس سواء بالقول أو الفعل هو أمر منبوذ شرعا». وشددت الدار التي تحظى بثقة قطاعات واسعة من المصريين، في بيان لها أمس، على أن «الصدام مع المجتمع وتبني آراء متشددة ليس من الإسلام وهو محرم شرعا، لأنه يؤدي إلى الفرقة والقطيعة المؤديتين إلى هدم مصالح العباد والبلاد».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.