إيلي صعب... ظاهرة تحولت إلى عُقدة

المصمم اللبناني لـ «الشرق الأوسط»: النجاح يتطلب مواقف واضحة وشجاعة... وتقليدي لن يؤدي سوى إلى الإحباط

من عرض إيلي صعب الأخير  - من تصاميم  رامي قاضي لربيع وصيف 2017 - من عرض حسين بظاظا لربيع وصيف 2017
من عرض إيلي صعب الأخير - من تصاميم رامي قاضي لربيع وصيف 2017 - من عرض حسين بظاظا لربيع وصيف 2017
TT

إيلي صعب... ظاهرة تحولت إلى عُقدة

من عرض إيلي صعب الأخير  - من تصاميم  رامي قاضي لربيع وصيف 2017 - من عرض حسين بظاظا لربيع وصيف 2017
من عرض إيلي صعب الأخير - من تصاميم رامي قاضي لربيع وصيف 2017 - من عرض حسين بظاظا لربيع وصيف 2017

من أقوال كوكو شانيل المأثورة التي يحبها المصمم إيلي صعب أن التقليد من أعلى درجات المديح والإعجاب. فهي على حق إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه حتى أعمال كبار الفنانين والرسامين ما هي سوى تقليد للطبيعة إلى حد ما، إلا أننا نعرف في الوقت ذاته أن كل ما يزيد على حده يتحول إلى ضده. «فإذا كان الاستلهام مقبولا فإن التقليد الحرفي مرفوض، لأنه جريمة في حق الإبداع» حسب قوله.
ولعل المصمم الذي يشهد له العالم بالإبداع، أكثر من يفهم الجانب الأخير، بالنظر إلى عدد المصممين الذين تبنوا أسلوبه، معتقدين أن السخاء في التطريز والإغراق في الرومانسية جوازهم للعالمية، وكلما باءت محاولاتهم بالفشل وانتابهم الإحباط زاد تخبطهم وتراجعهم. فالملاحظ عند مقابلة أي واحد من هؤلاء تأتي سيرته على لسانهم، إما إعجابا وإما حسدا. الإعجاب، ويكون غالبا من الشباب، على أساس أنه قدوتهم. فهو عصامي تحدى السائد وفرض أسلوبه على ساحة الموضة.
والحسد، ويكون عادة من أبناء جيله، لأنهم يعتقدون بأن نجاحه مجرد ضربة حظ. فقد اتبعوا الوصفة نفسها ومع ذلك لم يحققوا نصف النتيجة.
الخيط الرفيع بين التأثر والتقليد برز عندما كان المصمم يُسجل برنامجه «بروجيكت رانواي» في دبي. كانت الحلقة الأخيرة والمنافسة على أشدها بين المتنافسين الثلاثة، وكان الشاب سليم شبيل من تونس واحدا منهم. لم يُخف هذا الأخير منذ بداية البرنامج إعجابه الشديد بإيلي صعب، لكن المشكلة أنه ترجم هذا الإعجاب في تشكيلة يصعب من بعيد التفريق بينها وبين تصاميم سابقة لمثله الأعلى إلى حد أنها كانت صادمة. في مقابلة خاصة يرد إيلي صعب بدبلوماسيته المعهودة أنه لم يتفاجأ بالأمر «فصغر سنه يشفع له، كما أنه شعور حلو أن يُلهم أسلوبي مصمما شابا، المهم أن لا يتحول إلى عقدة تُكبل خياله وقدراته في المُستقبل».
المشكلة أن أمثال سليم كُثر في المنطقة العربية ممن يعتبرون أنفسهم من مدرسة إيلي صعب، وحسب توضيحه «في لبنان وحده هناك من 70 في المائة إلى 80 في المائة منهم. وبينما يبقى الاقتداء بشخصية ناجحة أمرا مقبولا ومرحبا به بالنسبة لشاب في أول الطريق كونه لا يزال يبحث عن أسلوبه الخاص، فإنه يأخذ صورة قبيحة عندما يأتي من مصمم له أكثر من عشر سنوات في هذا المجال. فما يؤكده في هذه الحالة أنه لا يثق بنفسه ولا بأسلوبه. وهذا تحديدا ما اعتبره عُقدة يجب التخلص منها، لأنها لن تؤدي به سوى لمزيد من الإحباط».
لا يختلف اثنان أن إيلي صعب فلتة أو ظاهرة في عالمنا العربي. فهو لم يكتف بالـ«هوت كوتير» رغم نجاحه الساحق فيه وتوسع إلى الأزياء الجاهزة ثم إلى العطور والإكسسوارات وتصميم اليخوت وهلم جرا. إمبراطوريته تتسع يوما بعد يوم بدليل أنه افتتح في بداية الشهر أول متجر له في جادة ماديسون بنيويورك ليكلل نجاحه في الأسواق الأميركية بعد باريس ولندن وبيروت ودبي وقطر. ومن يعرف المصمم ويسمعه يعرف أنه لا يزال في جعبته الكثير من المفاجآت، مؤكدا في كل مناسبة أنه لا يُقلد أحدا بقدر ما يستفيد من تجارب الغير. فالموضة مثل كل أنواع الفنون تحتاج إلى إلهام وأيضا إلى ابتكار وشجاعة ومغامرة.
لكن ما نلمسه في كثير من العروض والمناسبات أن عُقدة إيلي صعب أصبحت مترسخة تتجسد في التصاميم الرومانسية والتطريزات الغنية غير المدروسة التي توقع كثيرا من المصممين في مطب الاستسهال. ولأننا لا يمكن التعميم، لا بد من الإشارة إلى جيل صاعد تخرج من معاهد متخصصة يحاول جاهدا شق طريقه بأسلوبه الخاص، إلى حد أن بعضهم أصيب بـ«عقدة عكسية» يتعمد فيها الابتعاد عن أسلوب إيلي صعب خوفا من تهمة التشبه به. من هؤلاء نذكر حسين بظاظا، الذي تدرب في دار ربيع كيروز في باريس، ومن ثم عمل كمصمم مبتدئ في دار إيلي صعب ببيروت، ويُشهد له بالإبداع تترجمه الجوائز المهمة التي حاز عليها في عدة مسابقات ومحافل. يعترف بأن إيلي صعب ظاهرة وقدوة بالنسبة له وعقدة للبعض الآخر «فهو الأكثر مبيعا في منطقة الشرق الأوسط، وبما أن أغلب المصممين العرب يتوجهون للزبونة نفسها، فإن بعضهم يلجأون إلى تقليد أسلوبه أملا في أن يقتطعوا لأنفسهم ولو جزءا صغيرا من الكعكة، وعندما يفشلون يلومون حظهم العاثر بدل أن يعيدوا التفكير في أسلوبهم». ويضيف بأنهم لم يفهموا لحد الآن أن التقليد لن يؤدي بهم إلى أي نجاح «لأن المرأة عندما تريد أسلوب إيلي صعب، فإنها تتوجه إلى المنبع». لا يُخفي بظاظا أنه تأثر بإيلي صعب «فقد كبرت وأنا أسمع اسمه يتردد على مسامعي وكان طبيعيا أن يكون قدوتي لكني أرفض تقليده... أعرف أنه ظاهرة فريدة، لكني مؤمن أيضا بأنه سيظهر مصممون آخرون لهم أسلوبهم الخاص بهم وسيحققون النجاح بطريقتهم».
المصمم الشاب رامي قاضي يوافق حسين بظاظا الرأي، فهو الآخر تدرب في دار إيلي صعب قبل أن يستقل بنفسه، نائيا بأسلوبه عن أسلوب أستاذه تماما. فسمعته في باريس حاليا أنه يعشق البحث عن تقنيات جريئة يوظفها في تصاميم تمزج العصري بالسريالي. ويرد السبب الرئيسي في نجاح إيلي صعب لشخصيته وبصمته التي حافظ عليها «أي شخص يُقلده لا بد أن يفشل، وشخصيا أفضل أن ينتقدني الناس لأي شيء أقوم به على أن ينعتوني بالتقليد». ورغم أن رامي قاضي يعترف أن صعب هو المصمم الأول في العالم العربي والمثل الأعلى لأي مصمم شاب، فإنه ينفي أن يُشكل عقدة بالنسبة له «بالعكس استعمل نجاحه كمحفز لي لتحقيق النجاح ذاته في يوم ما لكن بأسلوبي وأدواتي الخاصة. ما يجب أن نفهمه أن إيلي صعب لن يتكرر، كما لن يتكرر كريستيان ديور أو فالنتينو، لكن من الطبيعي أن تظهر أسماء أخرى تعكس عصرها».
ما يشير إليه كل هؤلاء ويوافق عليه إيلي صعب أن لكل جيل لغته وتجاربه. فتجربة إيلي صعب منذ أربعين سنة تختلف كثيرا عن تجارب هؤلاء الشباب لأن الظروف اختلفت تماما. فبينما درسوا في جامعات ومعاهد موضة، بدأ هو من الصفر وعلم نفسه في وقت كان مصمم الأزياء في الوطن العربي يُعتبر مجرد خياط عليه تنفيذ ما تريده زبونته فقط. لهذا عندما يقول بعض المصممين إن تجربة إيلي صعب فريدة كونه «ظهر في وقت مختلف لم تكن فيه هذه المنافسة الشرسة بين المصممين، كما أن البيئة التي ظهر فيها كانت خصبة لكي يتفرد بنفسه» ينتفض قائلا: إنه لم يجد الطريق معبدا أمامه بل العكس تماما، فالفضل في تعبيد الطريق أمام الآخرين يعود إليه وإلى تجربته. كل ما كان يمتلكه من سلاح آنذاك تلخص في إرادة قوية ونظرة واضحة «وهو ما لا يملكه كثير من المصممين الذين تخرجوا من أشهر المعاهد». يستطرد: «لما بدأت لم تكن الأشياء متوفرة كما الآن...لم تكن لدي الإمكانيات المادية للعرض في أوروبا مثلا، وإلا كنت لخصت المسافة الزمنية للوصول إلى العالمية، بدل تركيزي على السوق المحلية لعقد من الزمن أو أكثر، وهو ما أشعر أنه كان وقتا ضائعا في مسيرتي».
ما يقصده أن المنطقة العربية منذ أربعين عاما تقريبا لم تكن تعترف بإمكانيات مصمم عربي يقدم تشكيلات موسمية. والزبونة العربية لم تكن مستعدة لأن تتعامل معه بالثقة نفسها التي كانت تتعامل بها مع مصمم أجنبي.
يقول صعب: «تعذبت طويلا وقضيت وقتا امتد لأكثر من خمس سنوات تقريبا أحاول نيل ثقتها وأقنعها بإمكانياتي. وجدت صعوبة كبيرة في ذلك، لعدم توافق نظرتي وطموحاتي مع نظرتها وطموحاتها... كنت مثلا أقدم لها تصميما أراه مناسبا للغاية ترفضه وتحاول فرض رؤيتها بتغيير تفاصيله وأحيانا موديله بالكامل، الأمر الذي كان يحز في نفسي وكان من الممكن أن يُحبطني لكن طموحي وإيماني بنفسي كانا يموداني بالقوة للاستمرار».
الصعوبة كانت تكمن في أنه كان يعرف أنه لا يملك القدرة أن يخسرها وفي الوقت لم يكن يريد أن يخسر نفسه، لهذا ظل كل هذه السنوات في صراع معها محاولا أن يقنعها بأن هناك فرقا شاسعا بين المصمم وبين الخياط. لا يُخفي إيلي صعب أن هذه المرحلة كانت الأصعب في مسيرته، ويتذكر بمزيج من الحزن والفخر: «كان من السهل أن أنصاع لذوقها لكي أبيع وأحقق النجاح التجاري، لا سيما أني كنت في أمس الحاجة إلى الدعم المادي، لكني قاومت. كان حبي للتصميم ورغبتي في التميز أكبر من رغبتي في النجاح المؤقت. هذا لا يعني أني لم أقدم تنازلات لإرضاء زبونتي، لكن أبدا لم تكن على حساب فنيتي. لقد أدركت منذ ذلك الحين أن النجاح يحتاج إلى موقف واضح وشجاع».
ما يُحسب لإيلي صعب أنه لم يُضيع وقته في التحسر في تلك المرحلة، وحول السلبي إلى إيجابي، حيث استغل هذه الفترة لصقل أسلوبه بشكل يتواءم مع طموحاته ودراسة السوق في الوقت ذاته. وكانت النتيجة اكتشافه أن مصدر الصعوبة التي كان يواجهها يعود إلى تبنيه لغة غريبة على هذه الزبونة. كان أسلوبه بسيطا للغاية، حسب قوله: «فقد كنت متأثرا بالأسلوب الأوروبي، وبالتالي كنت أركز على القصات ولا أميل بتاتا للتطريز، وعندما أعدت التفكير في الأمر، انتبهت إلى أن زبونتي عربية ومن واجبي أن أخاطبها بلغتها». وهكذا بدأ يُطوع جموحه ويُدخل التطريز بالتدريج. ولدهشته اكتشف أنه لا يتعارض مع الجمال والأناقة، بل العكس تماما «انتبهت أنه يمكن أن يلعب دورا في تمييزي عن غيري من المصممين الأوروبيين، وبالصدفة تحول ما كان الهدف منه تجاريا لبيع تصاميمي للمنطقة العربية إلى أسلوب خاص بي». مع الوقت طور هذه التطريزات وأكسبها فنية فرضت نفسها على الساحة العالمية لتصبح لصيقة باسمه وأسلوبه، وهكذا كسب إيلي صعب الشاب قلب هذه الزبونة وثقتها، ومنذ ذلك العهد وهو المصمم الأكثر مبيعا في المنطقة. بل يمكن القول إنه من فتح شهية المصممين العالميين على التطريز لكسب ود هذه الزبونة.
يعود إيلي بذاكرته للوراء ويعترف قائلا: إنه لن ينسى فضل المنطقة العربية عليه أبدا، لكنه ما أن كسبها حتى بدأ يشعر بأنه يريد أن يُحلق أعلى وأن محيطه أصبح ضيقا. داعبه حلم باريس مرة أخرى وبالفعل كان من الأوائل الذين اخترقوا أسوارها عندما كانت مغلقة في وجه كل عربي. فالصورة المترسخة في أذهان خبراء الموضة العالميين عن المصممين العرب آنذاك أنهم مجرد خياطين يقلدون إصداراتهم، باستثناء عز الدين علايا.
لهذا غني عن القول: إن طريقه هنا أيضا لم تكن مفروشة بالورود. بيد أنه كان مُستعدا لخوض حرب مخملية مع الغرب ويكسبها بأي ثمن، لأنه لم يعد يطيق المحلية.
«بدأت أشعر بضيق المنطقة العربية على إمكانياتي. اكتفائي بها كان يتعارض مع طموحاتي والصورة التي رسمتها لنفسي عندما دخلت هذا المجال. لم تعد في فترة معينة، قادرة على استيعابي رغم أني مدين لها بالكثير ولا أزال. فلولاها لم وصلت إلى أوروبا وأنا قوي بإمكانياتي المادية...لم احتج إلى أي أحد وهذا بحد ذاته قوة لا يستهان بها».
هل يرى الآن أن نجاحه ضربة حظ كما يراه باقي المصممين؟ يضحك ضحكة لا تعرف إن كانت تنطوي على سخرية أم على مرارة ويرد «لم يكن حظا على الإطلاق بل مثابرة وتخطيط دائمان للوصول إلى العالمية لكن بطريقتي كما تقول أغنية فرنك سيناترا الشهيرة».
تخرج من اللقاء وأنت تشعر بأن إيلي صعب بالفعل ظاهرة. فرغم كل النجاحات التي حققها واعتراف العالم بأسلوبه وقوته التجارية، لا يزال متحمسا ومتعطشا لمزيد. تشعر أيضا أنه ليس مُنظرا، فالحياة بالنسبة له عمل ميداني وتجارب يعيشها بشكل يومي، وقابلة للفشل والنجاح لكن المهم هو الاستفادة منها وتحويلها إلى إيجابيات، لهذا تستشف في نبرة صوته حسرة وهو يتحدث عن أبناء جيله من المصممين الذين لم يستوعبوا أن لكل شخصيته ومسيرته وبأنه لم يصل إلى النجاح بين ليلة وضحاها.



«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)

وصل الفائزون بجائزة «فاشن تراست أرابيا» لعام 2025 إلى لندن مؤخراً. جاؤوا من بلدانهم يحملون معهم أحلامهم الكبيرة وطموحات تتجاوز حدودها المحلية. لكن لندن هنا ليست مجرد محطة احتفالية عابرة، بل جزء من خُطَّة استراتيجية تسعى إلى ربط المواهب الناشئة في المنطقة العربية وصناعة الأزياء العالمية عبر مزيج من الإرشاد المهني، وفرص البيع بالتجزئة والانخراط المباشر مع شبكة الفاعلين في القطاع.

انطلقت الفعاليات بحفل استقبال جمع الفائزين بعدد من الأسماء المبدعة والمؤثرة في مجالات الأزياء والتصميم والثقافة، مثل إميليا ويسكتيد وديفيد كوما وغيرهم من المصممين. لقاء لم يكن مجرد مناسبة اجتماعية، بل مساحة عمل ممتدة، كون هذا الحفل الافتتاحي فقط تمهيداً لثلاثة أيام من الجلسات المهنية ركَزت على بناء العلامة التجارية لكل واحد منهم، من خلال فهم استراتيجيات التجزئة والقيادة والتواصل وريادة الأعمال. فالنجاح حالياً لا يقتصر على التطوير الإبداعي، وبالتالي لا تكتفي «فاشن تراست أرابيا» منذ تأسيسها في عام 2018 بدعم هذا الجانب وحده ولا على تسليط الضوء على المواهب العربية، بل تسعى لتوفير أدوات عملية ولوجستية تساعدهم على تطوير مشاريع قابلة للاستمرار والنمو، ومع الوقت بناء علامات تتحول إلى حضور عالمي يتنافس مع الكبار.

وهذا ما تؤكده تانيا فارس، الشريكة المؤسسة لـ«فاشن تراست أرابيا» قائلةً: «إن دعم المواهب العربية لا يقتصر على الظهور الإعلامي والمظاهر الاحتفالية، بل يقوم على توفير أدوات فعالة تُمكِّنهم من تطوير مشاريع مستدامة»، مشيرةً إلى أهمية الجمع بين الإرشاد وخلق الفرص التجارية ضمن بيئة واحدة.

فمن أبرز التحديات التي تواجه المصممين في بداياتهم القدرة على اختراق منافذ تسويقية تؤمن بموهبتهم وتمنحهم مساحة للعرض. هنا تلعب المبادرات الداعمة دوراً حاسماً، عبر إدخال المواهب الناشئة مبكراً في شبكة من العلاقات المهنية. بالنسبة إلى «فاشن تراست أرابيا» نجحت في ربط شراكة مع متجر «هارودز» بلندن، عمرها قبل أربع سنوات.

بموجب هذه الشراكة، توفِّر «هارودز» منصة عرض ثابتة للفائزين، بشكل حصري سواء داخل المتجر أو عبر المنصة الرقمية الخاصة به، إضافةً إلى الترويج لهم عبر باقي قنواته التسويقية. الآن وأكثر من أي وقت مضى تزيد أهمية هذه الشراكة بالنظر إلى الوضع الاقتصادي العالمي غير المستقر نسبياً، حيث أصبحت فرص الظهور الدولي للمصممين الناشئين مرتبطة بالشراكات الكبيرة وبدور الأزياء العالمية، فيما يعاني المصممون المستقلون والشباب من شُح الفرص.

إلى جانب البُعد الذي توفره الشراكات مع متاجر مثل «هارودز»، فإن تأثير «فاشن تراست أرابيا» لا يقتصر على فتح أبواب العرض أو خلق فرص للبيع فحسب، بل يمتد إلى كشف المهارات التي تتوفر في المنطقة العربية من خلال مصممين يتمتعون بخيال خصب ورغبة في التفوق. وكالعادة، عكس الفائزون في دورة 2025، تبايناً في أساليبهم ومدارسهم الإبداعية. القاسم المشترك بينهم كان التشبث بالهوية. في أعمال المصرية فرح رضوان، مؤسِّسة علامة «RYR» ظهر جلياً تعاملها مع المجوهرات كمساحة للذاكرة أكثر من كونها امتداداً للتراث. ورغم استلهامها من تقاليد الصاغة في مصر القديمة، فإنها لا تُقدِّمها بترجمة حرفية أو بنزعة حنين إلى الماضي بل كإعادة صياغة داخل سياق معاصر يجمع روح باريس والقاهرة. هذا التداخل الجغرافي في عملية الإنتاج، والجمع في القطعة الواحدة بين الحرفة اليدوية والمواد الحديثة مثل الفضة الإسترليني والذهب عيار 18 قيراطاً والجلود والأحجار المختارة، هو ما يمنح أعمالها طبقة من التميز.

المغربية ليلي روكني، في المقابل، وهي مؤسسة «TALEL»، تتحرك في اتجاه مختلف. فهي تميل إلى خضِّ الهدوء البصري ولا تؤمن بإعادة تفسيره. عملية التصميم بالنسبة إليها تقوم على إدخال عناصر غير متوقعة في البنية الشكلية، سواء عبر النسب أو المواد أو العلاقة بين الأجزاء، بحيث تُصبح الحقيبة كتلة معمارية صغيرة مستلهَمة أحياناً من الفن المغربي وأحياناً من المدرسة الفرنسية. مشاركتها في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» كانت لهدف واضح: «أتوق إلى تنمية علامتي عالمياً وتعزيز الجانب التجاري، وفي الوقت ذاته أتوق إلى اختبار أفكار جديدة ومبتكرة».

في جانب الأزياء الجاهزة، لا يختلف المغربي يوسف إدريسي، مؤسِّس علامة «لات فور وورك Late for Work»، كثيراً عن ليلى في رغبته في خض المتعارف عليه وخلق مقاربة تستند إلى تفكيك التصاميم التقليدية وإعادة تركيبها من الداخل. فالعلامة، وفق تصريحه، تنطلق من حس نقدي تتحول فيه التناقضات، بل حتى ما يعدّه البعض «عيوباً»، إلى جزء من اللغة التصميمية. يُوظِّف القصَّات غير المكتملة، والخطوط غير المتوازنة كعناصر تفاعلية مع الجسد. حسب قوله: «إنها نوع من العبثية المقصودة والبنية المدروسة».

في المقابل، ينتمي السعودي زياد بوعينين، الفائز بجائزة أفضل مصمم لأزياء المساء والسهرة، إلى مدرسة مختلفة تميل إلى التصاميم الكلاسيكية بلغة معاصرة بدل تفكيكها. يستمد خبرته وأفكاره من تنقلاته بين الخُبر وطوكيو ونيويورك وميلانو ولندن، وهو ما يمنح تصاميمه نكهة عالمية. يقول إنه عندما أطلق علامته بشكل رسمي عام 2021، انطلق من فكرة دمج الفن والثقافة بمرونة وانسيابية، مع مراعاة مفهوم الاستدامة كجزء أساسي من عملية التصميم المعاصر. ويؤكد بوعينين أن الاستدامة لا تتعارض مع الفخامة، بل هي جزء لا يتجزأ من خط الـ«هوت كوتور» بحكم أنه قائم على الحرفية العالية كما على عنصر توارث الأجيال للقطعة. رغم ما حققه من نجاح يتمثل في لائحة مهمة من الزبونات المهمات، فإن فوزه بجائزة أفضل مصمم في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» هذا العام، فتح له أبواباً جديدة «من العلاقات مع صناع موضة ومؤثرين لهم وزن». فكلما توسَعت دائرة المعارف زادت المعرفة، وفق رأيه.


هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
TT

هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)

لا يختلف اثنان أن لندن تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على زخمها التجاري في مرحلة ما بعد «بريكسيت» وعدم استقرار الاقتصاد العالمي. صناعة الموضة لم تسلم من تبعات هذه المرحلة لكنها لم تستسلم لها، وتعمل على إيجاد حلول مستدامة. تاريخها يشهد لها بقدرتها على الصمود ومواجهة التحديات. كانت دائما الحلقة الأضعف بين العواصم العالمية: نيويورك، ميلانو، باريس، إلا أنها كانت تتفوق عليهم بخصوبتها في إنجاب مُبدعين شباب. جعلت من دمائهم الفائرة وجموحهم المجنون للابتكار ورقتها الرابحة دائماً، بحيث كانت تُصدِرهم لهذه العواصم لإنعاش ما يمكن إنعاشه من بيوت أزياء عريقة، وليس أدل على هذا من جون غاليانو في «ديور» سابقاً وألكسندر ماكوين في «جيفنشي» وفيبي فيلو في «سيلين» وستيلا ماكارتني في «كلوي» و«لويز تروتر» حالياً في دار «بوتيغا فينيتا»، وهلم جراً، من الأسماء التي تركت بصماتها في باريس وميلانو.

من عرض علامة «لابروم» (موقع لابروم)

فهذه الدماء الشابة جعلت من أسبوع لندن في فترة من الفترات أقوى من ميلانو ونيويورك من ناحية الابتكار. لكن شتان بين الأمس واليوم. فالأوضاع الاقتصادية في بريطانيا عموماً ووضع صناعة الموضة في لندن خصوصاً، ليسا في أفضل حالاتهما هذه الأيام. صحيح أن لندن لم تفقد روحها الإبداعية، إلا أن محاولات ترويض هذا الإبداع لإرضاء الجانب التجاري باتت ملموسة. ثم جاءت الأزمة الاقتصادية العالمية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ثم الحروب المتتالية، لتزيد الوضع تعقيداً. لهذا كان لا بد من البحث عن منفذ يفتح أماما مصمميها أبواب الأسواق العالمية بشكل مستدام. وهنا أعلن المجلس البريطاني للأزياء التزامه بتعزيز منصة «London Show Rooms» التي تقام خلال أسبوع الموضة الرجالي في باريس بين 25 و30 يونيو (حزيران) الحالي، وذلك لأربع سنوات قادمة، في محاولة لتوفير مساحة أكثر تركيزاً خلال واحدة من أكثر الفترات أهمية في روزنامة الموضة العالمية: أسبوع الموضة الرجالية.

من تصاميم «بالمر هاردينغ» (موقع مجلس الأزياء)

شرحت لورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس الفكرة قائلة إن البرنامج «يهدف إلى تعميق حضورنا في الأسواق العالمية الرئيسية عبر توفير فرص مستدامة لنمو أعمال المصممين البريطانيين وتعزيز مرونتهم التجارية، وباريس تُمثّل محوراً أساسياً في هذه الرؤية. فهي بوابة مهمة للتوسع الدولي وتمكين المصممين من الوصول إلى جماهير جديدة وشراكات وفرص عالمية».

اختار المجلس للمشاركة في هذا المعرض عدداً من الأسماء الواعدة مثل كليو بيبيات، يودون تشوي، لابروم لندن، نيكولاس دايلي، بالمر أند هاردينغ، توندولو، وآخرين.

أغلب المشاركين في المعرض من خريجي برامج داعمة للشباب الواعدين (موقع مجلس الأزياء)

أغلبهم استفادوا من برامج دعم المواهب التابع للمجلس البريطاني للأزياء «نيو جين» و«فاشن إيست» ويأتي هذا التوسع ضمن برنامج «بي.إف.سي إنترناشيونال» أحد المحاور الرئيسية لاستراتيجية المجلس «BFC 2030: Access, Creativity, Growth» التي تركز على تعزيز فرص الوصول إلى الأسواق الدولية ودعم الإبداع وتحقيق نمو مستدام للمصممين البريطانيين الشباب. وبحسب المجلس، فإن الخطوة تُمثّل مرحلة جديدة لتطوير معرضها الباريسي كمنصة تستقبل حضوراً عالمياً أوسع، مع خطط مستقبلية لإطلاق صيغ عرض جديدة وشراكات وأنشطة تسويقية تهدف إلى ربط المصممين البريطانيين بأسواق وفرصة دولية إضافية.


حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر
TT

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، حيث تتمازج حرارة المدرجات بشغف الساحرة المستديرة، لم تكتفِ النجمة الكولومبية شاكيرا بإشعال الحماس عبر أغنية المونديال الرسمية «داي داي»، بل خطفت الأضواء بـ«ضربة معلم» في عالم الموضة الرياضية.

تحول حذاء النجمة على العشب الأخضر من مجرد تفصيل متمم للإطلالة إلى بيان فني صاخب يعيد تعريف أزياء الملاعب، ويمزج بكبرياء بين التمرد الأنثوي ومتطلبات الأداء الحركي الفائق في افتتاح كأس العالم 2026.

شاكيرا تألقت في تقديم الحفل الموسيقي (رويترز)

هندسة الجاذبية على المستطيل الأخضر

في وقت كان العالم يترقب فيه دوران الكرة، اختارت شاكيرا أن تؤسس لمنطقها الخاص في الحركة، حيث اعتلت المسرح بحذاء رياضي ضخم ذي منصة مرتفعة (Platform) من العلامة النيويوركية المتمردة R13.

الحذاء، الذي ينتمي إلى طراز «Riot High-Top» والمصنوع من الجلد الأبيض الناصع، جاء بكعب شاهق يصل إلى 4.45 سنتيمتر مدعوماً بقاعدة سميكة بارتفاع 3.8 سنتيمتر.

هذا الخيار الاستثنائي شكّل تحدياً صارخاً للقواعد التقليدية لملابس الملاعب، مانحاً النجمة قامة ممشوقة وثباتاً راسخاً تناغم بدقة مع لوحات فرقتها الراقصة.

من ثورة «الحفاء» إلى صخب الـ «غرانج» (Grunge) النيويوركي

شاكيرا تقدمت الفنانين في حفل افتتاح كأس العالم 2026 (رويترز)

تاريخياً، ارتبطت هوية شاكيرا المونديالية بالتحرر، ففي نسخة جنوب أفريقيا 2010 وأغنيتها الشهيرة «واكا واكا»، آثرت الغناء حافية القدمين لتكريس اتصالها العضوي بالأرض.

أما في مكسيكو سيتي، فقد عكس الحذاء الرياضي المستوحى من كلاسيكيات كرة السلة تحولاً جذرياً نحو جماليات الـ«Grunge» المعاصرة.

لقد كان هذا التصميم بمثابة درع ذكي، أمن لركبتيها وكاحليها الحماية القصوى أثناء أداء رقصاتها المعقدة والسريعة، لتثبت للعالم أن الأناقة الرفيعة لا تقصي الكفاءة البدنية.

فلسفة اللون وتناغم الإيقاع البصري

لم يكن اختيار الحذاء الأبيض معزولاً عن سياقه الفني، بل جاء بتنسيق مبتكر صممته دار Off-White بالتعاون مع منسق أزيائها نيكولاس برو. وتمثلت اللمسة الذكية في استبدال الأربطة التقليدية بأخرى ذات لون أصفر فوسفوري مشع تحاكي روح العلم الكولومبي وتتناغم مع بدلتها الرياضية، بينما أضفت نظارات بالنسياغا Balenciaga المستقبلية هالة من الغموض الثوري. هذا المزيج المدروس يعكس كيف تحول الرموز الفنية «المستطيل الأخضر» إلى منصة عرض أزياء عالمية تحاكي جيل الحداثة.