السودان لزيادة التعاون المصرفي مع السعودية بعد رفع العقوبات الأميركية

وفد من الخرطوم إلى واشنطن... وخطة للاندماج بالقطاع المصرفي العالمي

بابكر خلال لقائه مع محافظ مؤسسة النقد السعودي أحمد الخليفي (تصوير: بشير صالح)
بابكر خلال لقائه مع محافظ مؤسسة النقد السعودي أحمد الخليفي (تصوير: بشير صالح)
TT

السودان لزيادة التعاون المصرفي مع السعودية بعد رفع العقوبات الأميركية

بابكر خلال لقائه مع محافظ مؤسسة النقد السعودي أحمد الخليفي (تصوير: بشير صالح)
بابكر خلال لقائه مع محافظ مؤسسة النقد السعودي أحمد الخليفي (تصوير: بشير صالح)

كشف محافظ بنك السودان المركزي عن خطة جديدة تعمل على المديين القصير والمتوسط لتهيئة البيئة المصرفية في بلاده، لاستيعاب حركة التعاملات المالية الدولية والاندماج في الجهاز المصرفي العالمي، بعد رفع العقوبات الأميركية عن التعاملات المالية، مشيراً إلى مباحثات مشتركة مع الجانب السعودي لتعظيم التعاملات المصرفية.
وقال الدكتور حازم عبد القادر أحمد بابكر، محافظ بنك السودان المركزي، في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»: «سيسافر وفد سوداني من البنك المركزي والبنوك التجارية إلى أميركا، للالتقاء مع البنوك الأميركية، لفتح خط مباشر للتعامل بين البلدين في الشهر المقبل، لتنشيط تعاملات المراسلين»، منوهاً بأن هناك بعض الصادرات السودانية، مثل القطن والصمغ العربي، وصلت خلال الشهرين الماضيين الولايات المتحدة، في حين وصلت حصائل الصادر منها بالدولار.
وأضاف محافظ بنك السودان المركزي، في حواره مع «الشرق الأوسط» في الرياض: «ناقشنا مع محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي تطلعاتنا بما نتوقعه من المملكة، بعد رفع الحظر الاقتصادي جزئياً عن السودان، بتوجيه كل البنوك السعودية لتعمل مع نظيرتها السودانية، بالتحويل بالريال، فيما أرجئت مسألة التحويل بالدولار إلى ما بعد شهر يوليو (تموز) المقبل».
وأضاف: «أكدنا للجانب السعودي استعدادنا لإزالة أي شكوك وغموض حول القرار الأميركي، لأن بعض البنوك لم تبدأ بعد تعاملاتها معنا، ووعدونا بذلك، ولكن الآن التحويلات تمرّ للجهاز المصرفي السوداني، بصورة سلسلة بالريال، وهو متاح لعدد من البنوك السعودية إلى السودانية، وتوصلنا إلى معالجة بأن تتم التحويلات بالريال، ونسلمها للعميل المستفيد بالدولار».
ونوه بأن بنوكاً أوروبية وأميركية وعربية وخليجية جاءت إلى السودان لاستئناف تعاملاتها في السودان، بعد قطيعة طويلة تتصل بالعقوبات الاقتصادية، منها بنوك خليجية من الإمارات وقطر وبنوك لبنانية وأخرى أوروبية، منها بنوك إيطالية. أما على الصعيد السعودي، فهناك بنوك أصلاً تعمل مع البنوك السودانية».
وأوضح بابكر أن الجولة الإقليمية التي يقوم بها محافظ بنك السودان المركزي تستهدف التعريف بحقيقة وواقع رفع العقوبات الأميركية جزئياً عن السودان، للاطمئنان على سير التعامل المالي في البلاد، موضحاً تأكيدهم جهوزيتهم للدخول فوراً في العمل المصرفي مع السودان، مضيفاً أن الهدف من الجولة للخليج هو إزالة الشكوك واللبس الذي يعتري البعض تجاه حقيقة رفع العقوبات الأميركية مع السودان. وتابع: «بدأنا بالسعودية، باعتبار أنها تمثل ثقلاً مصرفياً اقتصادياً كبيراً بالنسبة للسودان، فضلاً عن وجود أكثر من مليون مقيم سوداني على أراضيها، في حاجة ماسة لطمأنتهم وشرح الآثار التي تترتب على رفع العقوبات الأميركية، وتقديم عدد من التحفيزات لهم، من خلال أكثر من خدمة، منها تحويلات مدخراتهم بالعملة نفسها التي يرسلون بها، دون استقطاع منها، وتقديم تسهيلات تعنى بالتمويل العقاري والدفوعات المالية والأقساط المتعلقة بالتعليم العالي في الجامعات السودانية وغيرها».
وقال: «هناك تعاملات تجارية كبيرة مع السعودية، سواء في مجال الثروة الحيوانية والأضاحي والمنتجات الغذائية والزراعية الأخرى، ولذلك جئنا لتعظيم التعاملات المصرفية مع السعودية، حتى نتجاوز الطرق القديمة كلياً، التي كانت عندما تتسلم وارداتنا نتسلم قيمتها المالية عن طريق دول أخرى، ونتطلع للتعامل المباشر بين الخرطوم والرياض». وأكد أن شهر يوليو المقبل سيشهد رفعاً كاملاً للعقوبات، منوهاً بأن هناك لجنة برئاسة البروفسور إبراهيم غندور، وزير الخارجية، مكونة من كل المؤسسات الحكومية، وتعمل في كل المحاور، مشيراً إلى استمرارية تواصلها في جميع المسارات المحددة، على أن تحقق فيها تقدم بهدف بلوغ الغاية النهائية، وهو رفع العقوبات الأميركية كاملة عن السودان، بما في ذلك إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
وعن خطة بنك السودان، بعد رفع العقوبات، قال بابكر: «بعد صدور القرار الأميركي برفع الحظر عن السودان، وضع البنك المركزي خطة قصيرة المدى، وأخرى متوسطة المدى، بالاتفاق مع اتحاد المصارف السوداني. الخطة قصيرة المدى تهدف أولاً إلى تثبيت القرار الأميركي القاضي برفع العقوبات عن السودان، عن طريق توثيق علاقات المراسلين مع البنوك الخارجية، سواء أكانت للبنك المركزي أو البنوك التجارية العاملة في السودان».
وزاد أن «البنك المركزي أرسل خطابات مباشرة لمحافظي البنوك المركزية لدى كثير من الدول، شرحنا خلالها القرار الأميركي برفع العقوبات، وبينا أنه وفقاً لهذا القرار فإن التعامل مع البنوك السودانية أصبح متاحاً بعملة الدولار. وعليه، أفدناهم بأنه نتوقع أن كل بنوكهم التجارية العاملة يمكنها الآن التعامل مباشرة مع الجهاز المصرفي السوداني، بكل حرية وشفافية في مجال الصادر والوارد والتحويلات المالية بمختلف أنواعها». وقال: «اتفقنا مع البنوك التجارية، ونفذت الـ38 بنكاً اتفاقنا معها بأن كتب كل منها للمراسلين الخارجيين الذين كان يتعامل معهم قبل الحظر الاقتصادي، وجاءت ردود إيجابية بنسبة تفوق نسبة 90 في المائة من البنوك التي كانت تراسل البنوك السودانية، حيث وصلتنا منذ أن تم رفع الحظر بتاريخ 13 يناير (كانون الثاني) عام 2017. وحتى هذه اللحظة قابلت أكثر من 17 وفداً لمراسلين كانوا يتعاملون مع بنك السودان سابقاً في الخارج». وأضاف بابكر أن «الهدف الثاني هو التأكيد على أنهم يعملون مع السودان، حتى خلال الأشهر الستة قبل رفع الحظر النهائي في 12 يوليو. ووجدناهم متفهمين القرار بصورة واضحة جداً، بخصوص رفع الحظر عن التعاملات المالية والمصرفية». وتابع: «أما في ما يتعلق ببقية القرار المتصل برفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب الذي سرى منذ 1997، وجدنا أنهم أيضاً متفهمون أن السودان يعمل على المسارات الـ5 المتفق عليها بين الطرفين السوداني والأميركي، وأن الخرطوم أحرزت تقدماً إيجابياً يسمح بأن يتم رفع الحظر بصورة نهائية، وبعدها يتم إطلاق كل التعاملات الأخرى بحرية وشفافية». وقال إن «بعض الدول كان لدى بعض البنوك فيها لبس بالنسبة للقرار الأميركي، وإن قرار رفع الحظر على التعاملات المالية والمصرفية سيراجع خلال الأشهر الستة المقبلة، ولكننا وضحنا للكل أنه ليس هناك مراجعة لهذا القرار، باعتبار أن رفع الحظر عن التعاملات المالية والمصرفية مستمر، غير أن مسألة المراجعة تبقى محصورة في القرارات التي تتعلق برفع الحظر الكلي المتصل برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب».
وأردف: «بنك السودان يعمل على خطة مع البنوك التجارية تتبنى تهيئة البنوك السودانية، لأن تدخل في الاندماج في الجهاز المصرفي العالمي، وأكدنا كل الاشتراطات المطلوبة، بما في ذلك المعايير العالمية والقوانين المتعلقة بغسل الأموال أو تمويل الإرهاب أو النظام الضريبي».
وتابع: «تأكدنا من أن بنوكنا ملتزمة بها، وسنواصل في البنك المركزي التأكد من استمرارية الالتزام حتى تجد البنوك الأجنبية في حالة عودتها، واستئناف أعمالها مع الجهاز المصرفي السوداني، أن البنوك السودانية مهيئة، ولا يشوبها أي سبب من أسباب التحفظ في التعامل معها». وقال: «في الاتجاه الآخر، كونا وفوداً مشتركة للطواف، لاستهداف بعض البنوك التي كانت تتعامل مع الجهاز المصرفي في السودان قبل الحظر الأميركي، باعتبار أنها تمثل منفذاً أساسياً، حيث استهدفنا بعض البنوك واتحاد المصارف ومدراء المصارف والأجهزة المصرفية للتعامل مع بعض البنوك التي أبدت رغبتها في التعامل مع الجهاز المصرفي السوداني لتنشيط الحسابات معهم، كبداية لتثبيت قرار رفع العقوبات الجزئية عن السودان». وقال بابكر: «خلال الفترة الماضية، تمت بعض المعاملات عن طريق بنوك أوروبية وأميركية لمسائل تتعلق بالصادر والمستورد، وتمت بنجاح وبصورة طبيعية، ما يطمئننا ويطمئن البنوك الأخرى التي تريد التعامل معنا بأن الحظر حول التعامل المالي والمصرفي رفع نهائياً».



العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)

بين الجبال الشامخة وتاريخ الحضارات العريق، تستعد محافظة العلا لاستضافة النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» يومي الأحد والاثنين. هذا الحدث، الذي وُلد بوصفه شراكة استراتيجية بين وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي، والذي تحوّل بسرعة مذهلة إلى «جاكسون هول» خاص بالدول الناشئة، يأتي في وقت أثبتت فيه القوى الصاعدة «مرونة استثنائية» قلبت توقعات الأسواق العالمية.

وتحت شعار «رسم مسار عبر مشهد عالمي متغير»، يجمع المؤتمر نخبة من وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية وصنّاع القرار، لتنسيق السياسات، وبناء على ما تحقق في العام الماضي، ومتابعة جهود ترسيخ مكانة هذه الاقتصادات لتكون ركيزة للاستقرار العالمي.

ولا يقتصر زخم «العلا» على العمل المؤسسي، بل يتزامن مع «نهضة استثمارية» أعادت صياغة قواعد اللعبة؛ فبعد عقدين من العائدات المتواضعة، قفز مؤشر MSCI القياسي لأسهم الأسواق الناشئة بنسبة 34 في المائة في عام 2025، (وكان أفضل أداء له منذ عام 2017)، متفوقاً على الأسواق المتقدمة التي نمت بنسبة 21 في المائة. ومع بداية 2026، يبدو أن «ماراثون» الأسواق الناشئة قد انطلق بالفعل، مع ارتفاع المؤشر بنسبة تقارب 11 في المائة حتى الآن في يناير (كانون الثاني). كما ارتفعت قيمة الأسهم في المؤشر بأكثر من تريليون دولار هذا العام لتصل إلى 28 تريليون دولار، مقارنة بـ 21 تريليون دولار في بداية عام 2025، بدعم من تراجع الدولار وجاذبية التقييمات، مما يجعل هذه الأسواق الملاذ الأكثر استدامة للمستثمرين الباحثين عن النمو بعيداً عن تقلبات القوى الكبرى.

صورة جماعية للمشاركين في النسخة الأولى من المؤتمر (الشرق الأوسط)

سر الصمود

في محاولة لتفسير المرونة الاستثنائية التي طبعت الاقتصادات الناشئة، يشرح صندوق النقد الدولي أن صمود الأسواق الناشئة لم يكن محض صدفة، أو «ضربة حظ»، بل هو نتاج تطور جذري في «أطر السياسات». وبينما ساهمت الظروف الخارجية المواتية بنحو 0.5 نقطة مئوية في دعم النمو، إلا أن التحسن في السياسات الوطنية منح هذه الدول 0.5 نقطة مئوية إضافية من النمو، ونجح في خفض التضخم بنسبة 0.6 نقطة مئوية مقارنة بالأزمات السابقة، من تقرير الصندوق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

هذا التحول يعكس «نضجاً نقدياً» يتمثل في قدرة هذه الدول على استباق الضغوط التضخمية عالمياً؛ وبناء «مصدات استقرار» ذاتية مكنتها من حماية عملاتها المحلية، وإعادة هيكلة ديونها لتقليل الارتهان للعملات الأجنبية، مما ضمن استمرار الإنتاجية حتى في ظل ارتفاع الفائدة العالمية.

وزير المالية السعودي يلقي كلمة في افتتاح النسخة الأولى من مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

«صوت» في واشنطن

يكتسب توقيت المؤتمر أهمية مضاعفة كونه يسبق اجتماعات الربيع في واشنطن في أبريل (نيسان) المقبل؛ مما يجعل من العلا «مختبراً» لصياغة رؤية موحدة تضمن تحول هذه الاقتصادات من «متلقٍ» للسياسات إلى «شريك» في صياغتها. والهدف هو بلورة موقف جماعي يوازن بين طموحات النمو والواقع المالي المعقد الذي تفرضه المديونية العالمية.

وفي هذا السياق، أكد وزير المالية محمد الجدعان أن استقرار هذه الأسواق مصلحة وجودية للدول المتقدمة أيضاً، وهو ما دعمته المديرة العامة للصندوق، كريستالينا غورغييفا، بضرورة تحويل رسائل المؤتمر إلى خطوات إجرائية تخدم تطلعات الدول الناشئة قبل طرح ملفاتها الكبرى في المحافل الدولية.

غورغييفا تلقي كلمة في افتتاح مؤتمر العلا العام الماضي (الشرق الأوسط)

وعلى صعيد هيكلية النقاشات، يشهد المؤتمر أجندة حافلة تتصدرها جلسة «تداعيات حالة عدم اليقين العالمية على الأنظمة النقدية والمالية»، بالتوازي مع مناقشة ورقة حول «السياسة النقدية في ظل التحولات الهيكلية». ويهدف هذا المسار النقاشي إلى تفكيك التحديات التي تواجه البنوك المركزية للموازنة بين مكافحة التضخم وتحفيز النمو.

في نهاية المطاف، يبدو المشهد العالمي اليوم في ذروة مثاليته للرهان على القوى الصاعدة. ومع توقعات صندوق النقد بتفوق نمو الأسواق الناشئة على الاقتصادات الغنية بنسبة 2.4 نقطة مئوية في 2026، تبدو الأمور متوازنة لتشجيع رؤوس الأموال على التوجه نحو أماكن تنمو بوتيرة أسرع. وبينما قد تدفع سياسات الإدارة الأميركية الحالية المستثمرين للبحث عن بدائل، تظل الحقيقة الأبرز أن ما نشهده ليس مجرد طفرة، بل هو إعلان عن نضج هذه الاقتصادات، وقدرتها على قيادة الدفة، لتظل الأسواق الناشئة صمام أمان للاقتصاد العالمي بأسره. فإذا كانت «جاكسون هول» هي بوصلة الماضي الغربي، فإن «عُلا السعودية» هي اليوم المختبر الحقيقي الذي يصنع مستقبل الجنوب العالمي.


«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
TT

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

في لحظة وصفت بالتاريخية في مسيرة الأسواق المالية، نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة، في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه، منهياً أسبوعاً من التقلبات الحادة بانتصار كاسح للثيران (المشترين) على الدببة (البائعين). ولم يكن هذا الارتفاع مجرد طفرة رقمية؛ بل جاء تتويجاً لعودة الثقة في قطاع التكنولوجيا والرهان المستمر على ثورة الذكاء الاصطناعي.

ما الذي دفع «وول ستريت» لهذا الانفجار السعري؟

لم يكن وصول «داو جونز» إلى هذا الرقم القياسي وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة تضافر قوى شرائية هائلة أعادت الحياة إلى قطاع التكنولوجيا. فبعد أسبوع من النزيف السعري، ارتد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2 في المائة، مسجلاً أفضل أداء يومي له منذ مايو (أيار) الماضي.

والسؤال الذي يطرحه المستثمرون الآن: من قاد هذا «الرالي»؟ الإجابة تكمن في قطاع أشباه الموصلات، حيث قفز سهم «إنفيديا» بنسبة 7.8 في المائة، وتبعه سهم «برودكوم» بارتفاع 7.1 في المائة، مما أدى إلى محو مخاوف التراجع التي سادت مطلع الأسبوع.

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي وأرقام التداول الأخرى بعد إغلاق بورصة نيويورك (رويترز)

هل رهان «أمازون» بـ200 مليار دولار هو السر؟

أحد المحركات الرئيسية لهذا الصعود كان الإعلان الصادم من شركة «أمازون»، التي أكدت نيتها استثمار مبلغ ضخم يصل إلى 200 مليار دولار خلال هذا العام. هذا الاستثمار لا يستهدف التجارة الإلكترونية التقليدية؛ بل يركز على «الفرص الجوهرية»؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والروبوتات، والأقمار الاصطناعية.

هذا التوجه طرح تساؤلاً جوهرياً في الصالونات الاقتصادية: هل نحن أمام فقاعة تكنولوجية جديدة؟ أم إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد العالمي؟

وأكد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، على شبكة «سي إن بي سي» الإخبارية المالية، أن الطلب على الذكاء الاصطناعي لا يزال «مرتفعاً للغاية»، وأن مستوى الإنفاق مناسب ومستدام. وارتفعت أسهم «إنفيديا»، أكبر شركة مدرجة في البورصة بالعالم بقيمة سوقية تبلغ 4.5 تريليون دولار، بنسبة 7.9 في المائة يوم الجمعة.

هدوء في جبهة البتكوين والمعادن الثمينة

ولم يكن المشهد بعيداً عن سوق الأصول المشفرة؛ فبعد أسابيع من الهبوط الحر الذي أفقد البتكوين أكثر من نصف قيمتها منذ ذروة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استطاعت العملة الرقمية الأشهر التماسك مجدداً؛ فبعد أن اقتربت من كسر حاجز 60 ألف دولار نزولاً يوم الخميس، استعادت توازنها لتقفز فوق مستوى 70 ألف دولار، مما أعطى إشارة إلى المستثمرين بأن موجة الذعر قد بدأت في الانحسار.

وفي السياق ذاته، خفتت حدة التقلبات في أسواق المعادن؛ حيث استقر الذهب عند مستوى 4979.80 دولار للأونصة بعد ارتفاع بنسبة 1.8 في المائة، في حين سجلت الفضة استقراراً نسبياً، مما يعكس تحولاً في شهية المخاطرة لدى المتداولين من الملاذات الآمنة إلى أسهم النمو.

ترمب يبارك

وكعادته في رصد أداء الأسواق، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب للاحتفاء بهذا المنجز الاقتصادي، حيث نشر عبر منصته «تروث سوشيال» مهنئاً الشعب الأميركي بهذا الرقم القياسي، وحاول اعتبار هذا الصعود دليلاً على نجاح التعريفات الجمركية الأميركية - سياسته الاقتصادية المحورية - التي بلغت أعلى مستوياتها الفعلية منذ عام 1935 خلال فترة رئاسته.

وكتب ترمب: «شكراً لك يا سيد الرسوم!». وادعى قائلاً: «أمننا القومي وأمننا المالي لم يكونا أقوى مما هما عليه الآن!»، وهو ما يراه مراقبون تعزيزاً للسردية السياسية التي تربط قوة السوق بالأداء الإداري.


رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش». وأضافت أن الشركات تتسم إلى حد كبير بتفاؤل حذر، في حين أن الأسر أقل ثقة؛ نظراً لأن الشركات التي تتردد حتى الآن في إجراء تسريحات جماعية قد تغيّر استراتيجيتها بسرعة.

وقالت دالي في منشور على «لينكد إن»: «لقد شهدنا بيئة عمل تتسم بانخفاض التوظيف وزيادة التسريح لفترة من الوقت. قد يستمر هذا الوضع، لكن العمال يدركون أن الأمور قد تتغير بسرعة، مما قد يُعرّضهم لسوق عمل تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع معدلات التسريح». وأضافت: «مع تجاوز التضخم هدف لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية البالغ 2 في المائة، يبدو الوضع غير مستقر، وهذا واقع ملموس»، وفق «رويترز».

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي على تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل دون تغيير، مشيراً إلى ارتفاع التضخم واستقرار سوق العمل. وصرح رئيس المجلس، جيروم باول، بأن البنك المركزي «في وضع جيد للاستجابة، مستفيداً من البيانات المتاحة».

ومنذ ذلك الحين، أشار بعض صنّاع السياسات إلى ميلهم نحو اتجاه معين؛ فقد صرحت ليزا كوك، محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يوم الأربعاء، بأن المخاطر «تميل نحو ارتفاع التضخم»، في حين أكدت ميشيل بومان، نائبة رئيس المجلس لشؤون الإشراف، بعد التصويت مع كوك بنتيجة 10-2 للإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، أنها لا تعتبر أن «مخاطر تراجع فرص العمل ضمن نطاق ولايتنا قد تضاءلت».

وتشير معظم التقديرات، بما فيها تقديرات صنّاع السياسات في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن التضخم الأساسي في نهاية العام الماضي بلغ نحو 3 في المائة، متجاوزاً هدف المجلس البالغ 2 في المائة. وقد أكّدت بيانات سوق العمل استمرار حالة الركود الجزئي التي تتسم بانخفاض معدلات التوظيف وزيادة التسريح.

ومن المتوقع أن يصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير الوظائف الشهري يوم الأربعاء المقبل، بعد تأخره بسبب إغلاق الحكومة نتيجة الخلاف المستمر بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل قوانين الهجرة. ويتوقع الاقتصاديون أن يُظهر التقرير استقرار معدل البطالة في يناير (كانون الثاني) عند 4.4 في المائة.

مع ذلك، أثار انخفاض فرص العمل المتاحة في ديسمبر (كانون الأول) إلى أدنى مستوى لها منذ خمس سنوات، وارتفاع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية الجديدة، التي أعلنتها وزارة العمل الأميركية يوم الخميس، قلق بعض المحللين من احتمال اختلال التوازن لصالح ضعف سوق العمل.

وكتب المحلل توماس رايان من «كابيتال إيكونوميكس»: «قد يثير الانخفاض المفاجئ والكبير في فرص العمل المتاحة قلق مسؤولي (الاحتياطي الفيدرالي)، ويشير إلى أنهم تسرعوا في حذف بنود من بيان السياسة النقدية الصادر الشهر الماضي، والتي كانت تؤكد ارتفاع مخاطر تراجع سوق العمل». ومع ذلك، ومع استمرار ارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض التسريحات، لا يمكن استنتاج مزيد من التراجع في سوق العمل بنهاية العام الماضي بشكل قاطع.

أما بالنسبة لدالي، فتبدو الاستراتيجية المثلى هي التريث والانتظار.

وقالت: «علينا مراقبة جانبَي مهمتنا»، مشيرة إلى هدفَي «الاحتياطي الفيدرالي» المتمثلين في تحقيق أقصى قدر من التوظيف مع الحفاظ على التضخم عند مستوى منخفض. وأضافت: «يستحق الأميركيون استقرار الأسعار وتحقيق التوظيف الكامل، ولا يمكن اعتبار أي منهما أمراً مفروغاً منه».