همزات الوصل بين «داعش» والجماعات المسلحة في ليبيا

بعضها شخصيات مذهبية «خالصة».. وأخرى تعمل لصالح جهات خارجية

متظاهرون يحتجون في مسيرات على تواجد الميليشيات المسلحة في شوراع العاصمة طرابلس (أ.ف.ب)
متظاهرون يحتجون في مسيرات على تواجد الميليشيات المسلحة في شوراع العاصمة طرابلس (أ.ف.ب)
TT

همزات الوصل بين «داعش» والجماعات المسلحة في ليبيا

متظاهرون يحتجون في مسيرات على تواجد الميليشيات المسلحة في شوراع العاصمة طرابلس (أ.ف.ب)
متظاهرون يحتجون في مسيرات على تواجد الميليشيات المسلحة في شوراع العاصمة طرابلس (أ.ف.ب)

بينما تنجرف ليبيا سريعا نحو مزيد من الفوضى، وبخاصة في مناطق غرب البلاد، تنتشر خلايا تنظيم داعش في الكثير من البلدات والمدن الليبية، جنبا إلى جنب الكثير من الجماعات المسلحة، بطريقة مثيرة للاستغراب، بما في ذلك محاولات التنظيم للعودة إلى سرت التي جرى الإعلان عن طرد «داعش» منها في أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وبما في ذلك أيضا مشاركة عناصر داعشية في الهجوم على الموانئ النفطية قبل أسبوعين، ضمن خليط من ميليشيات جهوية ومذهبية مختلفة. وتلعب شخصيات مما يطلق عليها «شخصيات الصف الأول في (داعش)»، داخل ليبيا دورا كبيرا في التنسيق مع جماعات مسلحة أخرى تنتشر في عموم ليبيا، معظمها من الموالين للجماعة المقاتلة، ولجماعة الإخوان. ويجري خلال اللقاءات السريعة التي تجرى بعيدا عن الأضواء، تبادل المبررات الفقهية للتعاون والعمل المشترك؛ استنادا إلى مقولات تعود إلى القطب الإخواني سيد قطب، وإلى مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا، وإلى قيادات أخرى تتبنى التفسير المتشدد للدين.
بحلول منتصف هذا الشهر، تمكن عدد من قيادات «دواعش ليبيا» من العودة إلى مدينة سرت، بعد أن جرى «طبخة فقهية» جعلت بعض الميليشيات الموالية لأحد متصدري الفتوى السابقين في ليبيا وهو (خليط إخواني - قاعدي)، تتقبل تفسيرات وفتاوى تصب في صالح التعاون مع «داعش».
ووفقا لتحقيقات تجريها المخابرات الليبية مع موقوفين من «داعش»، في كل من مصراتة وطرابلس، فقد رجع إلى سرت مجددا قادة من التنظيم لاستطلاع الأوضاع؛ تمهيدا للتمركز في المدينة مرة أخرى. ومن هؤلاء القادة «أبو إسحاق»، صومالي الجنسية، و«أبو المهاجر» ليبي الجنسية، و«أبو عبد الله» مصري الجنسية، وأشهر من كان يرفع شعار «جئناكم بالذبح»، انطلاقا من سرت، و«أبو حيدرة» تونسي الجنسية، وغيرهم.
حين توجهت هذه القيادات الداعشية إلى سرت، ومعها بعض العناصر المسلحة، لم تأخذ الإذن من الموالين للقوات المحسوبة على «دار الإفتاء»... ورغم التفاهم بين الطرفين، إلا أن مجموعة «دار الإفتاء» رأت في التحرك المنفرد للدواعش، إهانة، وتدخلت لمنعهم من الوصول إلى هناك، لكن الدواعش ردوا بعنف، وأطلقوا قذائف الـ«آر بي جيه» على السيارات الخمس التي وصلت لتوقيفهم على حدود سرت.
يقول مصدر أمني: «لم يكن أحد يتخيل حدوث مواجهة بينهما، فهما كانا حتى يومين سابقين يحاربان معا الجيش الوطني في الموانئ النفطية؛ ولهذا سارع خصوم حفتر باتهام الجيش بأنه هو من هاجم ميليشيات (دار الإفتاء) قرب سرت، بينما رد موالون لحفتر بأن الاشتباكات كانت بين بقايا قوات (البنيان المرصوص) المتمركزة في سرت والدواعش». ويضيف: «على كل حال جرى معالجة الموقف سريعا، بعد أن قتل (داعش) ثلاثة من المحسوبين على قوات دار الإفتاء. وبعد مفاوضات تم السماح للقيادات الداعشية باستكمال مهمتها الاستطلاعية داخل سرت».
ومن بين الدواعش الذين يجري التحقيق معهم لدى إدارة الاستخبارات العسكرية في مدينة مصراتة، تونسي يدعى زهير. وتمتلك مصراتة، الواقعة قرب العاصمة في غرب ليبيا، كتائب وميليشيات ومخابرات تعمل بمعزل عن السلطات الشرعية المتمثلة في البرلمان الذي يعقد جلساته في طبرق، في شرق البلاد، وهو البرلمان المنبثق عنه كل من الحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني، والجيش بقيادة حفتر.
وتنتشر كتائب وميليشيات محسوبة على مصراتة في طرابلس وفي سبها جنوبا. كما أن الغالبية العظمى من عناصر «قوات البنيان المرصوص» التي أشرف عليها المجلس الرئاسي المدعوم دوليا، كانت من مصراتة. وأدت إصابة آمر الاستخبارات العسكرية في مصراتة، العميد إبراهيم بيت المال، في قصف على منطقة الجفرة قبل شهرين، إلى ارتباك ملحوظ في العمل الخاص بملاحقة «داعش». ويعالج بيت المال حاليا في ألمانيا، بعد أن تمكن طوال العامين الماضيين من كشف ألغاز التنظيمات المتطرفة وعلاقاتها مع جهات خارجية، ومنها «داعش» و«المقاتلة» و«الإخوان».
وتواصل عناصر استخباراتية في مصراتة التحقيق مع قيادات داعشية من تلك التي جرى القبض عليها في فترة عمل العميد «بيت المال» وما بعدها أيضا. ومن هؤلاء التونسي زهير الذي جرى اعتقاله مطلع هذا الشهر أثناء مهمة لـ«داعش» على مشارف بلدة بني وليد الواقعة على بعد 180 كيلومترا جنوب شرقي طرابلس. واعترف زهير للمحققين بأنه كان في السابق من عناصر وحدة العمليات الخاصة التابعة للجماعة الليبية المقاتلة. وأنه انتقل بتوجيهات من «الجماعة» للاشتراك في الحرب على رئيس النظام السوري بشار الأسد.
واستمر في سوريا حتى مطلع عام 2012، حيث صدرت له تعليمات من الجماعة المقاتلة بالعودة إلى ليبيا، التي دخلها من مطار في بنغازي، وهو المطار الذي كان في ذلك الوقت يخضع لهيمنة كل من الجماعة المقاتلة وجماعة الإخوان.
وتضيف اعترافات الداعشي التونسي، أنه بعد محطة بنغازي، انتقل بناء على رغبة الجماعة المقاتلة، إلى العاصمة، حيث انخرط ضمن ما يعرف بـ«كتيبة ثوار طرابلس». واستمر هناك إلى أن أعلن تنظيم داعش تأسيس أول مركز له في شمال أفريقيا حين احتل مدينة سرت في عام 2015. وبحسب اعترافات زهير للمحققين، فقد انتقل إلى سرت للعمل مع «داعش»، بينما ظلت علاقته مستمرة مع اثنين من كبار القيادات الرئيسية في «الجماعة المقاتلة» بطرابلس، وتلقى منهما مساعدات مالية لكي يستقر مع «داعش» في سرت، بلغ قدرها 200 ألف دولار جرى توصيلها إليه عن طريق صومالي يدعى «الأتربي».
وظل «الأتربي» همزة وصل بين القياديين في الجماعة المقاتلة وزهير لشهور عدة، بما فيها الفترة التي كانت فيها «قوات البنيان المرصوص» تشن الحرب على التنظيم في سرت. وتضمنت اعترافات زهير الهدف من وجوده في سرت وتلقيه الأموال من قادة في «الجماعة المقاتلة»، حيث قال، وفقا للتحقيقات التي أمكن الاطلاع على جانب منها، أنه كان يدير مجموعة داعشية في سرت تعمل وفقا لتعليمات من قادة في «الجماعة المقاتلة» في طرابلس، وأن هذه الأموال كانت مخصصات لهم.
وتابع زهير في اعترافاته، إن مجموعته «كانت تزود قادة في (المقاتلة) بمعلومات عن مبعوثين أجانب يدخلون إلى سرت ويلتقون بزعماء تنظيم داعش، وعن زوارق تصل بمقاتلين وأسلحة من البحر إلى سرت، وغيرها من التفاصيل داخل المدينة»، وأضاف أنه سلم لقادة في «الجماعة المقاتلة» تسجيلات ومقاطع مصورة ووثائق ورقية عن أنشطة التنظيم.
وقال زهير أيضا، بحسب اعترافاته، إنه صدرت إليه تعليمات بعد ذلك بالسفر إلى إحدى الدول بمنطقة الشرق الأوسط رفقة القيادي المشار إليه في «الجماعة المقاتلة»، والتقيا معا أطرافا في تلك الدولة، وجرى التحدث عن الوثائق التي سبق وأرسلها عن «داعش» في سرت، والثناء على دوره. وتابع زهير، أنه بعد تلك الزيارة التي أعقبت خروج تنظيم داعش من سرت، كلفه القيادي في «الجماعة المقاتلة» بالالتحاق مع باقي عناصر «داعش» التي أخذت تنشط حينذاك داخل مدينة مصراتة.
ووفقا لمحقق كان يشرف على استجواب زهير، فإن هذا التونسي يؤمن بأن ما كان يقوم به داخل «داعش» هو خدمة للتنظيم وليس خيانة له كما يعتقد البعض، حيث يزعم أن المعلومات التي قدمها عن تحركات التنظيم ساعدت في إنقاذ مقاتليه من الهلاك طوال ثمانية شهور من حرب «قوات البنيان المرصوص» على «داعش» في سرت. وأشار المحقق إلى أن زهير عمل داخل مجموعتين داعشيتين أخريين تنشطان على الحدود الليبية التونسية، وأشرف على إدخال مجاميع متطرفة من تونس إلى بلدات ليبية مجاورة للحدود منها صبراتة وزوارة.
ويبدو من استجواب زهير أنه معروف بشكل جيد للكثير من التنظيمات المتطرفة على الحدود الليبية التونسية منذ مطلع العام الماضي، ومنها تنظيم «جند الحق» على الجانب الليبي من الحدود، الذي يعرف كذلك باسم تنظيم «جند الخلافة» على الجانب التونسي من الحدود. ويقول المحققون إن «زهير تردد أيضا على قيادات من (داعش) ومن (الجماعة المقاتلة) من بلدة صبراتة في شهر يوليو (تموز) الماضي، حيث جمعهم لقاء مثير للاستغراب في منطقة (استراحة المصيف) قرب (غوط الشعال) غرب طرابلس».
وبحسب اعترافات زهير، فقد كان معه تسعة مقاتلين دواعش، قادمون معه من تونس، وتناول وجبة الغداء مع قيادات من الجماعة المقاتلة من منطقة غوط الشعال، بينهم أستاذ في المعهد الديني للطلائع الموجود بالمنطقة، ومن دواعش صبراتة أيضا، إضافة إلى شخصيات موالية لـ«قوات دار الإفتاء».
وقال زهير: إنه وقعت خلافات بين هؤلاء، عقب الغداء، بشأن الوجهة التي ينبغي عليه أن يسلكها مع المقاتلين القادمين معه من تونس... «كان يفترض تسليم من معي لـ(قوات دار الإفتاء)، قرب مصراتة، لكن زعيم في (الجماعة المقاتلة) طلب أن نواصل طريقنا إليه، حيث كان ينتظرنا داخل طرابلس... وتسلم جميع العناصر التونسية، وتبين أنه كان هناك اتفاق مسبق على هذا بين قادة كبار من (الإفتاء) و(المقاتلة)».
وجرى اعتقال زهير يوم السادس من الشهر الحالي، أثناء عودته ليلا من مهمة مع زعيم داعشي من مالي يدعى الأنصاري. وجاء في اعترافات التونسي، أن القيادي في الجماعة المقاتلة المشار إليه هو الذي عرفه بالأنصاري، حيث قابل هذا الأخير في مقر لشركة تتبع الدولة التي سبق وسافر إليها مع قيادي «المقاتلة» نفسه. ويقع مقر الشركة على الحدود الليبية التشادية. ومن هناك تم الاتفاق على أن يتولى زهير نقل العناصر الماليّة التابعة للأنصاري، إلى كل من مدينة سبها في الجنوب الليبي، ومدينة بني وليد شمالا. وقال زهير إن «قيادي (المقاتلة) هو من سدد أموال العملية».
وبحسب التحقيقات، فقد ترك كل من الأنصاري وزهير، نصيبا من المقاتلين الذين يقدر عددهم بالعشرات، في سبها، ثم توجها معا شمالا، عبر الصحراء، إلى مدينة بني وليد. واصطدم الرجلان بقوات من «البنيان المرصوص» على مشارف المدينة؛ ما تسبب في هرب الأنصاري بمجموعته في اتجاه بني وليد، والقبض على زهير.
ومن المعروف أن بني وليد التي تسكنها قبيلة «ورفلة» على خصومة كبيرة مع مصراتة التي ينتمي إليها غالبية مقاتلي «البنيان المرصوص». ويقول المحقق: «لم نتمكن من ملاحقة باقي قوات الأنصاري... لقد اختفت في بني وليد، وهذا أمر يصعب التعامل معه في الوقت الراهن بسبب الحساسية القبلية بين ورفلة ومصراتة».
ومن بين همزات الوصل الأخرى التي ظهر لها دور في الربط بين «داعش» وعدد من الجماعات المسلحة في ليبيا، رجل ليبي يعد من ذوي الحيثيات الكبيرة في أوساط المسلحين في كل من مصراتة وطرابلس والجفرة وسبها. وتقول تحقيقات الاستخبارات العسكرية الليبية إنه استقبل في الجفرة عشرات من مقاتلي تنظيم «بوكو حرام» الموالي لـ«داعش»، بقيادة النيجيري غيال، الذي ينشط في شمال النيجر. وشارك الرجل الليبي نفسه في قيادة الميليشيات المتطرفة التي شنت الحرب الأخيرة على قوات الجيش في الموانئ النفطية.
وتتمركز مجموعة من «بوكو حرام» في الوقت الراهن في سبها، بالتنسيق مع الليبي المشار إليه، رغم أن غيال كان من القيادات التي تحارب «قوات البنيان المرصوص» في سرت. وتقول التحقيقات إن «غيال، الذي يتردد على ليبيا منذ عام 2011 انضم إلى قادة من الجماعة الليبية المقاتلة ومن (الإخوان)، عقب نجاته من غارة جوية استهدفت اجتماعا كان يشارك فيه مع الجزائري مختار بلمختار، أحد قيادات تنظيم القاعدة في شمال أفريقيا»، مشيرة إلى أن الداعشي النيجيري سبق واشترك كذلك في صفوف موالين لجماعة الإخوان و«الجماعة المقاتلة» وهم يحاربون ضد الجيش الليبي في درنة وبنغازي.
همزة وصل أخرى تربط بين «داعش» وبعض الجماعات المسلحة في ليبيا، من خلال قيادي موجود داخل تنظيم يسمى «الفاروق». وتدخل هذا القيادي للإفراج عن سبعة مصريين من دواعش سيناء، في منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، بعد أن فروا من مدينة إجدابيا الواقعة غرب بنغازي، أمام ضربات الجيش الليبي. وشاركت عناصر من تنظيم «الفاروق»، مع قوات تابعة لـ«المقاتلة» ولـ«الإخوان»، في تدريبات عسكرية داخل مدينة تاورغاء المهجورة والمجاورة لمدينة مصراتة، قبل أن يلتحقوا بباقي قوات المسلحين في مركز تجميع القوات المناوئة لحفتر في قاعدة الجفرة.
ويعد قيادي آخر فيما يعرف بـ«الحرس الوطني» من همزات الوصل المهمة بين «داعش» والكثير من المجاميع المسلحة. كان هذا القيادي يعمل مع زعيمي «داعش» في ليبيا: «أبو الليث»، ليبي الجنسية، و«أبو طلحة» لبناني الجنسية. وتقول تحقيقات المخابرات الليبية إن «القيادي في (الحرس الوطني) شارك في مد (داعش) في سرت بالأسلحة خلال الحرب بين التنظيم و(قوات البنيان المرصوص)، رغم أنه دخل إلى سرت تحت راية (البنيان المرصوص)، وأن الاستخبارات العسكرية في مصراتة كشفت تواطؤه مع (داعش) وأوصت بسحبه من سرت حينذاك لهذا السبب. وجرى ترشيح هذا الرجل ليكون قياديا في (الحرس الوطني) في حكومة الإنقاذ، قبل شهر، بتوصية من مجاميع مسلحة موالية لكل من (دار الإفتاء) و(الجماعة المقاتلة) و(الإخوان)».
همزة وصل أخرى لا تقل أهمية عن كل ما سبق، وهي عبارة عن غرفة عمليات خاصة جرى تأسيسها قرب الحدود الليبية التونسية مع الجزائر، ناحية بلدة غدامس، وتم تكليف تونسي من منطقة بن قردان، يدعى «أبو مصعب»، بإدارتها. والهدف من الغرفة بحسب المصادر الأمنية، تسهيل عملية جمع المسلحين من «داعش» ومن التنظيمات الأخرى، بما فيها تلك الموالية لـ«القاعدة» و«الإخوان»، وإخضاعهم للتدريب قبل إعادتهم إلى بلدانهم مرة أخرى عبر الحدود الصحراوية الشاسعة.
ومن بين الشخصيات النشطة في غرفة العمليات هذه رجل يلقب بـ«الشيشاني»، وله علاقات واسعة في تلك المنطقة مع تجار مخدرات ومهربين، وبخاصة في الدروب الصحراوية بين ليبيا والجزائر، ومنها درب البرمة، ودرب تيمارولين. وبالإضافة إلى من وصل إليها من العشرات من المتطرفين التونسيين والجزائريين ومن «بوكو حرام»، استقبلت الغرفة أكثر من 200 مقاتل ممن فروا من العراق وسوريا في الشهور القليلة الماضية.



«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».


ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)

عندما وصف رجل ألماني في شريط على «يوتيوب» سوسن شبلي، السياسية الألمانية الشابة من أصل فلسطيني، والتي تنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي، بأنها: «دمية متحدثة باسم الإسلاميين»، ظنت أن محكمة ألمانية سترد لها حقها بعد «الإهانة» التي تعرضت لها، ولكنها فوجئت عندما حكمت المحكمة بأن هذه الصفة وغيرها من التي ألصقها بها الرجل، هي «ضمن حرية التعبير التي يصونها القانون الألماني»، وليست إهانة ولا تحريضاً على الكراهية.

في الواقع، لم تكن تلك المرة الأولى التي تتعرض لها شبلي لتوصيفات عنصرية كهذه. فهي وغيرها من السياسيين المسلمين القلائل في ألمانيا، والسياسي الأسود الوحيد كرامبا ديابي، معتادون على سماع كثير من الإهانات، بسبب ديانتهم ولونهم فقط؛ حتى أنهم يتلقون تهديدات عبر البريد الإلكتروني والاتصالات، تصل أحياناً لحد التهديد بالقتل.
ورغم أن هذه التهديدات التي يتعرض لها السياسيون المسلمون في ألمانيا تجلب لهم التضامن من بقية السياسيين الألمان، فإن أكثر من ذلك لا يُحدث الكثير.
في ألمانيا، تصنف السلطات ما يزيد على 12 ألف شخص على أنهم من اليمين المتطرف، ألف منهم عنيفون، وهناك خطر من أن ينفذوا اعتداءات داخل البلاد.
يشكل اليمينيون المتطرفون شبكات سرية، ويتواصلون عادة عبر الإنترنت، ويتبادلون الأحاديث داخل غرف الـ«تشات» الموجودة داخل الألعاب الإلكترونية، تفادياً للمراقبة.
وفي السنوات الماضية، ازداد عنف اليمين المتطرف في ألمانيا، وازداد معه عدد الجرائم التي يتهم أفراد متطرفون بارتكابها. وبحسب الاستخبارات الألمانية الداخلية، فإن اعتداءات اليمين المتطرف زادت خمسة أضعاف منذ عام 2012.
وفي دراسة لمعهد «البحث حول التطرف» في جامعة أوسلو، فإن ألمانيا على رأس لائحة الدول الأوروبية التي تشهد جرائم من اليمين المتطرف، وتتقدم على الدول الأخرى بفارق كبير جداً. فقد سجل المعهد حوالي 70 جريمة في هذا الإطار بين عامي 2016 و2018، بينما كانت اليونان الدولة الثانية بعدد جرائم يزيد بقليل عن العشرين في الفترة نفسها.
في الصيف الماضي، شكل اغتيال سياسي ألماني يدعى فالتر لوبكه، في حديقة منزله برصاصة أطلقت على رأسه من الخلف، صدمة في ألمانيا. كانت الصدمة مضاعفة عندما تبين أن القاتل هو يميني متطرف استهدف لوبكه بسبب سياسته المؤيدة للاجئين. وتحدث كثيرون حينها عن «صرخة يقظة» لأخذ خطر اليمين المتطرف بجدية. ودفن لوبكه ولم يحدث الكثير بعد ذلك.
فيما بعد اغتياله بأشهر، اعتقل رجل يميني متطرف في ولاية هسن، الولاية نفسها التي اغتيل فيها السياسي، بعد أن قتل شخصين وهو يحاول الدخول إلى معبد لليهود، أثناء وجود المصلين في الداخل بهدف ارتكاب مجزرة. أحدثت تلك المحاولة صرخة كبيرة من الجالية اليهودية، وعادت أصوات السياسيين لتعلو: «لن نسمح بحدوثها مطلقاً مرة أخرى»، في إشارة إلى ما تعرض له اليهود في ألمانيا أيام النازية. ولكن لم يحدث الكثير بعد ذلك.
وقبل بضعة أيام، وقعت مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة في مدينة هاناو في الولاية نفسها، استهدفا من قبل يميني متطرف لأن من يرتادهما من المسلمين. أراد الرجل أن يقتل مسلمين بحسب رسالة وشريط فيديو خلَّفه وراءه بعد أن قتل 9 أشخاص، ثم توجه إلى منزله ليقتل والدته، ثم نفسه. أسوأ من ذلك، تبين أن الرجل كان يحمل سلاحاً مرخصاً، وينتمي لنادي الرماية المحلي.
بات واضحاً بعد استهداف هاناو، أن السلطات الألمانية لم تولِ اليمين المتطرف اهتماماً كافياً، وأنها لا تقدر حقيقة خطره على المجتمع، رغم أنها كشفت قبل أيام من جريمة هاناو عن شبكة يمينية متطرفة، كانت تعد لاعتداءات على مساجد في أنحاء البلاد، أسوة بما حصل في كرايستشيرش في نيوزيلندا.
وجاء الرد على اعتداء هاناو بتشديد منح رخص السلاح، وبات ضرورياً البحث في خلفية من يطلب ترخيصاً، على أن يرفض طلبه في حال ثبت أنه ينتمي لأي مجموعة متطرفة، ويمكن سحب الترخيص لاحقاً في حال ظهرت معلومات جديدة لم تكن متوفرة عند منحه. كما يبحث وزراء داخلية الولايات الألمانية تأمين حماية للمساجد وللتجمعات الدينية للمسلمين واليهود.
ولكن كل هذه الإجراءات يعتقد البعض أنها لا تعالج المشكلة الأساسية التي تدفع باليمين المتطرف لارتكاب أعمال عنف. وفي كل مرة تشهد ألمانيا اعتداءات، يوجه سياسيون من اليسار الاتهامات لحزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، بالمسؤولية عنها بشكل غير مباشر. ويواجه الحزب الذي دخل البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى عام 2018، وبات أكبر كتلة معارضة، اتهامات بأنه «يطبِّع سياسة الكراهية»، وبأنه يحرض على العنف ضد اللاجئين والمهاجرين، من خلال ترويجه لخطاب الكراهية. وحتى أن البعض ذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى حظر الحزب للتصدي للعنف المتزايد لليمين المتطرف.
والواقع أن مشكلة اليمين المتطرف تزداد منذ أن دخل «البديل لألمانيا» إلى «البوندستاغ». فهو - كما حملته الانتخابية - يركز خطابه على مواجهة سياسة اللاجئين التي اعتمدتها حكومة المستشارة أنجيلا ميركل. وكثير من الأسئلة التي يتقدم بها نوابه في البرلمان تهدف لإثبات خطأ هذه السياسة، وعدم قدرة اللاجئين على الاندماج. ورغم أن نوابه في البرلمان يحرصون على عدم تخطي القانون في خطاباتهم، فإن كثيراً من السياسيين المنتمين لهذا الحزب؛ خصوصاً في الولايات الشرقية، لا يترددون في الحديث بلغة لا يمكن تمييزها عن لغة النازيين. أبرز هؤلاء السياسيين بيورغ هوكيه الذي لم يستطع أعضاء في حزبه تمييز ما إذا كانت جمل قرأها صحافي لهم، هي مقتطفات من كتاب «كفاحي» لهتلر، أم أنها أقوال لهوكيه.
كل هذا خلق أجواء سلبية ضد المسلمين في ألمانيا، وحوَّل كثيرين من الذين ولدوا لأبوين مهاجرين إلى غرباء في بلدهم. في هاناو، يقول كثيرون من الذين فقدوا أصدقاءهم في المجزرة، بأنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان، ولا بأنهم جزء مقبول من المجتمع. وبعضهم يرى أنه ما دام حزب «البديل لألمانيا» مقبولاً بين الأحزاب الأخرى، فإن خطاب الكراهية سيستمر، والجرائم كالتي حصلت في هاناو ستتكرر.
ما يزيد من هذه المخاوف ومن الشبهات، أن السلطات الألمانية لم تأخذ خطر اليمين المتطرف على محمل الجد طوال السنوات الماضية. وهناك فضائح متتالية داخل المؤسسات الأمنية تظهر أنها مليئة بمؤيدين أو متعاطفين مع اليمين المتطرف؛ خصوصاً داخل الشرطة والجيش. ويواجه رئيس المخابرات الداخلية السابق هانس يورغ ماسن اتهامات بأنه متعاطف مع اليمين المتطرف، وهو ما دفع جهازه لغض النظر عن تحركاتهم طوال السنوات الماضية، والتركيز عوضاً عن ذلك على خطر الإسلام المتطرف. ومنذ مغادرته المنصب، أصدرت المخابرات الداخلية تقييماً تقول فيه بأن خطر اليمين المتطرف بات أكبر من خطر الإسلام المتطرف في ألمانيا.
وطُرد ماسن الذي ينتمي للجناح المتطرف في حزب ميركل (الاتحاد المسيحي الديمقراطي) من منصبه، بعد اعتداءات كيمنتس في صيف عام 2018، بسبب رد فعله على التطورات هناك. وعارض ماسن ميركل في قولها بأن شريط فيديو من هناك أظهر ملاحقة نازيين جدد للاجئين، شتماً وضرباً. وخرج ماسن ليقول بأنه لم يتم التثبت من الشريط بعد، ويشكك في وجود نازيين جدد هناك. وكانت تظاهرات كبيرة قد خرجت ضد لاجئين في كيمنتس، بعد جريمة قتل ارتكبها لاجئان (عراقي وسوري) بحق أحد سكان البلدة.
وتعرض كذلك لانتقادات بعد جريمة هاناو لقوله بأن الرجل يعاني من اضطرابات عقلية، وهو الخط نفسه الذي اتخذه حزب «البديل لألمانيا» عندما رفض طبع المجرم بأنه يميني متطرف؛ خصوصاً أن الأخير تحدث في شريط الفيديو عن «التخلص» من جنسيات معينة من دول عربية ومسلمة.
ويعيد ماسن صعود عنف اليمين المتطرف لموجة اللجوء منذ عام 2015، إلا أن ألمانيا شهدت عمليات قتل وملاحقات عنصرية قبل موجة اللجوء تلك. ففي عام 2011 كشف عن شبكة من النازيين الجدد عملت بالسر طوال أكثر من 12 عاماً، من دون أن يكشف أمرها، ما سبب صدمة كبيرة في البلاد. ونجح أفراد هذه الشبكة في قتل تسعة مهاجرين لأسباب عنصرية بين عامي 2000 و2007، إضافة إلى تنفيذهم 43 محاولة قتل، و3 عمليات تفجير، و15 عملية سرقة.
وقبل اكتشاف الخلية، كانت الشرطة تستبعد أن تكون عمليات القتل ومحاولات القتل تلك تتم بدوافع عنصرية، رغم أن جميع المستهدفين هم من أصول مهاجرة. وعوضاً عن ذلك، كانت التخمينات بأن الاستهدافات تلك لها علاقة بالجريمة المنظمة والمافيات التركية.
ورغم أن الكشف عن ارتباط هذه الجرائم باليمين المتطرف زاد الوعي الألماني لخطر هذه الجماعات، وأطلق نقاشات في الصحافة والمجتمع والطبقة السياسية، فإن التعاطي مع الجرائم التي لحقت، والتي اشتبه بأن اليمين المتطرف وراءها، لم يكن تعاطياً يحمل كثيراً من الجدية.