تغييرات {حماس}... تكتيكية أم استراتيجية؟

الحركة نحو عهد سياسي مختلف في محاولة للخروج من عنق الزجاجة

تغييرات {حماس}... تكتيكية أم استراتيجية؟
TT

تغييرات {حماس}... تكتيكية أم استراتيجية؟

تغييرات {حماس}... تكتيكية أم استراتيجية؟

تقترب حركة حماس الإسلامية الفلسطينية من إنهاء انتخابات طويلة نسبية يفترض أن تأتي في بداية أبريل (نيسان) المقبل بقيادة جديدة للحركة، إيذاناً ببداية مرحلة جديدة. والمرتقب أن تضع الحركة خلال هذه المرحلة أيضاً وثيقة سياسية جديدة وتحاول فتح آفاق جديدة مع الداخل الفلسطيني والمحيط العربي والإقليمي والعالم كذلك. وبعد 29 سنة على انطلاق الحركة التي بدأت صغيرة للغاية وباتت الآن تحكم قطاع غزة، تجد حماس نفسها أمام سلسلة أزمات فرضت عليها تغييرا شاملا، يبدأ في مواقع القيادة ولا ينتهي بوضع وثيقة جديدة قد تعد بديلا لميثاق الحركة القديم.
تريد حركة حماس الفلسطينية أن تبدأ عهدا سياسيا جديدا لتجاوز التحديات التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، التي بدأت تمس بالحركة منذ خروج قيادتها من العاصمة السورية دمشق عام 2011، وما تلاه من وقف إيران دعمها المادي للحركة، ثم الضربة القوية التي تلقتها بسقوط نظام الإخوان المسلمين في مصر، وما تلاه من ثمن كان على الحركة أن تدفعه.
ليس سراً أن حماس التي تسيطر على قطاع غزة منذ يونيو (حزيران) 2007، دخلت خلال السنوات القليلة الماضية في متاهات سياسية واقتصادية وميدانية حتى باتت في عنق زجاجة، فهي محاصرة دولياً وعربياً، ومفتقدة حلفاءها السابقين من دون مصالحة داخلية، ومتحملة عبء القطاع المحاصر المدمر المليء بالكوارث والأزمات والاحتياجات. كل هذه الحقائق دفعتها لإطلاق مراجعات عميقة على أعتاب تحولات سياسية مهمة.

وثيقة جديدة
لعل أحد أهم التغيرات المقبلة عليها حماس، إلى جانب تغيير رئيس مكتبها السياسي، إصدار وثيقة سياسية ستحمل أفكارا جديدة للحركة وستكون تعديلاً لميثاق الحركة الأساسي الذي كانت قد أصدرته إبان انطلاقتها عام 1987. ولقد انتهت حماس مؤخراً من مشاورات داخلية مكثفة أجرتها لعدة أشهر بحضور أبرز قياداتها في العاصمة القطرية الدوحة وكتبت الوثيقة بنسخة شبه نهائية.
وتقول مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الحركة «مقبلة على تغيير كبير في سياساتها العامة، وخاصة علاقاتها مع بعض الأطراف في المنطقة والإقليم، وعلى الانفتاح أكثر في العلاقة مع دول أوروبية بعد إعلان وثيقتها السياسية الجديدة التي سترسل منها نسخاً لجهات عربية ودولية؛ وذلك في محاولة منها لتوضيح مواقفها من القضية الفلسطينية في ظل المتغيرات الحاصلة خلال السنوات الأخيرة، والكلام عن وجود مبادرات لاستئناف عملية المفاوضات والسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين وكيفية تعاملها مع كل ذلك».
وبحسب المصادر، فإن حماس ستبدي موافقة على إنشاء دولة فلسطينية بحدود 1967 من دون الاعتراف بإسرائيل ولكن مع تأكيد حق عودة اللاجئين. وهذا تغيّر وتحوّل جذري في موقف الحركة التي كانت ترفض مثل هذا الاقتراح وتؤكد تمسكها بإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على كل الأراضي المحتلة من الناقورة (بجنوب لبنان) وحتى رفح (على حدود مصر)، كما ينص على ذلك ميثاقها السياسي.
أيضاً، تقول المصادر إن الوثيقة ستشمل عدة قضايا مرتبطة بعلاقات حماس مع دول المنطقة والإقليم، و«موقفها الثابت في رفض الزجّ بها في المتغيرات بالمنطقة، والتأكيد أنها ليست جزءًا من معركة أي تحالفات». وكان خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحماس، قد أعلن في منتصف فبراير (شباط) من الشهر الماضي، أن حركته تعكف على إعلان وثيقة تحمل فكر حماس وموروثها السياسي، وفق وصفه.
القيادي في الحركة إسماعيل رضوان كان قد نفى خلال تصريحات سابقة أن تكون هذه «الوثيقة» بديلاً عن ميثاق الحركة، مشيرا في الوقت ذاته إلى أنها «ستحمل الفكر السياسي للحركة بما يتماشي مع متطلبات الوضع الجديد في المنطقة». وأكد رضوان أن حماس «لن تتخلى في أي وثيقة عن ثوابتها الوطنية المتمثلة في أن فلسطين كل فلسطين هي للشعب الفلسطيني، إضافة إلى رفض اعترافها بإسرائيل، وبقاء القدس عاصمة للشعب الفلسطيني».
في هذه الأثناء، يرى المحلل السياسي الفلسطيني طلال عوكل «أن ما ستعلن حماس عنه في وثيقتها المنتظرة مهم جداً، خاصة، في ظل تحول نظرتها السياسية بالقبول بدولة فلسطينية على حدود 1967 من دون الاعتراف بإسرائيل. وهذا نهج يناقض نهج منظمة التحرير التي اعترفت بإسرائيل كيانا موجودا، ورغم ذلك لم تصل إلى نتائج واضحة بعد عشرات السنوات من المفاوضات». ويلفت عوكل إلى أن موقف حماس من الدولة الفلسطينية «لم يكن جديداً ولكنه سيصبح رسمياً، كموقف بعض الفصائل، من خلال وثيقة رسمية على عكس ما كان يدلي به بعض قيادات الحركة ومنهم الشيخ أحمد ياسين قبيل اغتياله بقبول حماس في إقامة دولة على حدود 67 دون الاعتراف بإسرائيل؛ وهو ما يزيل أي شك أو ضبابية حول موقف الحركة إزاء هذه القضية في ظل محاولات بعض الأطراف الدولية التشكيك في هذا الموقف الذي ينتظر أن يصبح ضمن موقف ووثيقة واضحة لحماس، التي ستتقرب بذا أكثر من البرنامج الوطني العام الذي تجمع عليه الأغلبية».
ويوضح عوكل في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «حماس ستخرج بهذه الوثيقة على المجتمع الإقليمي والدولي ببرنامج جديد جوهره القوة والسياسة بعد فشل المفاوضات في تحقيق شيء. وسيكون ذلك مقبولاً من قبل مصر والمجموعة العربية. وعلى الرغم من تخوف بعض تلك الدول من أن حماس ما زالت تعتبر جزءًا من جماعة الإخوان المسلمين، فإن مثل هذا البرنامج سيقربها أكثر من الدول العربية».

مصر أحد الأهداف المهمة
ولقد اجتهدت حماس في الآونة الأخيرة لتحسين علاقاتها مع النظام المصري، الذي طالما اتهمته الحركة بتشديد الخناق على قطاع غزة بوصفه جزءا من الحصار الذي تفرضه إسرائيل؛ إذ إن حراكاً سياسياً شهدته القاهرة مؤخراً كشف عن تطور في العلاقات بين الجانبين، وإن كان بشكل محدود، وفي مقام أمني أكثر منه سياسي. وراهناً، تسعى حماس بكل قوة لعلاقات كاملة مع مصر، التي كانت الحركة قد عادت نظامها الجديد كرما لعيون النظام السابق الإخواني، وبات عليها الآن التنصل من الإخوان إرضاء للحكم المصري الجديد، إضافة إلى «دفع الثمن».
وحسب المعلومات، توصل وفد أمني من حماس، ترأسه نائب قائد كتائب القسام في قطاع غزة مروان عيسى - الذي تمكن من الظفر مجددا بعضوية المكتب السياسي ممثلا عن الجناح العسكري للحركة - إلى تفاهمات أمنية طويلة مع الجانب المصري. وتشكل هذه التفاهمات محاربة الراديكاليين الذين يناصرون «داعش»، وضبط الحدود لمنع تسلل أي مسلحين، وغيرها من التفاهمات الآتية في إطار تطلع مصر للانفتاح مجددا على حماس والفصائل في قطاع غزة، وخاصة بعد تدهور العلاقات مع السلطة الفلسطينية. وكان موسى أبو مرزوق، القيادي البارز في حماس، قد ذكر في تصريحات متلفزة من القاهرة في أعقاب زيارته الأخيرة لمصر منذ نحو شهرين أن العلاقات الثنائية «باتت على ما يرام وأفضل من السابق». معتبرا أن هذه العلاقة «ضرورة وطنية» وأن حركته حريصة على أمن مصر.
وعلى هذا يعلق عوكل قائلا إن «حماس بكل مؤسساتها وتوجهاتها - بما فيها المستوى العسكري - معنية بتطوير العلاقة مع مصر». ويشير إلى أن وجود إسماعيل هنية في قيادة حماس - كما هو مرجح بشكل كبير - سيكون له نتائج واضحة في حدوث تغيرات بطيئة في العلاقات مع الدول العربية، وبخاصة، أنه من الشخصيات المعروف عنها بأنها «معتدلة» وحريصة على مثل هذه العلاقات.
ويتفق الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطاالله مع زميله عوكل، فيقول: إن هنية سيساهم بشكل أكبر في إحداث تقارب جديد مع مصر «باعتبار أن الرجل أكثر مرونة من غيره في التعاطي مع ملف العلاقات مع الأطراف المختلفة». ويشير عطاالله في حوار مع «الشرق الأوسط» إلى أن مصر «تفضل أن يكون رئيس المكتب السياسي لحماس من غزة»، مبينا أن وجود مثل هذه الشخصية «سيساهم في فتح آفاق جديدة للحركة بعلاقاتها مع أطراف المنطقة، لا سيما، وأن كثيرين يفضلون الشخصية المعتدلة القادرة على فهم متطلبات المرحلة الجديدة على مستوى الإقليم». هذا، وترجح مصادر من حركة حماس أن يتوّج إسماعيل هنية بزعامة المكتب السياسي للحركة قريباً، بدعم من قيادات في الداخل والخارج، حتى من المستوى العسكري الذي سيطر على الانتخابات في قطاع غزة وحقق ممثلوه وجودا كبيرا في مقدمتهم الأسير المحرر يحيى السنوار المثير للجدل في شخصيته العميقة. وكان السنوار قد أمضى عشرات السنوات في السجون الإسرائيلية قبل أن يحرّر في «صفقة شاليط» عام 2011، ويغدو من ثم أحد رموز حماس المشاركين بقوة في القرارات الحاسمة داخل الحركة. وترى المصادر أن هنية بات صاحب الحظ الأوفر لخلافة مشعل في قيادة الحركة. وتعتبر أن الرجل يعد لمغادرة قطاع غزة مجدداً باتجاه العاصمة القطرية الدوحة، التي قد يستقر فيها في حال تم انتخابه رئيساً للمكتب السياسي لحماس.

العلاقة مع إيران في ظل العسكر
لكن ليس مصر وحدها على طاولة حماس. إذ يذهب بعض المراقبين إلى الحديث عن أن الحركة ستحاول من خلال مكتبها السياسي الجديد تجديد علاقاتها مع إيران، وبخاصة، بعد مشاركة وفد قيادي منها برئاسة محمد نصر، عضو المكتب السياسي الحالي لحماس، في مؤتمر استضافته العاصمة الإيرانية طهران منذ أسابيع لدعم «انتفاضة القدس». ويرى مراقبون أن وجود يحيى السنوار في قيادة المكتب السياسي على مستوى قطاع غزة سيكون له تأثير في تحسين العلاقات مع طهران. وحسب هؤلاء فإن «الحضور الكبير للجناح العسكري قد يدفع تجاه مثل هذه العلاقة بعد قطيعة طويلة لسنوات، وفي ظل حاجة كتائب القسام للدعم المادي الذي كانت إيران تشكل الجهة الأكثر قدرة على توفيره بكثرة للجناح العسكري».
ولكن هنا يتحفظ قادة حماس عند الحديث عن أي تطورات في هذه القضية، باستثناء القيادي محمود الزهار، الذي قال منذ أسابيع عبر فضائية الأقصى إن إيران تعتبر «داعماً مهماً» للمقاومة الفلسطينية، وقدمت لها كثيرا خلال سنوات طويلة. وتابع الزهار أن «لا خلاف بين حماس وطهران بل إن العلاقة بينهما جيدة». ومعلومٌ أن الزهار يمثل تيارا متشددا في حماس ويعد مقرّباً من «كتائب القسام» التي باتت تسيطر على حماس في القطاع.
وهنا يقول عطاالله، إن مثل هذا التغيير في قيادة حماس «سيدفع باتجاه تحسين العلاقة بين الحركة وطهران». ويلفت إلى أن «إيران غاضبة جداً من خالد مشعل، وكانت تضع تغييبه عن قيادة الحركة شرطاً لتحسين العلاقات» مع الحركة، وفق قوله. ويوضح عطاالله أن «الجناح العسكري لحماس كان دائما له حضوره وتمثيله في المكتب السياسي، وخصوصاً، لامتلاكه كثير من المقومات لذلك، من حصد للإنجازات والقوة والرجال والسلاح والمال».
أما طلال عوكل فيرى أن تأثير يحيى السنوار «باقٍ سواءً كان على رأس المكتب السياسي في غزة أو لم يكن»، مذكّراً بحضور شخصية الرجل سابقا حتى قبيل تحريره من الأسر. ويضيف: «إنه يعكس وزن القسام وبرنامج المقاومة في حركة حماس وفي سياسات الحركة». ويضيف أن «حماس بقيادتها الجديدة وقراءتها للمتغيرات في المنطقة ستعمل على تطوير علاقاتها مع إيران و(حزب الله)، وستكون هذه القضية أولوية بالنسبة لها حتى قبل أن توجد صياغة لترتيب علاقاتها مع مصر».

مع السلطة ومع إسرائيل
في المقابل، منذ سيطرت حماس على غزة عام 2007 فشلت كل محاولات المصالحة مع السلطة، واصطدمت مع إسرائيل في 4 حروب. فماذا يمكن أن يتغير مع صعود العسكر إلى سدة الحكم؟
عوكل لا يرى أن سيطرة الجناح العسكري على الانتخابات ستزيد من تعقيدات المشهد بشأن التقدم في المصالحة الفلسطينية. ويتابع عوكل شارحاً: «السلطة ملتزمة باتفاقات أوسلو، والمقاومة متمسكة ببرنامجها وبسلاحها وبأنفاقها وإمكاناتها. وهو ما يتعارض مع التزامات السلطة. هذه هي العقبة الأساسية باتجاه تحقيق المصالحة رغم أن العملية السلمية مع إسرائيل متجهة بالفلسطينيين إلى أبواب مغلقة، والسلطة لن تكون مستقبلا قادرة على الاستمرار في حمل التزامات أوسلو كما تحملها اليوم». ومن ثم، يعرب عن اعتقاده أن حالة الصراع مع إسرائيل «ستبقى كما هي، مع الحفاظ على الهدوء قدر المستطاع لتثبيت أركان المقاومة وقوتها في مواجهة أي معركة جديدة قد تفرضها إسرائيل على قطاع غزة كما فعلت في السنوات الماضية».
وفي هذا السياق، يقول القيادي في حماس، صلاح البردويل، إن «الحركة تبحث إيجاد صيغة إدارية تتلاءم مع الواقع في قطاع غزة لتكون المرجعية القانونية لعمل وكلاء الوزراء في القطاع، بغرض تحسين وضبط إدارة الواقع الحكومي في غزة». ويضيف: «إن هذه الخطوة تأتي في ظل استمرار تنكر حكومة الوفاق الفلسطينية لمسؤولياتها في قطاع غزة وتهميش وزاراته». ويردف أن القضية ما زالت قيد البحث والدراسة.
من جهتها، تتهم فتح البردويل بالترويج للانقسام والمساعدة عليه. وهنا يقول عطاالله إن «ما تبحثه حماس ليس بجديد ولم يتعلق بأي تغيير داخل مؤسسات الحركة». ويضيف: «إن المصالحة مجمدة منذ فترة طويلة وقبل حدوث الانتخابات الداخلية الأخيرة وبروز الجناح العسكري فيها»، مشيرا إلى أن للحركة «مفاهيمها وثوابتها التي لن تتغير بانتخاب أي قيادة جديدة في علاقاتها مع السلطة أو حتى مع الفصائل المختلفة والعلاقات الوطنية معها».
وبشأن الصراع مع إسرائيل، الذي يرجح بعض المراقبين أن يغدو أكثر عنفاً، يميل عطاالله للاعتقاد أنه «لن يحدث أي تغيير، وستعمل حماس على مواصلة المسير في هذه المعادلة التي تتحكم بها ظروف الميدان من فترة إلى أخرى». ويستطرد: «الحركة تحاول باستمرار ضبط هذه المعادلة وفق استراتيجيات تتعلق بترتيبها العسكرية وتجهيزاتها لصد أي عدوان إسرائيلي جديد، في ظل التلميحات الصادرة باستمرار عن القيادات الإسرائيلية بإمكانية شن حرب جديدة على غزة منعا لإطلاق الصواريخ التي تجدد إطلاقها مؤخراً». وللعلم، تخوفت إسرائيل علناً من أن يكون لبروز التيار العسكري في حماس على قائمة الانتخابات في غزة تبعات كبيرة، ويحفز الجناح العسكري للحركة بالدخول في مواجهة عسكرية قريبة. إلا أن قيادات من الحركة - من بينهم إسماعيل هنية - أكدوا في عدة تصريحات أن يحيى السنوار «جزء من مؤسسة شورية»، في إشارة إلى أنه لا يتفرد بقراري الحرب والسلم.

قرار مؤسسة لا فرد
ولكن مع ارتفاع منسوب القلق من فوز السنوار بقيادة الحركة، اضطرت حماس لخفض مستوى التوقعات بتغييرات كبيرة يمكن أن يفعلها القيادي الجديد. ولأول مرة في مؤشر على مأزق ما تخشاه الحركة بعد فوز السنوار، خرج البردويل إلى الإعلام قائلا إن «السنوار رجل مصالحات، وعربي ويحب مصر، وإنه أيضا صاحب فكاهة»، قبل أن يضيف أن قرار الحركة «شوري ولا يأخذه شخص واحد فقط». وهنا يجمع المحللان السياسيان على أن حماس تتخذ بالفعل قراراتها في نطاق المؤسسة الواحدة ولا تعتمد على صعود أي قيادات لتغيير سياساتها الاستراتيجية. ويؤكد عوكل أن «المكتب السياسي هو الذي سيقرر السياسة العامة للحركة»، مشيراً إلى أن هذا المكتب يضم قيادات من غزة والضفة والسجون والخارج. ويضيف: «رغم ذلك، فإن الحركات السياسية ليست حرة دائما في اختيار ما يمكن أن تمارسه من سياسات، خاصة، في ظل المتغيرات والضغوط التي قد تتعرض لها».
ويوافق عطاالله قائلا إن «تغيير القيادات والأفراد لا يحدث تغييرا في نهج حركة حماس، وهي تتحرك وفق قرار مؤسساتي من مجلس شورى ومكتب سياسي وليس وفقا لتغيير القيادة». لافتا إلى أن الحركة قد تلجأ إلى تغيير يتعلق بالوضع الجديد في المنطقة، لكن من الصعب أن تغير في استراتيجياتها الكبرى.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.