كوندي لـ «الشرق الأوسط»: التدخلات الخارجية وراء مشاكل أفريقيا

رئيس غينيا قال إن محاربة الإرهاب ليست قضية السعودية وحدها بل قضيتنا جميعاً

كوندي لـ «الشرق الأوسط»: التدخلات الخارجية وراء مشاكل أفريقيا
TT

كوندي لـ «الشرق الأوسط»: التدخلات الخارجية وراء مشاكل أفريقيا

كوندي لـ «الشرق الأوسط»: التدخلات الخارجية وراء مشاكل أفريقيا

لا يزال قلب كوناكري عاصمة غينيا يبحث عن هُويَّتِه وسط «خراب جميل»؛ فالمدينة الواقعة في أقصى غرب القارة الأفريقية، المطلّة على المحيط الأطلسي، تحاول أن تنزع عن نفسها لبوس المدن ذات النمط السوفياتي القديم. ثمة بنايات مليئة بشقق مزدحمة، وأحياء عشوائية تثير الحزن والشجن، وأخرى أنيقة سرعان ما تظهر وتختفي، وشوارع مهمَلة تعود إلى الزمن الذي قال فيه رئيسها المؤسس الحاج أحمد سيكو توري، في نهاية عقد الخمسينات من القرن الماضي، «لاءَهُ» الشهيرة لفرنسا شارل ديغول، عندما خيَّرت مستعمراتها بين القبول بالاستقلال الداخلي، والبقاء ضمن فرنسا ما وراء البحار. بيد أن سيكو توري رفض الاندماج الذي دعا إليه بطل تحرير فرنسا عام 1958.
تحدى سيكو توري فرنسا حتى النهاية، وكان الثمن الذي دفعته غينيا في لعبة صراع الأمم قاسياً، مما دفع بها إلى التقرُّب من المعسكر الاشتراكي، لعلها تنال بعضاً من هِبَاته. صحيح أن عملتها «الفرنك الغيني» أصبحت رمزاً للسيادة الجديدة، لكن ذلك أفقد الدولة الفتية حيوية اقتصادية في ظل عقوبات فرنسية.
ورغم إيجابياته التحررية الكثيرة، حكم سيكو توري البلاد بيد من حديد، وفتح باب المنافي على مصراعيه لجزء كبير من مواطنيه، بينهم شابّ حالم اسمه ألفا كوندي عاش متنقلاً بين موريتانيا وفرنسا، التي أصبحت منفاه ومربَطَ خيلِه، ومنها انطلق في رحلة الألف ميل نحو قصر «سيكوتوريا» في كوناكري.
في طريقي لمقابلة هذا الرجل الذي أصبح رئيساً لبلاده في عقده السابع، ويلقبه شعبه بـ«البروفسور»، بحكم أنه أستاذ جامعي، دارت في ذهني أسئلة كثيرة حول مدى تمكُّنه من تحقيق أحلام زمن المعارضة، لا سيما أنه القائل يوم انتخابه رئيساً للبلاد عام 2010: «أنا رئيس التغيير لصالح الجميع، والمصالحة الوطنية والتقدُّم للجميع».
لم يتردد الرئيس كوندي خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بمناسبة انتخابه رئيساً دورياً للاتحاد الأفريقي، قيد أنمُلَة، في القول بصراحة إنه عندما كان في المعارضة، لم يكن بمقدوره تصوُّر مستوى تدهور البلاد، وأنه لما وصل إلى الحكم وجد غينيا في القاع.
لقد كانت أحلام كوندي كثيرة من أجل تحقيق نهضة غينيا، بيد أن نِصالَها تكسَّرَت على نصال وباء «إيبولا». ويقول البروفسور في هذا الصدد: «هنالك أمور كثيرة لم أتمكَّن من تحقيقها، ليس فقط لأنها صعبة، وإنما لأننا تعرضنا، خلال عامين ونصف العام، لوباء فيروس (إيبولا)، الذي دمر كثيراً مما بنيناه وشتَّتَ جهودنا، ولكنني سأواصل العمل بجدّ من أجل تحقيق الأحلام التي راودتني عندما كنتُ طالباً في الجامعة».
وفيما يلي نص الحديث الشامل الذي قلّب فيه الرئيس كوندي مواجع غينيا، وتطرَّق فيه إلى آماله في إيجاد حلول لمشكلاتها، وقضايا أفريقيا بشكل عام.
* أصبحتم الرئيس الدوري للاتحاد الأفريقي منذ أكثر من شهر... ما خطتُكُم لتطوير هذه المؤسسة القارية؟
- يتوجب علي القول إنني محظوظ بتبوُّئي رئاسة الاتحاد الأفريقي، في ظرفية عَرَف فيها الاتحاد تغييرات كبيرة جداً، ولكننا مع ذلك قررنا الاعتماد أكثر على التمويلات الذاتية، فكلما كان الاتحاد الأفريقي لا يعتمد على التمويل الخارجي، كان أكثر قدرة على التأثير، كما أن الرئيس الرواندي بول كاغامي تمكَّنَ من استحداث تغييرات هيكلية ووظيفية مهمة في الاتحاد الأفريقي. ولكنَّ الأهمّ هو أننا في الاتحاد الأفريقي أظهرنا أنه مهما كان مستوى الخلاف وتبايُن الآراء والتوجهات، ففي لحظة معينة تبقى المصالح الأساسية للقارة الأفريقية هي التي تُحرِّك الجميع.
وأخيراً التحق بنا المغرب في حالة إجماع كذَّبت من كان يتحدث عن انقسام القارة الأفريقية بهذا الخصوص، لقد أظهرت أفريقيا من جديد أنه مهما كان مستوى التباين فإن الجميع متفقون على ضرورة التوحد لمواجهة التحديات الحقيقية المتمثلة في الإرهاب، والهجرة السرية، ومشكلات المناخ والتنمية الاقتصادية والطاقة.
* لكن سيادة الرئيس لقد بدا واضحاً في قمة أديس أبابا أن أفريقيا انقسمت إلى قسمين: معسكر كبير يضم 39 دولة تدعم المغرب، وآخر أقل عدداً يدعم مواقف الجزائر وجنوب أفريقيا، فما العمل للحيلولة دون ترسيخ هذا الانقسام الكبير؟
- لقد جرى داخل الاتحاد الأفريقي نقاش مفتوح وطويل بشأن ذلك، والمغرب انضم بالإجماع، ولم يكن هنالك مَن عارض عودته إلى الاتحاد الأفريقي، وبالتالي فإن عودة المغرب للاتحاد الأفريقي لم تقسم القارة إلى معسكرين، وأنا كنت حاضراً خلال جلسة العودة، وقد تمت عودته بالإجماع، وجرى تأكيد ذلك في البيان الختامي للقمة الأفريقية.
إن الانقسام الذي يتحدث عنه البعض كان خلال النقاشات التي كانت مفتوحة وطويلة جداً، ولكن بعد أن انتهت النقاشات حول عودة المغرب، كان هنالك إجماع تامّ على قرار قبول هذه العودة.
* كنتم من بين أشدِّ المدافعين في قمة أديس أبابا عن عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي، وكان تدخُّلُكم حاسماً بشأن إقرار تلك العودة، لكن هناك إشكال «الجمهورية الصحراوية»، وبالتالي هل لديكم تصور بشأن المرحلة المقبلة فيما يخص نزاع الصحراء؟
- أملنا كبير في أن نتمكن من التوصُّل إلى الحل داخل أروقة الاتحاد الأفريقي، لأننا قَرَّرنا أن يتم حَلّ جميع المشكلات الأفريقية، سواء في ليبيا أو السودان أو في أي مكان آخر من طرف الأفارقة أنفسهم، وإطار في الاتحاد الأفريقي. وبصفتي رئيساً لدولة غينيا، ورئيساً دورياً للاتحاد الأفريقي، سأعمل بكل جهدي من أجل الدفاع عن الوحدة الأفريقية، والعمل على حل مشكلات القارة مهما كانت طبيعتها داخل البيت الأفريقي الكبير، وذلك لتحقيق التنمية والازدهار لمجموع الشعوب الأفريقية، وأيضاً لتحقيق الاستقرار في القارة، وسأعمل ضمن هذا التوجه.
* طلب المغرب أخيراً الانضمام إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (سيدياو). ما قراءتكم للطلب المغربي؟ وهل تعتقدون أن انضمام المغرب إلى هذه المجموعة واقعي وجدي ومعقول؟
- كما تعلمون، المغرب قَدَّم طلبه إلى الرئيسة الدورية للمجموعة، وهنالك لجنة مختصة ستنظر في الطلب المغربي، وأنا لا أود استباق الأحداث، ولكن كما تعلمون فإن المغرب لديه علاقات متينة جداً ووثيقة مع كثير من بلدان المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، كما أنه استثمر كثيراً في هذه المنطقة. وعلى سبيل المثال فإن المغرب اليوم هو المستثمر الأول في كوت ديفوار، وهو ما يؤكد أننا نملك علاقات وطيدة جداً مع المغرب.
* رغم فارق السن بينك وبين العاهل المغربي الملك محمد السادس، يُلاحَظ أن هناك انسجاماً كبيراً بينكما، وتطابقاً في وجهات النظر إزاء كثير من القضايا. ما سرُّ ذلك؟
- كما تعلمون، فإن الملك محمد السادس قريب جداً من شعبه، ويهتمّ كثيراً بأوضاع مواطنيه، خصوصاً المواطنين البسطاء، ويهتم أكثر بالتنمية الاقتصادية. وما لفَتَ انتباهي في شخصيته هذا التقارب الكبير بينه وبين شعبه، وهو أمر تفوَّقَ فيه على بقية القادة الأفارقة. إنه مَلِك لكنه يبقى الأقرب إلى شعبه من بين جميع الرؤساء في أفريقيا.
ثانياً: الملك محمد السادس يهتم كثيراً بتنمية وتطوير بلاده، وهذا ما نشعر به عندما يزور أي مشروع، حيث يكون دقيقاً ومهتماً بالتفاصيل، وبالتالي فإن حبه الكبير لشعبه، وحب شعبه له، واهتمامه بالاقتصاد والتنمية في أفريقيا، ودعوته الدائمة إلى استقلال القارة، واعتمادها على نفسها، جعلني أحس عبر هذه الأفكار الكبيرة أننا نملك الرؤية ذاتها، وأنا أقول له دائماً: «إنك كملك أقرب إلى شعبك منا نحن الرؤساء الأفارقة».
وبالفعل، نحن نملك الرؤية ذاتها لتطوير القارة الأفريقية، وتحقيق تنميتها الاقتصادية، رؤية متقاربة لما يجب أن تكون عليه القارة في المستقبل، وهذه الرؤية المشتركة هي التي تفسر العلاقة الوطيدة التي تربطنا رغم فارق السن بيننا.
* من المعروف أن ثلث أفريقيا دول عربية، وفي هذا السياق أودّ أن أسألَكم عن الدور الذي يمكن أن يلعبه الاتحاد الأفريقي في الظرف الراهن للمساهمة في مواجهة التحديات والمخاطر التي تواجه أفريقيا والعالم العربي؟
- لقد قرَّرْنا أن يعمل الاتحاد الأفريقي على حل جميع المشكلات الأفريقية، سواء كانت عربية أو في الساحل أو جنوب الصحراء، فالأزمة الليبية يتوجب حلها من طرف الأفارقة تماماً كأزمة تنظيم «بوكو حرام» في نيجيريا. وأنا لا أفرِّق بين أفريقيا العربية وأفريقيا جنوب الصحراء، أفريقيا هي أفريقيا، هي واحدة بالنسبة لي، وهدفنا هو أن تُحَلّ جميع مشكلات القارة من طرف الأفارقة أنفسهم، وبالنسبة لنا فإن جميع مشكلات القارة الأفريقية بسبب تدخلات خارجية، انظروا إلى ما يجري في ليبيا؛ لقد دخلوها بالقوة وذهبوا تاركين خلفهم بلداً ممزقاً لا توجد فيه أي دولة. ونحن مَن يدفع ثمن التدخلات الخارجية، ولهذا قررنا أن جميع المشكلات الأفريقية ستُحلّ داخل القارة، ومِن طرف الأفارقة أنفسهم، وللقيام بذلك لا يوجد فَرْق لدينا بين بلدان شمال أفريقيا أو بلدان أفريقيا الجنوبية وبلدان غربها أو شرقها، وإنما سنتعامل مع المشكلات الأفريقية فقط لأنها أفريقية، ومن دون أي تفريق، وذلك من أجل الوصول إلى طريق يضمن تحقيق تنمية وازدهار أفريقيين والحفاظ على مصالح سكانها.
* انخرطت بلادكم قبل أكثر من سنة في التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب، الذي أسَّسَتْه وتقوده المملكة العربية السعودية، ويضم 34 دولة عربية وإسلامية. ما الأسباب التي دعتكم للانخراط في هذا التحالف؟
- أولاً لأن محاربة الإرهاب ليسَتْ قضية المملكة العربية السعودية وحدها، وإنما قضيتنا جميعاً، لأن الإرهاب يهددنا جميعاً، ويرفع في هذا الزمن راية وشعار الإسلام، رغم أنه يتناقض مع الإسلام، لهذا قررنا من دون تردد الانخراط في الحرب على الإرهاب، لأنه لا يهدد بلداً واحداً، وإنما جميع بلدان العالم. كما يجب علينا ألا ننسى أن المملكة العربية السعودية تمثل رمزية كبيرة بالنسبة لنا. إنها مكة المشرَّفة والمدينة المنورة. إنها مركز العالم الإسلامي وقبلة جميع المسلمين، وبالتالي فإن حماية مقدسات المسلمين واجب علينا جميعاً، ولهذا لم نتردد ولم نتأخر في الوقوف إلى جانب السعودية من أجل الحفاظ على أمنها واستقرارها، ووحدة شعبها وترابها.
* كيف هي علاقة بلادكم بدول الخليج العربي، خصوصاً المملكة العربية السعودية؟
- أعتقد أننا أصبحنا على قناعة تامة بأن أفريقيا تحتاج إلى العالم العربي، والعالم العربي أيضاً بحاجة إلى أفريقيا. وكما تعلمون، فإن البلدان العربية تعتمد في اقتصادها على النفط، ولكن يتوجب عليها أن تخطط لمرحلة ما بعد النفط، ونحن لدينا المواد الأولية والأراضي الخصبة، ودول الخليج تملك رأس المال؛ فلماذا لا تكون هناك شراكات تسمح بالتقاء هاتين القوتين (رأس المال والمواد الأولية) من أجل خلق صناعات تخدم في الوقت ذاته أفريقيا والعالم العربي. وعلى سبيل المثال فقد بدأت دولة الإمارات العربية المتحدة تستثمر بشكل كبير هنا، ولديها مشروع طموح في مجال استغلال مناجم البوكسيت لإنتاج اليورانيوم، وهو مشروع من المنَتَظَر أن يلعب أدواراً مهمة مستقبلية في مجال توفير الطاقة، خصوصاً في مرحلة ما بعد النفط. وعندما نفهم جيداً مصالحنا المشتركة فسندرك أن التعاون الاقتصادي مربح جداً لأفريقيا والعالم العربي، على حد سواء.
* انشغل الاتحاد الأفريقي، وقبله منظمة الوحدة الأفريقية بالنزاعات المحلية، مثل قضية دارفور ونزاع الصحراء وملفات أخرى، ولم يستطع أن يضع استراتيجية ورؤية واضحة المعالم، مثلما هو الحال في الاتحاد الأوروبي، ألا ترى أنه حان الوقت للتحرُّر من النزاعات الصغيرة والتفكير في المستقبل؟
- كما تعلمون، فإن الآباء المؤسسين لمنظمة الوحدة الأفريقية حاولوا تجاوُز الحدود الجغرافية، لأنهم أدركوا أن هذه الحدود ستخلق كثيراً من المشكلات داخل القارة، ولأنها وضعت بموجب تدخلات خارجية معروفة، وهذا ما جعلنا ندرك أن هذه المشكلات لا يمكن أبداً أن تُحلَّ من طرف «القبعات الزرقاء» بصيغتها الحالية، فأكثر من 20 ألف جندي من قوات الأمم المتحدة يوجدون على امتداد العقود الماضية في مناطق مختلفة من القارة، ولم يتغير أي شيء، بل، على العكس، كل يوم تحدث هجمات وانفجارات، وهذا ما يحدث في دارفور وجنوب السودان ومناطق كثيرة أخرى، لذا وصلنا إلى مرحلة التفكير في أنه من الأفضل أن نستغل هذه الأموال التي تذهب أدراج الرياح لصالح مشروع الاتحاد الأفريقي، وأن ننشر قوات أفريقية مشتركة؛ فقواتنا ستكون أكثر إصراراً وصرامة في التعامل مع الصراعات المحلية، وحظوظها أكبر في تحقيق الاستقرار والدفاع عن وحدة دولنا. وقد قطعنا خطوات جدية في هذا المنحى، لأن ما يحدث في جنوب السودان أو دارفور أو في مناطق تحرك تنظيم «بوكو حرام» خطير جداً، ولهذا أصبحنا مقتنعين بأن الأفارقة وحدهم هم القادرون على حل هذه المشكلات والصراعات.
* من المعروف أن القارة الأفريقية تمضي بخطى ثابتة نحو تحقيق وترسيخ الديمقراطية، ألا ترى أن هذه الأجواء الديمقراطية تحتاج إلى مبادرة لتحقيق المصالحة الداخلية في كثير من الدول لخلق روح من التوافق والانسجام والمصالحة؟
- لا يمكن لأي بلد أن يتطور في ظل غياب الوحدة الوطنية، لأنها أساسية جداً، ولكن فيما هو أبعد من الوحدة الوطنية، هنالك الاندماج الأفريقي الذي يعد ضرورياً ومحورياً، خصوصاً أنه، باستثناء بلدان قليلة، مثل نيجيريا، فإن أسواق البلدان الأفريقية صغيرة أو ضيقة، والازدهار الاقتصادي يحتاج إلى أسواق أكثر اتساعاً، لهذا فإننا مقتنعون بضرورة خلق اندماج إقليمي في المرحلة الأولى، ومن بعد سنعمل على تحقيق الاندماج الأفريقي على مستوى القارة بشكل عام، وهذا سيسمح لنا بمواجهة أكبر تحدٍّ أمام القارة الأفريقية، أي تحدي الفقر، خصوصاً أن الشعب الأفريقي شعب شاب، إذ إن 70 في المائة من السكان هم تحت سن الثلاثين، وهذه الميزة من حظ القارة الأفريقية، ولكنها تتطلب خلق فرص عمل أمام هؤلاء الشباب، وبالتالي فإن التنمية الاقتصادية لأفريقيا أساسية، خصوصاً في مجالات الطاقة والمواد الأولية والزراعة، وهي مجالات إذا حققنا فيها المطلوب فإننا لن نضمن فقط توفير فرص عمل لشبابنا، بل تحقيق انتعاش اقتصادي كبير في بلداننا.
* أنت الرئيس الرابع لغينيا منذ استقلالها عام 1958، وأول رئيس غيني يُنتَخَب ديمقراطياً؛ ماذا تغَيَّر في عهدك مقارنة بعهدي الرئيسين الراحلين أحمد سيكو توري والجنرال لانسانا كونتي، وعهدي النقيب موسى داديس كامارا والجنرال سيكوبا كوناتي القصيرين؟
- تغيرت الكثير من الأمور، ولو أنني أطمح إلى أن يكون التغيير أكبر وأكثر أهمية؛ فقد عملنا على تطوير قطاعات الزراعة والطاقة والمعادن، وشرعنا في تشييد بنية تحتية صلبة، وبدأنا مشروعاً سيغير الظروف المعيشية للسكان نحو الأفضل. طبعاً ركزنا بشكل كبير على قطاع الزراعة، لأنه يشغل عدداً كبيراً من المواطنين، وهو القطاع الذي سيسمح لنا بتحقيق الثراء في أوساط السكان. كما عملنا أيضاً على تحسين العمل في قطاع المناجم، وسنعمل على تحقيق استغلال أفضل لهذا القطاع، ونجعله ينعكس بشكل مباشر على أوضاع السكان، وهو ما لم يكن موجوداً في السابق. وكما تعلمون؛ فغينيا تُعدّ المنتِج الأول في العالم لمعدن البوكسيت، وهذا ما سيمكِّنُنا من الوقوف على دعامتين مهمتين؛ هما قطاع الزراعة وقطاع المعادن.
* عُرِف عنك أنك كنت معارضاً شرساً للرؤساء السابقين. كيف وجدتَ الحكم؟ هل وجدتَه كما كنتَ تتصوَّرُه إبان نضالك الطويل في صفوف المعارضة؟
- لم أجده كما كنت أتصوَّر؛ فعندما كنت في المعارضة لم يكن بمقدوري تصور مستوى تدهور البلاد. لقد قلت عندما وصلت إلى الحكم إنني وجدت غينيا في القاع. لم أكن مطَّلِعاً قبل الحكم على حجم التأخُّر الذي تعاني منه البلاد، تأخُّر في جميع المجالات، وحتى المؤسسات التي أُنْشِئَت كانت قد اختفت تماماً، لدرجة أنني أصبحت كمن وصل إلى الحكم في بلد هو عبارة عن صحراء قاحلة وخالٍ من كل شيء. الرؤساء الذين سبقوني عملوا ما بوسعهم من أجل تحقيق التقدُّم، ولكن للأسف كان هناك عدد كبير من الأطر يفتقدون الوطنية، وأسهموا في عدم تحقيق ذلك التقدم. والآن نحن بصدد العمل على تحقيق ذلك التقدم بشكل تدريجي، وبقدر كبير من الصبر والتسامح، والعمل على تقوية اللُّحمة الاجتماعية والوطنية، بالتعاون مع البلدان الصديقة.
* السيد الرئيس... هل تنوون الترشح لولاية رئاسية ثالثة؟
- حتى الآن أكملت عاماً واحداً وشهرين من ولايتي الرئاسية الثانية، ولا تزال أمامي أربع سنوات لتطبيق البرنامج الذي انتخبني الغينيون من أجله، وهذا هو هدفي الوحيد الآن. وهذا النقاش غير مطروح في الوقت الحالي، ومن يطرحه هم أناس لا شُغلَ لهم، ويستمتعون به.
* مر أكثر من عام على ولايتكم الرئاسية الثانية... ما نسبة الأحلام التي راودتكم أيام كنتم في المعارضة، وتمكنتم من تحقيقها وأنتم في الحكم؟
- حتى الآن هنالك أمور كثيرة لم أتمكن من تحقيقها، ليس فقط لأنها صعبة، وإنما لأننا تعرضنا خلال عامين ونصف العام لوباء «الإيبولا»، الذي دمر كثيراً مما بنيناه وشتَّت جهودنا، ولكنني سأواصل العمل بجدٍّ من أجل تحقيق الأحلام التي راودتني عندما كنتُ طالباً في الجامعة.
* شكَّل نيلسون مانديلا قدوةً بالنسبة لكم خلال مرحلة نضالكم السياسي، ولمنهجكم القائم على مقولة «نغفر لكن دون أن ننسى»، ألم تنسَ بعدُ أوجاعَ مرحلة المعارضة؟
- كثير من أعضاء حكومتي كانوا في السلطة قبلي، وهم من أقرب المساعدين لي، وعلى مستوى رفيع جداً، لأنه من أجل بناء البلد لا بد من توحيد جميع القوى والعمل معاً لتحقيق الأهداف، أما إذا حاولنا إقصاء البعض ودخلنا في صراع فيما بيننا، فإننا سننشغل عن تنمية البلد وتطويره. فلا بد من التسامح وتقبُّل الآخر، وهذا ما أحرص عليه دائماً، لأن الشخص الذي عرفناه سلبياً يمكنه أن يتحول في مرحلة معينة إلى شخص إيجابي. يكفي فقط أن نعطيه الفرصة ونتسامح معه، هذه هي فلسفتي من أجل بناء غينيا وتوحيد أبنائها. لقد أعطيتُ الفرصة للجميع من أجل التغير والتحسُّن.
* لقد جلبتم لبلدكم استقراراً سياسياً متميزاً، وحلولاً لعدد من المشكلات التنموية، والأكثر من ذلك أنكم خضتم معركة ضارية ضد وباء «إيبولا»، ما الدرس الذي خرجتم به من هذه المعركة؟
- بفضل الله تجاوزنا مرحلة وباء «إيبولا»، ولكننا ما زلنا نعاني من آثاره. ومن جهة أخرى، فقد نجحنا بفضل «إيبولا» في تقوية وحدتنا الوطنية ولحمتنا الاجتماعية، وأصبحنا أكثر رغبة في تحقيق التغيير، لأن «إيبولا» تسبب في إغلاق الحدود، وضاعت بسبب ذلك كثير من منتجاتنا، وهذا ما جعلنا نفهم ضرورة خلق بنية تحتية قادرة على التأقلم مع حالات الطوارئ، وتسويق منتجاتنا بطريقة أفضل، خصوصاً أن الكمية التي خسرناها من البطاطس وحدها كانت كبيرة جداً، لأن البلدان المجاورة أغلقت حدودها معنا، خوفاً من الفيروس، وها ما جعلنا ندرك أنه من الضروري أن نزيد من مستوى اعتمادنا على أنفسنا، واستهلاك أكبر قدر ممكن من المنتجات محلياً.
* من بين المفارقات التي عرفها مساركم السياسي أن القاضي محمدو سيلا الذي حكم عليكم بالسجن مدة 5 سنوات بتهمة المسّ بأمن الدولة، هو الذي أقسمتُم أمامه اليمين الدستورية بصفته رئيساً للمحكمة العليا، عقب انتخابكم رئيساً للجمهورية عام 2010، ما الإحساس الذي انتابك آنذاك؟
- سيلا كان يقوم بعمله فقط، وهو صديق شخصي بالنسبة لي، وقد قام بعمله رئيساً للمحكمة العليا خلال التنصيب، كما قام به أيضاً عندما كان قاضياً، وهو لم يقم بتوقيفي، وليس مسؤولاً عن عملية التوقيف، وليست لديَّ أي مشكلة معه، بل بالعكس هو صديق شخصي.
* في عام 1970 صدر في حقكم حكم بالإعدام لكنه لم يُنفَّذ، هل ما زال الحكم بالإعدام قائماً في عهدكم؟
- لا، نهائياً، لقد ألغيناه تماماً أخيراً.
* يطلق عليك الغينيون لقب «البروفسور». أيهما تفضل لقب «البروفسور» أم «الرئيس»؟
- {الرئيس» لقب حملَته إليَّ الصدفة، أما «البروفسور» فهو مهنتي (يضحك).



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».