تساؤلات بشأن حجم وجود «داعش» في أفغانستان

تكهنات حول «ولاية خراسان» تثير القلق بين الخبراء الأميركيين

عناصر من  «الدواعش الأفغان» في معسكر تدريبي («الشرق الأوسط»)
عناصر من «الدواعش الأفغان» في معسكر تدريبي («الشرق الأوسط»)
TT

تساؤلات بشأن حجم وجود «داعش» في أفغانستان

عناصر من  «الدواعش الأفغان» في معسكر تدريبي («الشرق الأوسط»)
عناصر من «الدواعش الأفغان» في معسكر تدريبي («الشرق الأوسط»)

كشف تصريح لرئيس جهاز المخابرات الأفغاني الأسبق «أمرالله صالح» عقب هجوم دموي على أكبر مستشفى عسكري في قلب كابل راح فيه عشرات بين قتيل وجريح أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عنه، عن أن «داعش» في أفغانستان ليس له وجود فعلي وإنما يتم الترويج له لتحقيق أهداف استراتيجية خطيرة. ويعتبر موقف أمرالله صالح هذا «ليس جديدا فيما يتعلق بحضور (داعش) ومدى انتشاره في أفغانستان ومناطق شبه القارة الهندية»، فبعد أن أعلن تنظيم داعش عن ولاية جديدة له في شبه القارة أطلق عليها اسم «ولاية خراسان» و(تشمل أفغانستان وباكستان وأجزاء من إيران ودولا في آسيا الوسطى (مثل طاجكستان، أوزبكستان، وتركمانستان)، كثرت التكهنات حول حقيقة وجود مقاتلين ينتمون لـ«داعش» في هذا البلد الذي لم ينعم بالأمن والسلام منذ أكثر من سبع وثلاثين عاما، منذ أن اجتاحت قوات الاتحاد السوفياتي السابق أراضيه في سبعينات القرن الماضي.
شكك كثيرون في أفغانستان، بينهم محللون سياسيون وعسكريون، في قوة «داعش» في نسخته الأفغانية ويرون أن الحديث عن عمليات «داعش» ومراكز التدريب له في مناطق الشرق الأفغاني ليس إلا بداية لحرب جديدة في أفغانستان والمنطقة يقف وراءها دول وشبكات استخبارات كبرى على غرار ما حدث ويحدث في العراق وسوريا، الهدف من كل هذا تحقيق أهداف استراتيجية في المنطقة والإطالة من زمن الحرب الجارية في أفغانستان، لعل كلام رئيس المخابرات الأفغاني السابق الذي قال إن الحديث عن وجود «داعش» في بلاده ليس إلا شماعة، وإن دولة مجاورة (في إشارة منه إلى باكستان) المتهمة دائما في أي عمل إرهابي في أفغانستان هي من تقف وراء الترويج لـ«داعش»، وأشار (أمرالله صالح) إلى أن العمليات الأخيرة التي نسبت إلى «داعش» إنما قام بها مجموعة عناصر من طالبان تحت اسم «داعش» جاء في هذا السياق. لكن هل فعلا «داعش» ليس له وجود في أفغانستان؟
تحدثت تقارير عسكرية أميركية، وحتى تقارير الأمم المتحدة، بأن تنظيم داعش فتح مراكز التدريب والاستقطاب لمن ينشق عن حركة طالبان في مناطق الشرق القريبة من الحدود الباكستانية، خصوصا في ولايتي (كونر وننجرهار) ذات الأغلبية الباشتونية وتحدث أهالي هاتين الولايتين عن وجود مسلحين ملثمين في مناطق بعيدة عن مراكز المدن والبلدات وأنهم ينفذون عمليات تهجير منظم لسكان القرى النائية في ولاية ننجرهار شرق البلاد. وبدأ النشاط «الداعشي» عبر تدشين محطة إذاعية بثت برامجها عبر موجات الـ«إف إم» في محافظة ننجرهار سرعان ما تمكنت من تغطية محافظات قريبة إلا أنها تم قصفها من قبل طيران الجيش الأميركي في منتصف عام 2016، وقتل عدد من موظفي الإذاعة، الأمر الذي أدى إلى تهديد «داعش» بشن عمليات انتقامية.
وحسب التقارير، لا أحد يعرف عدد مسلحي دواعش الأفغان أو المقاتلين الأجانب المنضمين للتنظيم في هذا البلد، وما هو موجود الآن توقعات المؤسسات الأمنية الأفغانية أو مراكز عملياتية للقوات الدولية المتبقية في أفغانستان، فوزارة الدفاع في كابل تخمن عدد مقاتلي (الدواعش) بين عشرة إلى خمسة عشر ألف عنصر متدرب بشكل جيد، وأن المئات بينهم من أتباع دول آسيا الوسطى والصين، يقول عبد المجيد رئيساني، وهو كاتب ومحلل سياسي أفغاني يعمل في مركز الأبحاث في كابل وهو يغطي أنشطة الجماعات المتطرفة، إن هناك أسبابا كثيرة تؤدي إلى تقوية صفوف تنظيم داعش في أفغانستان وربما لاحقا في الجوار الباكستاني، ومن أهم هذه الأسباب، حسب رأي رئيساني، الضربات الموجعات التي يتلقاها التنظيم في كل من العراق وسوريا؛ فبعد أن ضاقت الساحة على مقاتلي التنظيم في الشام يتوقع أن يتوجه عدد كبير من مقاتلي هذا التنظيم إلى أفغانستان القريبة من دول تقع في حلف روسيا الاتحادية لتجتمع في هذه النقطة من العالم، ربما لشن هجمات مستقبلية على روسيا، والعامل الثاني أن حركة طالبان أصابها الوهن والضعف والتشقق بعد رحيل مؤسسها الملا عمر، فانشقت مجموعات من الحركة الأم وليس أمامها سوى الالتحاق بتنظيم الدولة الذي يشكل مظلة كبيرة لاحتواء هذه المجموعات المتشتتة، وهي مجموعات متشددة ومتطرفة في أفكارها لا تؤمن إلا بمواصلة الحرب وإسقاط نظام الحكم في كابل وفي باقي الدول المجاورة.
وحسب التقارير، فإن من خطط لحضور «داعش» في أفغانستان يسير وفق برنامج مدروس، فهذا التنظيم ومقاتلوه بدأوا ينتشرون في الشريط الاستراتيجي الذي ينطلق من حدود باكستان في ولاية ننجرهار وكونر المتلاصقة بولاية نورستان، وهي بدورها تقترب حدودها من محافظة (بدخشان) في أقصى الشمال الأفغاني المتاخمة للحدود الطاجكية ولحدود الصين، الدولة التي تتخوف من حضور «الدواعش» في أفغانستان كثيرا بسبب تواجد مقاتلين من (الإيغور) المسلمين بينهم، كما نفذ تنظيم داعش سلسلة عمليات دموية استهدفت القوات الأفغانية والشرطة المحلية التابعة لها في ولاية (جوزجان) مسقط رأس الجنرال الأوزبكي وهو نائب الرئيس الأفغاني أيضا الجنرال «عبد الرشيد دوستم»، فوجود «الدواعش» في ولاية جوزجان ومناطق محيطة بها، وهي قريبة من دول مثل (أوزبكستان وتركمانستان) يشير بوضوح إلى أن حضور «داعش» في هذه البقعة ليس بالصدفة وإنما جاء بعد تخطيط دقيق ومنظم، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل سيجد تنظيم داعش في أفغانستان بديلا للخسارة التي مني بها في سوريا والعراق، وهل الأرضية خصبة لكي ينتشر بشكل كبير ليوجه تهديدا لروسيا وربما لإيران في المستقبل؟
يقول عبد الستار عزيز، خبير عسكري أفغاني، إن المجتمع الأفغاني مجتمع محافظ بطبعه وهو مجتمع قبلي تعود منذ القدم احترام العادات والتقاليد القبلية، وما يروج له تنظيم داعش من الأمور المستحدثة لن تجد له مكانا بين المجتمعات الأفغانية بكل ألوانها وأطيافها وعرقياتها، ويضيف أن الجهات التي تسعى إلى استقرار داعش أو انتشاره في أفغانستان ستجد نفسها أخطأت التقدير؛ لأن هذه ظاهرة شاذة وفريدة لن تجد قبولا في المجتمع الأفغاني، صحيح أنها تتوسع في بعض المناطق بسبب ضعف السلطات وعدم سيطرة القانون عليها لكن هذه الظاهرة سرعان ما تصطدم بحقيقة، وهي أن الأفغان لن يقبلوا بها وسيحاربونها.
وتشير الهجمات الدموية الأخيرة التي استهدفت الشيعة ومزاراتهم في كابل وعمليات ذبح طالتهم في بعض المناطق الأخرى، إلى أن «الدواعش الأفغان» يلعبون على وتر إثارة المشكلات الطائفية، لكن الهجوم الأخير على المستشفى العسكري في كابل، الذي شارك فيه ثلاثة أفغان ومقاتلين من طاجكستان، يشير بوضوح إلى نية «داعش»، وأنه يخطط لحرب استنزاف كبيرة في هذا البلد قد تتجاوز شرارتها إلى دول مجاورة مثل باكستان، التي هي الأخرى قلقة من انتشار تنظيم داعش في أفغانستان، وتفيد التقارير بأن «داعش» تمكن من جذب مقاتلين من وسط البنجاب الباكستاني. وقبل يومين أشارت وسائل إعلام باكستانية نقلا عن جنرالات في الجيش إلى أن القيادة العسكرية الباكستانية طالبت الولايات المتحدة بالتحرك لمنع انتشار «داعش» في أفغانستان ومعالجة الموضوع، وإلا فإن (روسيا) ستقوم بضرب أهداف للتنظيم في أفغانستان على غرار سوريا.
انتشار المجموعات المتشددة والمتطرفة آيديولوجيا ليس أمرا غريبا في أفغانستان؛ فالرئيس أشرف غني وبعده مستشار الأمن القومي «حنيف أتمر» صرح بأن نحو ثماني وتسعين مجموعة إرهابية في العالم، عشرون منها تنشط في المنطقة، أي أفغانستان وباكستان، يجب التصدي لها قبل فوات الأوان.
ويذكر أن الحرب على الإرهاب التي تحولت إلى حرب تصفية حسابات بين الدول يبدو أنها لن تنتهي قريبا؛ فكل دولة أصبح لها «دواعشها» و«طالبانها»؛ خصوصا في المنطقة المضطربة مثل أفغانستان وباكستان، التي هي مقبلة بلا شك على مرحلة جديدة من التوتر السياسي والأمني، وهو ما أدى، ربما، إلى قناعة لدى صناع القرار الأميركي بإعادة النظر في خطة الانسحاب النهائي من أفغانستان وإرسال جنود من جديد لتعزيز قدرات الجيش الأفغاني في مواجهة الخطر المتصاعد الذي يشكله تنظيم داعش وطالبان.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».