الترجمة حين تصيب النصّ بكارثة

عدنان العوامي يتتبع أخطاء المترجمين في رحلة «سادلير» عبر الجزيرة العربية

عدنان العوامي  -  غلاف الكتاب
عدنان العوامي - غلاف الكتاب
TT

الترجمة حين تصيب النصّ بكارثة

عدنان العوامي  -  غلاف الكتاب
عدنان العوامي - غلاف الكتاب

يسلط المترجم، عدنان العوامي في تحقيقه كتاب الرحالة البريطاني النقيب جورج فوستر سادلير عن رحلته عبر الجزيرة العربية، الضوء على قضية الأخطاء الكبيرة التي يقع فيها المؤلفون الأجانب، من مستشرقين ورحالة، ويقع فيها المترجمون، بل وحتى المحققون الذين لا يتقنون التعامل مع النصّ الأجنبي، ولا يفترضون إمكانية ورود الأخطاء في النطق والتدوين. الكتاب الذي بين أيدينا لم يتعرض فقط لتلك المآسي الهائلة في التدوين الخاطئ لأسماء الأمكنة والمعالم الجغرافية، بل يذهب إلى وثائق الكتاب الأصلي تعرضت للنهب والسرقة، ثم أعيد تدوين الرحلة من جديد اعتماداً على الذاكرة.
الكتاب الصادر عن مؤسسة «الانتشار العربي»، والواقع في 230 صفحة من الحجم المتوسط، يحمل عنوان: «يوميات رحلة عبر الجزيرة العربية: من القطيف في الخليج إلى ينبع في البحر الأحمر خلال عام 1819م»، وهو من تأليف النقيب جورج فوستر سادلير، وتولى المحقق والشاعر السعودي عدنان السيد محمد العوامي ترجمته وتحقيقه، كما راجع الترجمة عبد المجيد الحامد.
يسرد الكتاب وصفاً موجزاً لرحلة الكابتن جورج فورستر سادلير، وهو ضابط من الفيلق الملكي البريطاني الـ47، في رحلته التي قام بها عام 1819م من القطيف على ساحل الخليج العربي، إلى ينبع على البحر الأحمر. وجاءت الرحلة بتكليف من قبل «حكومة بومباي» في الهند، حين كُلف النقيب البريطاني التوجُّه إلى معسكر إبراهيم باشا، الذي كان منهمكاً– آنذاك- في تدمير الدرعيَّة عاصمة الدولة السعودية الأولى، بهدف الاتصال بإبراهيم باشا وتقديم عرض باسم حكومة بريطانيا عليه للتعاون.
بدأ سادلير رحلته من القطيف، بعد محاولات متكررة بدأها من مسقط في عُمان، لكنه أخفق في إقناع السلطان توفير مساعدين وأدلاّء له. ومن القطيف بدأ رحلته مخترقاً الصحراء في رحلة طولها 1200 كيلومتر. يقول العوامي في مقدمته: «أقلع سادلير من بومباي في السادس عشر من أبريل (نيسان) 1819م، في رحلة شاقَّة زار فيها (سلطنة عُمان)، ثم (أبو شهر)، ومنها كرَّ راجعاً إلى الجزيرة العربية عَبر القطيف، ثم الأحساء حيث توجَّه إلى نجد، وهناك علم بأن إبراهيم باشا غادرها إلى المدينة المنورة، فتبعه إليها، وتمكن من لقائه في (أبيار علي)، ومن ينبع توجَّه إلى جدة حيث قابل الباشا بها مرة ثانية، ومنها غادر إلى (المخا) في اليمن، بطريق البحر، عائداً إلى الهند».
ويلاحظ العوامي، أن سادلير دوَّن رحلته هذه في هيئة مذكرات، لكن استولى عليها البدو من كاتبه الإيراني، بما فيها تلك التي دوَّن فيها أسماء المواضع التي مرَّ بها، وهو أشار إلى ذلك في كتاب (ترجمة الرفاعي الطبعة 1 ص: 154. والطبعة 2 ص: 158)، ويبدو أنه قام بتدوينها ثانية، بعد عودته معتمداً على ذاكرته، وعلى ما توافر له من خرائط ومراجع عن الجزيرة العربية، حسب ما يفهم من مقدمته «ترجمة الرفاعي المذكورة»... ليس هذا وحسب؛ بل إن البوصلة التي اعتمد عليها في تحديد مساره تعطلت، ولم يشعر بعطلها إلا بعد مغادرته مدينة «الحناكية» وسط السعودية؛ لذلك ساد وصفه خط رحلته التشويش والاضطراب بصورة عامة، ومن أبرز معالم الاضطراب أن ترى بعض مذكراته مؤرخة في اليوم السابق على الأحداث التي تتحدث عنها، ناهيك عن الاضطراب في خط سيره، واعتذاراته الكثيرة عن مواضع نسي أسماءها، ومن أمثلة ذلك استدراكه بعبارات اعتذارية، مثل: «لم أذكر اسم هذه القرية ضمن ملاحظاتي، وأخشى ألا أقدر على معالجة هذا الإهمال».
* كتاب الرحلة
تولت الحكومة البريطانية طباعة تلك المذكرات بعد 47 عاماً من تلك الرحلة، أي في عام 1866م، وطبعتها في بومباي، بالهند، وصدرت أول ترجمة عربية لها محققة لسعود بن غانم الجمران العجمي، الذي أفاد بأنه حصل على نسخة منها من المتحف البريطاني بلندن، فكلف مترجماً هو أنس الرفاعي ترجمتها إلى العربية «ترجمة صحيحة وسليمة»، وتولى هو تحقيقها، والتعليق عليها، ثم نشرها، لأول مرة، بعنوان: «رحلة عبر الجزيرة العربية»، (صدرت عن دار الفكر بدمشق، 1983م)، كما صدرت لها طبعة ثانية في الكويت سنة 2005.
يلاحظ العوامي، أن النسخة المحققة تلك حملت عدداً من الأخطاء في الترجمة، ويقول: «من حقنا أن نعاتبه– المحقق- على تسامحه في تلك التحريفات والتصحيفات الفاحشة التي وقعت في الكتاب، وأخَصُّها تلك المتصلة بالمواضع والقرى والبلدات، والأعيان، ولا سيما أنه وضع للكتاب ملاحق للاستدراكات والتعليقات، إلا أنه لم يتعرض لأخطاء الترجمة، بل إنه أكَّد صحة بعضها في تعليقاته».
من الأمثلة التي يوردها العوامي، تعليق المحقق على تسمية «القواسم» بالجواسميين، حيث قال بالنص: «وتسمية سادلير لهم بالجواسميين يتطابق مع لفظ أهل الخليج لهذا الاسم حتى اليوم، وهو نسبة إلى جدهم الأعلى جاسم، وصحته قاسم»، يضيف العوامي: هذا القول ملتبس بالصواب والاشتباه؛ فبعض أهل الخليج ينطقون القاف في (قاسم) جيماً، فيقولون: (جاسم)، فإذا نسبوه قالوا: «جاسمي»، ويَجمَعونه جمعَ تكسير: «جواسم»، لكن الأغلب يتبع الفصحى فيقول: «القواسم»، كما كتبها، هو نفسه، بعفويته الفطرية في مقدمته.
لكن المحقق العجمي، التفت إلى وجود أخطاء في الطبعة الأولى قام بتصويبها في الطبعة الثانية، وهي قليلة، مثل: «عنجير» التي صوَّب بعضها إلى «العجير»، في بعض الصفحات، وترك بعضها الآخر على حاله، كما صحح «الشارقة» و«هجر»، و«أوال»، «لكننا نأخذ عليه إبقاء مسردي الأعلام والأماكن والبلدان كما هما في الطبعة السابقة، فلم يُجرِ أي تعديل عليهما».
ثمة ترجمة أخرى لرحلة سادلير، وضعها الدكتور عيسى محمد أمين، رئيس «جمعية تاريخ وتراث البحرين»، ونشرت برعاية وزارة الإعلام والثقافة والتراث الوطني بمملكة البحرين ضمن سلسلة «كتاب البحرين الثقافية»، بعنوان «رحلة إلى الجزيرة العربية»، وطبعت بالمطابع المركزية، في عَمَّان، بالأردن، عام 2005، ونشرتها المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت، يقول العوامي: «هذه الترجمة لا تختلف عن أختها إلا في كثرة الأخطاء والتصحيفات، والحذف، فمع أنها تفادت بعض ما وقعت فيه ترجمة الرفاعي، مما يتصل بالتعريف والتنكير في أسماء البلدان والمواضع، إلا أنها وقعت في شبيهها مثل: (السدير، ص: 17)، وصوابها: (سدير) غير معرفة».
ويضيف: «لعل أغرب ما يلاحظ على هذه الترجمة، الغفلة المفرطة، حتى في الأسماء المعروفة الشائعة، مثل: (بتال) الذي ترجمه إلى (بطال)، والأكثر من هذا تردده في هذا الاسم فيترجمه حيناً: (بطل الوهابي)، ثم يستدرك فيبدله إلى (بطال الوهابي)».
* أخطاء الترجمات
عكف العوامي على دراسة الأخطاء التي وقع فيها الكتاب أولاً، والمترجمون ثانياً، يقول «الأدهى أنه كثيراً ما يُخطئ في رسم الأسماء مثل (الحجاز) و(ضريبة الجهاد) و(العقير) و(قلعة الهفوف) وكملة (الوالي) و(جبل ماوان) و(جبل شمّر) و(خور كلبا) و(باب المندب) وغيرها».
كما لا يخلو الأمر أيضاً– بحسب العوامي– من أخطاء جوهرية في رسم الاسم؛ مما يقلب المعنى أو يحرفه، مثل «منفواح والصحيح: منفوحة»، (البركاس المترجمة من اللفظ الإنجليزي Al - Birkas لكنه في الاسم العربي «البرك» جمع بركة وهي علم على موضع في المدينة المنورة).. وغيرها الكثير.
ويكشف المحقق عدنان العوامي الأخطاء التي تضمنتها النسخة الأصلية لرحلة سادلير، وكذلك أخطاء مترجِمي رحلته، مبتدأً بالخريطة التي رُسم بها خط الرحلة من القطيف إلى ينبع، فهذه الخريطة لم يضعها سادلير بنفسه، وإنما وضعها شخص اسمه (M. G. M Souythton، H.) اعتماداً على مدونات سادلير، وجاءت الخريطة في ترجمة الرفاعي، وترجمة عيسى أمين.
أما أخطاء تلك الخريطة، فهي لا تتعلق فقط باسقطات الخريطة التي تمثل خط بداية وسير الرحلة فقط، بل بالنسبة للتسميات التي تقع فوقها... تشير الخريطة إلى «الشمال من هذا الموقع تأتي (الدمام)، وشماليها (طاروط) - كذا بطاء في أولها وأخرى في آخرها، والمقصود بها: (تاروت)».
أمثلة أخرى على أماكن وآبار مياه، من بينها «الإشارة على ذات الخريطة إلى الشمال بميل قليل إلى الغرب مساحة كبيرة جرداء عُنوِنَت باسم: (مقاطعة دحينة)، وقد تقرأ: (مقاطعة رحينة).. فنعت الاسم بالمقاطعة يوحي بأن المراد بادية (الدهناء). غير أن موقع هذه في الغرب من الأحساء، وليس كما ذكر في الخريطة. أما في الجهة التي تشير إليها الخريطة فليس فيها إلا (الدهينة)، وهي مورد ماء تابع للنعيرية، ولا يصح نعتها بالمقاطعة». يتتبع العوامي أسماء عشرات المواقع على امتداد الرحلة التي قام بها سادلير تم تسجيلها بطريقة خاطئة؛ مما أفقد الرحلة توثيقها الجغرافي والتاريخي، بل إن الكتاب فقد معناه في التعبير عن الأماكن التي مرّ بها الرحالة البريطاني، وعلاقتها بخطوط التجارة مثلاً، أو مصادر المياه، أو ممرات رحلات التجارة والحج.
ويعقد العوامي عدداً من المقارنات بين ترجمتي الرفاعي والترجمة التي أصدرها عيسى أمين للكتاب:
«على الصفحة 114 من ترجمة الرفاعي لمذكرة الحادي عشر من أيلول (سبتمبر (أيلول)» نقرأ الفقرة التالية: «حدث بعد ظهر هذا اليوم حادث يؤسف له، فقد وصلت حامية عسكرية في طريقها من ينبع نحو المدينة إلى نقطة تبعد ثلاثة أميال عن (أبيار علي) عندما انفصل أحد الضباط الأساسيين عن الحرس، وهو ابن الوزير بسبب شوقه للوصول إلى المدينة في أبكر وقت ممكن، واندفع إلى الأمام بحماية خمسة رجال خيالة، وفي طريق ضيق بين الجبال هاجمتهم مجموعة من قطاع الطرق التي تغزو هذه الجبال باستمرار وبأعداد كبيرة، فجرح ابن الوزير جرحاً بليغاً في ركبته ورمي أحد الخيالة في صدره، وهرب الخيالة الباقون».
أما ترجمة الدكتور عيسى لهذه الفقرة من المذكرة نفسها ص 109 تقول: «حدثت حادثة مؤلمة اليوم فقد أصيب أحد الضباط المرافقين لقافلة الحج، وذلك عندما انفصل عنها متقدماً إلى المدينة، ووقع في كمين لقطاع الطرق. كانت إصابة الضابط في ركبته بينما أصيب أحد المرافقين في صدره، وهرب إلى (بير علي)». فالحامية العسكرية في ترجمة تتحول إلى قافلة حجاج في الترجمة الأخرى، وكأن لا فرق بين الحجاج والعسكر؟!



رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.