رئاسيات فرنسا: عام المفاجآت

قبل 50 يوماً على الانتخابات تساؤلات حول قدرة مرشح اليمين الكلاسيكي على الاستمرار

رئاسيات فرنسا: عام المفاجآت
TT

رئاسيات فرنسا: عام المفاجآت

رئاسيات فرنسا: عام المفاجآت

لا تشبه الانتخابات الرئاسية الحالية في فرنسا أيا من الانتخابات السابقة التي عرفتها الجمهورية الخامسة منذ تأسيسها على يدي الجنرال شارل ديغول في عام 1957.
كل يوم يمر يأتي بجديد إلى درجة أن نسبة كبيرة من الفرنسيين أصبحت ضائعة وفقدت معالمها. وقبل خمسين يوما على الدورة الجولة الأولى التي ستجرى في 23 أبريل (نيسان) المقل، ما زالت الأمور متحركة، لا بل مائعة؛ إذ ثمة تساؤلات كثيرة ما زالت مطروحة بصدد قدرة مرشح اليمين الكلاسيكي فرنسوا فيون على الاستمرار في ترشحه حتى النهاية رغم تغلبه على العوائق التي كادت أن تطيح به نهاية الأسبوع الماضي بسبب فضائح الوظائف الوهمية التي منحها زوجته ولاثنين من أبنائه، والتي بموجبها سيتم توجيه اتهامات رسمية له في 15 من الشهر الحالي. وحتى تزداد الأمور تعقيدا بالنسبة إليه، فإن صحيفة «لو كنار أونشينيه» الساخرة، التي هي أساس متاعب فيون، كشفت النقاب في طبعتها ليوم الأربعاء السابق، عن أن الأخير حصل على قرض من غير فوائد بقيمة 50 ألف يورو من رجل الأعمال والملياردير مارك دو لاشاريير صاحب مجلة «ليه دو موند» «العالمان» الذي وظف بينيلوبي، زوجة فيون. والأخيرة حصلت من رجل الأعمال على نحو 100 ألف يورو مقابل مقالتين في باب النقد الأدبي لكتابين؛ الأمر الذي قاد قضاة التحقيق إلى اعتبار أنها كانت تشغل وظيفة وهمية شبيهة بالوظيفة الوهمية بوصفها مساعدة برلمانية لزوجها، والتي وفرت لها نحو 600 ألف يورو.
ثمة صعوبات إضافية تنتظر المرشح فيون والمخاوف لدى قادة اليمين وناخبيه، ألا يتمكن الأخير من التأهل للجولة الثانية من الانتخابات. وهذا يعني عمليا أن اليمين سيجد نفسه خارج السباق، والأهم لسنوات خمس إضافية في المعارضة. وإذا تحقق هذا السيناريو- الكابوس، فإن اليمين سيغيب للمرة الأولى منذ ستين عاما عن نهائيات الانتخابات الرئاسية في فرنسا؛ ما يشكل تغييرا راديكاليا في المشهد السياسي وتوزع القوى.
إذا صح هذا السيناريو، فإنها ستكون المرة الأولى التي تجرى فيها الجولة الثانية من الانتخابات من غير ممثل لليمين الكلاسيكي في فرنسا. فمنذ ستين عاما، تناوب على رئاسة الجمهورية 7 رؤساء، خمسة من اليمين «الجنرال ديغول، جورج بومبيدو، جيسكار ديستان، جاك شيراك ونيكولا ساركوزي» ورئيسان اشتراكيان «فرنسوا ميتران وفرنسوا هولاند». وإذا صدقت استطلاعات الرأي المتواترة، فإن التنافس النهائي سيكون بين مرشحة اليمين المتطرف مارين ومرشح الوسط إيمانويل ماكرون.
قد يكون العزاء الوحيد لليمين أن اليسار الاشتراكي والمعتدل سيكون هو الآخر غائبا عنها. فنتائج الاستطلاعات تفيد بأن مرشح الاشتراكيين بونوا هامون سيحل في المرتبة الرابعة «ما بين 15 و17 في المائة من الأصوات» بعد مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان «27 و26 في المائة ومرشح الوسط إيمانويل 24 و25 في المائة ومرشح اليمين فرنسوا فيون، 17 و19 في المائة». والمرة الوحيدة التي عرف فيها الاشتراكيون هذا المصير حصلت في عام 2002 عندما أخفق رئيس الوزراء الأسبق الاشتراكي ليونيل جوسبان في التأهل للجولة الانتخابية الثانية، حيث سبقه مرشح اليمين الرئيس جاك شيراك ومرشح اليمين المتطرف جان ماري لوبان، والد مارين لوبان. وهكذا، سيكون المشهد السياسي الفرنسي قد عرف تغيرا جذريا. فخلال عقود طويلة كان يتمحور حول قطبين أساسيين: قطب يميني كلاسيكي وقطب يساري اشتراكي. وعلى جانبيهما كانت تدور حركات سياسية متشددة «اليسار الراديكالي أو متطرفة مثل الجبهة الوطنية» ومجموعات أخرى أقل شأنا. والحال، أن هذه الصورة ستتغير وستحتل الساحة السياسية أربعة أقطاب، حيث سيزيح القطبان المستجدان «اليمين المتطرف والوسط الناشئ» القطبين الأولين ليفرضا توازنات جديدة لها انعكاساتها على الانتخابات التشريعية والمحلية، ولكن خصوصا على مزاج الناخبين الفرنسيين.
تكمن مشكلة اليسار في تشتته، وتحديدا في تواجد مرشحين تتقارب برامجهما الانتخابية إلى حد بعيد، وهما المرشح الرسمي للاشتراكيين بونوا هامون ومرشح اليسار المتشدد الذي يضم في صفوفه الشيوعيين، والذي يمثله النائب الأوروبي والخطيب المفوه جان لوك ميلونشون. وهذا الأخير كان من الأوائل الذين انطلقوا في المنافسة الانتخابية، وسبق له أن ترشح للرئاسة في عام 2012. وميلونشون البالغ من العمر 65 عاما، ليس سياسيا عاديا. وكل مهرجاناته الانتخابية تستقطب الآلاف من المواطنين الذين يستهويهم برنامجه الانتخابي الذي يركز على حماية الموظفين والطبقة العاملة، والمعادي للاتحاد الأوروبي. ويعتبر ميلونشون، أن الحزب الاشتراكي والرئيس فرنسوا هولاند خانا الوعود الانتخابية التي أطلقاها في عام 2012، بأن اعتمدا سياسة اقتصادية واجتماعية ليبرالية تخدم الشركات على حساب الموظفين، وتجعل وضع العمال أكثر هشاشة. ويريد ميلونشون إخراج فرنسا من الاتحاد الأوروبي والتخلي عن العملة الموحدة، وهو ما تنادي به «وهنا المفارقة» مارين لوبان. وبسبب هذه المواقف، كان من الصعب على هامون وميلونشون أن يتفقا بأن ينسحب أحدهما للآخر. وهذا الواقع يثير نقمة اليساريين بشكل عام. ولو نجح هذان المرشحان في الاتفاق، لكانت توفرت لليسار فرصة الحضور والتنافس في الجولة الثانية التي تقتصر فقط على المرشحَين اللذين يحتلان المرتبتين الأولى والثانية.
بيد أن مصاعب مرشح الاشتراكيين الرسمي الذي فاز في الانتخابات الداخلية على رئيس الوزراء السابق مانويل فالس لا تقتصر فقط على التنافس على جناحه الأيسر، بل تكمن أيضا في أنه لا يحظى بالدعم الكافي من داخل الحزب الاشتراكي. ذلك أن عددا من وجهاء الحزب، وآخرهم عمدة باريس السابق برتراند دولانويه، قرروا التخلي عن دمه والاصطفاف وراء مرشح الوسط إيمانيول ماكرون الذي شغل وزارة الاقتصاد طيلة عامين، وكان قبلها الأمين العام المساعد للرئاسة ومستشارا مسموع الكلمة لدى الرئيس هولاند. وحجة هؤلاء، أن برنامج هامون الانتخابي «متطرف» و«غير قابل للتطبيق»، وبالتالي هم يرون أنهم أقرب إلى مرشح الوسط. وحقيقة الأمر، أن ثمة اقتراحا في برنامج هامون لا يحوز على قبول الكثيرين، وهو المتمثل بتوفير عائد للشباب في مرحلة أولى مهما كان وضعهم وللسكان كافة في مرحلة لاحقة، وذلك من باب محاربة الفقر وتمكين الفئات الأضعف من الانتظار حتى تنجح في الحصول على وظيفة. ولا يفرق برنامج هامون بين غني وفقير، وبين موظف وعاطل عن العمل؛ الأمر الذي يرى فيه الكثيرون غوغائية لا يمكن السير بها في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية لفرنسا ووجود عجوزات ساحقة في برامج الضمان الاجتماعي وصناديق الشيخوخة والتقاعد، خصوصا في ظل بقاء البطالة بنسبة بالغة الارتفاع «نحو 10 في المائة». ولم يكف هامون أنه نجح في دفع مرشح الخضر والبيئيين يانيك جادو إلى لانسحاب من السابق والانضمام إلى حملته الانتخابية؛ لأن الأخير لا يمثل إلا نحو 2 في المائة من الأصوات. وبعد «طفرة» أعقبت انتخابه مرشحا عن اليسار والاشتراكيين عادت أسهمه للتراجع. ويتوقع كثيرون أن تفضي هزيمة الاشتراكيين إلى تفجر حزبهم من الداخل وتوزعه على جناحين على الأقل: الأول يساري أرثوذكسي، أي متمسك بالقيم والمبادئ التقليدية للاشتراكية، والثاني اجتماعي ليبرالي. وبالطبع ستقوم بين الجناحين حرب أين منها حرب داحس والغبراء.
مقابل انهيار القطبين التقليديين، يبرز بزوغ نجم مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان البالغة من العمر 48 عاما. لوبان ورثت الجبهة الوطنية عن والدها جان ماري، الذي أقصى رفقاء الدرب لينصب ابنته. ومنذ تملكها الحزب، سعت المحامية مارين لوبان إلى تغيير صورته ودفعه باتجاه استقطاب الطبقات الدنيا، أكان ذلك في صفوف العمال والموظفين أو المزارعين، وكل من يشكو من الاتحاد الأوروبي والعملة الموحدة. وسعت لوبان إلى أن تزرع في عقول الناس أنها تدافع عن الضعفاء بوجه العولمة، وتمد اليد لمن بقي على قارعة الطريق، مستعيدة بذلك الدور الذي كان يلعبه الحزب الشيوعي. لكن لوبان لم تتخل عن أساسيات الجبهة الوطنية مثل الدفاع عن الهوية الوطنية والتحذير من الإسلام والعرب والمهاجرين بشكل عام. واستفادت بالطبع مما جرى في فرنسا في العامين الماضيين من أعمال إرهابية دامية حصدت 243 قتيلا، وأوقعت مئات الجرحى ومن الربط بين الإسلام والإرهاب. وترى لوبان أنها اليوم أقرب من أي وقت مضى من قصر الإليزيه، متشجعة بما حصل في بريطانيا «البريكست» وفي الولايات المتحدة الأميركية «انتخاب دونالد ترمب»، وكلاهما يعكس انتصار الشعبوية التي تشكل الصفة الأولى لخطاب رئيسة الجبهة الوطنية ولبرنامجها الانتخابي. وتريد لوبان استفتاء حول بقاء فرنسا داخل الاتحاد والخروج من العملة الموحدة... وما يميزها عن فيون أن الأخير وقع ضحية مشاكله مع العدالة بينما لوبان التي نزع عنها البرلمان الأوروبي حصانتها النيابية لا يبدو أنها تعاني من الفضائح الملتصقة باسمها، حيث إنها هي الأخرى اخترعت وظائف وهمية؛ إذ سكرتيرتها الشخصية مساعدة برلمانية لها، وكذلك فعلت مع حارسها الشخصي. والحال أن الاثنين لم يعملا لها في البرلمان الأوروبي، بل لحزب الجبهة الوطنية. لذا؛ فإن القضاة الفرنسيين المكلفين القضية يريدون استجوابها، لكنها ترفض الامتثال بانتظار أن تمر الانتخابات الرئاسية.
يرى المراقبون السياسيون، أن الخطر الذي تمثله لوبان تحول إلى تهديد حقيقي. وآخر من قرع ناقوس الخطر الرئيس الفرنسي الذي يحذر من النتائج الكارثية لوصول لوبان، ليس فقط بالنسبة لفرنسا، ولكن بالنسبة لمستقبل الاتحاد الأوروبي، حيث تشكل فرنسا وألمانيا عموده الفقري، وبالتالي فإن خروج فرنسا منه وتخليه عن اليورو سيكون بمثابة زلزال سيطيح أركان البناء الأوروبي ومؤسساته السياسية والاقتصادية والمالية. وثمة خطورة ماثلة بوجه الفرنسيين، وهي الانتخابات التي ستجرى في هولندا في الخامس عشر من الشهر الحالي، حيث اليمن المتطرف الهولندي يسجل النقاط وزعيمه يهيئ نفسه للوصل إلى السلطة. وإذا تحققت هذه التوقعات، فإنها ستوفر لـمارين لوبان قوة دفع إضافية، وحجة مفادها أن ما حصل في هولندا يمكن أن يحصل في فرنسا.
حتى الآن، ووفق استطلاعات الرأي، لا يبدو أن مرشحة اليمين المتطرف قادرة على اختراق ما يسمى بالفرنسية «السقف الزجاجي» الذي يمنعها من الوصل إلى الرئاسة بسبب المزاج الفرنسي، وبسبب النظام الانتخابي القائم على دورتين. وإذا كان تأهل لوبان للجولة الثانية ليس موضع جدل، فإن استطلاعات الرأي تفيد بأنها ستهزم في الجولة الثانية إذا كان خصمها إيمانويل ماكرون. لكن الفارق بين ما يمكن أن يحصل عليه المرشحان آخذا في التقلص. ومصدر القلق أن استطلاعات الرأي تفيد بأن ناخبا فرنسيا من أصل ثلاثة «يتقبل» أفكار وطروحات الجبهة الوطنية؛ ما يمثل طفرة لحزب الجبهة الوطنية التي اخترقت الطبقات الاجتماعية كافة، ولم تعد تعيش على الهامش.
مقابل لوبان، يقف إيمانويل ماكرون بالمرصاد؛ فبرنامجه مغاير تماما لبرنامجها من حيث التمسك بالانتماء الأوروبي وبالعملة الموحدة، ورفضه التطرف. لكن ما يميز ماكرون البالغ من العمر 39 عاما، أنه يريد تخطي اليمين واليسار والآيديولوجيات القديمة. ولذا؛ فإن الحركة التي أطلقها الربيع الماضي واسمها «إلى الأمام» تضم خليطا من اليمين واليسار، وهي تستقطب أكثر فأكثر شخصيات متعددة المشارب. وكان يؤخذ على ماكرون، أنه «فقاعة إعلامية» وألا برنامج له كما أنه يفتقر الخبرة السياسية... ولكنه في الأيام الأخيرة عمد إلى عرض برنامجه الاقتصادي والاجتماعي، لا بل إن النقاش يدور حوله وليس حول الآخرين. ويؤخذ على ماكرون أيضا هشاشته السياسية؛ لأنه لم يسبق له بتاتا أن ترشح لأي مقعد انتخابي، وأنه «مرشح البنوك» والقطاع المالي بسبب عمله سابقا في بنك روتشيلد. أما سياسيا، فإن نقطة ضعفه الأولى الضبابية التي تحيط بصورة الأكثرية التي يستطيع الاعتماد عليها في مجلس النواب لحكم فرنسا وتنفيذ الإصلاحات التي يعد بها. ذلك أن ماكرون، بعكس فيون ولوبان والآخرين، لا حزب له ولا مرشحين على اسمه. لكن هذه الحجة يمكن الرد عليها بأن انتخابه للرئاسة سيوفر له دفعا قويا يمكنه لاحقا من اجتذاب الكثيرين من السياسيين ومن غير السياسيين، وبالتالي فإن هذه المشكلة ليست صعبة التجاوز.
يريد ماكرون أن يكون مرشح الشباب والتجديد، وهو يرى أنه يتعين قلب صفحة الماضي ورجاله لأن الحلول التي اقترحوها لإخراج فرنسا من أزمتها قد فشلت. ويريد ماكرون «إعادة بناء العقد الاجتماعي مع الطبقات الوسطى»، كما يريد إعادة إصلاح الأنظمة الاجتماعية و«تحرير» سوق العمل لكي يتلاءم مع الأوضاع الاقتصادية الجديدة. ويحدد ماكرون نفسه على وسطي، وليبرالي ــ اجتماعي، مؤمن بأوروبا. واستفاد ماكرون من صعوبات فيون ومن خطابه الذي أخذ ينحو منحى راديكاليا لاجتذاب غير المقتنعين به مكن داخل صفوف اليمين... لكن ما قد يضر بمرشح الوسط هو الإشاعات الخاصة بحياته الشخصية التي انتشرت مؤخرا في فرنسا وخارجها على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد سارع الأخير إلى نفيها وإلى تأكيد أنه ما زال يعيش مع زوجته بريجيت التي كانت أستاذته لمادة الأدب الفرنسي عندما كان في التعليم الثانوي، وهي تكبره بـ24 عاما وقد تزوجا في عام 2007.
إذا بقيت الصورة التي تعكسها استطلاعات الرأي على حالها، أي إزاحة فيون من الجولة الثانية وبقاء المرشحين الأولين لوبان وماكرون، فإن للأخير حظا بأن يكون ثامن رئيس للجمهورية الفرنسية والأصغر سنا على الإطلاق (39 عاما). لكن الأمور ليست بهذه السهولة واستطلاعات الرأي ليس من العلوم الحقيقية وهامش الخطأ كبير. ولعل الدليل على ذلك أن أيا منها لم يتوقع فوز أنصار «البريكست» في بريطانيا أو ترمب في الولايات المتحدة. لذا؛ فإن الكثيرين يرون أن الأمور لم تستقر بعد في فرنسا، وأن مفاجآت يمكن أن تحصل. وترنو أنظار المراقبين إلى معرفة الاتجاه الذي ستسلكه حملة فيون بعد أن خرج رئيس الوزراء الأسبق آلان جوبيه من المعادلة. وهذا الأخير كان الوحيد القادر على قلب المعادلات وتمكين اليمن من التأهل للجولة الرئاسية الثانية والفوز بالرئاسة. لكن الحزازات والحساسيات الداخلية ورفض فيون التنحي لصالحه واتجاه خطابه الانتخابي إلى اليمين المتشدد كلها عوامل دفعت جوبيه للنأي بنفسه عن حملة رئاسية لا يحوز فيها على دعم مكونات اليمين كافة.
في 7 مايو (أيار)، سيخرج اسم رئيس «أو رئيسة» الجمهورية الفرنسية من صناديق الاقتراع. ولكن حتى ذلك التاريخ سيبقى الفرنسيون يعيشون حالة من «انعدام الوزن». وبمواجهة الوعود الكثيرة التي تنهال عليهم من المرشحين يمينا ويسارا ووسطا، يلزم هؤلاء موقفا مشككا؛ لأنهم خبروا من زمن بعيد أن الوعود شيء، وما سيتحقق منها شيء آخر.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».