رئاسيات فرنسا: عام المفاجآت

قبل 50 يوماً على الانتخابات تساؤلات حول قدرة مرشح اليمين الكلاسيكي على الاستمرار

رئاسيات فرنسا: عام المفاجآت
TT

رئاسيات فرنسا: عام المفاجآت

رئاسيات فرنسا: عام المفاجآت

لا تشبه الانتخابات الرئاسية الحالية في فرنسا أيا من الانتخابات السابقة التي عرفتها الجمهورية الخامسة منذ تأسيسها على يدي الجنرال شارل ديغول في عام 1957.
كل يوم يمر يأتي بجديد إلى درجة أن نسبة كبيرة من الفرنسيين أصبحت ضائعة وفقدت معالمها. وقبل خمسين يوما على الدورة الجولة الأولى التي ستجرى في 23 أبريل (نيسان) المقل، ما زالت الأمور متحركة، لا بل مائعة؛ إذ ثمة تساؤلات كثيرة ما زالت مطروحة بصدد قدرة مرشح اليمين الكلاسيكي فرنسوا فيون على الاستمرار في ترشحه حتى النهاية رغم تغلبه على العوائق التي كادت أن تطيح به نهاية الأسبوع الماضي بسبب فضائح الوظائف الوهمية التي منحها زوجته ولاثنين من أبنائه، والتي بموجبها سيتم توجيه اتهامات رسمية له في 15 من الشهر الحالي. وحتى تزداد الأمور تعقيدا بالنسبة إليه، فإن صحيفة «لو كنار أونشينيه» الساخرة، التي هي أساس متاعب فيون، كشفت النقاب في طبعتها ليوم الأربعاء السابق، عن أن الأخير حصل على قرض من غير فوائد بقيمة 50 ألف يورو من رجل الأعمال والملياردير مارك دو لاشاريير صاحب مجلة «ليه دو موند» «العالمان» الذي وظف بينيلوبي، زوجة فيون. والأخيرة حصلت من رجل الأعمال على نحو 100 ألف يورو مقابل مقالتين في باب النقد الأدبي لكتابين؛ الأمر الذي قاد قضاة التحقيق إلى اعتبار أنها كانت تشغل وظيفة وهمية شبيهة بالوظيفة الوهمية بوصفها مساعدة برلمانية لزوجها، والتي وفرت لها نحو 600 ألف يورو.
ثمة صعوبات إضافية تنتظر المرشح فيون والمخاوف لدى قادة اليمين وناخبيه، ألا يتمكن الأخير من التأهل للجولة الثانية من الانتخابات. وهذا يعني عمليا أن اليمين سيجد نفسه خارج السباق، والأهم لسنوات خمس إضافية في المعارضة. وإذا تحقق هذا السيناريو- الكابوس، فإن اليمين سيغيب للمرة الأولى منذ ستين عاما عن نهائيات الانتخابات الرئاسية في فرنسا؛ ما يشكل تغييرا راديكاليا في المشهد السياسي وتوزع القوى.
إذا صح هذا السيناريو، فإنها ستكون المرة الأولى التي تجرى فيها الجولة الثانية من الانتخابات من غير ممثل لليمين الكلاسيكي في فرنسا. فمنذ ستين عاما، تناوب على رئاسة الجمهورية 7 رؤساء، خمسة من اليمين «الجنرال ديغول، جورج بومبيدو، جيسكار ديستان، جاك شيراك ونيكولا ساركوزي» ورئيسان اشتراكيان «فرنسوا ميتران وفرنسوا هولاند». وإذا صدقت استطلاعات الرأي المتواترة، فإن التنافس النهائي سيكون بين مرشحة اليمين المتطرف مارين ومرشح الوسط إيمانويل ماكرون.
قد يكون العزاء الوحيد لليمين أن اليسار الاشتراكي والمعتدل سيكون هو الآخر غائبا عنها. فنتائج الاستطلاعات تفيد بأن مرشح الاشتراكيين بونوا هامون سيحل في المرتبة الرابعة «ما بين 15 و17 في المائة من الأصوات» بعد مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان «27 و26 في المائة ومرشح الوسط إيمانويل 24 و25 في المائة ومرشح اليمين فرنسوا فيون، 17 و19 في المائة». والمرة الوحيدة التي عرف فيها الاشتراكيون هذا المصير حصلت في عام 2002 عندما أخفق رئيس الوزراء الأسبق الاشتراكي ليونيل جوسبان في التأهل للجولة الانتخابية الثانية، حيث سبقه مرشح اليمين الرئيس جاك شيراك ومرشح اليمين المتطرف جان ماري لوبان، والد مارين لوبان. وهكذا، سيكون المشهد السياسي الفرنسي قد عرف تغيرا جذريا. فخلال عقود طويلة كان يتمحور حول قطبين أساسيين: قطب يميني كلاسيكي وقطب يساري اشتراكي. وعلى جانبيهما كانت تدور حركات سياسية متشددة «اليسار الراديكالي أو متطرفة مثل الجبهة الوطنية» ومجموعات أخرى أقل شأنا. والحال، أن هذه الصورة ستتغير وستحتل الساحة السياسية أربعة أقطاب، حيث سيزيح القطبان المستجدان «اليمين المتطرف والوسط الناشئ» القطبين الأولين ليفرضا توازنات جديدة لها انعكاساتها على الانتخابات التشريعية والمحلية، ولكن خصوصا على مزاج الناخبين الفرنسيين.
تكمن مشكلة اليسار في تشتته، وتحديدا في تواجد مرشحين تتقارب برامجهما الانتخابية إلى حد بعيد، وهما المرشح الرسمي للاشتراكيين بونوا هامون ومرشح اليسار المتشدد الذي يضم في صفوفه الشيوعيين، والذي يمثله النائب الأوروبي والخطيب المفوه جان لوك ميلونشون. وهذا الأخير كان من الأوائل الذين انطلقوا في المنافسة الانتخابية، وسبق له أن ترشح للرئاسة في عام 2012. وميلونشون البالغ من العمر 65 عاما، ليس سياسيا عاديا. وكل مهرجاناته الانتخابية تستقطب الآلاف من المواطنين الذين يستهويهم برنامجه الانتخابي الذي يركز على حماية الموظفين والطبقة العاملة، والمعادي للاتحاد الأوروبي. ويعتبر ميلونشون، أن الحزب الاشتراكي والرئيس فرنسوا هولاند خانا الوعود الانتخابية التي أطلقاها في عام 2012، بأن اعتمدا سياسة اقتصادية واجتماعية ليبرالية تخدم الشركات على حساب الموظفين، وتجعل وضع العمال أكثر هشاشة. ويريد ميلونشون إخراج فرنسا من الاتحاد الأوروبي والتخلي عن العملة الموحدة، وهو ما تنادي به «وهنا المفارقة» مارين لوبان. وبسبب هذه المواقف، كان من الصعب على هامون وميلونشون أن يتفقا بأن ينسحب أحدهما للآخر. وهذا الواقع يثير نقمة اليساريين بشكل عام. ولو نجح هذان المرشحان في الاتفاق، لكانت توفرت لليسار فرصة الحضور والتنافس في الجولة الثانية التي تقتصر فقط على المرشحَين اللذين يحتلان المرتبتين الأولى والثانية.
بيد أن مصاعب مرشح الاشتراكيين الرسمي الذي فاز في الانتخابات الداخلية على رئيس الوزراء السابق مانويل فالس لا تقتصر فقط على التنافس على جناحه الأيسر، بل تكمن أيضا في أنه لا يحظى بالدعم الكافي من داخل الحزب الاشتراكي. ذلك أن عددا من وجهاء الحزب، وآخرهم عمدة باريس السابق برتراند دولانويه، قرروا التخلي عن دمه والاصطفاف وراء مرشح الوسط إيمانيول ماكرون الذي شغل وزارة الاقتصاد طيلة عامين، وكان قبلها الأمين العام المساعد للرئاسة ومستشارا مسموع الكلمة لدى الرئيس هولاند. وحجة هؤلاء، أن برنامج هامون الانتخابي «متطرف» و«غير قابل للتطبيق»، وبالتالي هم يرون أنهم أقرب إلى مرشح الوسط. وحقيقة الأمر، أن ثمة اقتراحا في برنامج هامون لا يحوز على قبول الكثيرين، وهو المتمثل بتوفير عائد للشباب في مرحلة أولى مهما كان وضعهم وللسكان كافة في مرحلة لاحقة، وذلك من باب محاربة الفقر وتمكين الفئات الأضعف من الانتظار حتى تنجح في الحصول على وظيفة. ولا يفرق برنامج هامون بين غني وفقير، وبين موظف وعاطل عن العمل؛ الأمر الذي يرى فيه الكثيرون غوغائية لا يمكن السير بها في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية لفرنسا ووجود عجوزات ساحقة في برامج الضمان الاجتماعي وصناديق الشيخوخة والتقاعد، خصوصا في ظل بقاء البطالة بنسبة بالغة الارتفاع «نحو 10 في المائة». ولم يكف هامون أنه نجح في دفع مرشح الخضر والبيئيين يانيك جادو إلى لانسحاب من السابق والانضمام إلى حملته الانتخابية؛ لأن الأخير لا يمثل إلا نحو 2 في المائة من الأصوات. وبعد «طفرة» أعقبت انتخابه مرشحا عن اليسار والاشتراكيين عادت أسهمه للتراجع. ويتوقع كثيرون أن تفضي هزيمة الاشتراكيين إلى تفجر حزبهم من الداخل وتوزعه على جناحين على الأقل: الأول يساري أرثوذكسي، أي متمسك بالقيم والمبادئ التقليدية للاشتراكية، والثاني اجتماعي ليبرالي. وبالطبع ستقوم بين الجناحين حرب أين منها حرب داحس والغبراء.
مقابل انهيار القطبين التقليديين، يبرز بزوغ نجم مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان البالغة من العمر 48 عاما. لوبان ورثت الجبهة الوطنية عن والدها جان ماري، الذي أقصى رفقاء الدرب لينصب ابنته. ومنذ تملكها الحزب، سعت المحامية مارين لوبان إلى تغيير صورته ودفعه باتجاه استقطاب الطبقات الدنيا، أكان ذلك في صفوف العمال والموظفين أو المزارعين، وكل من يشكو من الاتحاد الأوروبي والعملة الموحدة. وسعت لوبان إلى أن تزرع في عقول الناس أنها تدافع عن الضعفاء بوجه العولمة، وتمد اليد لمن بقي على قارعة الطريق، مستعيدة بذلك الدور الذي كان يلعبه الحزب الشيوعي. لكن لوبان لم تتخل عن أساسيات الجبهة الوطنية مثل الدفاع عن الهوية الوطنية والتحذير من الإسلام والعرب والمهاجرين بشكل عام. واستفادت بالطبع مما جرى في فرنسا في العامين الماضيين من أعمال إرهابية دامية حصدت 243 قتيلا، وأوقعت مئات الجرحى ومن الربط بين الإسلام والإرهاب. وترى لوبان أنها اليوم أقرب من أي وقت مضى من قصر الإليزيه، متشجعة بما حصل في بريطانيا «البريكست» وفي الولايات المتحدة الأميركية «انتخاب دونالد ترمب»، وكلاهما يعكس انتصار الشعبوية التي تشكل الصفة الأولى لخطاب رئيسة الجبهة الوطنية ولبرنامجها الانتخابي. وتريد لوبان استفتاء حول بقاء فرنسا داخل الاتحاد والخروج من العملة الموحدة... وما يميزها عن فيون أن الأخير وقع ضحية مشاكله مع العدالة بينما لوبان التي نزع عنها البرلمان الأوروبي حصانتها النيابية لا يبدو أنها تعاني من الفضائح الملتصقة باسمها، حيث إنها هي الأخرى اخترعت وظائف وهمية؛ إذ سكرتيرتها الشخصية مساعدة برلمانية لها، وكذلك فعلت مع حارسها الشخصي. والحال أن الاثنين لم يعملا لها في البرلمان الأوروبي، بل لحزب الجبهة الوطنية. لذا؛ فإن القضاة الفرنسيين المكلفين القضية يريدون استجوابها، لكنها ترفض الامتثال بانتظار أن تمر الانتخابات الرئاسية.
يرى المراقبون السياسيون، أن الخطر الذي تمثله لوبان تحول إلى تهديد حقيقي. وآخر من قرع ناقوس الخطر الرئيس الفرنسي الذي يحذر من النتائج الكارثية لوصول لوبان، ليس فقط بالنسبة لفرنسا، ولكن بالنسبة لمستقبل الاتحاد الأوروبي، حيث تشكل فرنسا وألمانيا عموده الفقري، وبالتالي فإن خروج فرنسا منه وتخليه عن اليورو سيكون بمثابة زلزال سيطيح أركان البناء الأوروبي ومؤسساته السياسية والاقتصادية والمالية. وثمة خطورة ماثلة بوجه الفرنسيين، وهي الانتخابات التي ستجرى في هولندا في الخامس عشر من الشهر الحالي، حيث اليمن المتطرف الهولندي يسجل النقاط وزعيمه يهيئ نفسه للوصل إلى السلطة. وإذا تحققت هذه التوقعات، فإنها ستوفر لـمارين لوبان قوة دفع إضافية، وحجة مفادها أن ما حصل في هولندا يمكن أن يحصل في فرنسا.
حتى الآن، ووفق استطلاعات الرأي، لا يبدو أن مرشحة اليمين المتطرف قادرة على اختراق ما يسمى بالفرنسية «السقف الزجاجي» الذي يمنعها من الوصل إلى الرئاسة بسبب المزاج الفرنسي، وبسبب النظام الانتخابي القائم على دورتين. وإذا كان تأهل لوبان للجولة الثانية ليس موضع جدل، فإن استطلاعات الرأي تفيد بأنها ستهزم في الجولة الثانية إذا كان خصمها إيمانويل ماكرون. لكن الفارق بين ما يمكن أن يحصل عليه المرشحان آخذا في التقلص. ومصدر القلق أن استطلاعات الرأي تفيد بأن ناخبا فرنسيا من أصل ثلاثة «يتقبل» أفكار وطروحات الجبهة الوطنية؛ ما يمثل طفرة لحزب الجبهة الوطنية التي اخترقت الطبقات الاجتماعية كافة، ولم تعد تعيش على الهامش.
مقابل لوبان، يقف إيمانويل ماكرون بالمرصاد؛ فبرنامجه مغاير تماما لبرنامجها من حيث التمسك بالانتماء الأوروبي وبالعملة الموحدة، ورفضه التطرف. لكن ما يميز ماكرون البالغ من العمر 39 عاما، أنه يريد تخطي اليمين واليسار والآيديولوجيات القديمة. ولذا؛ فإن الحركة التي أطلقها الربيع الماضي واسمها «إلى الأمام» تضم خليطا من اليمين واليسار، وهي تستقطب أكثر فأكثر شخصيات متعددة المشارب. وكان يؤخذ على ماكرون، أنه «فقاعة إعلامية» وألا برنامج له كما أنه يفتقر الخبرة السياسية... ولكنه في الأيام الأخيرة عمد إلى عرض برنامجه الاقتصادي والاجتماعي، لا بل إن النقاش يدور حوله وليس حول الآخرين. ويؤخذ على ماكرون أيضا هشاشته السياسية؛ لأنه لم يسبق له بتاتا أن ترشح لأي مقعد انتخابي، وأنه «مرشح البنوك» والقطاع المالي بسبب عمله سابقا في بنك روتشيلد. أما سياسيا، فإن نقطة ضعفه الأولى الضبابية التي تحيط بصورة الأكثرية التي يستطيع الاعتماد عليها في مجلس النواب لحكم فرنسا وتنفيذ الإصلاحات التي يعد بها. ذلك أن ماكرون، بعكس فيون ولوبان والآخرين، لا حزب له ولا مرشحين على اسمه. لكن هذه الحجة يمكن الرد عليها بأن انتخابه للرئاسة سيوفر له دفعا قويا يمكنه لاحقا من اجتذاب الكثيرين من السياسيين ومن غير السياسيين، وبالتالي فإن هذه المشكلة ليست صعبة التجاوز.
يريد ماكرون أن يكون مرشح الشباب والتجديد، وهو يرى أنه يتعين قلب صفحة الماضي ورجاله لأن الحلول التي اقترحوها لإخراج فرنسا من أزمتها قد فشلت. ويريد ماكرون «إعادة بناء العقد الاجتماعي مع الطبقات الوسطى»، كما يريد إعادة إصلاح الأنظمة الاجتماعية و«تحرير» سوق العمل لكي يتلاءم مع الأوضاع الاقتصادية الجديدة. ويحدد ماكرون نفسه على وسطي، وليبرالي ــ اجتماعي، مؤمن بأوروبا. واستفاد ماكرون من صعوبات فيون ومن خطابه الذي أخذ ينحو منحى راديكاليا لاجتذاب غير المقتنعين به مكن داخل صفوف اليمين... لكن ما قد يضر بمرشح الوسط هو الإشاعات الخاصة بحياته الشخصية التي انتشرت مؤخرا في فرنسا وخارجها على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد سارع الأخير إلى نفيها وإلى تأكيد أنه ما زال يعيش مع زوجته بريجيت التي كانت أستاذته لمادة الأدب الفرنسي عندما كان في التعليم الثانوي، وهي تكبره بـ24 عاما وقد تزوجا في عام 2007.
إذا بقيت الصورة التي تعكسها استطلاعات الرأي على حالها، أي إزاحة فيون من الجولة الثانية وبقاء المرشحين الأولين لوبان وماكرون، فإن للأخير حظا بأن يكون ثامن رئيس للجمهورية الفرنسية والأصغر سنا على الإطلاق (39 عاما). لكن الأمور ليست بهذه السهولة واستطلاعات الرأي ليس من العلوم الحقيقية وهامش الخطأ كبير. ولعل الدليل على ذلك أن أيا منها لم يتوقع فوز أنصار «البريكست» في بريطانيا أو ترمب في الولايات المتحدة. لذا؛ فإن الكثيرين يرون أن الأمور لم تستقر بعد في فرنسا، وأن مفاجآت يمكن أن تحصل. وترنو أنظار المراقبين إلى معرفة الاتجاه الذي ستسلكه حملة فيون بعد أن خرج رئيس الوزراء الأسبق آلان جوبيه من المعادلة. وهذا الأخير كان الوحيد القادر على قلب المعادلات وتمكين اليمن من التأهل للجولة الرئاسية الثانية والفوز بالرئاسة. لكن الحزازات والحساسيات الداخلية ورفض فيون التنحي لصالحه واتجاه خطابه الانتخابي إلى اليمين المتشدد كلها عوامل دفعت جوبيه للنأي بنفسه عن حملة رئاسية لا يحوز فيها على دعم مكونات اليمين كافة.
في 7 مايو (أيار)، سيخرج اسم رئيس «أو رئيسة» الجمهورية الفرنسية من صناديق الاقتراع. ولكن حتى ذلك التاريخ سيبقى الفرنسيون يعيشون حالة من «انعدام الوزن». وبمواجهة الوعود الكثيرة التي تنهال عليهم من المرشحين يمينا ويسارا ووسطا، يلزم هؤلاء موقفا مشككا؛ لأنهم خبروا من زمن بعيد أن الوعود شيء، وما سيتحقق منها شيء آخر.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.