«تغريدات» ترمب تربك إدارته

المتحدثون باسمه يحاولون الدفاع عن زعمه «تنصت» أوباما عليه

المتحدث باسم البيت الأبيض  شون سبايسر يتحدث لصحافيين في واشنطن (رويترز)
المتحدث باسم البيت الأبيض شون سبايسر يتحدث لصحافيين في واشنطن (رويترز)
TT

«تغريدات» ترمب تربك إدارته

المتحدث باسم البيت الأبيض  شون سبايسر يتحدث لصحافيين في واشنطن (رويترز)
المتحدث باسم البيت الأبيض شون سبايسر يتحدث لصحافيين في واشنطن (رويترز)

يحاول البيت الأبيض الدفاع عن اتهامات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي وجَّهَها دون دليل، إلى الرئيس السابق باراك أوباما بالتنصت عليه خلال الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة. وأرسلت الإدارة الأميركية كثيرًا من المتحدثين باسمها أمام الكاميرات وخلفها، للدفاع عن هذه المزاعم التي أطلقها ترمب، في سلسلة من التغريدات الرئاسية، الأحد الماضي.
وفي هذه التغريدات، زعم الرئيس ترمب أنه علم بأن الرئيس الأسبق أوباما قد زرع أجهزة للتنصت في ناطحة السحاب المملوكة له في وسط حي مانهاتن في مدينة نيويورك، حيث يعيش ترمب، وهو البرج الذي شهد فعاليات حملته الانتخابية الرئاسية. وعليه، اتهم الرئيس الأسبق بتجاوز القانون، واصفاً أوباما بأنه «رجل سيئ أو مريض». ولم يُقدم الرئيس ترمب منذ ذلك الحين أية أدلة تؤيد مزاعمه، تلك التي رفضها ونفاها الرئيس الأسبق أوباما، كما رفضها كل من جيمس كومي مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية، وجيمس كلابر المدير السابق لوكالة الاستخبارات الوطنية، يوم الاثنين الماضي.
في المقابل، اتخذ مسؤولو الإدارة الحالية موقف الدفاع عن مزاعم الرئيس الأميركي، التي يبدو أنها تنبثق بالأساس كرد فعل على تقرير أذاعته إحدى المحطات الإذاعية المحافظة، إثر مقالة نشرت على موقع «بريتبارت» الإخباري اليميني المحافظ الذي كان يديره فيما سبق ستيفن بانون، كبير المخططين الاستراتيجيين في إدارة ترمب.
وكان السكرتير الصحافي للبيت الأبيض، شون سبايسر، قد تحدث إلى الصحافيين من غرفة الأخبار في البيت الأبيض دون وجود للكاميرات، مشيراً إلى بيان ألقاه في عطلة نهاية الأسبوع يدعو لجان الاستخبارات في مجلسي النواب والشيوخ في الكونغرس الأميركي، للتحقيق في اتهامات بزرع أجهزة التنصت كجزء من التحقيقات الموسعة، التي تتعلق بالتدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة لعام 2016.
ورفض سبايسر الإدلاء بأي توضيح أو حتى سياق تغريدات الرئيس ترمب الأخيرة، إذ قال إنه لن تصدر تعليقات من قبل الرئيس أو من جانب البيت البيض حول الأمر حتى الانتهاء من التحقيقات الحالية من طرف الكونغرس. وقال سبايسر: «سوف أترك التغريدات تتحدث عن نفسها. وأعتقد أن الرئيس يتحدث بمنتهى الصراحة من خلالها».
وأردف سبايسر يقول، في إشارة إلى التقارير الإخبارية المتعلقة بالأمر، إن هناك ما يكفي من الأدلة لتبرير إجراء المزيد من التحقيقات على مستوى الكونغرس. واستطرد في المؤتمر الصحافي غير المصور: «أعتقد أنه ليس هناك شك أن شيئاً ما قد حدث. ولكن الأمر يتعلق بماهيته، هل كان على سبيل المراقبة، أو هي أجهزة للتنصت، أو خلافاً لذلك؟ ولكن هناك ما يكفي من التقارير التي تشير وبقوة إلى أن أمراً ما قد حدث هناك (أي في برج ترمب بنيويورك)».
ورفض سبايسر الإجابة عن سؤال حول ما إذا كان يستطيع التأكيد على نحو قاطع بأن تغريدات الرئيس ترمب تستند على ما أكثر من مجرد التقارير الإذاعية ومقالة موقع «بريتبارت»، مشيراً مرة أخرى إلى دعوته للجان الاستخبارات بمجلسي النواب والشيوخ بتولي المسألة برمّتها. ورداً على سؤال آخر، حول ما إذا كانت هناك مصادر موثوقة تؤكد ما جاء في تغريدات الرئيس الأخيرة، قال سبايسر إن هناك كثيراً من الخيارات بهذا الصدد: «إما أن يكون قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية، أو لعلها عملية من عمليات المراقبة»، مشيراً إلى القانون الذي بموجبه يمكن للمحكمة السرية إصدار مذكرات لتنفيذ عمليات المراقبة الإلكترونية على الجواسيس أو العناصر الإرهابية المحتملة. وإن ظهر أن هناك أمراً قضائياً من هذا النوع خلال حملة ترمب الانتخابية الأخيرة بموجب القانون المشار إليه، فإن ذلك يعني أن المحكمة قد وقفت على ما يكفي من الأدلة التي تسوغ الاعتقاد بأن الرئيس الحالي «كان عميلاً لدولة أجنبية»، كما تقتضيه نصوص القانون. وفيما يعتقد أنه أوضح إشارة على الوضع الحرج الذي خلقته تغريدات الرئيس بالنسبة لمساعديه، توارى البيت الأبيض إلى الظلال اعتباراً من الاثنين الماضي. وعلى الرغم من أن كثيراً من المسؤولين الحاليين في الإدارة الأميركية قد تولوا موقف الدفاع عن الرئيس ترمب في مختلف البرامج التلفزيونية، لم يسمح سبايسر للكاميرات بالوجود في غرفة الأخبار بالبيت الأبيض خلال المؤتمر الصحافي الأخير المنعقد يوم الاثنين، في حين وقع الرئيس ترمب على أمر تنفيذي جديد، على نحو غير معلن، يتعلق بتجديد حظر السفر الصادر أخيراً. ومن خلال حديثه إلى برنامج «واجه الصحافة» المذاع على شبكة «إن بي سي» يوم الأحد، عمد كلابر، المدير الأسبق لوكالة الاستخبارات الوطنية، إلى توفير نوع من الغطاء للبيت الأبيض، إذ قال إنه لم تكن هناك أدلة على وجود تواطؤ بين ترمب وروسيا خلال الحملة الانتخابية الرئاسية. ولكنه هدم أيضاً المزاعم التي أطلقها الرئيس ترمب بأن الرئيس الأسبق أوباما قد تعمد زراعة أجهزة التنصت في برجه الخاص، إذ قال: «لم تكن هناك أية أنشطة تتعلق بالتنصت موجهة ضد الرئيس المنتخب في ذلك الوقت، باعتباره المرشح الرئاسي المحتمل أو ضد حملته الانتخابية الحالية آنذاك». ولقد حث سبايسر الصحافيين على ملاحظة تعليق كلابر حول عدم وجود تواطؤ، ولكنه لم يتوقف عند تعليق كلابر بشأن دحض مزاعم ترمب حول التنصت. ورداً على سؤال حول الاختلاف بين التعليقين، أجاب سبايسر بالقول: «لقد قال إنه ليس على علم بأي شيء. وإنني أكرر ما قاله بالتحديد إنه ليس على علم بأي شيء، ولكن ذلك لا يعني أن الأمر لم يحدث».
تجدر الإشارة إلى أن الوجه البارز في هذه الجهود الأخيرة هي نائبة السكرتير الصحافي سارة هاكابي ساندرز، التي أرسلت إلى أحد البرامج الإخبارية، يوم الأحد، وإلى برنامجين إخباريين آخرين، الاثنين، على الرغم من أن هذه المهمة عادة ما يقوم بها سبايسر أو كبير موظفي البيت الأبيض رينس بريبوس.
ولقد أقرت هاكابي ساندرز أنها لم تناقش المسألة مع الرئيس، وأنها تفتقر إلى الإجابات الواضحة عن كل الأسئلة المطروحة. ورداً على سؤال صباح الاثنين من المذيع جورج ستيفانوبولوس من شبكة «إيه بي سي» الإخبارية عما إذا كان الرئيس قد تقبل رفض كومي لتغريداته الأخيرة، أجابت تقول: «كما تعلم، لا أعتقد أنه يقبل بذلك». وزعمت هاكابي ساندرز، على غرار سبايسر، أن مزاعم ترمب تستند إلى التقارير الإخبارية، على الرغم من أن قائمة بتلك المقالات قدمها البيت الأبيض، لا تتضمن أي أدلة على الإطلاق. كما أنها حاولت إعادة صياغة كلمات الرئيس ترمب في لهجة أقل حدة وأكثر لطفاً. وقالت هاكابي ساندرز في برنامج «اليوم» المذاع على شبكة «إن بي سي» الإخبارية: «مهلاً، يعتقد الرئيس ترمب اعتقاداً راسخاً بأن إدارة الرئيس أوباما ربما تكون قد تنصتت على الهواتف في برج (ترمب). وهذا أمر يستحق إمعان النظر فيه. إننا نريد أن نعرف الحقيقة بكل تأكيد».
وشددت هاكابي ساندرز مراراً على أن تمنح وسائل الإعلام الرئيس «فائدة الشك»، وأن تعطيه فرصة. وقالت في برنامج «اليوم»: «لم تسنح لي الفرصة للتحدث مباشرة مع الرئيس، وهو في مرتبة أعلى بكثير مما أنا عليه، وبالتالي فله الحق في الاطلاع والوصول إلى الوثائق التي لا أعلم عنها شيئاً، ولكنني أعلم أننا نأخذ هذا الأمر على محمل الجد».
وحافظت مستشارة البيت الأبيض كيليان كونواي على هذا الخط، أول من أمس (الاثنين)، في برنامج «فوكس والأصدقاء»، على شبكة «فوكس» الإخبارية، وقالت إن كثيراً من التقارير الإعلامية تفيد بوجود «أنشطة ذات دوافع سياسية جرت خلال الحملة الانتخابية، وكلها تشير إلى وجود المزيد من تلك الأنشطة هناك». وأردفت كونواي تقول: «إنه رئيس الولايات المتحدة الأميركية. ولديه معلومات وتقارير استخبارية غير متوفرة لدى البقية من الموظفين. وتلك هي الطريقة التي ينبغي أن يعمل بها الرؤساء».
وفي بعض الأحيان، يبدو أن الموظفين في الجناح الغربي من البيت الأبيض لم يعملوا على تنسيق ردودهم مع بعضهم. ورداً على سؤال حول تعليقات كونواي، أول من أمس (الاثنين)، قال شون سبايسر إنه لم يتحدث معها حول ما كانت تقصده.
وأضاف سبايسر يقول: «لا أستطيع الرد عليك تحديداً فيما يتعلق بما كانت تشير إليه، سواء كانت تشير إلى الطبيعة الحقيقية لهذه الاتهامات أو كانت تتحدث بوجه عام حول طرح تلك المعلومات للمجال العام».
وخلاصة الأمر، يبدو أن البيت الأبيض بأكمله يدور حول نقطة واحدة مفادها أن أفضل شخصية للشرح والدفاع عن مزاعم الرئيس هي الرئيس نفسه. وأكد سبايسر ذلك بقوله إن «تغريدات الرئيس توضح نفسها بنفسها».
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.