مصادر فرنسية: فوضى تضرب الإدارة الأميركية... وتذبذب في الملف السوري

باريس تتساءل عما سترسو عليه المساومات بين واشنطن وموسكو وأنقرة وطهران

هدى، مديرة مؤسسة «نساء الغوطة» الخيرية أمام مكتبها، أمس، في بلدة دوما المحاصرة بريف دمشق الشرقي (إ.ب.أ)
هدى، مديرة مؤسسة «نساء الغوطة» الخيرية أمام مكتبها، أمس، في بلدة دوما المحاصرة بريف دمشق الشرقي (إ.ب.أ)
TT

مصادر فرنسية: فوضى تضرب الإدارة الأميركية... وتذبذب في الملف السوري

هدى، مديرة مؤسسة «نساء الغوطة» الخيرية أمام مكتبها، أمس، في بلدة دوما المحاصرة بريف دمشق الشرقي (إ.ب.أ)
هدى، مديرة مؤسسة «نساء الغوطة» الخيرية أمام مكتبها، أمس، في بلدة دوما المحاصرة بريف دمشق الشرقي (إ.ب.أ)

بعد مرور نحو أربعين يوما على تسلم إدارة الرئيس دونالد ترمب مقاليد الولايات المتحدة الأميركية، ما زالت كثير من العواصم وعلى رأسها باريس تتساءل عن فحوى السياسة التي تنوي واشنطن اتباعها في الشرق الأوسط، وتحديدا إزاء الملف السوري وتشعباته إقليميا ودوليا.
وتتعاقب الزيارات لكبار الموظفين في الخارجية الفرنسية إلى واشنطن وكذلك البعثات الأميركية إلى أوروبا. ووفق مصادر واسعة الاطلاع في باريس تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، فإن الشعور الذي يستخلص من هذه اللقاءات، مفاده بأن ثمة «فوضى عارمة» تضرب سياسة واشنطن في المنطقة وتذبذبا في الملف السوري. وتعزو باريس تخبط الدبلوماسية الأميركية التي ما زالت تتلمس خطواتها، لسببين رئيسيين: الأول، أن أحدا لا يعرف حقيقة ما يفكر به الرئيس الأميركي أو حتى ما الخطوط العريضة التي يريد لإدارته أن تسير ضمنها في الشرق الأوسط، باستثناء أمرين واضحين: الأول، هو الدعم اللامحدود لإسرائيل، وإن كان لا يعني التبني المطلق لمطالبها وطروحاتها. والثاني، الرغبة في «مواجهة إيران وليس فقط في احتوائها»، أكان ذلك بخصوص الملف النووي والباليستي أو بشأن سياستها الإقليمية وتدخلها في العراق وسوريا واليمن.
تقول المصادر الدبلوماسية الفرنسية، إن المشكلة الرئيسية في البيت الأبيض تكمن في «منهج» ترمب في العمل. فهو من جهة «لا يستمع إلا إلى فئة محدودة من المستشارين». ومن جهة أخرى، فإن الخارجية التي يرأسها ريكس تيلرسون يفترض أن يكون لها الدور الأول في السياسية الخارجية. لكن الحقيقة أنها «مهمشة إلى حد بعيد» في الملفات الحساسة التي تدار مباشرة من البيت الأبيض. وتلجأ هذه المصادر إلى تشبيه يفيد بأن قرار السياسة الأميركية يتكون من ثلاث طبقات، أدناها وزارتا الخارجية والدفاع والوكالات المتخصصة، وفوقها طبقة المستشارين وعلى رأسهم الثلاثي ستيفان بانون المستشار الاستراتيجي، وغاريد كوشنر صهر ترمب وزوج ابنته إيفانكا، ورينس برايبوس مدير مكتب الرئيس. والمشكلة بالنسبة لهؤلاء، وفق المصادر الفرنسية، أنهم «يتنافسون على الانفراد بأذن ترمب»، ما يفسر التضارب وأحيانا التناقضات فيما يصدر عن البيت الأبيض. أما الطبقة الأخيرة فيتربع عليها ترمب الذي «لا يمكن التنبؤ بما قد يصدر عنه صباحا ومساء». أما السبب الآخر لـ«الضياع» الأميركي فمرده إلى أن الفريق الجديد المكلف بالإشراف على السياسة الخارجية وتحديدا في مناطق النزاع الشرق أوسطي لم يكتمل بعد. يضاف إلى ذلك أن التقرير الذي طلبه ترمب من وزارة الدفاع يركز على الشؤون العسكرية بالدرجة الأولى، وتحديدا على كيفية تكثيف الحرب على «داعش» في العراق وسوريا، ولا يتناول الجوانب السياسية والدبلوماسية التي لا يمكن فصلها عن الجوانب العسكرية.
ترى المصادر الدبلوماسية الفرنسية أنه فيما يخص السياسة الأميركية هناك «كثير من الأسئلة والقليل من الإجابات وكثير من الغموض». وقد انعكس هذا الواقع على موقف المندوب الأميركي المسؤول عن الملف مايكل راتني الذي رافق محادثات «جنيف4». ووفق ما أفاد به زميل غربي له شارك في الاجتماعات الرسمية واللقاءات الجانبية، فإن راتني كان «قليل الكلام»، وقد اكتفى بشكل عام بتكرار «العموميات الأميركية». وبالمقابل، فإن الوفد الروسي برئاسة غينادي غاتيلوف كان دائم الحركة ومتواصل مع جميع الأطراف الموجودة في جنيف بما فيها وفد الهيئة العليا للمفاوضات، لا بل إنه «أمسك بالاتصالات الدبلوماسية».
تطرح الدبلوماسية الفرنسية، إلى جانب توجهات السياسة الأميركية، مجموعة من التساؤلات التي لها انعكاساتها المباشرة على مستقبل الحرب في سوريا، وأهمها وفق المصادر الفرنسية، صورة «المعادلة الرباعية» التي سترسو عليها المساومات الأميركية - الروسية - التركية - الإيرانية والتي ترى أن تأثيرها سيكون «حاسما» على الملف السوري. وفي هذا السياق، ثمة من يعتبر في باريس أن الرغبة الأميركية المستجدة في التعاون مع روسيا «التي لم تتضح حدودها بعد» من جهة، والعزم الأميركي على تغيير التعاطي الأميركي السابق مع طهران، من شأنهما أن يدفعا إلى فك التحالف «الظرفي» بين موسكو وطهران. وتضيف هذه المصادر أن لروسيا «مصالحها الخاصة في سوريا والمنطقة، ولا يلائمها أن تكون اليد العليا فيها لإيران». وقد ظهر ذلك بوضوح في معركة حلب وفي عمليات وقف النار التي أعلنتها روسيا والتي لم تحترمها الميليشيات التابعة لإيران. وخلاصة باريس أن الضغوط الأميركية من جهة ورغبة الرئيس الروسي في تحويل المكاسب العسكرية في سوريا وترجمتها على طاولة المفاوضات «تجعل من الضروري التفاهم مع بوتين على الحل السياسي في سوريا». لكن المشكلة حتى الآن، كما تراها باريس، أن إدارة ترمب «لم تطرح أي شيء ملموس على موسكو» التي تبدو مستعجلة في فتح حوار روسي - أميركي، بينما تريد واشنطن أن «تأخذ وقتها» قبل أن تقدم أفكارا أو مشاريع تعاون في سوريا.
أما بالنسبة لإيران، فإن رغبتها في التقارب مع الاتحاد الأوروبي وتعزيز علاقاتها السياسية والاقتصادية والتجارية لمواجهة «التضييق الأميركي»، يوفر للأوروبيين الفرصة لمطالبة طهران بأن تغير «أداءها» إزاء البؤر المتفجرة في المنطقة، وعلى رأسها الحرب في سوريا. لكن كثيرا من المراقبين في باريس يبدون غير مقتنعين بهذه المقاربة، ويعتبرون أن طهران التي وقعت الاتفاق النووي مع مجموعة «خمسة زائد واحد» منذ شهر يوليو (تموز) عام 2015 «لم تصدر عنها المؤشرات التي تدل أنها راغبة بنهج جديد في علاقاتها الإقليمية». ويذهب هؤلاء أبعد من ذلك بترجيحهم أن تكون طهران «أقل ميلا اليوم للتعاون مما كانت عليه في الماضي»، لأنها تريد الاحتفاظ بالأوراق التي يمكن أن تساوم عليها مع الإدارة الأميركية الجديدة.
هكذا تبدو صورة الوضع في سوريا اليوم، قبل انعقاد «آستانة3»، ولاحقا «جنيف5» أكثر تعقيدا. ولن تنجلي الصورة إلا بعد أن تحدد واشنطن سلم أولوياتها والوسائل التي ستعبئها لتحقيق أهدافها وكيفية تعاطيها مع الأطراف الأخرى التي استفادت حتى الآن وعلى رأسها روسيا من «الانكفاء» الأميركي من المنطقة.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.