الأزمات تكتب العنوان الأبرز للعلاقات التركية ـ الألمانية

من أزمة الجواسيس مروراً باعتقال مراسل «دي فيلت» إلى منع مؤتمر وزير العدل التركي

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يلقي خطاباً في إسطنبول هاجم فيه ألمانيا التي ألغت اجتماعات لأعضاء من حكومته في برلين حول تعديل الدستور (أ.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يلقي خطاباً في إسطنبول هاجم فيه ألمانيا التي ألغت اجتماعات لأعضاء من حكومته في برلين حول تعديل الدستور (أ.ب)
TT

الأزمات تكتب العنوان الأبرز للعلاقات التركية ـ الألمانية

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يلقي خطاباً في إسطنبول هاجم فيه ألمانيا التي ألغت اجتماعات لأعضاء من حكومته في برلين حول تعديل الدستور (أ.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يلقي خطاباً في إسطنبول هاجم فيه ألمانيا التي ألغت اجتماعات لأعضاء من حكومته في برلين حول تعديل الدستور (أ.ب)

باتت الأزمات هي العنوان الأبرز للعلاقات التركية - الألمانية التي تخرج من أزمة لتدخل الأخرى سريعاً على الرغم من محاولات كل من أنقرة وبرلين للقفز على هذه السمة في العلاقات بينهما التي يبدو أن أهم ما فيها الآن هو ملف اللاجئين، الذي يؤرق أوروبا والذي يشكل ورقة في يد تركيا كلما استدعت الضرورة إشهارها.
ولم تكد أن تهدأ نسبياً أزمة التجسس التي اتهمت فيها ألمانيا عدداً من الأئمة الأتراك العاملين في اتحاد الشؤون الدينية والمساجد الذين يتبعون مباشرة هيئة الشؤون الدينية التركية بعد تفتيش منازل عدد منهم لاتهامهم بجمع معلومات عن المواطنين الأتراك المعارضين للرئيس رجب طيب إردوغان والحكومة، وقيام هيئة الشؤون الدينية بإعادتهم إلى مقار عملهم في تركيا، حتى ظهرت أزمة جديدة حول المطالبة بتسليم نحو 40 من الضباط العاملين بـ«الناتو» في أوروبا الذين تقدموا بطلبات لجوء إلى ألمانيا لخوفهم من العودة إلى تركيا، بسبب اتهام السلطات لهم بالتورط في محاولة الاغتيال.
وما هي إلا أيام على هذه الأزمة حتى اندلعت أزمة أخرى تمثلت في القبض على مراسل صحيفة «دي فيلت تسايتونج» الألمانية في تركيا دنير يوجال، وهو ألماني من أصل تركي لاتهامه بدعم الإرهاب، ثم إصدار محكمة تركية قراراً بحبسه.
واستمراراً للتلاحق السريع للأزمات، ألغت السلطات الألمانية بمدينة جاجيناو الخميس فعالية كانت ستنظمها جمعية الأتراك الأوروبيين الديمقراطيين، وكان من المقرر أن يلقي فيها وزير العدل التركي بكير بوزداغ، كلمة في تجمع للمواطنين الأتراك في إطار حملة التصويت بـ«نعم» على التعديلات الدستورية الخاصة بالانتقال إلى النظام الرئاسي التي سيجري الاستفتاء عليها في 16 أبريل (نيسان) المقبل، بدعوى ضيق الصالة التي كان من المقرر أن تستضيف الفعالية.
وردت أنقرة في اليوم نفسه باستدعاء السفير الألماني في أنقرة مارتن إردمان للاحتجاج على القرار الذي فجر غضب أنقرة التي اتهمت برلين على لسان وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو أمس (الجمعة) باتباع معايير مزدوجة بعد أن منعت وزير العدل التركي من إلقاء كلمة أثناء اجتماع قائلاً إن على برلين أن «تتعلم كيف تحسن التصرف» إذا أرادت أن تحافظ على العلاقات.
وأكد جاويش أوغلو أن تركيا لا تستطيع قبول ما حدث في بلدة جاجناو في ولاية بادن - فورتمبيرج جنوب ألمانيا (التي يقيم بها نحو مليون ونصف المليون تركي)، حيث سحبت السلطات التصريح بالاجتماع، معللة ذلك بعدم وجود مساحة كافية لإقامة الحدث.. «الأمور لا تسير بهذه الطريقة، نحن أيضاً سنرد بالمثل دون تردد».
وطالب وزير الخارجية التركي ألمانيا بالابتعاد عن سياسة التعالي، قائلاً: «عليكم أن تنظروا إلينا كشركاء متساوين... تركيا ليست دولة تحت إمرتكم لستم من الدرجة الأولى وتركيا ليست من الدرجة الثانية».
كما اتهم ما سماه «الدولة العميقة في ألمانيا» بالوقوف خلف إلغاء الفعالية كان سيحضرها وزير العدل التركي، قائلاً إن إلغاء الفعالية يأتي في إطار «الممارسات الممنهجة للدولة العميقة». وأوضح أن الضغوط الممنهجة التي تمارس ضد الأتراك في ألمانيا لن تنال من عزيمتهم، داعياً المسؤولين الألمان للتعاون مع أنقرة بهذا الشأن.
ولفت جاويش أوغلو إلى محاولة المسؤولين الألمان العام الماضي عرقلة اجتماع للرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع المواطنين الأتراك، عبر البث المباشر، حول المحاولة الانقلابية الفاشلة، في الوقت الذي أعطوا فيه الإذن لتنظيم حزب العمال الكردستاني اجتماعاً شارك فيه قادته. من جانبه، أكد وزير العدل التركي بكير بوزداغ أن قرار إلغاء الفعالية أكبر من أن تتخذه بلدية، واصفاً القرار بـ«الفضيحة»، وبأنه يتنافى مع اللباقة الدبلوماسية.
وقال خلال كلمة أمس (الجمعة) في ندوة بعنوان «النظام الرئاسي الجديد في عيون الشباب» في مدينة مالاطيا شرق تركيا: «لا يوجد درس ديمقراطي يمكن أن تتلقاه تركيا من ألمانيا، ونرى أن الأمراض القديمة عادت إليها».
وأضاف بوزداغ أن ألمانيا أصبحت ملاذاً لكل الإرهابيين الذين يستهدفون تركيا، وكذلك مرتكبي الجرائم في محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها بلاده في 15 يوليو (تموز) الماضي والذين قالوا إن ألمانيا أصبحت قبلتهم، معتبراً منعه من المشاركة في فعالية بألمانيا «ممارسة فاشية».
بدوره، دان المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين، إلغاء الفعالية، قائلاً إن «هذه القرارات تكشف بشكل صريح الوجه الحقيقي لأولئك الذين يحاولون في كل مناسبة تلقين تركيا درساً في حرية التعبير والديمقراطية وإن صدور هذا القرار الفاضح من دولة تحتضن المنظمات الإرهابية يبعث على القلق فيما يخص مستقبل أوروبا».
ومن جانبه، انتقد كمال كليتشدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية الذي يعارض النظام الرئاسي، قرار إلغاء الفعالية، قائلاً: «إن قرار إلغاء الفعالية من قبل الحكومة الألمانية خاطئ على الإطلاق، كيف لدولة أن تعطي دروساً في الديمقراطية، ومن ثمّ تلغي فعالية من المفترض أن يلقي فيها نوّاب حزب سياسي كلمة أمام المواطنين المغتربين؟».
وفي رد على الاتهامات التركية، أعلن المتحدث باسم الخارجية الألمانية سيجمار جابرييل أنّ قرار إلغاء الفعالية هو قرار محلي، لا علاقة للحكومة الفيدرالية الألمانية به، لافتاً إلى أن الحكومة الألمانية ستعمل كل ما بوسعها لإبقاء سبل الحوار قائمة بينها وبين تركيا.
ويعتقد مراقبون أن أنقرة وبرلين دخلا في سلسلة من الاستفزازات عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في يوليو الماضي على خلفية اتهام أنقرة لبرلين بدعم أنصار الداعية فتح الله غولن، المتهم من جانب السلطات التركية بالوقوف وراء محاولة الانقلاب.
وكان الأسبوع الماضي شهد استدعاء الخارجية الألمانية السفير التركي في برلين علي كمال احتجاجاً على توقيف الحكومة التركية لدنيز يوجال مراسل صحيفة «دي فيلت». وأعربت الخارجية الألمانية عن استنكارها لقرار توقيف الصحافي يوجال موضحة للسفير أن قرار التوقيف لا يمكن القبول به على الإطلاق.
وأوقفت السلطات التركية يوجال بتهمة ترويجه للإرهاب، وتحريض الشعب على الحقد والكراهية، وزرع بذور الفتنة بين الأكراد والأتراك، بالإضافة إلى عضويته في تنظيم إرهابي والقيام بنشر مضامين مخالفة للقانون.
وفي الإطار نفسه، انتقدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في مؤتمر صحافي مع الرئيس التونسي الباجي قائد السسي في تونس أمس (الجمعة) القمع المتزايد لحرية الصحافة والتعبير في تركيا، مؤكدة أن حرية التعبير في تركيا لم تحترم بشكل كامل، خصوصاً في قضية الصحفي الألماني يوجال المعتقل لدى السلطات التركية.
وعلقت ميركل، التي زارت أنقرة في الثاني من شهر فبراير (شباط) الماضي على أزمة التجمع الخاص بوزير العدل التركي، قائلة إن القرارات الخاصة بالتجمعات العامة تتخذ على مستوى محلي في ألمانيا.
وفي خطوة على صعيد تهدئة حدة التوتر، اتفق وزير خارجية تركيا وألمانيا خلال اتصال هاتفي أمس (الجمعة) على عقد لقاء الأربعاء المقبل، لبحث ملفات التوتر بين البلدين ومحاولة تهدئة الأوضاع والحفاظ على تطور العلاقات.



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟