بوتين يسبح في فضائه السوفياتي

عزز نفوذ بلاده جنوباً ويحاول تدارك التصدعات غرباً

الرئيس الروسي بوتين في موسكو في ذكرى «يوم المدافعين عن أرض الآباء»
الرئيس الروسي بوتين في موسكو في ذكرى «يوم المدافعين عن أرض الآباء»
TT

بوتين يسبح في فضائه السوفياتي

الرئيس الروسي بوتين في موسكو في ذكرى «يوم المدافعين عن أرض الآباء»
الرئيس الروسي بوتين في موسكو في ذكرى «يوم المدافعين عن أرض الآباء»

جاءت جولة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في آسيا الوسطى ليعزز نفوذه جنوبا، ويؤكد دعم بلاده لحلفائه في تلك الدول التي يعاني بعضها مشكلات داخلية، إلا أن الوضع على الجبهة الروسية غربا ليس بأفضل حال؛ فالتوتر ما زال يخيم على العلاقات بين موسكو وحليفتها بيلاروس، لأسباب اقتصادية، تأخذ طابعا سياسيا، وهو ما برز بوضوح حين وجه الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو انتقادات لاذعة جدا لروسيا، وقال في ذلك إن بيلاروس «لن تدفع استقلالها ثمناً للنفط الروسي». لكن خلال جولة بوتين في آسيا الوسطى، كان لوكاشينكو يستعد لاستقبال الرئيس الجورجي غيورغي مارغفيلاشفيلي، الذي ما زالت بلاده ماضية، رغم الاستياء الروسي، على درب العضوية في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وقد حاول بوتين خلال مؤتمره الصحافي في قرغيزيا في آسيا الوسطى التقليل من «خطورة» الخلافات مع بيلاروس، واعتبرها أمرا طبيعيا «لأن كل طرف يدافع عن مصالحه»، وأبدى حرصه على رأب الصدع، معربا عن قناعته «سنجد مخرجا من أي وضع مهما كان معقداً».
أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جولة في منطقة آسيا الوسطى، شملت كازاخستان وطاجيكستان وقرغيزستان، الأعضاء إلى جانب روسيا وبيلاروس وأرمينيا في منظمة معاهدة الأمن الجماعي. كازاخستان كانت محطته الأولى، وهو بذلك يؤكد أهمية علاقاته مع الرئيس الكازاخي نور سلطان نزار بايف، صاحب معظم المبادرات التكاملية في الفضاء السوفياتي، بما في ذلك مبادرته التي أطلقها عام 1994 لتشكيل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ويضم إلى جانب روسيا وكازاخستان كلا من أرمينيا وبيلاروس وقرغيزيا.
ولا تقتصر الشراكة بين بوتين ونزاربايف على لعبهما الدور الرئيسي في تشكيل المنظمات الإقليمية آنفة الذكر، فهما في الوقت ذاته لاعبان رئيسيان معا ضمن تكتلات دولية مثل منظمة معاهدة الأمن الجماعي، ومنظمة شنغهاي للتعاون. أما العلاقات الثنائية الروسية - الكازاخية فهي مثالية تقريباً، ولا تشوبها حتى الآن خلافات طفيفة أو جدية، فكلاهما يدرك الأهمية الحيوية والمصيرية لعلاقاته مع الأخر.
ومؤخراً طرأت نقلة نوعية على التعاون بين موسكو وآستانة، تجسدت بالتطبيق الفعلي لرغبتهما في توسيع تعاونهما حول القضايا الإقليمية، والتوجه نحو تعاون في الشأن الدولي، فكانت الأزمة السورية خير ملف في هذا المجال، يتبادل فيه بوتين ونزاربايف الخدمات وفق مبدأ المنفعة المتبادلة. وكان بوتين قد اقترح نهاية العام الماضي عقد جلسات مفاوضات حول الأزمة السورية في العاصمة الكازاخية آستانة، ويبدو أن اختياره العاصمة الكازاخية لم يكن عن عبث، فهو في حاجة إلى عاصمة يضمن أولا موافقتها على اقتراحه، وبالقدر ذاته يضمن أن استضافتها المفاوضات ستساعده في تشديد قبضته على جوانب حساسة في الملف السوري. أما كازاخستان فإن استضافتها للمفاوضات السورية شكلت بوابة أخذت الدبلوماسية الكازاخية تولج عبرها للظهور لاعبا على المسرح الدولي. ويدعم بوتين تلك الرغبة الكازاخية؛ إذ أثنى خلال محادثاته مع نزاربايف على الدور الكازاخي في الأزمة السورية، وقال: إن ذلك الدور لم يقتصر على استضافة المفاوضات وتنظيمها، بل وكانت هناك مشاركة من الجانب الكازاخي ساهمت في إنجاح المفاوضات، ولفت إلى الدور الذي لعبه شخصيا الرئيس نزار بايف.
طاجيكستان كانت المحطة الثانية في جولته على حلفائه في آسيا الوسطى. الأمر الرئيسي الذي يهم موسكو في علاقاتها مع دوشنبيه يتعلق بالنفوذ الروسي في المنطقة، وضمان أمنها، عبر القاعدة العسكرية الروسية القريبة من الحدود الطاجيكية - الأفغانية. وكان الجانبان قد وقعا عام 2012 اتفاقية لتمديد وجود القاعدة التي تضم قرابة سبعة آلاف جندي لثلاثين عاما أخرى، أي لغاية عام 2042، حينها قال بوتين إنه يريد ضمان أمن بلاده وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة عبر تلك القاعدة، أما معاونه يوري أوشاكوف فقد كشف عن أن الاتفاق الجديد ينص على دفع روسيا إيجارا ضئيلا جدا، وقال: «عمليا ستكون القاعدة مجانية».
من جانبها، تولي طاجيكستان أهمية فوق عادية لعلاقاتها مع موسكو، وفي مؤتمر صحافي مشترك عقب محادثاته مع بوتين، وصف الرئيس الطاجيكي روسيا «شريك استراتيجي في شتى المجالات»، كما ثمن دور روسيا في دعم الاقتصاد الطاجيكي، إلا أنه لم يعرض بالتفصيل طبيعة ذلك الدعم. أما بوتين، وللتأكيد بأن بلاده تقدر مواقف القيادة الطاجيكية، فقد عرض ما تقدمه بلاده لطاجيكستان، وأشار في هذا السياق إلى ما يزيد على 1.6 مليار دولار استثمارات روسية في الاقتصاد الطاجيكي، والسد الذي شيدته شركات روسية ويؤمن 12 في المائة من احتياجات البلاد من الطاقة الكهربائية، هذا فضلا عن حوالات بلغت قيمتها العام الماضي 1.9 مليار دولار، أرسلها إلى طاجيكستان أكثر من 800 ألف مواطن طاجيكي يعملون حاليا في روسيا، حسب قول بوتين، الذي لفت إلى أن ذلك المبلغ يشكل تقريباً ثلث الناتج المحلي الإجمالي الطاجيكي. وللتأكيد على رغبته بتعزيز التعاون الثنائي، تعهد بوتين بحل مشكلة زهاء 200 ألف عامل طاجيكي، ممنوع دخولهم الأراضي الروسية بسبب مخالفات قانونية، وأكد بموازاة ذلك اهتمام بلاده بالمنتجات الزراعية الطاجيكية، ولفت إلى تخفيضات اعتمدتها شركة السكك الحديدية الروسية، لنقل تلك المنتجات إلى روسيا.
ومن طاجيكستان انتقل بوتين إلى العاصمة القرغيزية بشكيك، حيث أجرى محادثات مع الرئيس ألماز بيك أتمبايف، ركزت على التعاون الاقتصادي وفي المجال العسكري - التقني بين البلدين، على ضوء تصاعد التهديد الإرهابي في المنطقة. وأكد الرئيس القرغيزي، أنه بحث مع بوتين مسائل التعاون العسكري، وتحديداً تطوير القوات المسلحة القرغيزية والحصول على سلاح من روسيا. ومن المتوقع أن تلبي روسيا طلب الجانب القرغيزي، ما سيعني بالمقابل تعزيز روسيا دورها ونفوذها في تلك الجمهورية.
وكان موضوع القاعدة الجوية الروسية بالقرب من العاصمة القرغيزية بشكيك، قضية رئيسية تناولها بوتين في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره القرغيزي. ونفى بوتين المعلومات حول خطط لتوسيع تلك القاعدة الجوية، وأكد في حديثه للصحافيين «لا توجد لدينا أي ضرورة لنشر قوات عسكرية هنا»، و«القاعدة الجوية في قانت، موجودة لمسألة واحدة هي ضمان أمن قرغيزيا نفسها».
سياسيا، سيطرت «التحولات الداخلية» وتغيير أنظمة الحكم نفسه على المؤتمر الصحافي المشترك لبوتين وأتمبايف؛ إذ وصل بوتين العاصمة بشكيك بالتزامن مع احتجاجات نظمها مؤيدو عضو في البرلمان القرغيزي، وزعيم حزب سياسي، بتهمة فساد مالي، وسط تحذيرات من تصاعد الاحتجاجات في المدن القرغيزية. في هذا الشأن، قال الرئيس القرغيزي بحزم إن عصر الثورات في قرغيزيا قد ولى، معيداً إلى الأذهان احتجاجات عام 2005 وعام 2010 في البلاد، وأضاف أن الوقت الآن هو وقت العمل. وقد لاقى هذا الموقف دعماً مطلقا من جانب بوتين، الذي قال: «أوافق تماما مع ما قاله الرئيس أتمبايف» و«نحن ننطلق من أنه علينا أن نقدر ونثمن الاستقرار في الفضاء السوفياتي»، وأي تغيير للسلطة يجب أن يجري وفق القانون.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».