بوتين يسبح في فضائه السوفياتي

عزز نفوذ بلاده جنوباً ويحاول تدارك التصدعات غرباً

الرئيس الروسي بوتين في موسكو في ذكرى «يوم المدافعين عن أرض الآباء»
الرئيس الروسي بوتين في موسكو في ذكرى «يوم المدافعين عن أرض الآباء»
TT

بوتين يسبح في فضائه السوفياتي

الرئيس الروسي بوتين في موسكو في ذكرى «يوم المدافعين عن أرض الآباء»
الرئيس الروسي بوتين في موسكو في ذكرى «يوم المدافعين عن أرض الآباء»

جاءت جولة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في آسيا الوسطى ليعزز نفوذه جنوبا، ويؤكد دعم بلاده لحلفائه في تلك الدول التي يعاني بعضها مشكلات داخلية، إلا أن الوضع على الجبهة الروسية غربا ليس بأفضل حال؛ فالتوتر ما زال يخيم على العلاقات بين موسكو وحليفتها بيلاروس، لأسباب اقتصادية، تأخذ طابعا سياسيا، وهو ما برز بوضوح حين وجه الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو انتقادات لاذعة جدا لروسيا، وقال في ذلك إن بيلاروس «لن تدفع استقلالها ثمناً للنفط الروسي». لكن خلال جولة بوتين في آسيا الوسطى، كان لوكاشينكو يستعد لاستقبال الرئيس الجورجي غيورغي مارغفيلاشفيلي، الذي ما زالت بلاده ماضية، رغم الاستياء الروسي، على درب العضوية في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وقد حاول بوتين خلال مؤتمره الصحافي في قرغيزيا في آسيا الوسطى التقليل من «خطورة» الخلافات مع بيلاروس، واعتبرها أمرا طبيعيا «لأن كل طرف يدافع عن مصالحه»، وأبدى حرصه على رأب الصدع، معربا عن قناعته «سنجد مخرجا من أي وضع مهما كان معقداً».
أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جولة في منطقة آسيا الوسطى، شملت كازاخستان وطاجيكستان وقرغيزستان، الأعضاء إلى جانب روسيا وبيلاروس وأرمينيا في منظمة معاهدة الأمن الجماعي. كازاخستان كانت محطته الأولى، وهو بذلك يؤكد أهمية علاقاته مع الرئيس الكازاخي نور سلطان نزار بايف، صاحب معظم المبادرات التكاملية في الفضاء السوفياتي، بما في ذلك مبادرته التي أطلقها عام 1994 لتشكيل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ويضم إلى جانب روسيا وكازاخستان كلا من أرمينيا وبيلاروس وقرغيزيا.
ولا تقتصر الشراكة بين بوتين ونزاربايف على لعبهما الدور الرئيسي في تشكيل المنظمات الإقليمية آنفة الذكر، فهما في الوقت ذاته لاعبان رئيسيان معا ضمن تكتلات دولية مثل منظمة معاهدة الأمن الجماعي، ومنظمة شنغهاي للتعاون. أما العلاقات الثنائية الروسية - الكازاخية فهي مثالية تقريباً، ولا تشوبها حتى الآن خلافات طفيفة أو جدية، فكلاهما يدرك الأهمية الحيوية والمصيرية لعلاقاته مع الأخر.
ومؤخراً طرأت نقلة نوعية على التعاون بين موسكو وآستانة، تجسدت بالتطبيق الفعلي لرغبتهما في توسيع تعاونهما حول القضايا الإقليمية، والتوجه نحو تعاون في الشأن الدولي، فكانت الأزمة السورية خير ملف في هذا المجال، يتبادل فيه بوتين ونزاربايف الخدمات وفق مبدأ المنفعة المتبادلة. وكان بوتين قد اقترح نهاية العام الماضي عقد جلسات مفاوضات حول الأزمة السورية في العاصمة الكازاخية آستانة، ويبدو أن اختياره العاصمة الكازاخية لم يكن عن عبث، فهو في حاجة إلى عاصمة يضمن أولا موافقتها على اقتراحه، وبالقدر ذاته يضمن أن استضافتها المفاوضات ستساعده في تشديد قبضته على جوانب حساسة في الملف السوري. أما كازاخستان فإن استضافتها للمفاوضات السورية شكلت بوابة أخذت الدبلوماسية الكازاخية تولج عبرها للظهور لاعبا على المسرح الدولي. ويدعم بوتين تلك الرغبة الكازاخية؛ إذ أثنى خلال محادثاته مع نزاربايف على الدور الكازاخي في الأزمة السورية، وقال: إن ذلك الدور لم يقتصر على استضافة المفاوضات وتنظيمها، بل وكانت هناك مشاركة من الجانب الكازاخي ساهمت في إنجاح المفاوضات، ولفت إلى الدور الذي لعبه شخصيا الرئيس نزار بايف.
طاجيكستان كانت المحطة الثانية في جولته على حلفائه في آسيا الوسطى. الأمر الرئيسي الذي يهم موسكو في علاقاتها مع دوشنبيه يتعلق بالنفوذ الروسي في المنطقة، وضمان أمنها، عبر القاعدة العسكرية الروسية القريبة من الحدود الطاجيكية - الأفغانية. وكان الجانبان قد وقعا عام 2012 اتفاقية لتمديد وجود القاعدة التي تضم قرابة سبعة آلاف جندي لثلاثين عاما أخرى، أي لغاية عام 2042، حينها قال بوتين إنه يريد ضمان أمن بلاده وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة عبر تلك القاعدة، أما معاونه يوري أوشاكوف فقد كشف عن أن الاتفاق الجديد ينص على دفع روسيا إيجارا ضئيلا جدا، وقال: «عمليا ستكون القاعدة مجانية».
من جانبها، تولي طاجيكستان أهمية فوق عادية لعلاقاتها مع موسكو، وفي مؤتمر صحافي مشترك عقب محادثاته مع بوتين، وصف الرئيس الطاجيكي روسيا «شريك استراتيجي في شتى المجالات»، كما ثمن دور روسيا في دعم الاقتصاد الطاجيكي، إلا أنه لم يعرض بالتفصيل طبيعة ذلك الدعم. أما بوتين، وللتأكيد بأن بلاده تقدر مواقف القيادة الطاجيكية، فقد عرض ما تقدمه بلاده لطاجيكستان، وأشار في هذا السياق إلى ما يزيد على 1.6 مليار دولار استثمارات روسية في الاقتصاد الطاجيكي، والسد الذي شيدته شركات روسية ويؤمن 12 في المائة من احتياجات البلاد من الطاقة الكهربائية، هذا فضلا عن حوالات بلغت قيمتها العام الماضي 1.9 مليار دولار، أرسلها إلى طاجيكستان أكثر من 800 ألف مواطن طاجيكي يعملون حاليا في روسيا، حسب قول بوتين، الذي لفت إلى أن ذلك المبلغ يشكل تقريباً ثلث الناتج المحلي الإجمالي الطاجيكي. وللتأكيد على رغبته بتعزيز التعاون الثنائي، تعهد بوتين بحل مشكلة زهاء 200 ألف عامل طاجيكي، ممنوع دخولهم الأراضي الروسية بسبب مخالفات قانونية، وأكد بموازاة ذلك اهتمام بلاده بالمنتجات الزراعية الطاجيكية، ولفت إلى تخفيضات اعتمدتها شركة السكك الحديدية الروسية، لنقل تلك المنتجات إلى روسيا.
ومن طاجيكستان انتقل بوتين إلى العاصمة القرغيزية بشكيك، حيث أجرى محادثات مع الرئيس ألماز بيك أتمبايف، ركزت على التعاون الاقتصادي وفي المجال العسكري - التقني بين البلدين، على ضوء تصاعد التهديد الإرهابي في المنطقة. وأكد الرئيس القرغيزي، أنه بحث مع بوتين مسائل التعاون العسكري، وتحديداً تطوير القوات المسلحة القرغيزية والحصول على سلاح من روسيا. ومن المتوقع أن تلبي روسيا طلب الجانب القرغيزي، ما سيعني بالمقابل تعزيز روسيا دورها ونفوذها في تلك الجمهورية.
وكان موضوع القاعدة الجوية الروسية بالقرب من العاصمة القرغيزية بشكيك، قضية رئيسية تناولها بوتين في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره القرغيزي. ونفى بوتين المعلومات حول خطط لتوسيع تلك القاعدة الجوية، وأكد في حديثه للصحافيين «لا توجد لدينا أي ضرورة لنشر قوات عسكرية هنا»، و«القاعدة الجوية في قانت، موجودة لمسألة واحدة هي ضمان أمن قرغيزيا نفسها».
سياسيا، سيطرت «التحولات الداخلية» وتغيير أنظمة الحكم نفسه على المؤتمر الصحافي المشترك لبوتين وأتمبايف؛ إذ وصل بوتين العاصمة بشكيك بالتزامن مع احتجاجات نظمها مؤيدو عضو في البرلمان القرغيزي، وزعيم حزب سياسي، بتهمة فساد مالي، وسط تحذيرات من تصاعد الاحتجاجات في المدن القرغيزية. في هذا الشأن، قال الرئيس القرغيزي بحزم إن عصر الثورات في قرغيزيا قد ولى، معيداً إلى الأذهان احتجاجات عام 2005 وعام 2010 في البلاد، وأضاف أن الوقت الآن هو وقت العمل. وقد لاقى هذا الموقف دعماً مطلقا من جانب بوتين، الذي قال: «أوافق تماما مع ما قاله الرئيس أتمبايف» و«نحن ننطلق من أنه علينا أن نقدر ونثمن الاستقرار في الفضاء السوفياتي»، وأي تغيير للسلطة يجب أن يجري وفق القانون.



موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.