«جنيف» تنتهي بغموض حول أجندة المحادثات المقبلة

تناقضات في المواقف الروسية إزاء {الهيئة العليا للتفاوض}

من لقاء وفد الهيئة العليا للمفاوضات مع نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف في جنيف مساء الأربعاء
من لقاء وفد الهيئة العليا للمفاوضات مع نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف في جنيف مساء الأربعاء
TT

«جنيف» تنتهي بغموض حول أجندة المحادثات المقبلة

من لقاء وفد الهيئة العليا للمفاوضات مع نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف في جنيف مساء الأربعاء
من لقاء وفد الهيئة العليا للمفاوضات مع نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف في جنيف مساء الأربعاء

7 أيام انقضت على انطلاق الجولة الراهنة من «جنيف 4»، التي تسدل الستارة عليها اليوم مساء، دون تحقيق أي اختراق يذكر، ووسط تضارب في التوقعات والتحليلات، خصوصاً وسط «بلبلة» في المواقف الروسية.
وكثف المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا اتصالاته في الساعات الـ48 الأخيرة، خصوصاً يوم أمس، إذ اجتمع تباعاً بكل الوفود السورية، نظاما ومعارضة، في مسعى منه للتوصل إلى خلاصات يمكن البناء عليها، ومن المنتظر، كما قالت مصادر المعارضة السورية، أن يضمنها ورقة تلخص نقاط التلاقي بين النظام والمعارضة.
وأبرز ما ستتضمنه الورقة المذكورة أجندة المفاوضات، إذا ما نجح دي ميستورا في دفع المعارضة والنظام إلى القبول بما اقترحه؛ أي التركيز على الملفات الثلاثة المنصوص عليها في القرار الدولي رقم 2254، بينما يصر وفد النظام على إدراج بند الإرهاب.
لكن تصريح رئيس وفد النظام، عقب لقائه عصر أمس بالمبعوث الدولي، أظهر أن الخلاف لم يحل، وأن ملف الإرهاب يمكن أن يطيح بالمحادثات. فقد حمل السفير بشار الجعفري، سلفاً، وفد الهيئة العليا للمعارضة مسؤولية فشل المحادثات، وقال الجعفري إن «حوار (جنيف) يجب ألا يكون رهينة لمنصة الرياض (أي وفد الهيئة العليا) التي رفضت تشكيل وفد موحد للمعارضة». وبرأيه أنه «لا يجب السماح لوفد الرياض أن يأخذ مفاوضات جنيف رهينة لمواقفهم المتعنتة»، مضيفاً أنه بذلك «يتحمل مسؤولية أي فشل في هذه المحادثات». ويذكر كلام رئيس وفد النظام بجولتي «جنيف» الثانية والثالثة، حيث استخدم الجعفري الحجة نفسها لمنع تناول عملية الانتقال السياسية.
وكشفت مصادر المعارضة أن المبعوث الدولي أخبر وفد الهيئة العليا، مساء الأربعاء، بمناسبة الاجتماع الذي عقده معها في فندق كراون بلازا، القريب من مطار جنيف، أن الجعفري أصر على إدراج بند الإرهاب على جدول المحادثات.
وأضافت المصادر أن دي ميستورا أعلن قبوله الطلب، لكنه نبهه إلى أنه سيقوم بإعداد لائحة تشمل الأعمال التي يعتبرها المجتمع الدولي إرهابية، المنصوص عليها في وثائق دولية، مثل إلقاء البراميل المتفجرة، واستهداف المدنيين، واستخدام السلاح الكيماوي، وما شابه.
ونقلت مصادر المعارضة عن دي ميستورا سعيه للدعوة إلى استئناف المحادثات في العشرين من الشهر الحالي، وسط تساؤلات دبلوماسيين غربيين يرافقون «جنيف 4» عن «المغزى» من وقف المحادثات لأسبوعين قد يأتيان بتطورات ميدانية أو سياسية من شأنها جعل جمع الطرفين (النظام والمعارضة) أمراً بالغ الصعوبة. وتقول المصادر الدبلوماسية إن «الحجة» القائلة إن فنادق جنيف محجوزة بسبب معرض السيارات المقبل «ليست مقبولة»، إذ يمكن نقلها إلى مدينة سويسرية أخرى، مثل لوزان أو مونترو.
حقيقة الوضع أنه، حتى مساء أمس، كان الغموض ما زال يلف مسألة أجندة المفاوضات، عندما ستعاود بعد فترة الانقطاع. وفيما يؤكد وفد النظام أن ملف الإرهاب أصبح النقطة الرابعة على جدول الأعمال الذي سيناقش بالتوازي الملفات الأربعة (الحوكمة والدستور والانتخابات والإرهاب)، بقيت الهيئة العليا متمسكة بصيغة مغايرة. فهي من جهة ترفض الخوض في ملف الإرهاب غير المدرج في القرار 2254، كما أنها ما زالت مترددة في تناول الملفات الأربعة بالتوازي، وتتمسك بملف الانتقال السياسي كنقطة «أساسية». ويعود تخوف المعارضة من موضوع الإرهاب لكون النظام ما زال يصف كل مكوناتها بـ«الإرهابيين».
بيد أن الهيئة ترى، رغم ذلك، أن ما حصل في جنيف أفضى إلى «تغير» في موقف النظام الذي قبل بضغط روسي مناقشة موضوع الانتقال السياسي. وقال نصر الحريري لصحافيين، ليل أول من أمس، إن «موضوع الانتقال السياسي أصبح الموضوع الرئيسي على الطاولة». وفي حال قبل وفد النظام حقيقة الخوض فيه، فإن ذلك يعد «إنجازاً». لكن مصادر دبلوماسية أوروبية اتصلت بها «الشرق الأوسط»، أمس، حذرت من المبالغة في التفسير، ونبهت إلى أن «الانتقال السياسي عنوان فضفاض، والأهم معرفة كيفية فهم النظام له».
وأشارت هذه المصادر إلى أن غاتيلوف ربما يكون قد نجح في إحداث هذا التغير، مقابل أن يضم ملف الإرهاب إلى جدول الأعمال. وفي أي حال، فإنها «نصحت» وفد الهيئة العليا بأمرين: الأول، إظهار الليونة والقبول بمناقشة الملفات دفعة واحدة، خصوصاً أن دي ميستورا قدم ضمانات في رسالة الدعوة التي نصت على مبدأ أن «لا بند يمكن اعتباره قد قبل، ما دام التفاهم على بقية البنود لم يتم». والثاني، الامتناع عن طرح خروج الأسد من السلطة منذ بدء المفاوضات، لمنع الطرف الآخر من تعطيلها فوراً.
بالمقابل، تلتزم شخصيات أخرى معارضة في جنيف مواقف أكثر حذراً. وقالت بسمة قضماني، عضو وفد الهيئة العليا، أمس، إن احتمالات إحراز تقدم «ضعيفة للغاية»، وإن هذا ما يمكن استنتاجه من أسبوعين أو 10 أيام من المحادثات في جنيف.
بيد أن مفاجأة الأمس الكبرى تمثلت بالهجوم العنيف الذي شنته الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا على وفد الهيئة العليا الذي كان قد اجتمع ليل الأربعاء / الخميس مع نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف. وقال الدكتور يحيي العريضي، مستشار وفد الهيئة، إن غاتيلوف «أشاد» بوفد الهيئة وبـ«أدائه»، وبالتالي فإنه اعتبر أن تصريحات زاخاروفا «تحمل تناقضاً» مع ما جاء به غاتيلوف. وبحسب العريضي، فإن التفسير الأرجح هو أن موسكو أرادت «معادلة الكفة»، أي أن الانتقادات الموجهة للهيئة العليا تهدف لـ«الموازنة» مع الضغوط التي مارسها غاتيلوف على وفد النظام من أجل قبول البحث في ملف الانتقال السياسي.
وأضاف العريضي أن موسكو دأبت على تحميل المعارضة مسؤولية فشل الجولات السابقة في جنيف، تارة بحجة الانقسامأ وطورا بحجة المطالبة بتنحية الرئيس الأسد. والحال أن غاتيلوف نفسه أكد أن لقاءه مع الهيئة كان بناءً، وأن جميع الأطراف وافقت على بحث القضايا الرئيسية بشكل متواز، معتبرًا أن ما تحقق يعد «خطوة كبيرة للأمام».
وأوضح غاتيلوف أن الهيئة العليا للمفاوضات وافقت على أجندة المبعوث الأممي، وأكد أن شيئاً كهذا يبعث على الأمل. وتعتبر الهيئة العليا أن انفتاح موسكو عليها أمر إيجابي. ووفق تصريحات لنائب رئيس الوفد يحيى القضماني، فإن الهيئة ترغب في أن تصبح موسكو «حيادية، وليست عدواً لسوريا»، وأن تقوم برعاية عملية الانتقال السياسي. وكان اجتماع مساء الأربعاء الأول من نوعه بين الطرفين.
ومن جانبه، نقل يحيى العريضي لـ«الشرق الأوسط» أن قدري جميل، وهو الشخصية الأبرز في منصة موسكو، سيأتي إلى فندق الهيئة للقاء عدد من شخصياتها. وسبق لوفد الهيئة العليا أن اجتمع مع جهاد المقدسي وجمال سليمان، من منصة القاهرة، بحثاً عن تنسيق المواقف، لكن الطرفين لم يتوصلا إلى تفاهم لتشكيل وفد موحد. وما لم يتحقق بينهما، سيكون من الصعب تحقيقه بين منصة موسكو ووفد الهيئة العليا، بالنظر إلى الاتهامات المتبادلة والتباعد في المواقف.
وأمس، كثف المبعوث الدولي اتصالاته، فاجتمع صباحاً بممثلين عن منصتي القاهرة وموسكو، كما اجتمع بعد الظهر ومساء تباعاً بوفدي الهيئة العليا والنظام. لكنه حتى مساء أمس، لم ينجح في جمع وفدي النظام والهيئة العليا في محادثات مباشرة رأى غاتيلوف أنها صعبة الحصول في الظروف الحالية. وشكلت الجلسة الافتتاحية الباردة المناسبة الوحيدة التي اجتمعت فيها كل الوفود السورية، رغم رغبة الهيئة العليا بالدخول فوراً في مفاوضات مباشرة مع وفد النظام السوري. لكن وفد النظام كرر للمبعوث الدولي أنه «لا مجال» لمفاوضات مباشرة مع وفود معارضة متعددة، مطالباً إياه بأن يدفع باتجاه وفد معارض واحد.
وتقول المصادر الأوروبية إنه «من المنتظر» أن تتبين في الأيام المقبلة ملامح السياسة التي تعتزم الإدارة الأميركية الجديدة اتباعها إزاء الملف السوري، وأن شيئاً كهذا يمكن أن يكون له تأثيره على سير المفاوضات المستقبلية. وتضيف هذه المصادر أن «اختلال التوازن» مكن موسكو من لعب الدور الأول عسكرياً وسياسياً، وأن الدول الغربية الأخرى أو الخليجية أو الإقليمية غير قادرة على الحلول محلها، وبالتالي فإن بلورة السياسة الأميركية بعد تسلم الرئيس ترمب توصيات وزارة الدفاع، يمكن أن يكون عاملاً مؤثراً لجولات التفاوض اللاحقة.
وكان رئيس وفد الهيئة العليا قد أشار إلى ذلك في لقاء مع عدد من الصحافيين، ليل الخميس، إذ اعتبر أن الشعب السوري ينتظر «دوراً إيجابياً، ويسعى لبناء علاقة شراكة لمعالجة كل الملفات العالقة مع الإدارة الأميركية الجديدة لتصحيح أخطاء الإدارة السابقة» التي وصف مواقفها بـ«المخزية». وثمة ملفان تتطابق فيهما رؤية الطرفين، وهما محاربة الإرهاب وتحجيم النفوذ الإيراني. وقد تكون إحدى المؤشرات الملموسة للموقف الأميركي الجديد معاودته تزويد فصائل المعارضة التي كان يدعمها بالسلاح والعتاد، وهو ما كانت إدارة ترمب قد أوقفته قبل نحو 20 يوماً.



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.