كيف نخلق تقليداً علمياً إسلامياً معاصراً؟

يمنى طريف الخولي تبشر بنموذج إسلامي يسمح بتوطين العلم في ثقافتنا

كيف نخلق تقليداً علمياً إسلامياً معاصراً؟
TT

كيف نخلق تقليداً علمياً إسلامياً معاصراً؟

كيف نخلق تقليداً علمياً إسلامياً معاصراً؟

صدر أخيراً، عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع ببيروت، كتاب جديد للدكتورة يمنى طريف الخولي، بعنوان رئيسي: «نحو منهجية علمية إسلامية»، وعنوان فرعي: «توطين العلم في ثقافتنا». والكتاب جاء تتويجاً لمسار الباحثة في مجال «الابستمولوجيا»، مستجيباً هذه المرة، لهموم عالمنا العربي - الإسلامي. فالخولي عملت لسنوات، كأستاذة لفلسفة العلوم بالقاهرة، وكباحثة زائرة في جامعات عربية ودولية، وحصلت على الكثير من الجوائز، ولها رصيد يتجاوز العشرين كتاباً ما بين التأليف والترجمة، ويكفي ذكر عملها عن الفيلسوف الكبير كارل بوبر: «منطق العلم ومنهج العلم»، وترجمة كتابه: «أسطورة الإطار».
تندرج جهود طريف الخولي ضمن مباحث فلسفة العلوم. وقد أشبعت نهمها منها انطلاقاً من بحوث رصينة، حيث تعاملت ولوقت طويل، مع أعمدة فلاسفة العلم في القرن العشرين، أمثال: كارل بوبر وتوماس كون، اللذين شكلا تياراً نظرياً، تحرك عكس النزعة الوضعية، التي لا ترى في العلم إلا مناهجه وطرق اشتغاله من الداخل وآلياتها، ضاربة عرض الحائط الإطار الاجتماعي الذي تجري فيه العملية العلمية. وهذا ما أصبح مرفوضاً. فللعلم تاريخيته وطابعه الاجتماعي. وهو يمارس في إطار حضاري مخصوص. بمعنى آخر، يعد العلم ليس فقط تقنيات معزولة عن السياق المعرفي العام والاجتماعي الخاص، بل هو ينتج معجونا وممزوجا بالثقافة السائدة والمكونة من الاعتقاد والسياسة والأخلاق ومختلف القيم. فيمنى الخولي ستقتنع بضرورة التخلي عن الفكرة الوضعية التي ولى عهدها في الغرب، والتي أعاد إنتاجها كبار الفلاسفة العرب من أمثال زكي نجيب محمود، والتي تحكم على العلم ومنهجيته من خلال ذاته فقط، وكونه بلا وطن أو هوية، إلى وجوب الحكم عليه انطلاقاً من البعد الحضاري والقيمي، خاصة مع ظهور «مفهوم البراديم» الذي نحته توماس كون، في كتابه الذائع «بنية الثورات العلمية». وهو المفهوم الذي زلزل أركان المباحث الفلسفية في العلوم الكلاسيكية، وأبرز أن العلم لا ينفصل أبدا عن شروط إنتاجه السوسيولوجية. هذا المفهوم الذي تعول عليه الخولي كثيراً في كتابها الجديد الذي تترجمه: «بالنموذج الإرشادي»، على الرغم من أن هناك ترجمات أخرى للمفهوم، نراها أقوى (كالنموذج الموجه، الإبدال، المنوال وغير ذلك.
توطين العلم في الثقافة الإسلامية
لا ننكر أن هذا الزمن، الذي نعجز عن ولوجه، هو زمن علمي بامتياز. فمنذ القرن السابع عشر، والثورات العلمية تكتسح كل المجالات، وتحقق كل النجاحات، إلى درجة أصبح «العقل العلمي» طاغياً وكأنه الخيط الناظم لكل تفكير، والخلفية الواعية واللاواعية، الواضحة والمعتمة، الموجهة لرؤية الناس للعالم. إنه كالمستبد والطاغية الذي أصبح الكل يطلب وده ويسعى إلى التقرب منه. فكل البحوث من دون استثناء، تلهث وراء يافطة «علمي» خوفاً من أن لا يعتد بها، ومن ثم يجري إقصاؤها من نادي التنافس المعرفي.
إن عالمنا العربي الإسلامي، وعلى الرغم من كل المجهودات المبذولة فيه، لم يقدر على جعل العلم يمد جذوره إلى أعماق ثقافته. نعم نحن نستهلك المنجزات العلمية وربما أكثر حتى من الغرب، لكن الروح العلمية تكاد تغيب عنّا، والدليل هو عدم مساهمتنا الفعالة والمبدعة في العلم العالمي بإنجازات تذكر. فما السبب في ذلك؟ ولماذا هذا العجز في الانخراط في العلم العالمي بقوة؟ هذا هو الهم الذي حملته يمنى الخولي، واضطرها إلى تأليف كتاب تبرز فيه بعض المعوقات التي تحول دون تغلغل العلم إلى ثنايا ثقافتنا.
تنطلق يمنى الخولي بداية، من ضرورة الاعتراف بتواضع الإسهام في التقدم العلمي من قبل العالم الإسلامي المعاصر. نعم لدينا المجتهدون والمبدعون، وبعض الجامعات الرائدة والعريقة وذات الموقع في التصنيفات العالمية، وكذلك بعض المؤسسات. لكن كل هذه الجهود مشتتة. فنحن مازلنا في مرحلة النقل والاستهلاك (مشتقة من الهلاك)، ولم نحقق بعد، الذات الحضارية مثلما فعلت اليابان ولحقت بها، أو سبقتها الصين، وانضمت إليهما ثقافات أخرى لم تسهم في الحداثة ولكنها استوعبت المنجز العلمي، وهي تقدم اليوم مساهمات في المنجز العالمي المعاصر.
ترى يمنى الخولي، أن الدخول إلى عالم الإضافة والإبداع في العلم والبحث العلمي، لن يتم إلا إذا جرى التفكير في الطرق الكفيلة بتوطين العلم، وجعله جزءا لا يتجزأ من ثقافتنا وليس غريبا عنا. بمعنى آخر، تريد الخولي أن تقول، إن على المثقفين والمتخصصين التفكير في السبل التي يجب أن نسلكها لجعل الروح العلمية تتغلغل إلى مخ عظام العربي- المسلم. أي علينا بذل الجهد لخلق تقاليد إسلامية تمهد لمجتمع العلم. وهنا تستشهد يمنى الخولي بفيلسوف العلم العربي الشهير رشدي راشد، الذي قال إن «المجتمع العلمي يكون موجودا عندما توجد تقاليد وطنية في البحث العلمي، تمهد لوجود هذا المجتمع العلمي، وتقدم له الخصائص التي تميزه. وإذا انعدمت التقاليد الوطنية في البحوث، لا يبقى سوى كمية من المعلمين وتجمع من التقنيين». وهذا بالضبط ما تريد الخولي القيام به في كتابها الجديد، أي وضع خريطة طريق تسمح، وبعزم، بخلق نموذج إرشادي يمتح أصوله من الثقافة الإسلامية، يمكنه أن يعطي الانطلاقة نحو التقليد العلمي المنشود. فهي قررت عدم العودة إلى الماضي بحثاً عن أسباب التخلف، أو البحث عن تلك النقط المضيئة لكي نحتمي بها. بل قررت على العكس من ذلك، النظر إلى المستقبل، أي البحث عن القوى التي يمكن الاستناد إليها لخلق الحماسة وتوليد الحركة في العقل المسلم. فما هي ملامح هذا «النموذج الإرشادي الإسلامي» الذي تبشر به يمنى الخولي؟
ملامح النموذج العلمي الإسلامي
تعترف يمنى بداية، بأن عملها في اقتحام «العقدة المنهجية» التي تتخبط فيها ثقافتنا، جاءت كتوليف لمجهودات السابقين. وتقصد بالأساس، عمل أو حلم مصطفى عبد الرزاق في تحقيق الذات الحضارية، الذي سيسير في دربه علي سامي النشار. وهو العمل الذي سيفتر ويتحول إلى نقيضه، حين تهيمن الأطروحة الوضعية المنطقية مع زكي نجيب محمود، الذي شد انتباه الباحثين إلى المعاصرة، وزاد من حدتها العمل التنويري القاطع والحاد الذي أنجزه فؤاد زكريا وآخرون. فهذا الموقف الذي يتحرك ما بين الأصالة والمعاصرة، بين الأخذ من الذات ومن الآخر، هو ما شد انتباه الخولي، حيث عملت على التركيب والتوليف المتناغم، عبر المزاوجة بين المنهجية ذات البعد المشترك والمنهجية ذات البعد الخاص. أو بعبارة أخرى، عملت على خلق جدل بين ما هو كوني وما هو خصوصي. وهنا تعلن استفادتها من المعهد العالمي للفكر الإسلامي في فرجينيا منذ 1977.
إن أهم ما استفادت منه يمنى الخولي من الابستمولوجيا المعاصرة، هو أن العلم لم يعد مجرد إجراءات تجريبية عقلية ورياضية، أو مجرد آليات يجري تعلمها. بل هو يحتاج، قبل كل شيء، إلى قوة دافعة تؤخذ من الثقافة السائدة. فالبعد العقدي والنسيج العاطفي والمنظومة القيمية، تولّد في النفوس، الطاقة اللازمة، وتخلق فيها الحماسة الضرورية لانبثاق العلم. باختصار، لكي يتطور العلم يحتاج إلى المشترك الإنساني العام، أي الحصيلة المعرفية الكونية. لكنه يحتاج أيضاً، إلى أن يضخ كل ذلك في إطار الخصوصية الثقافية والواقع الاجتماعي. لهذا ولكي ينطلق العلم عندنا، لا بد من إقحام المنجز العلمي المعاصر في التربة الإسلامية بما يتلاءم ومبادئها وأسسها، وإلا سيكون الأمر كصرخة في واد. بكلمة واحدة، تؤكد الخولي على أن الانطلاق في العلم، يجب أن يكون مربوط الصلة بالماضي. إذ لا ينبغي البدء من دون جذور. وتجسير الهوة بين المشترك الكوني وبين المخزون الثقافي والحضاري، يغدو مطلبا ملحا، وإلا لن نتحرك قيد أنملة في جعل العلم يتشكل كتقليد يسري في كيان الثقافة العربية الإسلامية.
وتبعا لما جرى تحديده أعلاه، يكون المسلم بحسب يمنى الخولي، مطالبا بالاشتغال وفق إطار منهجي إسلامي عام، إن شاء أن لا يحس بالغرابة تجاه العلم، ويمكن تحديد ملامحه كالآتي:
أولاً: الانطلاق من نواة التوحيد. والتوحيد هنا، ليس مجرد مبدأ ميتافيزيقي وحسب، يوفر إمكانية النظام. بل هو أيضاً، مبدأ قيمي، يضفي على البحث العلمي أخلاقيات ومعايير يفتقدها العلم الغربي. فعلاقة المسلم بالعالم، لا ينبغي أن تسير في منحى المنهجية الغربية نفسها، ذات القراءة الوحيدة لكتاب الطبيعة. بل يجب أن تتجاوزها إلى نظرة تكاملية تستحضر قراءة الكتاب المنزل. وهذا الدمج بين القراءتين أي قراءة الكتاب المنظور (الطبيعة) والكتاب المسطور (الوحي)، هو ما سيضفي الخصوصية على العلم الإسلامي المرتقب.
ثانياً: إذا ينبغي على المنهجية الإسلامية الانطلاق من نواة صلبة هي التوحيد، تضمن النظام والأبعاد القيمية، فإنه ينبغي أن تضاف إليها موجهات ومقاصد، هي: مقصد الاستخلاف، أي أداء الأمانة وتحمل المسؤولية في الأرض، ومقصد العمران، أي الاضطلاع بمهام البناء وأعمار الأرض، ومقصد التزكية، أي التطهير وترقية النفس وصون قيمة الحياة.
إذن ترى يمنى الخولي، أن إقحام العلم وتوطينه وإبعاده عن أن يكون غريبا عن ثقافتنا، لن يتحقق إلا إذا تلاءم ومرجعية المسلمين. بعبارة أخرى، على العقل المسلم أن يسدد العلوم الطبيعية، ويخرجها من النزعة الآلية الجافة، كما هي في المنهجية الغربية، نحو إضفاء صبغة الغائية والقيم والمقاصد عليها، ما سيولد لديه الإحساس بالتميز، وكذلك الحافز، والحماسة نحو الاشتغال بما يناسب ميوله وثقافته المتغلغلة في جوفه.
نخلص إلى أن الخولي، تشتغل ضمن السؤال نفسه الطاعن في السن: لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟ والجواب عندها، يكمن في غياب العلم. لكن الإشكالية الأهم المتفرعة عن السؤال الأول: لماذا لم نفلح في تبيئة العلم وتوطينه، كي يسري في عروق ثقافتنا، ويصبح تقليداً عاماً يسمح بالإبداع؟ الجواب عندها، هو أن الأمر جرى بمعزل عن مراعاة سياقنا الحضاري العقدي والعاطفي والقيمي. فظل العلم عندنا مشتتاً وتقنياً يردده بعض المعلمين فقط، فأضحى غير مستساغ، بل غريباً عنا. فهل نبدأ في وضع مناهج تدمج الكوني بالخصوصي ولو على سبيل التجريب؟



أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار
TT

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

لطالما حظيت شجرة الأرز بمكانة مرموقة لم تتح لأي شجرة مماثلة عبر التاريخ، سواء تعلق الأمر بالملاحم والأساطير أم بالكتب المقدسة وقصائد الشعراء. ففي ملحمة غلغامش الشهيرة، لم يجد البطل السومري أفضل من أرز لبنان، لكي يبني من أخشابه بيوت أوروك، حتى ولو اضطره الأمر إلى مصارعة «خومبابا»، الكائن المرعب الذي عيّنه الإله «إنليل» حارساً للغابة. والأرزة هي الشجرة التي حرص الفينيقيون على الاستعانة بخشبها لصناعة سفنهم التجارية العابرة للبحار، والتي استعان بها الفراعنة للإفادة من زيوتها في تحنيط الموتى، واستعان بها العبريون لبناء الدور والقصور والمعابد.

كما ورد اسم الأرز أكثر من سبعين مرة في العهد القديم، بوصفه أحد أكثر الأشجار صلابةً وجمالاً وتحدياً لغضب الطبيعة وثباتاً في وجه الزمن. ففي سفْر الأخبار الثاني يكتب الملك سليمان لحيرام ملك صور، أثناء بناء الهيكل، رسالة جاء فيها «أرسل لي خشب أرزٍ وسروٍ وصندلٍ من لبنان، فأنا أعرف أن رجالك ماهرون في قطع خشب الأرز». وجاء في سفْر عزرا «أعطوا فضة للنحاتين والنجارين ومأكلاً ومشرباً للصيدونيين والصوريين كي يأتوا بخشب الأرز من لبنان إلى بحر يافا، حسب إذن قورش ملك فارس». أما في «نشيد الأناشيد»، فيرد شجر الأرز في موقعي الجمال والصلابة في آن واحد، فالعريس في النشيد «طلعته كلبنان رائع كالأرز»، فيما الحبيبان يأنسان إلى مسكن راسخ الأركان، يصفانه بالقول «جوائز بيتنا أرز وروافدنا سرو».

أمين الريحاني

ولعل الصفات الاستثنائية التي جعلت من الأرز موضع إعجاب الأنبياء والملوك في العهد القديم هي نفسها التي جعلته يظهر من جهة أخرى بمظهر الصلف والتشاوف الجالبين للشرور، بحيث جاء في المزمور السابع والثلاثين «رأيت الشرير متعالياً مثل أرز لبنان». كما جاء في سفر حزقيال «يا ابن آدم، قل لفرعون ملك مصر إني أشبّهك بشجرة أرز في لبنان، بهية الأغصان، وارفة الظل، شامخة تُطاول قمتها الغيوم. ولأن فرعون تشامخ وتكبّر، فإن الرب يكسره ويحطم فروعه، لئلا تشمخ شجرةٌ ما، مغروسة على المياه».

إلا أن التهديد بأوخم العواقب، لن يظل في دائرة البشر المستكبرين والشبيهين بالشجرة فحسب، بل سيتعدى ذلك ليطال الشجرة نفسها، وقد طفح بغرورها الكيل. وهو ما بدا واضحاً في المزمور التاسع والعشرين، حيث نقرأ ما حرفيته «صوت الرب عظيم القوة. صوت الرب يكسر الأرز. يكسر الرب أرز لبنان. يجعل لبنان يقفز كالعجل، وحرمون كولد الثور الوحشي». والأرجح أن يسرائيل كاتس، وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي، كان يستند إلى الوعيد التوراتي نفسه، حين عمد قبل أيام إلى التهديد بإحراق لبنان وأرزه، على حد سواء.

سعيد عقل

أما اللبنانيون من جهتهم، فلم يكفوا عن التغني بالشجرة المعمرة، التي رأوا في مواصفاتها النادرة دليلاً آخر على فرادة لبنان، ورأوا في شموخها بعضاً من شموخه. ولأن الشجرة واحدة من الرموز القليلة التي اتفقوا عبر الزمن على الالتفاف حولها، فهم لم يترددوا في جعلها تتوسط علم الكيان الناشئ، ليصبح لونها الأخضر، بما يحمله من دلالات الخصب والنماء، اللون الثالث المضاف إلى بياض الثلوج والقلوب، وإلى احمرار الدماء المراقة على مذبح التحقق.

ولم يكن مستغرباً بالطبع، أن يجعل رشيد نخلة من الشجرة المعمّرة جزءاً من النشيد الوطني اللبناني، وهو الذي يسند ظهره وشعره إلى غابة أرز الباروك، الأمر الذي عكسه قوله في النشيد «إسمهُ عزّهُ، منذ كان الجدودْ، مجدهُ أرزهُ، رمزه للخلودْ». على أن نخلة لم يكتف من الأرز بهذه الإشارة المهمة التي يرددها ملايين اللبنانيين منذ أجيال، بل أفرد له قصائد ومنظومات عدة، كان من أكثرها حرارة وصدقاً قوله أثناء إبعاده القسري إلى فلسطين، عند نهايات الحقبة العثمانية:

تلفَّتُ من عليا فلسطين أبتغي

سواحلَ أرض الأرز والهضباتِ

فقلتُ لنفسي تلكُمُ الدار دارهم

رفاقي، وأهلي عنها ولِداتي

فهل حفروا قبري بمنْبت أرزها

ولفُّوا بخضراء الغصون رفاتي

إذا طاب موتي بعد يأسٍ وغربةٍ

وإن رقصتْ فوق الضريح عِدَاتي

اللافت أن رغبة الشاعر في أن يتحول خشب الأرز إلى نعش له، وترابه إلى مثوى، قد سرت لدى الكثير من شعراء لبنان مسرى النار في الهشيم، وتكررت عند غير مشتغل بالأدب والفن، وبينها قول داود عمون، البرلماني والحقوقي والشاعر اللبناني المعروف، وقد اضطرته الظروف القاهرة للابتعاد طويلاً عن وطنه الأم:

يا بني أمي إذا حضرتْ ساعتي

والطبُّ أسلَمَني

فاجعلوا في الأرز مقبرتي

وخذوا من ثلجه كفني

والواقع أن كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين، بخاصة في الفترة التي أعقبت ولادة دولة لبنان الكبير، لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام. لا بل إن التغزل بالأرز وصفاته ودلالاته الموحية، بات جزءاً لا يتجزأ من الصورة الزاهية التي رسمها للبنان، عشرات الشعراء والكتاب الذين اصطلح على وضعهم في خانة «المدرسة اللبنانية في الأدب». وإذا كان قد أطلق على شبلي الملاط لقب «شاعر الأرز»، فإن سعيد عقل رغم ذلك، هو الذي يستحق تلك التسمية، باعتباره أحد أكثر الشعراء الذين خصوا لبنان وجباله وأرزه بعشرات القصائد والمقطوعات، وبينها بيتاه الشهيران:

أهلي، ويغلون، يغدو الموت لعبتهم إذا تطلّع صوب السفح عقْبانُ

من حفنةٍ وشذى أرزٍ كفايتهمْ زنودهم، إن تَقلَّ الأرضُ، أوطانُ

وبصرف النظر عن القيمة الإبداعية للقصائد والنصوص المكتوبة في تمجيد الأرز، وقد اتسم بعضها بالوصف السطحي والإنشاء الركيك، فيما حفل بعضها الآخر بالبلاغة العالية والأسلوب المتقن، فقد انفرد المفكر والأديب اللبناني أمين الريحاني بتقديم مقاربة مغايرة لواقع الحال، تختلف تماماً عن المألوف البلاغي أو المدرسي.

كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام

ففي مقالة له بعنوان «الأرز»، كتبها إثر زيارة قام بها إلى غابة بشرّي المعروفة، يستهل صاحب «قلب لبنان» المقالة بالقول: «وصلنا إليك يا أرز لبنان سالمين. ولكن الأمل تدهور من علياه، والخيال طاح عن سماه، والقلب نُكب في إيمانه وهواه، عندما أطللتُ على مجدك المكوّم تحت جفن الجبل»، وصولاً إلى قوله القاسي: «كنت أتخيل الزمان مجسماً في غابات الأرز، فرأيت الأرز مصغراً في كف الزمان».

ومع أن الريحاني ما يلبث لدى توغله في عمق الغابة، أن يصحح الصورة على نحو ما، ليوضح مستدركاً بأن ما يصح على الجبال والسهول والبحار، لا يصح على المعابد والآثار واللوحات، لأن هذه الأخيرة ينبغي معاينتها عن كثب، لكي يمكننا الوقوف على قيمتها الحقيقية، إلا أن ذلك لم يمنعه بالمقابل من الانتقاد الجريء لأسلافه الأقدمين، باعتبار أنهم أسهموا جميعاً في تقزيم غابة الأرز، لتنكمش على نفسها في ركن منعزل من الجبل، فكتب قائلاً «سمعتُ أصوات الفؤوس والمناجل في الغابات، وسمعتُ أصوات المطارق والمناشير في مصانع جبيل، ورأيت خشب الأرز في السفن الحربية التي غزا بها الفرس بلاد الإغريق».

وإذ يغفر الريحاني لأسلافه الفينيقيين قطعهم أشجار الأرز لبناء سفن متينة يمخرون بواسطتها أعالي البحار، بحثاً عن حياة أفضل وتبادلات تجارية رابحة، فإنه لم يغفر لهم تنازلهم عن تلك الأشجار العظيمة لغيرهم من الأمم والشعوب، ممن بنوا بواسطتها هياكل ومعابد وقصوراً باذخة، مقابل حفنات متفاوتة من الأموال. لا بل إن ما أصابه بالذهول، هو أن الأسلاف أنفسهم، هم الذين قدموا للإسكندر المقدوني، الخشب اللازم لبناء الأسطول الضخم، الذي تمكن بواسطته من إسقاط مدنهم الساحلية، واحدة تلو الأخرى. ولم يكن بالأمر المفاجئ تبعاً لذلك، أن يختتم الريحاني نصه المؤثر بالقول «ولكنها التجارة يا بني، التجارة على الدوام، في كل زمان ومكان».


عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
TT

عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

حلّ «يوم العمال العالمي» في مطلع هذا الشهر، كما جرت العادة منذ عقود، وأعادت هذه المناسبة إلى الواجهة أعمالاً فنية متنوّعة تحتفي بشكل أو بآخر بالعمال، وجلّها يعود إلى الأزمنة الحديثة. في الواقع، يحضر العمال بشكل هامشي أو ثانوي في أعمال فنية متعدّدة المصادر تعود إلى الحقبة التي سبقت هذه الأزمنة، وقلّما نجد أثراً فنياً كلاسيكياً خُصّص بشكل أساسي لهم. تبرز في هذا الميدان لوحة من الميراث الفني الأموي، تبدو استثنائية في موضوعها كما في تأليفها المتقن، وتشكّل جزءاً من جداريات قُصير عمرة في بادية الأردن، ويجمع أهل الاختصاص على القول بأنّها تُمثّل العمّال الذين بنوا هذا القصير.

يجمع قُصير عمرة بين حمّام كبير مؤلّف من ثلاث غرف، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة. تزيّن هذه القاعات جداريّات تجمع بين مواضيع إنشائية متعدّدة، تشكّل أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في مجمل العالم المتوسطي، بأقاليمه الوثنية والمسيحية والإسلامية. يلفّ هذا البرنامج الاستثنائي جدران هذه القاعات، ويمتدّ إلى سقوفها. في هذا السياق، تزين سقف الإيوان الغربي المقوّس شبكة من اثنين وثلاثين مكعباً، رُتّبت في أربعة صفوف متساوية الأبعاد، اشتمل كل صف منها على ثماني لوحات، وفيها يظهر أشخاص في أوضاع مختلفة، تختزل متاع الدنيا بصنوفها المتعدّدة. في المقابل، يتكرّر هذا التأليف على سقف الإيوان الشرقي؛ إذ نقع كذلك على أربعة صفوف متساوية، اشتمل كلّ منها على ثماني لوحات، تمثّل كلّها عمّالاً من أصحاب الحرف المتنوّعة.

تحتلّ هذه الشبكة مساحة السقف المقوّسة، وتتكوّن من جزأين متساويين متعاكسين، يتكوّن كلّ منهما من شريطين من الخانات المكعّبة، يُشكّل كلّ منها لوحة يحدّها إطار خاص بها، كما في الشرائط المصوّرة المعاصرة. تحتاج قراءة هذه الصور بشكل دقيق إلى الرسوم التوثيقية التي تُظهر عناصرها بشكل جليّ، وتتمثّل برسم شامل يعود إلى مطلع القرن الماضي، نُشر في أول بحث علمي كشف عن قصير عمرة، وسلّط الضوء على جدارياته. إلى جانب هذا الرسم، يحضر رسم معاصر نُشر في مجلّد صدر عام 2007، وفيه تحضر تفاصيل كشفت عنها أعمال البحث التي سبقت هذا الإصدار. تواصل استكشاف الموقع في السنوات التالية، وشهد حملة ترميم جديدة شملت هذه الجدارية، وأعادت إليها بريقها الأوّل، كما كشفت عن تفاصيل جديدة ظهرت في لوحاتها بعدما كانت ممحوة.

في الخلاصة، تتكوّن هذه اللوحة من صفين متوازنين من جهة، يقابلهما صفان متوازنان من الجهة الأخرى. خُصّص الصفّ الأسفل من القسم الأول لأعمال البناء، من قطع الحجارة ونقلها على ظهور الجمال، ثم حملها إلى معلّم البناء. وخُصّص الصف الثاني للأعمال المعدنية، من الصهر والطرق، إلى التشذيب والتبريد. في الجهة المعاكسة، خُصّص الصف الأسفل لأعمال القصارة، كما توحي العناصر التصويرية القليلة التي بقيت من هذا الصف الذي تلف وانمحى بشكل كبير. وخُصّص الصف الأعلى لأعمال النجارة، كما يتّضح عند قراءة صوره التي حافظت على أغلب مكوّناتها. يتألّف كل صف من ثماني خانات متساوية. الإطار واحد وجامع، وقوامه خلفيّة تتألف من ثلاثة أقسام أفقية. يحتل القسم الأسفل مساحة كبرى من كل خانة، وهو باللون الأبيض العاجي، وتعلوه مساحة زرقاء، تحدّها مساحة بيضاء. يتشابه العمال من حيث الشكل الخارجي، ويبدو لباسهم واحداً، ويتألف من رداء أبيض بسيط ينسدل حتى الركبتين، مع حزام مجرّد يلتف حول الخصر.

في الصف المكرّس لقطع الحجارة، من اليسار إلى اليمين، يحضر أوّلاً عامل يقف في وضعية نصف جانبية، حاملاً أداة طويلة تبدو أشبه بمسطرة للقياس. ثم يحضر في الخانة الثانية عامل يحمل أداة مغايرة، تبدو أشبه بمطرقة ثاقبة طويلة. ويحضر في الخانة الثالثة عامل يحمل ما يُعرف بأداة الكُوس التي تُستخدم لتحديد الزوايا. في الخانات الثلاث التالية، يظهر عامل يرفع حجارة فوق ظهر جمل، ثم يظهر هذا الجمل وهو يجر هذه الحمولة، ويظهر العامل وهو يقود هذا الجمل في خانة مستقلّة. في الخانة السابعة، يحلّ عاملان ينقلان حجراً ثُبّت على رافعة، وفي الثامنة، يظهر عامل بين واجهتين صغيرتين متوازيتين.

في الصف المكرّس للأعمال المعدنية، يظهر أولاً حداد وسط مسبك، ثم حداد يطرق سنداناً، ثم حداد يرفع مطرقة، ومن بعده حرفي ينشغل بالعمل على خشبة مثبّتة على حاملتين مثلّثتين. في الخانة الخامسة، يظهر حِرفي آخر يسقي الحديد في حوض على الأرجح، وفي السادسة، يظهر حِرفي جالساً أمام حوض مشابه. تتصل الخانة السابعة بالخانة الأخيرة، حيث يواجه حرفياً زميلاً يتوجه نحوه رافعاً ذراعيه في اتجاهه.

الصف المخصص لأعمال القصارة تلف بشكل كبير، وبدا ممحواً في مطلع القرن الماضي، غير أن بعض ملامحه اتّضحت في زمننا. في وسط هذا الشريط، يظهر مشهد تحميل دابة، ويحضر في تأليف يشابه التأليف المعتمد في الصف المكرّس لقطع الحجارة، وفيه يحلّ حمار مكان الجمل، كما كشفت أعمال الترميم الحديثة العهد. في المقابل، حافظ الصف المخصّص لأعمال النجارة على ست من خاناته الثماني. ضاعت الخانة الأولى، كما ضاعت الخانة الأخيرة، وظهر في الخانة الثانية نجاران ينشران لوحاً خشبياً، وفي الثالثة نجار يعمل على لوح آخر، وفي الرابعة حرفي يحمل مطرقة، وفي الخامسة حرفي يقف رافعاً خشبة بين يديه، وفي السادسة حرفي يجلس أرضاً حاملاً كذلك مطرقة. انمحت الخانة السابعة بشكل كبير، وما بقي منها يكشف عن حرفي يعمل في منشرة على الأرجح.

يطغى على هذه الجدارية البديعة الأسلوب الروماني، وهو الأسلوب الذي يغلب على مجمل جداريات قُصير عمرة. يستعيد هذا التأليف العديد من العناصر التي تعود إلى هذا الطراز، غير أنه يجمعها في قالب كُرس بأكمله للعمّال الذين قاموا بتشييد الموقع وتزيينه، من البنائين إلى النجارين مروراً بالحدادين والمقصّرين، ممّا يجعل منه لوحة استثنائية تتميّز بموضوعها، وتلمع بثراء صورها المتقنة.


الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش
TT

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

في الظاهر، يبدو محورُ رواية «فورور» للكاتب العراقي نزار عبد الستار (هاشيت أنطوان/ دار نوفل) مشلحاً من الفرو، ورجلاً لا يزال طفلاً يبحث عن رائحة والدته في هذا الفورور.

ولعل المحطة الأبرز لهذا الفورور هي عندما حطّ رحاله على كتفي الممثلة المصرية الفاتنة مريم فخر الدين حين مثلت مع العندليب عبد الحليم حافظ في فيلم «حكاية حب» حيث أدّى أغنيته الشهيرة «بتلوموني ليه» (عُرض الفيلم في 1959).

تنهض الرواية برمتها على هذه التفصيلة. يروي عبد الستار في روايته، أن مريم فخر الدين استعارت هذا المشلح من المونولوجيست العراقية «وحيدة جميل»؛ (وهذا من مخيلة الكاتب)، لترتديه في الفيلم. و«وحيدة» لم تتلقَّ في حياتها هدية أقيم من هذا المشلح الذي أهداها إياه وزير دفاع الاتحاد السوفياتي السابق عندما كان في زيارة إلى بغداد بخمسينات القرن الماضي. ولهذا كانت متعلقة بفورورها... فيما «صابر عفيف»، هذا الرجل/ الطفل كان متعلقاً بتلابيب فستان والدته.

في خضم الزحمة، ضاع مشلح الشنشيلا، لكنه سيظهر لاحقاً في أوساط طبقة المشاهير والأثرياء، قبل أن يستقر على كتف الشهبانو فرح ديبا بلهوي، لدى لجوئها مع زوجها إلى القاهرة عقب الثورة الإسلامية في إيران. وبعد علم «صابر» بذلك، اتصل تليفونياً بسكرتير الشهبانو مطالباً باستعادة الفورور. وهو اتصال سيكلّفه عمله في دار «كريستيز»، التي ستستغلّ هذا الخطأ الذي اقترفه «صابر» لطرده من العمل، والاستحواذ على الفورور.

أضاعت «وحيدة» الفورور.. وخسرت ابنها «صابر» حين انتقلت حضانته إلى عمه بعد إعدام والده، ثم تلاشى حلمها في الحصول على لحن من فريد الأطرش، قبل أن تموت كدراً في لبنان.

هذه هي قصة «الفورور» باختصار. وقد يبدو البحث عن المشلح أشبه بسردية تشويقية تحاكي الحبكات البوليسية. لكن الرواية ليست كذلك.

الفورور هو فقط ذريعة ليخلق لنا صاحب رواية «يوليانا» خطين سرديين، الأول مُغرق في رومانسية مشرقية («وحيدة» وبحثها عن الشهرة)، والثاني يكشف عن برودة المؤسسات الرأسمالية الغربية («كريستيز» و«سوذبيز» وغيرهما من دور المزادات العريقة).

سنقرأ في رواية «فورور» عن الفن بأشكاله: الغناء والعزف والتمثيل.. وأيضاً الرسم. وسنجد في الرواية؛ إلى جانب عبد الحليم ومريم فخر الدين، فريد الأطرش وفيلمون وهبة... وفنانين تشكيليين مثل حافظ الدروبي ولوحته المشهورة «باعة البطيخ»، ويوهان غونتر ولوحته «يد الخريف». وسننتقل من بلد إلى آخر مع «وحيدة» وابنها ومشلحها البيج، بين العراق ومصر ولبنان ولندن.

لكننا نقرأ أكثر عن كيفية صناعة النجوم في كواليس تجارة الفنّ ودنيا المال والحياة المخمليَّة، وكيفية إبرام الصفقات في دار «كريستيز» وطرقها في الحصول على اللوحات المهمة والتلاعب بأسعارها لبيعها بأثمان خيالية، عبر أساليب ملتوية تعتمدها هذه الدار وغيرها لتحقيق مكاسب لا علاقة لها بالمبادئ أو القيم الفنية. وهكذا يصبح «صابر»؛ ذلك الوسيط البسيط الذي يزوّد «كريستيز» بلوحات مهمة، شخصاً لا بد من الاستغناء عنه، لكي تتمكن الدار من الاستيلاء على الفورور الشنشيلا وأيضاً على كَمَان خاص بخالته «بدرية» عازفة الكمان المشهورة.

في الصفحة الـ73 من الرواية، يقول «الطفل صابر»: «وأنا في القاهرة كنت غير ذلك الشاب الذي حضر حفلة فريد الأطرش بمدرج لبنان في عالية. لا أملك الفضول؛ وإنما الشعور بالأسى... شيء يشبه عاطفة إطعام القطط والعصافير، والشيء الوحيد الذي رافقني هناك هو أن (وحيدة جميل) ضاعت وسط هذا العالم». أما في الصفحة الـ110، فنرى «الرجل صابر» الذي ينازع من أجل هويته... «سيلين (حبيبته) تخبرني الكثير عن نفسي، وتعرف كيف تسترجع كل ما سلبته (كريستيز) مني».

تتخيّل هذه الرواية، كما يقول الناشر، «ما لم يحدث، وما كان يُفترض به أنْ يحدث»، وهي تصوّراتٌ يتخلّلها الحبّ الجارف في زمنٍ لم يكن كاملَ الجمال، لكنَّه باهرٌ ويستحقّ أنْ يُسردَ.

إنها رواية متعددة الطبقات، فهي رواية الحنين في مقابل التوحش، والبحث عن الدفء مقابل برودة العالم الرأسمالي، ورواية رجل هو في الحقيقة لا يزال طفلاً في أعماقه، يمتهن بيع الفن في مزادات عالمية باردة تقيس القيم بالأرقام، لا بالقيمة الجمالية للفن.

و«فورور» هي الرواية الرابعة للقاصّ والروائي العراقي نزار عبد الستّار بعد «يوليانا» (2016)، و«ترتر» (2018)، و«مسيو داك» (2020).

* صحافي وكاتب سعودي