الديمقراطية الهولندية أمام اختبار التطرف

فيلدرز المعادي للمسلمين يراهن على «المنطق» لاستعادة الوطن

الديمقراطية الهولندية أمام اختبار التطرف
TT

الديمقراطية الهولندية أمام اختبار التطرف

الديمقراطية الهولندية أمام اختبار التطرف

لم يصبر النائب الهولندي اليميني المتطرف المعادي للمسلمين خيرت فيلدرز طويلاً. وبدلا من أن يركز في البداية على أهم الخطوات التي سيقوم بها في قضايا الأمن والاقتصاد أو غيرها، بدأ حملته الانتخابية بتصريحات اعتاد المهاجرون في هولندا - وخاصة المسلمين منهم - على سماعها، وعندما أثارت غضب هؤلاء، لجأوا مرارًا إلى القضاء الهولندي. بيد أن مثل هذه التصريحات كانت تلقى صدى إيجابيًا لدى بعض الهولنديين، بل وساعدت في احتلال فيلدرز مقدمة استطلاعات الرأي منذ أشهر.
لقد بادر خيرت فيلدرز، الزعيم الهولندي اليميني المتطرف، في أول أيام حملته للانتخابات البرلمانية الهولندية المقرّرة يوم 15 مارس (آذار) المقبل، إلى شن هجوم مقذع عنصري الروح على من وصفهم بـ«الرعاع المغاربة»، مضيفًا أنه يريد تخليص البلاد منهم «لإعادتها إلى الشعب الهولندي».
بعدها استدرك فيلدرز، الذي يتصدر وفق استطلاعات الرأي، القوى المتنافسة في الانتخابات، وتابع أمام جمع من سكان بلدة سبيكينيسي، جنوب مدينة روتردام – ميناء هولندا الأول – «طبعًا، المغاربة في هولندا ليسوا كلهم حثالة، لكن كثيرين منهم كذلك، وهم يجعلون طرقاتنا أخطر، وخاصة الشباب منهم، ويجب أن يتغير ذلك».
وواصل النائب والسياسي المتطرف تحريضه العنصري: «إذا أردتم استعادة بلدكم، وإذا أردتم أن تكون هولندا وطنًا للهولنديين، بلدكم، عليكم أن تصوّتوا لحزب الحرية (الحزب المتطرف الذي يتزعمه)». وبالفعل، تشير آخر استطلاعات الرأي إلى أن حزب فيلدرز يمكن أن يفوز بما بين 24 إلى 28 مقعدا في البرلمان الجديد، متقدما بمقعدين أو أربعة عن الحزب الليبرالي الحاكم حاليًا بزعامة رئيس الحكومة مارك روتي. وهنا نشير إلى أن البرلمان الهولندي يضم 150 مقعدا.

رأي نائب عربي مسلم
وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، قال أحمد مركوش، النائب في البرلمان الهولندي عن حزب العمل (اشتراكي)، وهو من أصول مغربية: «على الرغم من أن حظوظ حزب العمل سيئة، فإنني متفائل». وأردف مركوش: «أنا متفائل لأن الاستطلاعات خلال دورتين انتخابيتين كانت تضعنا في وضع غير مريح، ولكن بما أن كثرة من المواطنين يحسمون أمر خياراتهم الانتخابية في آخر لخطة، أعتقد أن بإمكاننا صنع المفاجأة مرة أخرى كما في السابق».
ويرى مركوش أن وجود حزبه – الذي يمثل يسار الوسط – «ضروري في الخريطة السياسية لإعطاء الضعفاء والفقراء المكانة التي يستحقونها كمواطنين... بناء على قبة التضامن والتكافل الاجتماعي، بعكس الأحزاب الأخرى التي تركز في شعاراتها السياسية على محورية الفرد في المجتمع»، منوهًا بأن حزبه يدعو إلى الاستقرار السياسي والاجتماعي بهدف ضمان استقرار الدولة وتحقيق الرخاء والازدهار.
وعن موقع اليسار في هولندا، خلال الفترة الحالية، أوضح مركوش: «إن العالم كله يشهد تراجعًا في قوة اليسار أمام تقدم اليمين، ولكن مع ذلك فالتفاؤل هو شعار المرحلة بكل ما فيها من سلبيات وإيجابيات. ولنا في التجربة الألمانية دروس يجب الأخذ بها. أما عن التطرّف الذي يقوده خيرت فيلدرز، فهو يعمل على الإساءة إلى هولندا من خلال تمرير خطابات حاقدة قائمة على كراهية المهاجرين والمسلمين معًا». واستطرد: «حزب فيلدرز لا يقدم حلولا للمشكلات الراهنة، بل العكس صحيح، إذ إنه ينتج الخبث من خلال سمومه العنصرية لكون زعيمه زعيمًا فاشلاً لا يستطيع قيادة البلاد ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية، ولذا يعمل على تشتيت المجتمع الهولندي... ما يفوت علينا الاستقرار الذي يفضي إلى الرفاهية والتعايش لجميع المواطنين رغم اختلاف دياناتهم وقناعاتهم». وفي ختام لقائنا معه قال مركوش: «أنا ولدت وتربيت وعشت مسلمًا، وسأظل مسلمًا... أحب من أحب وكره من كره».
وهنا نشير إلى أن فيلدرز يطالب بإغلاق المساجد وتكليف الشرطة الهولندية بمنع القرآن. وحقًا، سبق له أن مثل أمام المحاكم الهولندية غير مرة. وفي مستهل حملته الانتخابية الحالية للبرلمان، ناشد الناخبين قائلا: «أرجوكم، أعيدوا هولندا إلينا!»، على وقع هتافات جمع من مناصريه المتطرفين. وعلى سؤال حول «هوية» ناخبيه، أجاب فيلدرز: «كل هولندي يتحلى بالمنطق. ولحسن الحظ يتحلى كثيرون لدينا بمنطق سليم». ثم أضاف: «إن الهولنديين الذين يريدون استعادة بلدهم سيصوتون لنا أيًا كان مستوى تعليمهم أو خلفيتهم».

منع القرآن وإغلاق المساجد
من ناحية أخرى، تجدر الإشارة إلى أن النائب فيلدرز الذي وعد بمنع القرآن وإغلاق المساجد في حال تم انتخابه، كان قد أدين بالتمييز العنصري العام الماضي بسبب تعليقات مشابهة أدلى بها بشأن المغاربة في هولندا، إلا أن تعهده بالعمل من أجل وجود «عدد أقل من المغاربة» في هولندا يلقى أصداء مؤيدة لدى الناخبين التقليديين القلقين من الهجرة والهجمات الإرهابية التي ضربت أوروبا خلال السنوات الأخيرة.
عودة إلى بلدة سبيكينيسي، حيث تباينت ردود الفعل على خطاب فيلدرز، الذي وقف لمصافحة أنصاره والتقاط صور معهم في ساحة البلدة التي شهدت بعد مغادرته نقاشات غاضبة بين أنصاره ومعارضيه. وقال أحد أنصاره واسمه داني (59 سنة): «سنصوت جميعنا لصالح فيلدرز هذا العام... فالطرق لم تعد آمنة، خصوصًا في المدن الكبيرة». وقال بيتر كامرلينغ (40 سنة)، وهو أحد منظمي الحزب اليميني في المنطقة: «نعم، سنحرّر هذا البلد... فبروكسل (في إشارة إلى الاتحاد الأوروبي) تملك مفتاح ديارنا وسنسترجعه. خيرت سيحرص على ذلك». وفي هذه الأثناء، تجوّل النائب اليميني في المكان وسط وجود كثيف للشرطة. وفي هذا السياق، كان فيلدرز قد تلقّى تهديدات بالقتل من أطراف عدة، بينها جماعات متشددة ترفع لواء الإسلام، وهو ما دفع السلطات إلى توفير حراسة مشددة له على مدار الساعة، حتى بات يعرف بـ«الرجل الأكثر حماية في هولندا».
في الجهة المقابلة، رأى ثيو دو بوير (50 سنة) المناوئ لتيار العنصرية والتطرف، أن «فيلدرز يثير انقسامًا حادًا بين الناس، ويمارس التمييز... أنا لا أتفق معه على الإطلاق، لدينا دستور والحرية الدينية هي إحدى أهم ركائزه». وبين الجانبين بدا البعض حائرًا ومرتبكًا إزاء تقييم الزعيم اليميني المتطرف، مثل بائعة الأسماك ماريان سلورينك (60 سنة) التي علّقت قائلة: «خيرت يجرؤ على قول ما يكنه عدد من الهولنديين، وهذا مفيد، لكنه يثير كثيرا من الكراهية ولا يطرح حلاً فعليًا». وأردفت: «فرص وصوله إلى الحكم ضعيفة، ولا أحد يريد ذلك حقًا».

عقد تحالفات
على صعيد استراتيجية فيلدرز بعد الانتخابات، صرح النائب مارتن بوسما، الذي يعتبر أهم مساعدي الزعيم المتطرف، بأن حزبه سيسعى إلى عقد تحالفات إذا ما فاز في الانتخابات، لكنه أقر بصعوبة ذلك، نظرا إلى رفض أغلبية الأحزاب الهولندية الكبرى، وبينها حزب رئيس الوزراء، التعاون مع حزبه منذ إدلاء فيلدرز تصريحاته بشأن المغاربة وإدانته قضائيًا.
وخلال لقاء مع «الشرق الأوسط» قال الباحث نور الدين العمراني، المتخصص في شؤون الأقليات في هولندا: «تتوقع الأوساط الإعلامية والسياسية فوز حزب الحرية بزعامة اليميني المتطرف خيرت فيلدرز بالاستحقاقات النيابية التي تجرى يوم 15 مارس المقبل. والتكهنات تتوقع حصول الحزب المذكور على أكثر من 30 مقعدًا، وهذا يعني حصوله على المرتبة الأولى على الرغم من التردد الذي يجري التحدث عنه لدى الناخبين الذين عادة ما يغيروا مواقفهم في اللحظات الأخيرة قبل التصويت. والاستطلاعات تشير إلى تقدم اليمين واليمين المتطرف، مع تقدم أيضًا للأحزاب اليسارية غير الممثلة في التحالف الحكومي، كحزب اليسار الأخضر الذي يقوده يسه كلافر (من أصول مغربية) والحزب الاشتراكي وحزب الوسط - الديمقراطيون 66».
وأضاف العمراني: «أما حزب العمل المشهود له بتاريخه النضالي إلى جانب الفئات المهمشة والمهاجرين، فإنه مهدد بهزيمة نكراء، وكل التوقعات تؤشر إلى فقدانه عدة مقاعد، خاصة أنه خلال الانتخابات البلدية السابقة مني بهزائم قاسية بعدما تمكنت أحزاب شعبوية وأخرى صغيرة من التقدم عليه وإبعاده من خريطة العمل والتسيير في كبريات المدن الهولندية (لاهاي وروتردام وأمستردام)». ووفق العمراني: «من المنتظر أن يتلقى حزب العمل مزيدًا من الضربات، خاصة أن للشعب الهولندي مزاجية خاصة في التصويت واختيار مرشحيه. كما أن المواطنين يتأثرون بالبرامج الإعلامية ولا تهمهم البرامج السياسية للأحزاب، وعادة ما يلجأون إلى العقاب في اختيار الأحزاب التي يجري التصويت عليها. وبما أن هولندا لا تشذ عن حقيقة التطورات السياسية العالمية، لا سيما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية التي انتهت بفوز دونالد ترمب، فإن خيرت فيلدرز سيستفيد من هكذا وضع في أميركا، وأيضًا في فرنسا وبلجيكا بعد الهجمات الإرهابية التي وقعت هناك، ليوظفها لتخويف المواطنين من خطر «أسلمة أوروبا»... ولذا نجده في كل خطاباته السياسية يدعو صراحة إلى إغلاق الحدود وإغلاق المساجد. بل ووصلت به الحماقة السياسية والتهوّر إلى ضرورة منع القرآن ونقله، على غرار منع كتاب «كفاحي» للزعيم الألماني النازي أدولف هتلر. وهكذا يتغذى الإسلاموفوبي من المستنقع ليشن حملاته القائمة على الحقد والكراهية.
ويختتم الباحث المغربي الأصل بالقول: «لكن فوز هذا الحزب المتطرف لا يعني بالضرورة توليه السلطة عبر رئاسة الحكومة. ذلك أنه ملزم بالبحث عن حلفاء له لتشكيل الحكومة، وهذا مستبعد جدًا، خاصة أن غالبية الأحزاب التقليدية منها أو المعارضة لا تثق ببرامج هذا الحزب... الذي ولد فاشلاً وفاقدًا للرؤى السياسية الاقتصادية والاجتماعية. وما زال الكل يتذكر سقوط الحكومة التي كان وراءها خيرت فيلدرز عندما فشل في مسايرة الحزب الليبرالي الذي انشق عنه».

التأثر والتأثير الخارجيان
على أي حال، حسب كثير من المراقبين، فإنه في حال فوز فيلدرز سيحسّن فوز كهذا فرص حلفائه العقائديين في فرنسا وألمانيا حيث ستجرى انتخابات مهمة. ويرى البعض أنه لا يمكن الاعتماد على استطلاعات الرأي، بينما يقول آخرون إن مؤيدي حزب الحرية المتطرف بين الناخبين البالغ عددهم 12.6 مليون شخص، يخفون تعاطفهم معه. ولكن في الأسابيع الأخيرة، نجح حزب الشعب للحرية والديمقراطية، الذي يقوده رئيس الحكومة الليبرالي مارك روتي، في تقليص الفارق بينه وبين حزب الحرية؛ إذ أشار آخر استطلاع للرأي إلى أن حزب روتي سيشغل 24 مقعدا في البرلمان مقابل 30 لحزب فيلدرز.
وعلى صعيد المحللين، يرى موريس دي هوند، الذي يجري استطلاعات للرأي، أن فوز دونالد ترمب في أميركا أعطى دفعا لحزب الحرية، لكن الاستطلاع يشير إلى أن 25 في المائة من ناخبيه ردوا سلبا على الإجراءات التي اتخذها الرئيس الأميركي. ومن جهته، قال غيرتن فالينغ، الخبير في الشؤون السياسية بجامعة «لايدن»، إن فيلدرز يعمل في السياسة منذ 20 سنة «لكن عددًا متزايدًا من الناخبين يريدون الآن بالذات التصويت له لأنهم لا يرون تغييرات كافية». وبالفعل، في فولندام، معقل النائب المتطرف الذي يطلق باستمرار تصريحات نارية، عبّر سيمن كابر (70 سنة) عن الرأي نفسه، إذ قال إن «الساسة لا يصغون للناس. هؤلاء الناس ليسوا عنصريين، لكنهم يريدون أشياء مختلفة».
وفي ظل توقع إخفاق مسعى الحزب المتطرف للحصول على المقاعد الـ76 الضرورية لنيل الغالبية في مجلس النواب الذي يضم 150 مقعدًا، كما يحدث في كل انتخابات، سيكون على الأحزاب التفاوض لأسابيع؛ إن لم يكن لأشهر، بغية تشكيل تحالف حاكم. وهنا يرى فالينغ أن «لا أحد يريد أن يحكم مع فيلدرز، ولن يكون قادرا أبدا على الحصول على غالبية... لذلك سيكون حزبا معارضًا قوي التأثير». وما يذكر في هذا المجال أن روتي الذي كان قد تحالف مع فيلدرز عام 2010 وعد بالامتناع عن العمل مع من يريد إغلاق مساجد البلاد وأدين بالتمييز العام الماضي بسبب تعليقات أدلى بها حول المغاربة. وفي محاولة لجذب مؤيدي الزعيم المتطرف، صعّد روتي اللهجة حول الهجرة في رسالة مفتوحة دعا فيها المهاجرين الذين لا يحترمون القيم الهولندية إلى مغادرة البلاد. ومع ذلك، أصر فيلدرز في مقابلة على أنه لا يمكن تجاهل حزبه.

فيلدرز «الظاهرة»... إعلاميًا وقضائيًا
* قبل نهاية عام 2016 بأيام، اختير النائب الهولندي اليميني المتطرف خيرت فيلدرز «رجل العام» في هولندا في ختام استطلاع تلفزيوني (على التلفزيون الرسمي «إن بي أو وان»)، في حين حل حزبه، حزب الحرية، في الطليعة حسب استطلاعات الرأي وحصل فيلدرز على 26 في المائة من نحو 40 ألف صوت.
تلك كانت المرة الرابعة التي يفوز فيها باللقب خلال هذا الاستطلاع. إذ سبق له أن اختير «رجل العام» بين السياسيين خلال أعوام 2010 و2013 و2015، وعلى الأثر كتب فيلدرز تغريدة على حسابه قال فيها: «أشكر الهولنديين الذين انتخبوني رجل العام بين السياسيين لعام 2016».
ولكن، في مطلع العام الجاري اعتبرت محكمة هولندية فيلدرز مذنبًا في ملف إهانة أقلية مسلمة – هي المغاربة – استهدفها بتصريحاته في مارس 2014. بيد أن القاضي لم يصدر أي عقوبة مع منحه الحق في التقدم بطلب للاستئناف ضد الحكم في غضون أسبوعين. ويومها اعتبر القاضي أن فيلدرز مذنب بالتحريض على التمييز، عندما دعا إلى وجود أعداد أقل من المغاربة في هولندا، لكنه غير مذنب فيما يتعلق بالدعوة إلى الكراهية. كذلك اعتبر القاضي أن تصريحات فيلدرز لا تأتي في إطار حرية التعبير، بل أساء إلى مجموعة من الأشخاص، ولذا تعتبر تصريحاته دعوة إلى التمييز.
وفي رد فعل على القرار قال جان كنوبس، محامي فيلدرز، إنه تلقى من موكله ما يفيد بموافقته على الاستئناف ضد القرار. وأضاف المحامي أن موكله يرى أن قرار المحكمة يعتبر خسارة للديمقراطية وحرية التعبير. وفي تغريدة له على «تويتر» وصف فيلدرز قرار المحكمة بأنه «قرار مجنون صدر بإدانته هو ونصف الشعب الهولندي من جانب ثلاثة قضاة يكرهون حزب الحرية».
ويذكر أنه قبل النطق بالحكم قال فيلدرز: «مهما يكن قرار المحكمة، لن أتوقف عن قول الحقيقة حول مشكلة المغاربة، ولن يستطيع القضاء ولا السياسية ولا الإرهاب أن يمنعوني». أما القاضي فقال – أيضًا قبل النطق بالحكم - إن العامل الأساسي الوحيد للتعامل مع هذه القضية هو القانون، أما الآراء الشخصية فليس لها أي دور. وأضاف القاضي: «حرية التعبير للسياسيين مرتبطة أيضا بالقانون، وخيرت فيلدرز ليس فوق القانون. وبالتالي، فالأمر لا يتعلق باتجاه سياسي».



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.